وَإنْ رَمَى صَيدًا، فَغَابَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ غَيرَ سَهْمِهِ، حَلَّ. وَعَنْهُ، إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحُ مُوحِيَةً، حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا. وَعَنْهُ، إنْ وَجَدَهُ في يَوْمِهِ، حَلَّ، وَإلَّا فَلَا. وَإنْ وَجَدَ بِهِ غَيرَ أَثَرِ سَهْمِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أعَانَ عَلَى قَتْلِهِ، لَمْ يُبَحْ.
ــ
الاحْتِرازُ عن سُقُوطِه عليه، فوجَبَ أن يَحِلَّ، كما لو أصابَ الصَّيدَ فوقَع على جَنْبِه. ويُخالِفُ ما ذكروه، فإنَّ الماءَ يُمْكِنُ التَّحَوُّزُ عنه، بخلافِ الأرضِ.
٤٦٥٩ - مسألة: (وإن رَمَى صَيدًا، فغابَ، ثم وجَدَه مَيِّتًا لا أثَرَ به غَيرَ سَهْمِه، حَلَّ. وعنه، إن كانتِ الجِراحُ مُوحِيَةً، حَلَّ، وإلَّا فلا. وعنه، إن وَجَدَه في يومِه، حَلَّ، وإلَّا فلا. وإن وَجَدَ به غيرَ أثَرِ سَهْمِه ممّا يَحْتَمِلُ أنَّه أعانَ على قَتْلِه، لم يُبَحْ) متى رَمَى صَيدًا، فغابَ عن عَينِه،
стр. 13547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوَجَدَه مَيِّتًا، وسَهْمُه فيه، لا أثَرَ بهْ غيرَه، حَلَّ أكْلُه. هذا المشهورُ عن أحمدَ، وكذلك لو أرْسَلَ كلْبَه على صَيدٍ، فغابَ عن عَينِه، ثم وَجَدَه ميِّتًا ومعه كَلْبُه، حَلَّ. وهذا قولُ الحسنِ، وقَتادَةَ. وعنٍ أحمدَ، إن كانتِ الجِراحَةُ مُوحِيَةً، حَلَّ، وإلَّا فلا؛ لأنَّها إذا كانت مُوحِيَةً، لم يتَأخَّرِ الموتُ عنها، ولم تَجُزْ نِسْبَة الوتِ إلى غيرِها إلَّا بوُجُودِ مِثْلِها أو أوْحَى، بخِلافِ غيرِها. وعنه، إن وجَدَه في يومِه، حَلَّ، وإلَّا فلَا. قال أحمدُ: إن غابَ نهارًا، فلا بأْسَ، وإن غابَ ليلًا، لم يأْكلْه. وعن مالِكٍ كالرِّوايَتَينٍ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه إن غابَ مُدَّةً طويلةً، لم يُبَحْ، وإن كانت يَسِيرَةً، أُبِيحَ. قيل له: إن غابَ يومًا؟ قال: يومٌ كثيرٌ. ووَجْهُ ذلك قولُ ابنِ عباسٍ: إذا رَمَيتَ فأقْعَصْتَ، فكُلْ، وإن رَمَيتَ فوَجَدْتَ فيه سَهْمَك مِن يومِكَ أو ليلتِكَ، فكُلْ، وإن غابَ عنك ليلةً، فلا تأْكُلْ؛ فإنَّك لا
стр. 13548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَدْرِي ما حَدَث فيه (١) بعدَك. وكرِهَ عطاءٌ والثَّوْرِيُّ أكْلَ ما غابَ. وعن أحمدَ مثل ذلك. وللشافعيِّ فيه قولان؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ قال: كُلْ ما أصْمَيتَ، وما أنْمَيتَ فلا تأْكُلْ (٢). قال الحَكَمُ: الإصْماءُ: الإِقْعاصُ -يعني أنَّه يمُوتُ في أكْلِ- والإِنْماءُ أن يَغِيبَ عنك. يعني أنَّه لا يمُوتُ في الحالِ. قال الشاعِرُ (٣):
فَهْوَ لا تَنْمِي رَمِيَّتُه ... ما له لا عُدَّ مِن نَفَرِهْ
وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ إن لم يكُنْ تَرَك. طَلَبَه، وإن تشاغَلَ عنه ثم وَجَدَه، لم يُبَحْ. ولَنا، ما رَوَى عَدِيُّ بنُ حاتِمٍ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إذَا رَمَيتَ الصَّيدَ، فَوَجَدْتَه بَعْدَ يَوْم أو يَوْمَينِ، لَيسَ بِهِ إلا أثَرُ سَهْمِكَ، فَكُلْ، وإن وجَدْتَه غَرِيقًا فِي الماءِ، فَلَا تَأْكُلْ». مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن
стр. 13549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رَجُلًا أتَى (١) النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أفْتِنِي في سَهْمِي. قال: «مَا رَدَّ عَلَيكَ سَهْمُكَ، فَكُلْ». قال: وإنْ تَغَيَّبَ عَنِّي؟ قال: «وإنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ، مَا لَمْ تَجدْ فيه أثَرًا غيرَ سَهْمِكَ، أو تَجِدْه قد صَلَّ (٢)». رَواه أبو داودَ (٣). وعن أبي ثَعْلَبَةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «إذَا رَمَيتَ الصيدَ، فَأدْرَكْتَه بَعْدَ ثَلَاثٍ وسَهْمُكَ فِيهِ، فَكُلْهُ، ما لَمْ يُنْتِنْ» (٤). ولأنَّ جُرْحَه سَبَبُ إباحَتِه، وقد وُجدَ يَقِينًا، والمُعارِضُ له مَشْكوكٌ فيه، فلا نَزُولُ عن اليقينِ بالشَّكِّ، ولَأنَّه وجَدَه وسَهْمُه فيه، ولم يَجِدْ به أثَرًا آخَرَ، فأشْبَهَ ما لو لم يَتْرُكْ طَلَبَه عندَ أبي حنيفةَ، أو كما لو غابَ نهارًا، أو مُدَّةً يَسِيرةً، أو كما لو لم يَغِبْ.
стр. 13550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُشْتَرطُ لحِلِّه شَرْطان؛ أحدُهما، أن يَجِدَ سَهْمَه فيه، أو أثَرَه ويَعْلَمَ أنَّه أثَرُ سَهْمِه؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ كذلك، فهو شَاكُّ في وُجودِ المُبِيحِ، فلا يثْبُتُ بالشَّكِّ. والثاني، أن لا يجدَ به أثَرًا غيرَ أثَرِ سَهْمِه، ممّا يَحْتَمِلُ أنَّه أعانَ على قَتْلِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «ما لَمْ تَجِدْ فِيهِ أثَرًا غَيرَ سَهْمِكَ». وفي لفظٍ: «إنْ وَجَدْتَ فِيهِ أثَرًا غَيرَ سَهْمِكَ، فَلَا تَأْكُلْه، فإنَّكَ لَا تَدْرِي، أقَتَلْتَهُ أنْتَ أو غيرُك». رَواه الدّارَقُطْنِيُّ (١). وفي لفْظٍ: «إذَا وَجَدْتَ فِيهِ سَهْمَكَ، ولَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ سَبُعٌ، فكُلْ مِنْهُ». رَواه النَّسائِي (٢). وفي حديثِ عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «فإنْ رَمَيتَ الصَّيدَ، فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْم أو يَوْمَينِ، لَيسَ بِهِ إلَّا أثَرُ سَهْمِكَ، فكُلْ، وإنْ وَقَعَ في الماءِ، فَلَا تَأْكُلْ». رَواه البخارِيُّ. ولأنَّه إذا وجَدَ به أثَرًا يصلُحُ أن يكونَ قد قَتَلَه، أو أعان على قَتْلِه، فقد تحَقَّقَ المُعارِضُ، فلم يُبَحْ، كما لو وجد مع كَلْبِه كلْبًا سِواهُ، فأمّا إن كان الأثَرُ ممّا لا يقْتُلُ مثلُه، مِثْلَ أكْلِ حَيَوانٍ ضَعِيفٍ، كالسِّنَّوْرِ والثَّعْلَبِ، مِن حيوانٍ قَويٍّ، فهو مُباحٌ؛ لأنَّ هذا يُعْلَمُ أنَّه لم يَقْتُلْه، فهو كما لو تَهَشَّمَ مِن وَقْعَتِه.
стр. 13551
وَإنْ ضَرَبَهُ، فَأبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، وَبَقِيَتْ فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّةٌ، لَمْ يُبَحْ ما أَبَانَ مِنْهُ، وَإِنْ بَقِيَ مُعَلَّقًا بِجِلْدِهِ، حَلَّ، وَإنْ أَبَانهُ وَمَاتَ في الْحَالِ، حَلَّ الْجَمِيعُ. وَعَنْهُ، لَا يُبَاحُ مَا أَبَانَ مِنْهُ.
ــ
٤٦٦٠ - مسألة: (وإن ضَرَبَه، فأبانَ منهُ عُضْوًا وبقِيَتْ فيه حياةٌ مُسْتَقِرَّة، لم يُبَحْ ما أَبانَ منه، وإن بَقِيَ مُعَلَّقًا بجِلْدِهِ، حَلَّ، وإن أبانَه ومات في الحالِ، حَلَّ الجَمِيعُ. وعنه، لا يُباحُ ما أبانَ منه) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا رَمَى صَيدًا، أو ضَرَبَه، فأبانَ منه بعْضَه، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن يَقْطَعَه قِطْعَتَين، أو يَقْطَعَ رأْسَه، فيَحِلُّ جميعُه، سواءٌ كانتِ القِطْعتان مُتساويَتَين أو مُتَفاوتَتَين. وبهذا قال الشافِعِيُّ. ورُوِيَ ذلك عن عِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ. وقال أبو حنيفةَ: إن كانَتا مُتَساويَتَين، أو التي مع الرَّأْسِ أقَلَّ، حَلَّتا، وإن كانتِ
стр. 13552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأُخْرَى أقَلَّ، لم تَحِلَّ، وحَلّ الرَّأْسُ وما مَعَه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ما أُبِينَ مِنْ حَيٍّ، فهو مَيِّتٌ» (١). ولَنا، أنَّه جُزْءٌ لا تَبْقَى الحياةُ مع فَقْدِه، فأُبِيحَ، كما لو تَساوَتِ القِطْعَتان. الثاني، أنْ يَبِينَ منه عُضْوٌ، وتَبْقَى فيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فالبائِنُ مُحَرَّمٌ بكُلِّ حالٍ، سواءٌ بَقِيَ الحيوانُ حَيًّا، أو أدْرَكَه فذَكَّاه، أو رَماهُ بسَهْمٍ آخَرَ فقَتَلَه، إلَّا أنَّه إن ذكَّاه حَلَّ بكُلِّ حالٍ دونَ ما أبانَ منه. وإن ضَرَبَه في غيرِ مَذْبَحِه فقَتَلَه، نَظرتَ؛ فإن لم يكُنْ أثْبَتَه بالضَّرْبَةِ الأُولَى، حَلَّ دونَ ما أبانَ منه، وإن كان أثْبَتَه، لم يَحِلَّ شيءٌ منه؛ لأنَّ ذَكاةَ المقْدُورِ عليه (٢) في الحَلْقِ واللَّبَّةَ. الثالثُ، أبانَ منه عُضْوًا، ولم تَبْقَ فيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، ففيها رِوايتان؛ أشْهَرُهُما عن أحمدَ، إباحَتُهما (٣). قال أحمدُ: إنَّما حديثُ النبيِّ ﷺ : «مَا قَطَعْتَ مِنَ الحَيِّ مَيتَةٌ». إذا قُطِعَت وهي حَيَّةٌ تَمْشِي وتَذْهَبُ، أمّا إذا كانتِ البَينُونَةُ والموتُ
стр. 13553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جميعًا، أو بعدَه بقليلٍ، إذا كان في عِلاجِ الموتِ، فلا بَأْسَ به، ألَا تَرَى الذي يُذْبَحُ رُبَّما مَكَث ساعةً، ورُبَّما مَشَى حتى يموتَ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وعَطاءٍ، والحسنِ. وقال قَتادَةُ، وإبراهيمُ، وعِكْرِمَةُ: إن وَقَعا معًا أكَلَهُما، وإن مَشَى بعدَ قَطْعِ العُضْو أكَلَه، ولم يأْكُلِ العُضْوَ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يُباحُ ما أبانَ منه. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ، فهو مَيِّتٌ». ولأنَّ هذه البَينُونَةَ لا تَمْنعُ بقاءَ الحيوانِ في العادَةِ، فلم يُبَحْ أكلُ البائِنِ، كما لو أدْرَكَه الصَّيّادُ وفيه حَياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ. والأُولَى المشهورةُ؛ لأنَّ ما كان ذَكاةً لبعضِ الحيوانِ، كان ذَكاةً لجَمِيعِه، كما لو قَدَّه نِصْفين، والخَبَرُ يقْتَضِي أن يكونَ الباقِي حَيًّا، حتى يكونَ المُنْفَصِلُ منه مَيِّتًا، وكذا نقولُ. قال: (وإن بَقِيَ مُعَلَّقًا بجِلْدِه، حَلَّ) رِوايَةً واحدةً. ذكَرَه أبو الخطّابِ؛ لأنَّه لم يَبِنْ.
فصل: قال أحمدُ: ثَنا هُشَيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، أنَّه كان لا يَرَى بالطَّرِيدَةِ بأْسًا، كان المسلمون يفْعَلُون ذلك في مَغازِيهم. واسْتَحْسَنه أبو عبدِ اللهِ. قال: والطرِيدَةُ الصيدُ يقَعُ بينَ القوْمِ، فيقطَعُ ذامنه بسَيفِه قِطْعَةً، ويقْطَعُ الآخَرُ أيضًا، حتى يُؤْتَى عليه وهو حَيٌّ. قال: وليس هو عندِي إلَّا أنَّ الصَّيدَ يقَعُ بينَهم، لا يَقْدِرُونَ على ذَكاتِه، فيأخُذونَه (١) قِطَعًا.
стр. 13554
وَإِنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ حُوتٍ، وَأَفْلَتَ حَيًّا، أُبِيحَ مَا أَخذَ مِنْهُ. وَأَمَّا مَا لَيسَ بِمُحَدَّدٍ؛ كَالْبُنْدُقِ، وَالْحَجَرِ، وَالْعَصَا، وَالشَّبَكَةِ، وَالْفَخِّ، فَلَا يُبَاحُ مَا قْتِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ وَقِيذٌ.
ــ
٤٦٦١ - مسألة: (وإن أخَذَ قِطْعَةً مِن حُوتٍ، وأفْلَتَ حَيًّا، أُبِيحَ ما أخَذَ منه) لأنَّ أقْصَى ما فيه أنَّه مَيِّتٌ، ومَيتَتُه حلالٌ؛ لقولِه ﵊ في البحرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ» (١).
٤٦٦٢ - مسألة: (وأمّا ما ليس بمُحَدَّدٍ؛ كالبُنْدُقِ والعَصَا والحَجَرِ والشَّبَكَةِ والفَخِّ، فلا يُباحُ ما قُتِلَ بِهِ؛ لأنَّه وَقِيذٌ) أمّا ما قَتَلَتْه الشَّبَكَةُ والحَبْلُ، فهو مُحَرَّمٌ. لا نعلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا عن الحسنِ، أنَّه [يُباحُ ما] (٢) قَتَلَه الحَبْلُ إذا سَمَّى، فدَخَل فيه وجَرَحَه. وهذا قول شاذٌّ، يُخالِفُ عَوامَّ أهْلِ العلمِ، ولأنَّه قُتِلَ بما ليس له حَدٌّ، أشْبَهَ ما قَتَلَه بالبُنْدُقِ.
فصل: فأمّا ما قَتَل البُنْدُقُ أو الحَجَرُ الذي لا حَدَّ له، فلا يُؤْكَلُ. وهذا قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ -[وأرادَ الحَجَرَ الذي لا حدَّ له] (٣) - فأمّا
стр. 13555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحَجَرُ (١) المُحَدَّدُ كالصَّوّانِ، فهو كالمِعْرَاضِ، إن قُتِلَ بحَدِّه أُبِيحَ، وإن قُتِلَ بعَرْضِه أو ثِقْلِه فهو وَقِيذٌ لا يُباحُ. قال ابنُ عمرَ، في المقتولَةِ بالبُنْدُقِ: تلك الموْقُوذَةُ (٢). وكَرِهَ ذلك سالِمٌ، والقاسِمُ، ومُجاهِدٌ، وعطاءٌ، والحسنُ، وإبراهيمُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. ورَخَّصَ فيما قُتِلَ بها ابنُ المُسَيَّبِ. [ورُوي أيضًا عن] (٣) عَمَّارٍ، وعبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيلَى. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ (٤). ورَوَى سَعِيدٌ، بإسْنادِه عن إبراهيمَ، عن عَدِيٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «وَلَا تَأْكُلْ مِنَ البُنْدُقَةِ إلَّا مَا ذَكَيتَ» (٥). وقال عمرُ، ﵁: لِيَتَّقِ أحدُكم أن يحْذِفَ الأرْنَبَ بالعَصا والحجَرِ. ثم قال: ولْيُذَكِّ لكم الأسَلُ؛ الرِّماحُ والنَّبْل (٦). إذا ثَبَت هذا، فسواء شَدَخَه أو لم يَشْدَخه، حتى لو رَماه ببُنْدُقَةٍ فقَطَعَتْ حُلْقُومَ طائِرٍ ومَرِيئَه، أو أطارَتْ رأْسَه، لم يَحِلَّ. ومِثْلُه لو فعلَ ذلك بحَجَرٍ غيرِ مُحَدَّدٍ.
فصل: أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على تحريمِ صَيدِ المَجُوسِيِّ، إذا لم يُذَكِّه
стр. 13556
النَّوْعُ الثَّانِي؛ الْجَارِحَةُ، فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً، إلا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، فَلَا يُبَاحُ صَيدُهُ.
ــ
مَن هو مِن أهلِ الذَّكاةِ، إلَّا ما لا ذَكاةَ له، كالسَّمَكِ والجَرادِ، إلَّا أنَّ مالِكًا، واللَّيثَ، وأبا ثَوْرٍ، شَذُّوا عن الجماعَةِ، وأفْرَطُوا؛ فأمّا مالِكٌ واللَّيثُ فقالا: لا نرَى أن (١) يُؤْكَلَ الجرادُ إذا صادَه المجُوسِيُّ. ورَخَّصَا في السَّمَكِ. وأبو (٢) ثَوْرٍ أباحَ صَيدَه؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أهْلِ الكتابِ» (٣). وهذا قولٌ يُخالِفُ الإِجْماعَ، فلا عِبْرَةَ به. والحدِيثُ إنَّما أُرِيدَ به قَبولُ الجِزْيَةِ منهم، لا تحليلُ ذَبائِحِهم ونِسائِهم، لمُخالفَتِه الإِجْماعَ.
(النوعُ الثاني، الجارِحَةُ، فيُباحُ ما قَتَلَتْه إذا كانت مُعَلَّمَةً، إلَّا الكلبَ الأسْودَ البهيمَ، فلا يُباحُ صَيدُه) ولا خلافَ في اعْتِبارِ شَرْطِ التَّعْليمِ في
стр. 13557
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجارِحَةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ (١). فأمّا الكلبُ الأسْوَدُ البهيمُ، فلا يُباحُ صَيدُه. والبَهِيمُ: الذي لا يُخالِطُ لَوْنَه لَوْنٌ سِوَاهُ. قال أحمدُ: الذي ليس فيه بَياضٌ. قال ثعلبٌ، وإبراهيمُ الحَرْبِيُّ: كُلُّ لَونٍ لم يُخالِطْه لَوْنٌ آخرُ، فهو بهيمٌ. قيل لهما: مِن كُلِّ لَوْنٍ؟ قالا: نعم. وممَّن كَرِهَ صَيدَه الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وإسحاقُ. قال أحمدُ: ما أعْرِفُ أحدًا يُرَخِّصُ فيه. يَعْنِي مِن السَّلَفِ. وأباحَ صَيدَه أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، لعُمومِ الآيَةِ والخَبَرِ، والقياسِ على غيرِه مِن الكلابِ. ولَنا، أنَّه كلبٌ مُحَرَّمٌ اقْتِناؤُه، فلم يُبَحْ صَيدُه، كغيرِ المُعَلَّمِ، ودليلُ تحْرِيمِ اقْتِنائِه قولُ النبيِّ ﷺ : «فَاقْتُلُوا مِنْها كُلَّ أسْوَدَ بَهِيمٍ». رَواه سعيدٌ، وغيرُه (٢). وروَى مسلمٌ، في «صَحِيحِه» (٣)،
وَالْجَوَارِحُ نَوْعَانِ؛ مَا يَصِيدُ بِنَابهِ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ، فَتَعْلِيمُهُ بثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرسِلَ، وَيَنْزَجِرَ إِذَا زُجِرَ، وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ.
ــ
ولا يجوزُ اقْتناءُ الشيطانِ، وإباحَةُ الصَّيدِ المَقْتُولِ رُخْصَةٌ، فلا تُسْتَباحُ بمُحَرَّمٍ، كسائِرِ الرُّخَصِ، والعُموماتُ مخْصوصةٌ بما ذكَرْناه، وإن كان فيه نُكْتَتانِ فوقَ عَينَيه، لم يَخْرُجْ بذلك عن كوْنِه بَهِيمًا؛ لِما ذكَرْنا مِن الخَبَرِ.
٤٦٦٣ - مسألة: (والجوارحُ نوعانِ؛ ما يَصِيدُ بِنابِه، كالكلبِ والفَهْدِ، فتَعْلِيمُه بثلاثَةِ أشْياءَ؛ أن يَسْتَرْسِلَ إذا أُرْسِلَ، ويَنْزَجِرَ إذَا زُجِرَ، وإذا أمْسَكَ لم يأْكُلْ) .
стр. 13560
وَلَا يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ.
ــ
٤٦٦٤ - مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذلك منه) هذا قولُ الشريفِ أبي جعفرٍ، وأبي الخطّابِ، بل يحْصُلُ ذلك بالمَرَّةِ؛ لأنَّه تَعَلُّمُ صَنْعَةٍ، فلا يُعْتَبَرُ فيه التَّكْرارُ، كسائرِ الصنائعِ. وقال القاضي: يُعْتَبَرُ تَكْرارُ ذلك منه مَرَّةً بعدَ أُخْرَى حتى يَصيرَ مُعَلَّمًا في العُرْفِ، وأقَلُّ ذلك ثلاثٌ. وهو قولُ أبي يوسف، ومحمدٍ. ولم يُقَدِّرْ أصحابُ الشافعيِّ عَدَدَ المَرّاتِ؛ لأنَّ التَّقْديرَ بالتَّوْقيفِ، ولا تَوْقِيفَ في هذا، بل قَدْرُه بما يصيرُ به في العُرْفِ مُعَلَّمًا. وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه إذا تَكَرَّرَ مَرَّتَينِ، صار مُعَلَّمًا؛ لأنَّ التَّكْرارَ يحْصُلُ بمرَّتَين. وإنَّما اشْتَرَطْنا التَّكْرارَ؛ لأنَّ تَرْكَه للأكْلِ يَحْتَمِلُ أن يكونَ لشِبَعٍ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لتَعْلِيمٍ، فلا يَتَمَيَّزُ ذلك إلَّا بالتَّكْرارِ، وما اعْتُبِرَ فيه التَّكْرارُ اعْتُبرَ ثلاثًا، كالمَسْحِ في الاسْتِجْمارِ، والأقْراءِ،
стр. 13561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشُّهورِ (١) في العِدَّةِ، والغَسَلاتِ في الوُضوءِ. ويُفَارِقُ الصَّنائعَ، فإنَّه لا يتَمَكَّنُ مِن فِعْلِها إلَّا مَن تَعَلَّمَها، فإذا فَعَلَها، عُلِمَ أنَّه تَعَلَّمَها وعرَفَها، وتَرْكُ الأكْلِ مُمْكِنُ الوُجودِ مِن المُتعلِّمِ وغيرِه، فيُوجَدُ مِن الصِّنْفَين جميعًا، فلا يتميَّزُ به أحدُهما مِن الآخَرِ حتى يتَكَرَّرَ.
فصل: قد ذكَرْنا أنَّ تَرْكَ الأكْلِ شَرْطٌ لكونِ الجارِحِ المذْكُورِ مُعَلَّمًا. وحُكِيَ عن ربيعةَ، ومالِكٍ، أنَّه لا يُشْتَرَطُ تَرْكُ الأكْلِ؛ لِما روَى أبو ثَعْلَبَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلْ وإنْ أكَلَ». ذكره الإِمامُ أحمدُ، ورواه أبو داودَ (٢). ولَنا، أنَّ العادةَ في المُعَلَّمِ تَرْكُ الأكْلِ، فاعْتُبِرَ
стр. 13562
فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيدِهِ، وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينَ. وَالْأُخْرَى، يَحِلُّ.
ــ
شَرْطًا، كالانزِجارِ إذا زُجِرَ، وحديثُ أبي ثَعْلَبَةَ مُعارَضٌ بما روَى عَدِيُّ بنُ حاتمٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «فإنْ أكَلَ فلَا تَأْكُلْ، فإنِّي أخافُ أنْ يكونَ إنَّما أمْسَكَ عَلَى نَفْسِه» (١). وهذا أَوْلَى بالتَّقْدِيمِ؛ لأنَّه أصَحُّ، وهو مُتَّفَقٌ عليه. ولأنَّه مُتضَمِّنٌ للزيادَةِ، وهو ذِكْرُ الحُكْمِ مُعَلَّلًا. ثم إنَّ حديثَ أبي ثَعْلَبَةَ مَحْمولٌ على جارِحَةٍ ثَبَت تعليمُها؛ لقولِه: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ». ولا يثْبُتُ التَّعْليمُ حتى يتْرُكَ الأَكْلَ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الانْزِجارَ بالزَّجْرِ إنَّما يُعْتَبرُ قبلَ إرْسالِه على الصَّيدِ، أو رُؤْيَتِه، أمّا بعدَ ذلك، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ الانْزِجارُ بحالٍ. قال شيخُنا: ولا أحْسَبُ هذه الخِصال تُعْتَبرُ في غيرِ الكلبِ، فإنَّه الذي يُجِيبُ صاحِبَه إذا دَعاه، ويَنْزَجِرُ إذا زَجَرَه، والفَهْدُ لا يَكادُ يُجِيبُ دَاعِيًا وإن عُدَّ مُتَعَلِّمًا، فيكونُ التعْلِيمُ في حَقِّه بتَرْكِ الأكْلِ خاصَّةً، أو بما يعُدُّه به أهلُ العُرْفِ مُعَلَّمًا.
٤٦٦٥ - مسألة: (فإن أكَلَ بعدَ تَعَلُّمِه، لم يَحْرُمْ ما تَقَدَّمَ مِن صَيدِه، ولم يُبَحْ ما أكَلَ منه في إحدى الرِّوايَتَين. والأُخْرَى، يَحِلُّ) أصَحُّ
стр. 13563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرِّوايتَين أنَّ ما أكَلَ منه لا يُباحُ. ويُرْوَى ذلك عن ابنَ عباسٍ، وأبي هُرَيرَةَ. وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، وعُبَيدُ (١) بنُ عُمَيرٍ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وسُوَيدُ (٢) بنُ غَفَلَةَ، وأبو بُرْدَةَ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. والثانيةُ، يُباحُ. رُوِيَ ذلك عن سَعْدِ بنَ أبي وَقّاصٍ، وسَلْمَانَ، وأبي هُرَيرَةَ، وابنِ عمرَ. حكاه عنهم الإِمامُ أحمدُ. وبه قال مالِكٌ. وللشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين. واحْتَجَّ مَن أباحَه بعُمومِ قولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾. وبحديثِ أبي ثَعْلَبَةَ، ولأنَّه صَيدٌ جارِحٌ مُعَلَّمٌ، فأُبِيحَ، كما لو لم يأكلْ، فإنَّ الأكْلَ يحْتَمِلُ أن يكونَ (٣) لفَرْطِ جُوعٍ أو غَيظٍ على الصَّيدِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ ، في حديثِ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ: «إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فَكُلْ مِمَّا أمْسَكَ عَلَيكَ».
стр. 13564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قلْتُ: وإنْ قَتَلَ. قال: «وَإِنْ قَتَلَ، إلَّا أنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فإنْ أكَلَ، فَلَا تَأْكُلْ، فإنِّي أخَافُ أنْ يَكُونَ إنَّمَا أمْسَكَه (١) عَلَى نَفْسِه». مُتَّفَقٌ عليه. ولأنَّ ما كان شَرْطًا في الصَّيدِ الأوَّلِ، كان شَرْطًا في سائِرِ صُيودِه، كالإِرْسالِ والتَّعْليمِ. فأمّا الآيَةُ فلا تَتَناوَلُ هذا الصَّيدَ؛ لأنَّه قال: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾. وهذا إنَّما أمْسَكَ على نفْسِه. وأمّا حديثُ أبي ثَعْلَبَةَ، فقال أحمدُ: يَخْتَلِفُون عن هُشَيمٍ فيه. وحدِيثُنا أصَحُّ؛ لأنَّه مُتَّفَقٌ عليه، وحَدِيثُ (٢) عَدِيِّ [بنِ حاتِمٍ] (٣) أضْبَطُ، ولفظُه أبْيَنُ؛ لأنَّه ذكَرَ الحُكْمَ والعِلَّةَ. قال أحمدُ: حديثُ الشَّعْبِيِّ عن عَدِيٍّ مِن أصَحِّ (٤) ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، الشَّعْبِيُّ يقولُ: كان جارِي ورَبِيطِي، فحدَّثَنِي. والعملُ عليه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أكَلَ منه بعدَ أن قَتَلَه وانْصَرَفَ عنه.
стр. 13565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يَحْرُمُ ما تَقَدَّمَ مِن صَيدِه، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وقال أبو حنيفةَ: يَحْرُمُ؛ لأنَّه لو كان مُعَلَّمًا ما أكَلَ. ولَنا، عُمومُ الآيةِ والأخْبارِ، وإنَّما خُصَّ ما أكَلَ منه، ففيما عَداهُ يجبُ العملُ بالعُمومِ، ولأنَّ اجْتماعَ شُروطِ التَّعْليمِ حاصلٌ، فوجَبَ الحكمُ به، ولهذا حكَمْنا بحِلِّ صَيدِه، فإذا وُجِدَ الأكْلُ، احْتَمَلَ أن يكونَ لِنِسْيانٍ، أو فَرْطِ جُوعٍ، فلا يُتْرَكُ ما ثَبَتَ (١) يَقِينًا بالاحْتمالِ.
فصل: ولا يَحْرُمُ ما صادَه الكلبُ بعدَ الصَّيدِ الذي أكَلَ منه. ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِيِّ أنَّه يَخْرُجُ عن أن يكونَ مُعَلَّمًا، فتُعْتَبَرُ له شُروطُ التَّعْليمِ ابْتِداءً. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِما ذكَرْنا في صَيدِه قبلَ الأكْلِ.
فصل: فإن شَرِبَ مِن (١) دَمِه ولم يَأْكُلْ منه، لم يَحْرُمْ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وكَرِهَه الشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ؛ لأنَّه في مَعْنَى الأكْلِ. ولَنا، عُمومُ الآيةِ والأخْبارِ، [وإنَّما] (٢) خَرَج منه ما أكَلَ منه؛ لحديثِ عَدِيٍّ، وهو
стр. 13566
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولُه: «فَإنْ أكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَأْكُلْ». وهذا لم يأْكُلْ، ولأنَّ الدَّمَ لا يَقْصِدُه الصَّائِدُ منه، ولا ينْتَفِعُ به، فلا يَخْرُجُ بشُرْبِه عن أن يكونَ مُمْسِكًا على صائدِه.
فصل: وكُلُّ ما يَقْبَلُ التَّعْليمَ، ويُمْكِنُ الاصْطِيادُ به مِن سباعِ البهائِمِ، كالفَهْدِ وجَوارِحِ الطَّيرِ، فحُكْمُه حُكْمُ الكلبِ في إباحَةِ صَيدِه. قال ابنُ عباسٍ، في قولِه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. هي الكِلابُ المُعَلَّمَةُ، وكُلُّ طَيرٍ تعَلَّمَ الصَّيدَ، والفُهُودُ، والصُّقُورُ وأشْباهُها (١). وبمعنى ذلك قال طاوُسٌ، ويحيى بنُ أبي كَثِيرٍ، والحسَنُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِيَ عن ابنِ عمرَ، ومُجاهِدٍ، أنَّه لا يجوزُ الصَّيدُ إلَّا بالكلبِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. يعني: كَلَّبْتُم (٢) مِن الكلابِ. ولَنا، ما رُوِيَ عن عَدِيٍّ، قال: سأَلْتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن صَيدِ البَازِي، فقال: «إذا أمْسَكَ عَلَيكَ، فَكُلْ» (٣). ولأنَّه جارِحٌ يُصادُ به عادةً، ويَقْبَلُ التَّعليمَ، فأشْبَهَ
стр. 13567
وَالثَّانِي، ذُو الْمِخْلَبِ؛ كَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالْعُقَابِ، وَالشَّاهِينِ، فَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيبَ إِذَا دُعِيَ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الْأَكْلِ.
ــ
الكلبَ. فأمّا الآيَةُ، فإنَّ الجوارِحَ الكَواسِبُ. قال اللهُ تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ﴾ (١). أي: كَسَبْتُم. وفلانٌ جارِحَةُ أهلِه، أي: كاسِبُهم. ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. مِن التَّكْلِيبِ (٢) وهو الإِغْراءُ.
النوعُ (الثاني، ذو المِخْلَبِ؛ كالبازِي، والصَّقْرِ، والعُقابِ، والشّاهينِ، فتَعْلِيمُه بأن يَسْتَرْسِلَ، ويُجِيبَ إذا دُعِيَ، ولا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الأكْلِ) فعلى هذا، يُباحُ صَيدُه وإن أكَلَ منه. وبهذا قال ابنُ عباسٍ. وإليه ذهبَ النَّخَعِيُّ، وحَمّادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه. ونصَّ الشافعيُّ على أنَّه كالكلبِ في تَحْريمِ ما أكَلَ منه مِن صَيدِه؛ لأنَّ مُجالِدًا رَوَى عن الشَّعْبِيِّ، عن عَدِيٍّ، عن النبيِّ ﷺ : «فإنْ أكَلَ الكَلْبُ والبَازِيُّ، فلا تَأْكُلْ» (٣). ولأنَّه جارِحٌ أكَلَ ممّا صادَه عَقِيبَ قَتْلِه،
стр. 13568
وَلَابُدَّ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيدَ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِصَدْمَتِه، أَوْ خَنْقِهِ، لَمْ يُبَحْ. وَقَال
ــ
فأشْبَهَ سِباعَ البهائمِ. ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، فروَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا أكَلَ الكَلْبُ، فَلا تأْكُلِ الصيدَ (١)، وإن أكَلَ الصَّقْرُ، فكُلْ؛ لأنَّك تَسْتطيعُ أن تَضْرِبَ الكلْبَ، ولا تسْتطيعُ أن تَضْرِبَ الصَّقْرَ (٢). وقد ذكَرْنا عن أربعةٍ مِن الصحابةِ إباحَةَ ما أكَلَ منه الكلبُ، وخالفَهُم ابنُ عباسٍ [في الكلبِ] (٣)، ووافَقَهم في الصَّقْرِ، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ في عَصْرِهم خِلافُهم (٤)، ولأنَّ جَوارِحَ الطَّيرِ تُعَلَّمُ بالأَكْلِ، ويتَعَذَّرُ تَعْلِيمُها بتَرْكِ الأكْلِ، فلم يقْدَحْ في تَعْلِيمِها، بخلافِ الكلبِ والفهْدِ. وأمّا الخبَرُ، فلا يَصِحُّ، يَرْويه (٥) مُجالِدٌ، وهو ضعيفٌ. قال أحمدُ: مُجالِدٌ يُصَيِّرُ القِصَّةَ واحِدَةً، كم مِن أُعْجوبَةٍ لِمُجالِدٍ. والرِّوايَةُ الصَّحِيحةُ تُخالِفُه، ولا يصِحُّ قِياسُ الطَّيرِ على السِّباعِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ. وعلى هذا، كلُّ ما أمْكَنَ تَعْلِيمُه والاصْطِيادُ به مِن جَوارِحِ الطَّيرِ، كالبَازِي والصَّقْرِ والعُقابِ والباشَقِ ونحوه، حَلَّ صَيدُها على ما ذكَرْنا.
٤٦٦٦ - مسألة: (ولابُدَّ أن يَجْرَحَ الصَّيدَ، فإن قَتَلَه بصَدْمَتِه ،
стр. 13569
ابنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ.
وَمَا أَصَابَه فَمُ الْكَلْبِ، هَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
أو خَنْقِه، لم يُبَحْ) قال الشريفُ: وبه قال أكثرُهم (وقال ابنُ حامدٍ: يُباحُ) وهو قولٌ للشافعيِّ؛ لعُمومِ الآيةِ والخَبَرِ. ولَنا، أنَّه قَتَلَه بغيرِ جُرْحٍ، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه بالحَجَرِ والبُنْدُقِ، ولأنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَ الموْقُوذَةَ، وهذا كذلك، وهو يَخُصُّ ما ذكرُوه، وقولُ النبيِّ ﷺ : «مَا أنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلْ» (١). يَدُلُّ على أنَّه لا يُباحُ ما لم يُنْهِرِ الدَّمَ.
٤٦٦٧ - مسألة: (وما أصابَه فَمُ الكلبِ، هل يَجِبُ غَسْلُه؟ على وَجْهَين) أحدُهما، لا يَجِبُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ورسولَه أمَرا بأكْلِه، ولم يأْمُرا
стр. 13570
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، إِرْسَالُ الْآلةِ قَاصِدًا لِلصَّيدِ، فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ أَوْ غَيرُهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ صَيدُهُ وَإِنْ زَجَرَهُ، إلا أَنْ يَزيدَ عَدْوُهُ بِزَجْرِهِ، فَيَحِلُّ.
ــ
بغَسْلِه. والثاني، يَجِبُ؛ لأنَّ نَجاسَتَه قد ثَبَتَتْ، فيَجِبُ غَسْلُ ما أصابَه، كبَوْلِه.
فصل: قال ﵀: (الثالثُ، أن يُرْسِلَ الآلةَ قاصِدًا للصَّيدِ، فإنِ اسْتَرْسَلَ الكلبُ أو غيرُه بنَفْسِه، لم يُبَحْ صَيدُه وإن زَجَرَه، إلَّا أن يَزِيدَ عَدْوُه بزَجْرِه، فيَحِلُّ) وبهذا قال ربيعَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال عطاءٌ، والأوْزَاعِيُّ: يؤْكَلُ صَيدُه إذا جَرَحَ الصَّيدَ (١). وقال إسحاقُ: إذا سَمَّى عندَ انْفِلاته، أُبِيحَ. وروَى بإسْنادِه
стр. 13571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن ابنِ عمرَ، أنَّه سُئِلَ عن الكلابِ تَنْفَلِتُ مِن مَرابِطِها (١) فتَصِيدُ الصَّيدَ؟ قال: [إذا ذُكِرَ] (٢) اسْمُ اللهِ، فكُلْ (٣). قال إسحاقُ: فهذا الذي أَخْتارُ إذا لم يتَعَمَّدْ إرْساله مِن غيرِ اسْمِ اللهِ عليه. قال الخَلَّالُ: هذا قولُ أبي عبدِ الله. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وسَمَّيتَ، فكُلْ» (٤). ولأنَّ إرْسال الجارِحَةِ جُعِلَ بمنْزِلَةِ الذَّبْحِ، ولهذا اعْتُبِرَتِ التَّسْمِيَةُ معه. فإنِ اسْتَرسلَ بنَفْسِه فسمَّى صاحِبُه وزَجَرَه، فزَادَ عَدْوُه بزَجْرِه، أُبِيحَ صَيدُه. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِيُّ: لا يُباحُ. وعن مالكٍ كالمَذْهَبَين. ولَنا، أنَّ زَجْرَه له (٥) أثَّرَ في عَدْوه، فصار كما لو أرْسَلَه؛ لأنَّ فِعْلَ الآدَمِيِّ إذا انضافَ إلى فعلِ البهيمةِ، كان الاعْتِبارُ بفِعْلِ الإِنْسانِ، بدليلِ أنَّه لو عَدا على إنْسانٍ، فأغْراه آدَمِيٌّ فأصابَه، ضَمِنَ الآدَمِيُّ. وإن لم يَزِدْ عَدْوُه بزَجْرِه، لم يُبَحْ؛ لأنَّه لم يُؤَثِّرْ شيئًا، فهو كما لو لم يَزْجُرْه.
стр. 13572
وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ إِلَى هَدَفٍ فَقَتَلَ صَيدًا، أَوْ أَرْسَلَهُ يُرِيدُ الصَّيدَ وَلَا يَرَى صَيدًا، لَمْ يَحِلَّ صَيدُهُ إِذَا قَتَلَهُ.
ــ
فصل: وإن أرْسلَه بغيرِ تَسْمِيَةٍ، سَمَّى وزجَرَه، فزادَ في عَدْوه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه يُباحُ؛ فإنَّه قال: إذا أرْسلَ، ثم سَمَّى فانْزَجَرَ، أو أرْسلَ وسمَّى، فالمعنى قريبٌ مِن السَّواءِ. وظاهِرُ هذا الإِباحَةُ؛ لأنَّه انْزَجَرَ بتَسْمِيَتِه وزَجْرِه، فأشْبَهَ التي قبلَها. وقال القاضي: لا يُباحُ؛ لأنَّ الحُكْمَ يتَعَلَّقُ بالإِرْسالِ الأوَّلِ، بخلافِ ما إذا اسْتَرْسلَ بنَفْسِه، لأنَّه (١) لا يتَعَلَّقُ به حَظْرٌ ولا إباحَةٌ.
٤٦٦٨ - مسألة: (وإن أرْسَلَ كَلْبَه إلى هَدَفٍ فقَتَلَ صَيدًا، أو أرْسَلَه يُرِيدُ الصَّيدَ ولا يَرَى صَيدًا، لم يَحِلَّ صَيدُه إذا قَتَلَه) لأنَّ قَصْدَ الصَّيدِ شَرْطٌ، ولم يُوجَدْ، وكذلك إن قَصَدَ إنْسانًا أو حَجَرًا، أو رَمَى عَبَثًا (٢) غيرَ قاصِدٍ صَيدًا فقَتَلَه، لم يَحِلَّ؛ لأنَّه لم يقْصِدْ صَيدًا، لكَوْنِ القَصْدِ
стр. 13573
وَإِنْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيدًا، فَأَصَابَ صَيدًا، لَمْ يَحِلَّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحِلَّ.
ــ
لا يتحقَّقُ إلَّا بعِلْمِه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ في الكلبِ. وقال الحسَنُ، ومُعاويَةُ بنُ قُرَّةَ: يأْكُلُه؛ لعُمومِ الآيةِ والخبرِ، ولأنَّه قَصَدَ الصَّيدَ، فحَلَّ له ما صادَه، كما لو رآه. ولَنا، أنَّ قَصْدَ الصَّيدِ شَرْطٌ، ولا يَصِحُّ مع عَدَمِ العِلْمِ، فأشْبَهَ ما لو لم يقْصِدِ الصَّيدَ.
٤٦٦٩ - مسألة؛ (فإن رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيدًا، فأصاب صَيدًا، لم يَحِلَّ. ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ) ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه لم يقْصِدْ صَيدًا (١) على الحقيقَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ. اخْتارَه شيخُنا؛ لأنَّه قَصَدَ الصَّيدَ، أشْبَهَ ما لو رآه، ولأنَّ صِحَّةَ القَصْدِ تَنْبَنِي على الظَّنِّ، وقد وُجِدَ، وصَحَّ قَصْدُه، فيَنْبَغِي أن يَحِلَّ صيدُه. فأمَّا إن شَكَّ هل هو صَيدٌ أو لا؟ وغَلَبَ على ظَنِّه أنَّه ليس بصَيدٍ، لم يُبَحْ؛ لأنَّ صِحَّةَ القَصْدِ تَنْبَنِي على العِلْمِ، ولم يُوجَدْ ذلك.
стр. 13574
وَإِنْ رَمَى صَيدًا فأَصَابَ غَيرَهُ، أَوْ رَمَى صَيدًا فَقَتَلَ جَمَاعَةً، حَلَّ.
ــ
فصل: فإن رَأى سَوادًا، أو سمِعَ حِسًّا، فظَنَّه آدَمِيًّا، أو بَهيمةً، أو حَجَرًا، فرَماه فقَتَلَه، فإذا هو صَيدٌ، لم يُبَحْ. وبهذا قال مالِكٌ، ومحمدُ بنُ الحسَنِ. وقال أبو حنيفةَ: [يباحُ. وقال الشَّافعِيُّ] (١): يُباحُ إن كان المُرْسَلُ سَهْمًا، ولا يُباحُ إن كان جارِحًا. واحْتَجَّ مَن أباحَه بعُمومِ الآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّه قَصَدَ الاصْطِيادَ وسَمَّى، فأشْبَهَ ما لو عَلِمَه صَيدًا. ولَنا، أنَّه لم يقْصِدِ الصَيدَ (٢)، فلم يُبَحْ، كما لو رَمَى هَدَفًا فأصابَ صيدًا، أو كما في الجارِحِ عندَ الشافعيِّ. وإن ظَنَّه كَلْبًا أو خِنْزِيرًا، لم يُبَحْ؛ لذلك. وقال محمدُ بنُ الحسَنِ: يُباحُ؛ لأنَّه ممَّا يُباحُ قَتْلُه. ولَنا، ما تقَدَّمَ.
٤٦٧٠ - مسألة: (وإن رَمَى صَيدًا، فقَتَلَ غَيرَه، أو رَمَى صَيدًا، فقَتَلَ جَماعَةً، حَلَّ) إذا رَمَى صَيدًا، فأصابَه هو وغيرَه، حلَّا جميعًا،
стр. 13575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والجارِحُ في هذا بمنْزِلَةِ السَّهْمِ. نَصَّ أحمدُ على ذلك. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وقَتادَةُ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ قال: إذا أرْسَلَ الكلْبَ على صَيدٍ، فأخَذَ آخَرَ في طَرِيقِه، حَلَّ، وإن عَدَلَ عن طريقِه إليه، ففيه وَجْهان، وإن أرْسَلَه على صَيدٍ فقَتَلَ غيرَه، أُبِيحَ. وقال مالِكٌ: إذا أرْسَلَ كلْبَه على صَيدٍ بعَينِه، فأخَذَ غيرَه، لم يُبَحْ؛ لأنَّه لم يقْصِدْ صَيدَه، إلَّا أن يُرْسِلَه على صُيودٍ، فتَتَفَرَّقَ عن صِغارٍ، فإنَّها تُباحُ إذا أخَذَها. ولَنا، عُمومُ قولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ (١). وقولُه ﵇: «إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عليه، فَكُلْ مِمَّا أمْسَكَ عليك». وقوْلُه ﵇: «كُلْ ما رَدَّتْ عَلَيكَ قَوْسُكَ» (٢). ولأنَّه أرْسَلَ آلةَ الصَّيدِ على صَيدٍ، فَحَلَّ ما صادَه، كما لو أرْسَلَها على كِبارٍ فتَفَرَّقَتْ عن صِغارٍ فأخَذَها عندَ مالكٍ، أو كما لو أخَذَ صَيدًا في طريقِه عندَ الشافعيِّ، ولأنَّه لا يُمْكِنُ تَعْلِيمُ الجارِحِ اصْطِيادَ واحِدٍ بعَينِه دُونَ واحدٍ (٣)، فسَقَطَ اعْتِبارُه.
стр. 13576
وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ عَلَى صَيدٍ، فَأَعَانَتْهُ الرِّيحُ، فَقَتَلَهُ، وَلَوْلَاهَا مَا وَصَلَ، حَلَّ. وَإِنْ رَمَى صَيدًا فَأَثْبَتَهُ، مَلَكَهُ، فَإِنْ تَحَامَلَ فَأَخَذَهُ غَيرُهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، فَدَخَلَ خَيمَةَ إِنْسَانٍ فَأَخَذَهُ، فَهُوَ لِآخِذِهِ.
ــ
٤٦٧١ - مسألة: (وإن أرْسَلَ سَهْمَه على صَيدٍ، فأعانَتْه الرِّيحُ فقَتَلَته، ولَوْلَاها ما وَصَلَ، حَلَّ) لأنَّه قتلَ الحيوانَ بسَهْمِه ورَمْيِه، فحَلَّ، كما لو وقَعَ سَهْمُه في حَجَرٍ، فرَدَّه إلى الصَّيدِ فقَتَلَه.
فصل (١): وإن سمَّى الصائِدُ على صَيدِ غيرِه، حلَّ.
٤٦٧٢ - مسألة: (وإن رَمَى صَيدًا فأثْبَتَه، مَلَكَه، فإن تَحامَلَ فأَخَذَهُ غَيرُهُ، لَزِمَه رَدُّه) كما يَلْزَمُه رَدُّ الشَّاةِ.
٤٦٧٣ - مسألة: (وإن لم يُثبِتْه، فدَخَلَ خَيمَةَ إنسانٍ فأخَذَه، فهو لآخِذِه) لأنَّ الأوَّلَ لم يَمْلِكْه؛ لكَوْنِه مُمْتَنِعًا، فمَلَكَه الثاني بأخْذِه. ولو
стр. 13577
وَلَوْ وَقَعَ في شَبَكَتِهِ صَيدٌ فَخَرَقَهَا وَذَهَبَ بِهَا، فَصَادَهُ آخَرُ، فَهُوَ
ــ
رَمَى طَيرًا على شجرةٍ في دارِ قَوْمٍ، فطرَحَه في دارِهم فأخَذُوه، فهو للرَّامِي دُونَهم؛ لأنَّه ملَكَه بإزالةِ امْتِناعِه.
٤٦٧٤ - مسألة: (ولو وَقَعَ صَيدٌ فِي شَبَكَةِ إنْسانٍ، فخَرَقَها
стр. 13578
لِلثَّانى.
ــ
وذَهَبَ بها، فصَادَه آخَرُ، فهو للثَّانِي) أمَّا إذا تعَلَّقَ صَيدٌ في شَرَكِ إنسانٍ أو شَبَكَتِه، مَلَكَه؛ لأنَّه أثْبَتَه بآلَتِه. ذكَرَه أصْحابُنا. فإن أخَذَه إنسانٌ، لَزِمَه رَدُّه عليه؛ لأنَّ آلَتَه أثْبَتَتْه، فأشْبَه ما لو أثْبَتَه بسَهْمِه. وإن لم تُمْسِكْه الشَّبَكَةُ، بل انْفَلَتَ منها في الحالِ، أو بعدَ حِينٍ، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّه لم يُثْبِتْه. وإن أخَذَ الشَّبَكَةَ، وذهَبَ بها، فصادَه إنسانٌ؛ مَلَكَه، ويَرُدُّ الشَّبَكَةَ على صاحِبِها دونَ الصيدِ (١)؛ لأنَّه لم يُثْبِتْه. وإن كان يَمْشِي بالشَّبَكَةِ على وَجْهٍ لا يَقْدِرُ على الامْتِناعِ فهو لِصاحِبِها؛ لأنَّها أزالتِ امْتِناعَه. فأمَّا إن أمْسَكَه الصَّائِدُ، وثَبَتَتْ يَدُه عليه، ثم انْفَلَتَ منه، لم يَزُلْ مِلْكُه عنه؛ لأنَّه امْتَنَعَ منه بعدَ ثُبُوتِ مِلْكِه عليه، فلم يَزُلْ (٢) مِلْكُه عنه، كما لو شَرَدَتْ فرَسُه، أو نَدَّ بَعِيرُه.
فصل: فإنِ اصْطادَ صَيدًا، فوجَدَ عليه عَلامَةً، مثلَ قِلادَةٍ في عُنُقِه، أو وَجَد (٣) في أُذُنِه (٤) قُرْطًا، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّ الذي صادَه مَلَكَه، فلا يَزُولُ مِلْكُه بالانْفِلاتِ. وكذلك إن وجَدَ طائِرًا مَقْصوصَ الجَناحِ، ويكونُ لُقَطَةً. فإن قيل: يَحْتَمِلُ أن يكونَ (٣) الذي أمْسَكَه أوَّلًا مُحْرِمٌ لم يَمْلِكْه، أو أنَّه أرْسَلَه على سَبِيلِ التَّخْلِيَةِ وإزالةِ المِلْكِ عنه، كإلْقاءِ الشيءِ التَّافِهِ. قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ فنادِرٌ، وهو مُخالِفٌ للظاهِرِ؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِ
стр. 13579
وَإِنْ كَانَ في سَفِينَةٍ، فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ في حِجْرِهِ، فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ.
ــ
المُحْرِمِ أنَّه لا يَصِيدُ ما حَرَّمَ اللهُ تعالى عليه. وأمَّا الثاني فخِلافُ الأصْلِ، فإنَّ الأصْلَ بقاءُ مِلْكِه عليه. وما ذكَرُوه مُحْتَمِلٌ، فلا يزولُ المِلْكُ بالشَّكِّ.
٤٦٧٥ - مسألة: (ومَن كان في سَفِينَةٍ، فوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فوَقَعَتْ في حِجْرِه، فهي له دُونَ صاحِبِ السَّفِينَةِ) وذلك لأنَّ السَّمَكَ مِن الصَّيدِ المُباحِ، فَمُلِكَ بالسَّبْقِ إليه، وهذه حصَلَتْ في يَدِ الذي هي في حِجْرِه، وحِجْرُه له، ويَدُه عليه، دونَ صاحِبِ السَّفِينَةِ، [ألا تَرَى] (١) أنَّهما لو تَنازَعا كِيسًا في حِجْرِه، كان أحَقَّ به مِن صاحِبِ السفينَةِ؟ كذا ههُنا. فأمَّا إن وقَعَتِ السَّمَكَةُ في السَّفِينَةِ، فهي لصاحِبِها. ذكَرَهُ ابنُ أبي موسَى. وهو مفْهُومُ كلامِ الخِرقِيِّ؛ لأنَّ السَّفِينةَ
стр. 13580
وَإِنْ صَنَعَ بِرْكَةً لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ، فَمَا حَصَلَ فِيهَا
ــ
مِلْكُه، ويدُه عليها، فما حصَلَ مِن المُباحِ فيها، كان أحَقَّ به، كحِجْرِه.
فصل: فإن كانتِ السَّمَكَةُ وثَبَتْ بفعْلِ إنْسانٍ لقَصْدِ الصَّيدِ، كالصَّيَّادِ (١) الذي يجْعَلُ في السفينةِ ضَوْءًا بالليلِ، ويَدُقُّ بشيءٍ كالجَرَسِ ليَثِبَ السَّمَكُ في السفينَةِ، فهذا للصَّيَّادِ دُونَ مَن وقَعَ في حِجْرِه؛ لأنَّ الصّائِدَ أثْبَتَها بذلك، فصارَ كمَن رَمَى طائِرًا فألْقاه في دارِ قَوْمٍ. وإن لم يقْصِدِ الصَّيدَ بهذا، بل حصلَ اتِّفاقًا، كانت لمَن وقَعَتْ في حِجْرِه.
٤٦٧٦ - مسألة. (وإن صَنَعَ بِرْكَةً ليَصِيدَ بها السَّمَكَ، فما حَصَلَ
стр. 13581
مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا ذَلِكَ، لَمْ يَمْلِكْهُ. وَكَذَلِكَ إِنْ حَصَلَ في أَرْضِهِ سَمَكٌ، أَوْ عَشَّشَ فِيهَا طَائِرٌ، لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلِغيرِهِ أَخْذُه.
ــ
فيها مَلَكَه، وإن لم يَقْصِدْ بها ذلك لَمْ يَمْلِكْهُ) [لِما ذَكَرْنا في الفصلِ الذي قبلَ هذه المسألةِ، ولأنَّها آلةٌ للصيدِ قَصَد بها الصيدَ، أشْبَهتِ الشَبَكةَ والشَّرَكَ، وإذا لم يَقْصِدْ بها الصيدَ، لم يَمْلِكْه] (١)، كما لو توَحَّلَ الصَّيدُ في أرْضِه (وكذلك لو حصَلَ في أرْضِه سَمَكٌ) مِن مَدِّ الماءِ (وإن عَشَّشَ فيها طائِرٌ، لم يَمْلِكْه، ولغَيرِه أخْذُه) كما يجوزُ له أخْذُ الماءِ والكَلَأ.
стр. 13582
وَيُكْرَهُ صَيدُ السَّمَكِ بِالنَّجَاسَةِ.
ــ
٤٦٧٧ - مسألة: (ويُكْرَهُ صَيدُ السَّمَكِ بالنَّجاسَةِ) وهو أن يُتْرَكَ في الماءِ شيءٌ نَجِسٌ، كالعَذِرَةِ والمَيتَةِ وشِبْهِهما، ليأْكُلَه السَّمَكُ ليَصِيدَ به. كَرِهَ أحمدُ ذلك، وقال: هو حَرامٌ، لا يُصادُ به. وإنَّما كَرِهَه لِمَا يتَضَمَّنُ مِن أكلِ السَّمَكِ للنَّجاسَةِ، فيُشْبِهُ الجَلَّالةَ. وسواءٌ في هذا ما