. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لغيرِ اللهِ به. وقال في موضِع: يَدَعُونَ التَّسْمِيَةَ [على عَمْدٍ بما] (١) يَذْبَحُونَ للمَسِيحِ. فأمّا ما سِوَى ذلك، فرُويَتْ عن أحمدَ الكراهَةُ فيما ذُبِحَ لكنَائِسِهم وأعيادِهم، [قال: لا يُؤْكَلُ. يَعْنِي: ما ذُبِح لأعْيادِهم] (٢) مُطلَقًا. وهو قولُ مَيمُونِ بنِ مِهْرانَ؛ لأنَّه ذُبِحَ لغيرِ اللهِ. ورُوِيَ عن أحمدَ إباحَتُه. وسُئِلَ عنه العِرْباضُ بنُ سارِيَةَ، فقال: كُلُوا، وأطعِمُونِي. ورُوِيَ مثلُ ذلك عن أبي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، وأبي مُسْلِمٍ الخَوْلَانِيِّ (٣). وأكلَه أبو الدَّرْدَاءِ، وجُبَيرُ بنُ نُفَيرٍ (٤). ورَخَّصَ فيه عمرُو (٥) بنُ الأسْودِ، ومكحولٌ، وضَمْرَةُ بنُ حَبِيبٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٦). وهذا مِن طعامِهِم. قال
стр. 13512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القاضي: ما ذَبَحَه الكِتابِيُّ لعِيدِه أو نَجْم أو صَنَمٍ أو نَبِيٍّ، فسَمّاه على ذَبِيحَتِه، حَرُمَ؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١). وإن سَمَّى اللهَ وحْدَه، حَلَّ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ (٢). لكنَّه يُكْرَهُ؛ لقَصدِه بقلبِه (٣) الذَّبْحَ لغيرِ اللهِ تعالى.
فصل: قال أحمدُ: لا تُؤكَلُ المَصْبُورَةُ، ولا المُجَثَّمَةُ. وبه قال إسْحاقُ. [والمُجَثَّمَةُ] (٤) هي الطائِرُ والأرْنبُ يُجْعَلُ غَرَضًا يُرْمَى حتى يُقْتَلَ. والمَصبُورَةُ مثلُه، إلَّا أنَّ المُجَثَّمَةَ لا تكونُ إلَّا في الطائِرِ أو الأرْنَبِ وأشْباهِها، والمَصْبُورةُ كُلُّ حَيوانٍ. وأصْلُ الصَّبْرِ الحَبْسُ. والأصْلُ في تَحْرِيمِه، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن صَبْرِ البهائِمِ (٥)، ومَال: «لَا تَتَّخِذُوا
стр. 13513
وَمَنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا، فَوَجَدَ في بَطْنِهِ جَرَادًا، أَوْ طَائِرًا، فَوَجَدَ في
ــ
شَيئًا فِيهِ (١) الرُّوحُ غَرَضًا» (٢). وروَى سعيدٌ بإسْنادِه [عن أبي الدَّرداءِ قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن كُلِّ مُجَثَّمَةٍ (٣). وبإسْنادِه] (٤) قال: نهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن المُجَثَّمَةِ، وعن أكْلِها، [ونَهَى عن المَصبُورةِ وعن أكْلِها] (٥). ولأنَّه حيوانٌ مَقْدورٌ عليه، فلم يُبَحْ بغيرِ الذَّكاةِ، كالبَعِيرِ والبَقَرَةِ.
٤٦٤٣ - مسألة: (ومَن ذَبَحَ حيوانًا، فوَجَدَ في بَطنِه جَرادًا، أو
стр. 13514
حَوْصَلَتِهِ حَبًّا، أَوْ وَجَدَ الْحَبَّ في بَعْرِ الْجَمَلِ، لَمْ يَحْرُمْ. وَعَنْهُ، يَحْرُمُ.
ــ
طائرًا، فوَجَدَ فِي حَوْصَلَتِه حَبًّا، أو وَجَد الحَبَّ في بَعْرِ الجَمَلِ، لم يَحْرُمْ. وعنه، يَحْرُمُ) قال أحمدُ في السمكَةِ تُوجَدُ في بطنِ سَمَكَةٍ أُخْرَى، أو حَوْصَلَةِ طائِرٍ، أو يُوجَدُ في حَوْصَلَتِه جَرادٌ، فقال في مَوْضِع: كُلُّ شيءٍ أكِلَ مَرَّةً لا يُؤْكَلُ؛ لأنَّه مُسْتَخْبَثٌ. وقال في مَوْضِعٍ: الطّافِي أشَدُّ مِن هذا، وقد رَخَّصَ فيه أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، ﵁ (١). قال شيخُنا (٢): وهذا هو الصَّحِيحُ. وهو مذهب الشافعيِّ فيما في بَطْنِ السَّمَكَةِ، دونَ ما في حَوْصَلَةِ الطائِرِ؛ لأنَّه كالرَّجِيعِ، ورَجِيعُ الطائِرِ عندَه نَجِسٌ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيتَتَانِ ودَمَانِ» (٣). ولأنَّه حيوانٌ طاهِر في مَحَلٍّ طاهِرٍ، لا تُعْتَبَرُ له ذَكاةٌ، فأُبِيحَ، كالطّافِي مِن السَّمَكِ. وهكذا يُخَرَّجُ في الشَّعِيرِ يُوجَدُ في بَعْرِ الجملِ، أو خِثْي الْجَوامِيسِ (٤)، ونحوها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصِيدُ بكَلْبِي الذي ليس بمُعَلَّمٍ، فأخْبِرْنِي ماذا يَصْلُحُ لي؟ قال: «أمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ صَيدٍ، فَمَا صِدْتَ بقَوْسِكَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلْ، ومَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ، [فذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عليهِ، فَكُلْ، وما صِدْتَ بكَلْبِكَ] (١) الذي ليس بمُعَلَّمٍ، فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن عَدِيِّ بنِ حاتِم، قال: قلتُ: يارسولَ اللهِ، إنّا نُرْسِلُ الكلبَ المُعَلَّمَ، فيُمْسِكُ علينا؟ قال: «كُلْ». قلتُ: وإن قَتَل؟ قال: «وإنْ قَتَلَ ما لَمْ يَشْرَكْهُ كَلْبٌ غَيرُهُ». قال: وسُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن صَيدِ المِعْراضِ، قال: «مَا خزَقَ (٣) فَكُلْ، ومَا قَتَلَ بِعَرْضهِ فَلَا تَأْكُلْ». مُتَّفَقٌ عليه (٤) أيضًا. وأجْمَعَ أهْلُ العلمِ على إباحَةِ الاصْطِيادِ والأكْلِ مِن الصَّيدِ.
стр. 13517
وَمَنْ صَادَ صَيدًا، فَأدْرَكَهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، لَمْ يَحِلَّ إلا بِالذَّكَاةِ.
ــ
٤٦٤٤ - مسألة: (ومَن صاد صَيدًا، فَأدْرَكَهُ حَيًّا حياةً مُسْتَقِرَّةً، لم يَحِلَّ إلَّا بالذَّكَاةِ) أمَّا ما أدْرَكَ ذَكاتَه مِن الصَّيدِ، فلا يُشْتَرَطُ في إباحَتِه سِوَى صِحَّةِ التَّذْكِيَةِ؛ ولذلك قال ﵊: «ومَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الذي ليس بمُعَلَّمٍ، فَأدْرَكْتَ ذَكاتَهُ، فَكُلْ». فأمّا إن أدْرَكَه وفيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فلم يَذْبَحْه حتى مات، نَظرتَ؛ فإن كان الزَّمان لا يَتَّسِعُ لذَكاتِه فماتَ، فإنَّه يَحِلُّ أيضًا. قال قَتادَةُ: يأْكلُه ما لم يَتَوانَ في ذَكاتِه، أو يتْرُكْه عَمْدًا وهو قادِرٌ على ذَكاتِه. ونحوُه قول مالِكٍ،
стр. 13518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافعيِّ. ورُوِيَ ذلك عن الحسنِ، والنَّخَعِيِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحِلُّ؛ لأنَّه أدْرَكَه وفيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فتَعَلَّقَتْ إباحَتُه بتَذْكِيَتِه، كما لو اتَّسَعَ الزَّمانُ. ولَنا، أنَّه لم يَقْدِرْ على ذَكاتِه [بوَجْهٍ يُنْسَبُ فيه إلى التَّفْرِيطِ، ولم يَتَّسِعْ لها الزمانُ، فكان عَقْرُه ذكاتَه] (١)، كالذي قَتَلَه الصَّائِدُ. ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّه أمْكَنَه ذَكاتُه، وفَرَّطَ بتَرْكِها. ولو أدْرَكَه وفيه حياةٌ مُسْتَقِرَّةٌ يعيشُ بها زَمَنًا طويلًا، وأمْكَنَه ذَكاتُه، ولم يُذَكِّه حتى ماتَ، لم يُبَحْ، سَواءٌ كان به جُرْحٌ يعِيشُ معه أو لا. وبه قال مالِكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ ما كان كذلك، فهو في حُكْمِ الحَيِّ، بدليلِ أنَّ عمرَ، ﵁،
стр. 13519
فَإِنْ خَشِيَ مَوْتَهُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ، أَرْسَلَ الصَّائِدُ لَهُ عَلَيهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ. وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ.
ــ
كانَتْ جِراحَاتُه مُوحِيَةً، فأوْصَى (١)، وأُجِيزَتْ وصاياه وأقوالُه في تلك الحالِ، ولم تَسْقُطْ عنه الصلاةُ ولا العباداتُ، ولأنَّه تَرَك تَذْكِيَتَه مع القُدْرَةِ عليها، فأشبَهَ غيرَ الصَّيدِ.
٤٦٤٥ - مسألة: (فإن لَم يَجِدْ ما يُذَكِّيه به، أرْسَلَ الصّائِدُ له عليه حتى يَقْتُلَه، في إحدى الرِّوايَتَينِ. واخْتارَه الخِرَقِيُّ) .
стр. 13520
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ، لَمْ يَحِلَّ. وَقَال الْقَاضِي: يَحِلُّ. وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى، لَا يَحِلُّ إلا أنْ يُذَكِّيَهُ.
ــ
٤٦٤٦ - مسألة: (فإن لم يَفْعَلْ وتَرَكَه حتى مات، لم يَحِلَّ. وقال القاضي: يَحِلُّ. والأُخْرَى، لا يَحِلُّ إلَّا أن يُذَكِّيَه) اخْتَلَفَ قولُ أحمدَ في هذه المسألةِ، فعنه مِثْلُ قولِ الخِرَقِيِّ. وهو قولُ الحسنِ، وإبراهيمَ. وقال في موضِعٍ: إنِّي لأَقْشَعِرُّ مِن هذا. يعني أنَّه لا يَراه. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّه مقدُورٌ عليه، فلم يُبَحْ بقَتْلِ الجارِحِ، كالأنْعامِ، وكما لو أخَذَه سليمًا. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه صَيدٌ قَتَلَه الجارِحُ له مِن غيرِ إمْكانِ ذَكاتِه، فأُبِيحَ، كما لو أدْرَكَه مَيِّتًا، ولأنَّها حالٌ تتَعَذَّرُ فيها الذَّكاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ غالبًا، فجازَأن تكونَ ذَكاتُه على حَسَبِ الإِمْكانِ،
стр. 13521
وَإِنْ رَمَى صَيدًا فَأَثْبَتَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ، وَلِمَن أَثْبَتَهُ
ــ
كالمُتَرَدِّيَةِ في بئرٍ. وحُكِيَ عن القاضي، أنَّه قال في هذا: يتْرُكُه حتى يموتَ، فيحلَّ؛ لأنَّه صَيدٌ تعَذَّرَتْ تَذْكِيَتُه، فأُبِيحَ بمَوْتِه مِن غيرِ عَقِرِ الصّائِدِ له، كالذي تَعَذَّرَتْ تَذْكِيَتُه لقِلَّةِ لُبْثِه (١). والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه حيوانٌ لا يُباحُ بغيرِ التَّذْكِيَةِ إذا كان معه آلةُ الذَّكاةِ، فلم يُبَحْ بغيرِها إذا لم تكُنْ آلةٌ، كسائِرِ المقْدُورِ على تَذْكِيَتِه.
فصل (٢): مسألةُ الخِرَقِيِّ مَحْمُولَةٌ على ما يُخافُ موتُه إن لم يَقْتُلْه الحيوانُ أو يُذَكَّى. فإن كان به حَياةٌ يُمْكِنُ بَقاءُه إلى أن يأْتِيَ به منزلَه، فليس فيه اخْتِلافٌ؛ لأنَّه لا يُباحُ إلَّا بالذَّكاةِ.
٤٦٤٧ - مسألة: (وإن رَمَى صَيدًا فَأثْبَتَه، ثُمَّ رَمَاه آخَرُ فَقَتَله ،
стр. 13522
قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا عَلَى قَاتِلِه، إلا أنْ يُصِيبَ الْأوَّلُ مَقْتَلَهُ دُونَ الثَّانِي، أوْ يُصِيبَ الثَّانِي مَذْبَحَهُ، فَيَحِلُّ، وَعَلَى الثَّانِي مَا خَرَقَ مِنْ جِلْدِهِ.
ــ
لم يَحِلَّ، ولِمَن أثْبَتَه قِيمَتُه مَجْرُوحًا على قَاتِلِه، إلَّا أن يُصِيبَ الأوَّلُ مَقْتَلَه دونَ الثانِي، أو يَصِيبَ الثّانِي مَذْبَحَه، فيَحِلُّ، وعلى الثّانِي ما خرَقَ مِن جِلْدِه) إذا رَمَى صَيدًا فأثْبَتَه، ثم رَماه آخَرُ فأصابَه، لم تَخْلُ رَمْيَةُ الأوَّلِ مِن قِسْمَين؛ أحَدُهما، أن تكون مُوحِيَةً (١)، مِثْلَ أن يَنْحَرَه، أو يَذْبَحَه، أو تَقَعَ في خاصِرَتِه أو قَلْبِه، فيُنْظَرُ في رَمْيَةِ الثانِي، فإن كانت غيرَ مُوحِيَةٍ (١)، فهو حَلالٌ، ولا ضَمانَ على الثاني، إلَّا أن يَنْقُصَه برَمْيِه شيئًا، فيضْمَنُ ما نَقَصَه، وبالرَّمْيَةِ الأُولَى صار مَذْبُوحًا. وإن كانت رَمْيَةُ الثانِي (٢) مُوحِيَةً (١)، فقال القاضِي وأصحابُه: يَحِلُّ، كالتي قبلَها. وهو مذهبُ الشافعيِّ. ويَجِئُ على قولِ الخِرَقِيِّ أن يكونَ حَرامًا، كما لو ذُبِحَ حيوانٌ، فغَرِقَ في ماءٍ، أو وَطِئَ عليه شيءٌ (٣) فقَتَلَه، وقد ذكَرْناه.
стр. 13523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسمُ الثاني، أن يكونَ جُرْحُ الأوَّلِ غيرَ مُوحٍ (١)، فيُنْظَرُ في رَمْيَةِ الثاني؛ فإن كَانت مُوحِيَةً (٢)، فهو مُحَرَّمٌ؛ لِما ذكَرْنا، إلَّا أن تكونَ رَمْيَةُ الثانِي ذَبَحَتْه أو نحَرَتْه.
فصل: فإن لم تكُنْ جِراحَةُ الثاني مُوحِيَةً، فله ثلاثُ صُوَرٍ؛ إحداها، أن يُذَكَّى بعدَ ذلك، فيَحِلُّ. الثانِيةُ، لم يُذَكَّ حتى ماتَ، فهو حَرامٌ؛ لأنَّه مات مِن جُرْحَينِ؛ مُبِيحٍ ومُحَرمٍ، فحَرُمَ، كما لو مات مِن جَرْحِ مسلمٍ ومَجُوسِيٍّ، وعلى الثاني ضَمانُ جَمِيعِه؛ لأنَّ جُرْحَه هو الذي حَرَّمَه، فكان جَمِيعُ الضَّمانِ عليه. الثالثةُ، قَدَر على ذَكاتِه فلم يُذَكِّه حتى مات، فمحْرُمُ لِمَعْنَيَين؛ أحدُهما، أنَّه تَرَك ذَكاتَه مع إمْكانِه. الثاني، أنَّه مات مِن جُرْحَين؛ مُبِيحٍ ومُحَرِّمٍ، ويلزمُ الثانيَ الضَّمانُ، وفي قَدْرِه
стр. 13524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
احْتِمالان؛ أحدُهما، يضْمَنُ جميعَه، كالتي قبلَها. الاحتمالُ الثانِي، [أنَّ الثانيَ] (١) يضْمَنُ بقِسْطِ (٢) جُرْحِه؛ لأنَّ الأوَّلَ إذا تَرَك الذَّبْحَ مع إمْكانِه، صار (٣) جُرْحُه حاظِرًا أيضًا، بدليلِ ما لو انْفَرَدَ وقَتَل الصَّيدَ، فيكونُ الضَّمانُ مُنْقَسِمًا عليهما. وذكَر القاضِي في قَسْمِه عليهما، أنَّه (٤) يَسْقُطُ أرْشُ جُرْحِ الأوَّلِ، وعلى الثاني أرْشُ جِراحَتِه، ثُمَّ يُقْسَمُ ما بَقِيَ مِن القِيمَةِ بينَهما نِصْفَين. وفَرَضَ المسألةَ في صَيدٍ قِيمَتُه عشَرةُ دراهِمَ، نقَصَه جُرْحُ الأوَّلِ درهمًا، ونقَصَه جُرْحُ الثاني درهمًا، فعليه درهمٌ، ويُقْسَمُ الباقي وهو ثمانيةٌ بينَهما نِصْفَين، فيكونُ على الثانِي خَمْسَةُ دراهمَ؛ درهمٌ بالمُباشَرَةِ، وأربعةٌ بالسِّرَايَةِ، وتَسْقُطُ حِصَّةُ الأوَّلِ وهي خَمْسَةٌ.
стр. 13525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن كان أرْشُ جُرْحِ الثاني درهمَين، لَزِماهُ، ويَلْزَمُه نِصْفُ السبعةِ الباقِيَةِ، ثلاثةٌ ونِصْفٌ، وذلك خَمْسَةٌ ونِصْفٌ، وتسْقُطُ حِصَّةُ الأوَّلِ أربعةٌ ونِصْفٌ. فإن كانت جِنايَتُهُما [على حيوانٍ] (١) مَمْلُوكٍ (٢) لغيرِهما، قُسِمَ الضَّمانُ عليهما كذلك. قال شيخُنا (٣): ويتَوَجَّهُ على هذه الطريقَةِ، أنَّه سَوَّى بينَ الجِنايَتَين، مع أنَّ الثانيَ جَنَى عليه وقيمَتُه دونَ قِيمَتِه يومَ جَنَى عليه الأوَّلُ، فإنَّه (٤) لم يَدْخُلْ أرْشُ الجِنايَةِ في بَدَلِ النَّفْسِ، كما يدْخُلُ في الجِنايَةِ على الآدَمِي. قال شيخُنا (٥): والجوابُ عن هذا، أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما انْفَرَدَ بإتْلافِ ما قِيمَتُه درهمٌ، وتَساوَيا في إتْلافِ الباقي بالسِّرَايَةِ، وتَساوَيا في الضَّمانِ، وإنَّما يدْخُلُ أرْشُ الجنايَةِ في (٦) بَدَلِ النَّفْسِ التي لا يَنْقُصُ بَدَلُها بإتْلافِ بعْضِها، وهو (٧) الآدَمِيُّ، أمّا البَهائِمُ، فإذا جَنَى عليها جنايَةً أَرْشُها درهَمٌ، نَقَصَ ذلك بِن قِيمَتِها، فإذا سَرَى إلى النَّفْسِ، أوْجَبْنا ما بَقِيَ مِن قِيمَةِ النَّفْسِ، ولم يَدْخُلِ الأَرْشُ فيها. وذكرَ أصحاب الشافعيِّ في قِسْمَةِ الضَّمانِ طُرُقًا سِتَّةً؛ أصَحُّها
стр. 13526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنْدَهم أن يُقال: إنَّ الأوَّلَ أتْلَفَ نِصْفَ قِيمَتُها [عشَرةٌ، فيَلْزَمُه خمسةٌ، والثاني أتْلَفَ نصفَ قيمَتُها] (١) تسعةٌ، فيَلْزَمُه أربعةٌ ونصفٌ، فيكونُ الجْمُوعُ تِسْعةً ونِصْفًا، وهي أقلُّ مِن قِيمَتِه، لأنَّها عشَرةٌ، فتُقْسَمُ العشَرةُ على تِسْعَةٍ ونِصْفٍ، فيسْقُطُ عن الأوَّلِ ما يُقابِلُ أرْبَعَةً ونِصْفًا. ويتَوَجَّهُ على هذا، أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يلزَمُه أكْثَرُ مِن قِيمَةِ نِصْفِ الصَّيدِ حينَ جَنَى عليه. وإن كانتِ الجِراحَاتُ مِن ثلاثةٍ، فإن كان الأوَّلُ هو (٢) أثْبَتَه، فعلى طَرِيقَةِ القاضِي، على كُلِّ واحدٍ أرْشُ جَرْحِه، وتُقْسَمُ السِّرَايَةُ عليهم أثلاثًا، وإن كان المُثْبِتُ له الثانِيَ، فجِراحَةُ الأوَّلِ هَدْرٌ لا عِبْرَةَ بها، والحكمُ في جَرْحَيِ الآخَرَين كما ذكَرْنا. وعلى الطرِيقَةِ الأُخْرَى، الأوَّلُ أتْلَفَ ثُلُثَ قيمتُها عشرةٌ، فيَلْزَمُه ثلاثَةٌ وثُلُثٌ،
стр. 13527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني أتْلَفَ ثُلُثَها وقيمَتُها تسعةٌ، فيَلْزَمُه ثلاثَةٌ، والثالثُ أتْلَفَ ثُلُثَها وقِيمَتُها ثمانيةٌ، فيَلْزَمُه دِرْهَمان وثُلُثان، فمجموعُ ذلك تِسْعَةٌ، تُقْسَمُ عليها العشَرةُ، حِصَّةُ كلِّ واحدٍ منهم ما يُقابِلُ ما أتْلَفَه. وإن أتْلَفُوا شاةً مَمْلُوكَةً لغيرِهم (١) ضَمِنُوها كذلك.
فصل: فإن رَمَياهُ معًا فَقَتَلاه، كان حلالًا، ومَلَكاهُ؛ لأنَّهما اشْتَرَكا في سَبَبِ المِلْكِ والحِلِّ، تَساوَى الجُرْحان أو تَفاوَتا؛ لأنَّ موتَه كان بهما (٢)، فإن كان أحدُهما مُوحِيًا (٣)، والآخَرُ غيرَ مُوحٍ (٤)، ولا يُثْبِتُه مِثْلُه، فهو لِصاحبِ الجُرْحِ المُوحِي؛ لأنَّه الذي أثْبَتَه وقَتَلَه، ولا شَيءَ على الآخرِ؛ لأنَّ جُرْحَه كان قبلَ ثُبُوتِ مِلْكِ الآخَرِ فيه. وإن أصابَه أحَدُهما بعدَ صاحِبِه، فوَجَدْناه مَيِّتًا، و (٥) لم يُعْلَمْ هل صارَ بالأوَّلِ مُمْتَنِعًا (٦) أو لَا؟ حَلَّ؛ لأنَّ الأصلَ الامْتِناعُ، ويكونُ بينَهما؛ لأنَّ
стр. 13528
وَإِنْ أَدرَكَ الصَّيدَ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَهُوَ كَالْمَيِّتِ، وَمَتَى
ــ
أيدِيَهما عليه. فإنْ قال كُلُّ واحدٍ منهما: أنا أثْبَتُّه، ثم قَتَلْتَه أنتَ. حَرُمَ؛ لأنَّهما اتَّفَقا على تَحْرِيمِه، ويتَحالفان لأجلِ الضَّمانِ. وإنِ اتَّفَقا على الأوَّلِ منهما، فادَّعَى الأوَّلُ أنَّه أثْبَتَه، ثم قَتَلَه الآخرُ، وأنْكَرَ الثاني إثْباتَ الأوَّلِ له، فالقولُ قولُ الثاني؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ (١) امْتِناعِه، ويَحْرُمُ على الأوَّلِ؛ لإِقْرارِه بتَحْرِيمِه، والقولُ قولُ الثاني في عدمِ الامْتِناعِ مع يَمِينِه. وإن عُلِمَتْ جِراحَةُ كُلِّ واحدٍ منهما، نُظِرَ فيها، فإن عُلِمَ أنَّ جِراحَةَ الأوَّلِ لا يَبْقَى معها امْتِناعٌ، مِثْلَ أن كسَرَ جَناحَ الطَّيرِ، أو ساقَ الظَّبْي، فالقولُ قولُ الأوَّلِ بغيرِ يَمِينٍ، وإن عُلِمَ أنَّه لا يُزِيلُ الامْتِناعَ، مِثْلَ خَدْشِ الجِلْدِ، فالقولُ قولُ الثاني، وإنِ احْتَمَلَ الأمْرَينِ، فالقولُ قولُ الثاني؛ لأنَّ الأصلَ معه، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّ ما ادَّعاه الأوَّلُ مُحْتَمِلٌ.
٤٦٤٨ - مسألة: (وإن أدْرَكَ الصَّيدَ مُتَحَرِّكًا كحَرَكَةِ المَذْبُوحِ ،
стр. 13529
أَدْرَكَهُ مَيِّتًا، حَلَّ بِشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلَ الذَّكَاةِ،
ــ
فحُكْمُه، حُكْمُ المَيِّتِ) لَا يَحْتَاجُ إلى ذَكاةٍ؛ لأنَّ عَقْرَه كذَكاتِه (ومتى أدْرَكَه مَيِّتًا حَلَّ بشُرُوطٍ أربعةٍ؛ أحدُها، أن يكونَ الصائِدُ مِن أهلِ الذَّكاةِ) وهو أن يكونَ مُسْلِمًا عاقِلًا، أو كِتابِيًّا، فإن كان وَثَنِيًّا، أو مَجُوسِيًّا، أو مُرْتَدًّا، أو مِن غير المسلمين وأهلِ الكتابِ، أو مَجْنُونًا، لم يُبَحْ صَيدُه؛ لأنَّ الاصْطِيادَ أُقِيمَ مُقامَ الذَّكاةِ، والجارِحُ مُقامَ الآلَةِ كالسِّكِّينِ، وعَقْرُه للحيوانِ بمَنْزِلَةِ إفْراءِ الأوْداجِ، قال النبيُّ ﷺ : «فإنَّ أخْذَ الكَلْبِ لَهُ ذَكَاةٌ» (١). والصّائِدُ بمنزلَةِ المُذَكِّي، فتُشْتَرَطُ الأهْلِيَّةُ فيه.
стр. 13530
فَإنْ رَمَى مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ صَيدًا، أوْ أَرْسَلا عَلَيهِ جَارِحًا، أوْ شَارَكَ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ في قَتْلِهِ، لَمْ يَحِلَّ، وَإنْ أصَابَ سَهْمُ أحَدِهِمَا الْمَقْتَلَ دُونَ الْآخرِ، فَالْحُكْمُ لَهُ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحِلَّ.
ــ
فصل: فأمّا ما لا يَفْتَقِرُ إلى الذَّكاةِ، كالحُوتِ والجَرادِ، فيُباحُ إذا صادَه المَجوسِيُّ ومَن لا تُباحُ ذَبِيحَتُه، وقد أجْمَعَ على ذلك أهلُ العلمِ، غيرَ أنَّ مالِكًا، واللَّيثَ، وأبا ثَوْرٍ، شَذُّوا عن الجماعَةِ، وأفرَطُوا، فقال مالِكٌ، واللَّيثُ: لا نَرَى أن يُؤْكَلَ الجرادُ إذا صادَه المَجُوسِيُّ. ورَخَّصا في السَّمَكِ، وأباحَ أبو ثَوْرٍ صَيدَ المجُوسِيِّ وذَبِيحَتَه. وقد ذكَرْنا ذلك في بابِ الذَّكاةِ (١).
٤٦٤٩ - مسألة: (فإن رَمَى مُسْلِمٌ ومَجُوسِيٌّ صَيدًا، أو أرْسَلا عليه جَارِحًا، أو شارَكَ كَلْبُ المَجُوسِي كَلْبَ المسْلِمِ في قَتْلِه، لم يَحِلَّ، وإن أصابَ سهمُ أحدِهما المَقْتَلَ دونَ الآخرِ، حَلَّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحِلَّ) متى رَمَى مسلمٌ ومَجُوسِيٌّ، أو مَن ليس مِن أهلِ الذَّكاةِ صَيدًا، أو أرسَلا عليه جارِحًا، فمات بذلك، لم يَحِل؛ لأنَّه اجْتَمَعَ في قَتْلِه مُبِيحٌ ومُحَرِّمٌ، فغَلَبَ التَّحرِيمُ، كالمُتَوَلِّدِ بينَ ما يُؤْكَلُ وبينَ ما لا يُؤْكَلُ.
стр. 13531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذلك إن شارَكَ كلبُ المجُوسِيِّ كلبَ المسلمِ في قَتْلِه؛ لِما ذكَرْنا، ولأنَّ الأصلَ الحَظْرُ، والحِلُّ مَوْقُوفٌ على شَرْطٍ، وهو تَذْكِيَةُ (١) مَن هو مِن أهلَ الذَّكاةِ، أو صَيدُه الذي حصَلَتِ التَّذْكِيَةُ به، ولم يتحقَّقْ ذلك. وكذلك إن رَمَياه بسَهْمَيهِما، فأصَاباه، فمات؛ لِمَا ذكَرْناه. ولا فَرْقَ بينَ أن يَقَعَ سَهْماهُما فيه دَفْعَةً واحدةً، أو يَقَعَ أحدُهما قبلَ الآخَرِ. فإن أصابَ أحدُهما مَقْتَلَه دونَ الآخَرِ، مِثْلَ أن يكونَ الأوَّلُ (٢) قد عَقَرَه عَقْرًا (٣) مُوحِيًا، مِثْلَ أن ذَبَحَه، أو جَعَلَه في حُكْمِ المذْبُوحِ، ثم أصابَه الثاني وهو غيرُ مُوحٍ، [فيكونُ الحُكْمُ للأوَّلِ، فإن كان الأوَّلُ المسلمَ، أُبِيحَ، وإن كان المَجُوسِيَّ، لم يُبَحْ. وإن كان الجُرْحُ الثاني مُوحِيًا أيضًا، فهو مُباحٌ في قولِ أكثرِ الأصحابِ، إن كان الأوَّلُ مسلمًا؛ لأنَّ الإِباحةَ حصلت به، فأشبهَ ما لو كان الثاني غيرَ مُوحٍ. ويتَخَرَّجُ أن لا يُباحَ على قولِ الخِرَقِيِّ] (٤)، فإنَّه قال: إذا ذَبَح فأتَى على المَقاتِلِ، فلم تخْرُجِ الرُّوحُ
стр. 13532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حتى وقَعَتْ في الماءِ، لم تُؤْكَلْ. ولأنَّ الرُّوحَ خَرَجَتْ بالجُرْحَين، فأشْبَهَ ما لو جَرَحاه معًا. وإن كان الأوَّلُ ليس بمُوحٍ، [والثاني موحٍ] (١)، فالحُكمُ للثاني في الحظْرِ والإِباحَةِ.
فصل: فإن أرْسَلَ مُسْلمان كلْبَيهِما على صَيدٍ، وسَمَّى أحدُهما دونَ الآخَرِ، وكان أحَدُ الكَلْبَين غيرَ مُعَلَّم، فقَتَلا صَيدًا، لم يَحِلَّ. وكذلك إن أرْسَلَ كلْبَه المُعَلَّمَ، فاسْتَرْسَلَ (٢) معه مُعَلَّمٌ آخَرُ بنَفسِه، فقَتَلا الصَّيدَ، [لم يَحِلَّ] (١)، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ربيعهُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال الأوْزَاعِيُّ: يَحِلُّ ههُنا. ولَنا، أنَّ إرْسال الكَلْبِ على الصَّيدِ شرطٌ؛ لِما نذْكُرُه، ولم يُوجَدْ في أحَدِهما.
стр. 13533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا أَرسَلَ جماعةٌ كلابًا، وسَمَّوْا، فوجَدُوا الصَّيدَ قَتِيلًا، لا يَدْرُونَ مَن قَتَلَه، حَلَّ أكلُه. فإنِ اخْتَلَفُوا في قاتلِه، وكانتِ الكِلابُ مُتَعَلِّقَةً به، فهو بينَهم على السَّواءِ؛ لأنَّ الجميعَ مُشْتَرِكَةٌ في إمْساكِه، فأَشْبَهَ ما لو كان في أيدِى الصَّيّادِين أو عَبِيدِهم. وإن كان البعضُ مُتَعَلِّقًا به دونَ باقِيها، فهو لِمن كَلْبُه متعلِّقٌ به، وعلى مَن حَكَمْنا له به اليَمِينُ في المسأَلتَين؛ لأنَّ دَعْواه مُحْتَمِلَةٌ، فكانتِ اليمينُ عليه، كصاحبِ اليَدِ. وإن كان قتيلًا والكلابُ ناحيةً، وقَفَ الأمْرُ حتى يَصْطَلِحُوا. ويَحْتمِلُ أن يُقْرَعَ بينَهم،
стр. 13534
وإنْ رَدَّ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ الصَّيدَ عَلَى كَلْبِ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ، حَلَّ. وَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ، حَلَّ. وَعَنْهُ، لَا يَحِلُّ.
ــ
فمَن قَرَع صاحبَه حَلَفَ، وكان له. وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ، قياسًا على ما لو تَداعَيا دَابَّةً في يَدِ غيرِهما. وعلى الأوَّلِ، إذا خِيفَ فسادُه، قبلَ اصْطِلاحِهم عليه، باعُوه، ثم اصْطَلَحُوا على ثَمَنِه.
٤٦٥٠ - مسألة: (وإن رَدَّ كَلْبُ المَجُوسِيِّ الصَّيدَ على كَلْبِ المسلمِ، فقَتَلَه، حَلَّ) أكْلُه. وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحِلُّ؛ لأنَّ كَلْبَ المجُوسِيِّ عاوَنَ في اصْطِيادِه، فأشْبَهَ إذا عَقَرَه. ولَنا، أنَّ جارِحَةَ المسلمِ انْفَرَدَتْ بقَتْلِه، فأُبِيحَ، كما لو رَمَى المَجُوسِيُّ سَهْمَه، فرَدَّ الصَّيدَ، فأصابَه سَهْمُ المسلمِ، فقَتَلَه، أو أمْسَكَ مَجُوسِيٌّ شاةً، فذَبَحَها مُسْلِمٌ. وبهذا يَبْطُلُ ما قاله.
٤٦٥١ - مسألة: (وإن صادَ المسلمُ بكَلْبِ المَجُوسِيِّ، حَلَّ) صَيدُه (وعنه، لا يَحِلُّ) يَحِلُّ (١) صَيدُ المسلمِ بكَلْبِ المَجُوسِيِّ، في
стр. 13535
وَإِنْ صَادَ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ مُسْلِمٍ، لَمْ يَحِلَّ،
ــ
الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَكَمُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي، وإسحاقُ. وعنه، لا يُباحُ. وكَرِهَهُ جابرٌ، والحسَنُ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (١). وهذا لم يُعَلِّمْه. وعن الحسَنِ، أنَّه كَرِهَ الصَّيدَ بكلب اليَهُودِيِّ والنَّصْرَانِيِّ؛ لهذه الآيةِ. ولَنا، أنَّه آلَةٌ صادَ بها المسلمُ، فحلَّ صَيدُه، كالقَوْسِ والسَّهْمِ. وقال ابنُ المُسَيَّبِ: هو بمنْزِلَةِ شَفْرَتِه (٢). والآيةُ دَلَّت على إباحَةِ الصَّيدِ بما عَلَّمْناه، وما عَلَّمَه غيرُنا فهو في مَعْناه، فيَثْبُتُ الحُكْمُ بالقِياسِ الذي ذكَرْناه، يُحَقِّقُه أنَّ التَّعْلِيمَ إنَّما أثَّرَ في جَعْلِة آلَةً، ولا تُشْتَرَطُ الأهْلِيَّةُ في ذلك هنا (٣)، كعَمَلِ القَوْسِ والسَّهْمِ، وإنَّما أثَّرَ فيما أُقيمَ مُقامَ الذَّكاةِ، وهو إرْسالُ الآلَةِ، مِن الكلْبِ والسَّهْمِ، وقد وُجِدَ الشَّرْطُ ههُنا.
٤٦٥٢ - مسألة: (وإن صادَ المجُوسِيُّ بكَلْبِ المسلمِ، لم يَحِلَّ)
стр. 13536
وَإِنْ أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ كَلْبًا، فَزَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ، حَلَّ صَيدُهُ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ مَجُوسِيٌّ، فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ، لَمْ يَحِلَّ.
فَصْلٌ: الثَّاني، الْآلَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ؛ مُحَدَّدٌ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِآلَةِ الذَّكَاةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ جَرْحِهِ بِهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِثِقْلِهِ، لَمْ
ــ
صَيدُه في قولِ الجَمِيعِ.
٤٦٥٣ - مسألة: (وإن أرْسَلَ المسلمُ كَلْبًا، فزَجَرَه المَجُوسِيُّ، حَلَّ صَيدُه) لأنَّ الصّائِدَ هو المسلمُ (وإن أرسْلَهَ مجُوسِيٌّ، فزَجَرَه مسلمٌ، لم يَحِلَّ) لأنَّ الصّائِدَ هو المجُوسِيُّ.
فصل: (الثاني، الآلَةُ، وهي نَوْعان؛ مُحَدَّدٌ، فيُشْتَرطُ له ما يُشْتَرطُ لآلَةِ الذَّكاةِ) [على ما ذكَرْنا في بابِ الذَّكاةِ] (١)، ولا بدَّ أن يَجْرَحَه (فإن قَتَلَه بثِقْلِه، لم يُبَحْ) لأنَّه وَقِيذٌ (٢)، فيَدْخُلُ في عُمومِ قولِه تعالى.
стр. 13537
يُبَحْ، وَإنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ، أَكَلَ ما قَتَلَ بِحَدِّهِ دُونَ عَرْضِهِ.
ــ
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ (١).
٤٦٥٤ - مسألة: (وإن صادَ بالمِعْراضِ، أكَلَ ما قَتَل بِحَدِّهِ دونَ عَرْضِه) المِعْراضُ: عودٌ مُحَدَّدٌ، ورُبَّما جُعِلَ في رَأْسِه حديدَةٌ. قال أحمدُ: المِعْراضُ يُشْبِهُ السَّهْمَ، يُحْذَفُ (٢) به الصَّيدُ، فرُبَّما أصابَ الصَّيدَ بحَدِّه، فخَرَقَ وقَتَلَ، فيُباحُ، وربَّما أصابَ بعَرْضِه، فقَتَلَ بثِقْلِه، فيكونُ مَوْقُوذًا، فلا يُباحُ. وهذا قولُ عليٍّ، وسلمانَ (٣)، وعَمّارٍ، وابنِ عباسٍ. وبه قال النَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الأوْزاعِيُّ، والحَكَمُ، وأهْلُ الشّامِ: يُباحُ ما قَتَلَه (٤) بحَدِّه وعَرْضِه. وقال ابنُ عمرَ: ما رُمِيَ مِن الصَّيدِ بجُلَّاهِقَ (٥) أو مِعْراضٍ، فهو مِن المَوقوذَةِ (٦).
стр. 13538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبه قال الحسَنُ. ولَنا، ما رَوَى عَدِيُّ بنُ حاتِمٍ، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن صَيدِ المِعْرَاضِ، فقال: «مَا خزَق فَكُلْ، ومَا قَتَلَ بعَرْضه فهُوَ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وهذا نَصٌّ صريحٌ. ولأنَّ ما قَتَلَه (٢) بحَدِّه بمَنْزِلَةِ ما طَعَنَه برُمْحِه، أو رَماهُ بسَهْمِه، ولأنَّه مُحَدَّد خَرَق وقَتَل بحَدِّه، وما قَتَل بعَرْضه إنَّما يقْتُلُه بثِقْلِه، فهو مَوْقُوذٌ، كالذي رَماه بحَجَرٍ أو بُنْدُقٍ. ويُحْمَلُ قولُ ابنِ عمرَ في تحْريمِ ما قَتَل بالمِعْراضِ، على ما قَتَل بعَرْضِه؛ لأنَّه (٣) شَبَّهَه بالبُنْدُقِ.
فصل: وحُكْمُ آلاتِ الصَّيدِ حُكْمُ المِعْراضِ، في أنَّها إذا قَتَلَتْ بعَرْضِها ولم تَجْرَحْ، لم يُبَحِ الصَّيدُ، كالسَّهْمِ يُصِيبُ الطائِرَ بعَرْضه فيقتُلُه، أو الرُّمْحِ والحَرْبَةِ والسَّيفِ يُضْرَبُ به صَفْحًا فيَقْتُلُ، فكُلُّ ذلك حَرامٌ. وكذا إن أصابَ بحَدِّه فلم يَجْرَحْ، وقَتَل بثِقْلِه، لم يُبَحْ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَا خَزَق، فَكُلْ». ولأنَّه إذا لم يَجْرَحْه، فإنَّما يَقْتُلُ بثِقْلِه، فأَشْبَهَ ما أصابَ بعَرْضه.
стр. 13539
وَإِنْ نَصَبَ مَنَاجِلَ أَوْ سَكَاكِينَ، وَسَمَّى عِنْدَ نَصْبِهَا، فَقَتَلَتْ صَيدًا، أُبِيحَ.
ــ
٤٦٥٥ - مسألة: (وإن نَصَب منَاجِلَ أو سَكاكِينَ، وسَمَّى عندَ نَصْبِها، فقَتَلَتْ صَيدًا، أُبِيحَ) فَإن بانَ منه عُضْوٌ، فحُكْمُه حُكْمُ البائنِ بضَرْبَةِ الصّائِدِ على ما نَذْكُرُه. رُوِيَ نحوُ ذلك عن ابنِ عمرَ. وهو قولُ الحسنِ، وقَتادَةَ. وقال الشافعيُّ: لا يُباحُ بحالٍ؛ لأنَّه لم يُذَكِّه أحَدٌ، وإنَّما قَتَلَتِ المناجِلُ بنَفْسِها، ولم يُوجَدْ مِن الصّائِدِ إلَّا السَّبَبُ، فجَرَى ذلك مَجْرَى مَن (١) نَصَب سِكِّينًا، فذَبَحَتْ شاةً، ولأنَّه لو رَمَى سَهْمًا وهو لا يَرَى صَيدًا، فقَتَلَ صَيدًا، لم يَحِلَّ، فهذا أوْلَى. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيكَ يَدُكَ» (٢). [ولأنَّه قَتَل الصيدَ بحَدِيدةٍ على الوجْهِ المُعْتادِ، فأشْبَهَ ما لو رَماه بها] (٣)، ولأنَّه قَصَد قَتْلَ الصَّيدِ بما له حَدٌّ
стр. 13540
وَإنْ قَتَلَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ، لَمْ يُبَحْ، إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ السَّمَّ أَعانَ عَلَى قَتْلِهِ.
ــ
جَرَتِ العادَةُ بالصَّيدِ به، أشْبَهَ ما ذكَرْنا، والتَّسَبُّبُ يَجْرِي مَجْرَى المُباشَرَةِ في الضَّمانِ، فكذلك في إباحَةِ الصَّيدِ، وفارَقَ ما إذا نَصَب سِكِّينًا، فإنَّ العادَةَ لم تَجْرِ بالصَّيدِ بها، وإذا رَمَى سَهْمًا، ولم يَرْمِ صَيدًا، فليس ذلك بمُعْتادٍ، والظَّاهِرُ أنَّه لا يُصِيبُ صَيدًا، فلم يَصِحَّ قَصْدُه، بخلافِ هذا.
٤٦٥٦ - مسألة: (وإذا قَتَل بسَهْم مسمُومٍ، لم يُبَحْ، إذا غَلب على الظَّنِّ أنَّ السَّمَّ أعانَ على قَتْلِه) إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ ما قَتَلَه السَّمُّ
стр. 13541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُحَرَّمٌ، وما قَتَلَه السَّهْمُ مُباحٌ، فإذا مات بسَبَبٍ مُباحٍ ومُحَرَّمٍ، حَرُمَ، كما لو مات بسَهْمَيْ مسلمٍ ومَجُوسِيٍّ. فأمّا إن عَلِمَ أنَّ السَّمَّ لم يُعِنْ على
стр. 13542
وَلَوْ رَمَاهُ فَوَقَعَ في مَاءٍ، أوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أوْ وَطِئَ عَلَيهِ شَيْءٌ فَقَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ، إلا أن يَكُونَ الْجُرْحُ مُوحِيًا كَالذَّكَاةِ، فَهَلْ يَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
قَتْلِه، لكونِ السَّهْمِ أوْحَى منه، فهو مُباحٌ.
٤٦٥٧ - مسألة: (وإن رَماه فوَقَعَ في ماءٍ، أو تَرَدَّى مِن جَبَلٍ، أو وَطِئَ عليه شيءٌ فقَتَلَه، لم يُبَحْ، إلَّا أن تكونَ الجِراحَةُ مُوحِيَةً كَالذَّكاةِ، فهل يَحِلُّ؟ على رِوايَتَين) أرادَ (١) إذا وَقَع في ماءٍ يقتُلُه مِثلُه، أو تَرَدَّى تَرَدِّيًا يقْتُلُه مِثلُه، قلا يَحِلُّ إذا لم تكُنِ الجِراحَةُ مُوحِيَةً، فإن كانتِ الجراحَةُ مُوحِيَةً كالذَّكاةِ، ففيه رِوايتان، إحداهما، لا يَحِلُّ. وهو الذي ذكَرَه
стр. 13543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخِرَقِيُّ. وهي المشْهُورَةُ عن أحمدَ. وهو ظاهِرُ قولِ ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، وأصحابِ الرَّأْي. والرِّوايةُ الثانيةُ، يَحِلُّ. وهو قولُ أكثرِ أصحابِنا المُتأخِّرِين، ولا يَضُرُّ وقُوعُه في الماءِ ولا تَرَدِّيه. وهو قول الشافعيِّ، ومالِكٍ، واللَّيثِ، وقَتادَةَ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ هذا صارَ في حُكْمِ الميِّتِ بالذَّبْحِ، فلا يُؤثِّرُ فيه ما أصابَه. ووَجْهُ الأُولَى، قوْلُه ﵊: «فإن وَجدْتَه غَرِيقًا في الماءِ فلا تأْكُلْ» (١). ولأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ الماءَ أعانَ على خُروجِ رُوحِه، فصارَ بمنزلَةِ ما لو كانتِ الجِراحَةُ غيرَ مُوحِيَةٍ، ولا خلافَ في تحْرِيمِه إذا كانتِ الجراحَةُ غيرَ مُوحِيَةٍ. فأمّا إن وَقَع في الماءِ على وَجْهٍ لا يقتُلُه، مِثْلَ أن يكونَ رأَسُه خارِجًا مِن الماءِ، أو يكونَ مِن طيرِ الماءِ الذي لا يقْتُلُه الماءُ، أو كان التَّرَدِّي لا يَقْتُلُ
стр. 13544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثلَ ذلِك الحيوانِ، فلا خِلافَ في إباحَتِه؛ لأنَّ قولَ النبيِّ ﷺ : «فإن وَجَدْتَه غَرِيقًا في الماءِ فلا تَأْكلْه». يقْتَضِي أن يَغْرَقَ جميعُه، ولأنَّ الوُقُوعَ في الماءِ والتَّرَدِّيَ إنَّما حَرَّمَ خَشْيَةَ أن يكونَ قاتِلًا أو مُعِينًا على القَتْلِ، وهذا مُنْتَفٍ فيما ذَكَرْناه.
стр. 13545
وَإنْ رَمَاهُ في الْهَواءِ، فَوَقَعَ عَلَى الْأرْضِ، فَمَاتَ، حَلَّ.
ــ
٤٦٥٨ - مسألة: (فإن رَماه في الهَواءِ، فوَقَع على الأرضِ، فمات، حَلَّ) إذا رَمَى طائِرًا في الهواءِ، أو على شجرةٍ، أو جبَل، فوَقَع على الأرضِ، فماتَ به (١)، حَلَّ. وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال مالِكٌ: لا يَحِلُّ، إلَّا أن تكونَ الجِراحَةُ مُوحِيَةً، أو يموتَ قبلَ سُقوطِه. وحَكَى ابنُ أبي موسى عن أحمدَ رِوايَةً نحوَ ذلك؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ (٢). ولأنَّه اجْتَمَعَ المُبِيحُ والحاظِرُ، فَغُلبَ الحَظْرُ (٣)، كما لو غَرِقَ. ولَنا، أنَّه صَيدٌ سَقَط بالإِصابَةِ سُقُوطًا لا يُمْكِنُ
стр. 13546
وَإنْ رَمَى صَيدًا، فَغَابَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ غَيرَ سَهْمِهِ، حَلَّ. وَعَنْهُ، إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحُ مُوحِيَةً، حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا. وَعَنْهُ، إنْ وَجَدَهُ في يَوْمِهِ، حَلَّ، وَإلَّا فَلَا. وَإنْ وَجَدَ بِهِ غَيرَ أَثَرِ سَهْمِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أعَانَ عَلَى قَتْلِهِ، لَمْ يُبَحْ.
ــ
الاحْتِرازُ عن سُقُوطِه عليه، فوجَبَ أن يَحِلَّ، كما لو أصابَ الصَّيدَ فوقَع على جَنْبِه. ويُخالِفُ ما ذكروه، فإنَّ الماءَ يُمْكِنُ التَّحَوُّزُ عنه، بخلافِ الأرضِ.
٤٦٥٩ - مسألة: (وإن رَمَى صَيدًا، فغابَ، ثم وجَدَه مَيِّتًا لا أثَرَ به غَيرَ سَهْمِه، حَلَّ. وعنه، إن كانتِ الجِراحُ مُوحِيَةً، حَلَّ، وإلَّا فلا. وعنه، إن وَجَدَه في يومِه، حَلَّ، وإلَّا فلا. وإن وَجَدَ به غيرَ أثَرِ سَهْمِه ممّا يَحْتَمِلُ أنَّه أعانَ على قَتْلِه، لم يُبَحْ) متى رَمَى صَيدًا، فغابَ عن عَينِه،
стр. 13547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فوَجَدَه مَيِّتًا، وسَهْمُه فيه، لا أثَرَ بهْ غيرَه، حَلَّ أكْلُه. هذا المشهورُ عن أحمدَ، وكذلك لو أرْسَلَ كلْبَه على صَيدٍ، فغابَ عن عَينِه، ثم وَجَدَه ميِّتًا ومعه كَلْبُه، حَلَّ. وهذا قولُ الحسنِ، وقَتادَةَ. وعنٍ أحمدَ، إن كانتِ الجِراحَةُ مُوحِيَةً، حَلَّ، وإلَّا فلا؛ لأنَّها إذا كانت مُوحِيَةً، لم يتَأخَّرِ الموتُ عنها، ولم تَجُزْ نِسْبَة الوتِ إلى غيرِها إلَّا بوُجُودِ مِثْلِها أو أوْحَى، بخِلافِ غيرِها. وعنه، إن وجَدَه في يومِه، حَلَّ، وإلَّا فلَا. قال أحمدُ: إن غابَ نهارًا، فلا بأْسَ، وإن غابَ ليلًا، لم يأْكلْه. وعن مالِكٍ كالرِّوايَتَينٍ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه إن غابَ مُدَّةً طويلةً، لم يُبَحْ، وإن كانت يَسِيرَةً، أُبِيحَ. قيل له: إن غابَ يومًا؟ قال: يومٌ كثيرٌ. ووَجْهُ ذلك قولُ ابنِ عباسٍ: إذا رَمَيتَ فأقْعَصْتَ، فكُلْ، وإن رَمَيتَ فوَجَدْتَ فيه سَهْمَك مِن يومِكَ أو ليلتِكَ، فكُلْ، وإن غابَ عنك ليلةً، فلا تأْكُلْ؛ فإنَّك لا
стр. 13548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَدْرِي ما حَدَث فيه (١) بعدَك. وكرِهَ عطاءٌ والثَّوْرِيُّ أكْلَ ما غابَ. وعن أحمدَ مثل ذلك. وللشافعيِّ فيه قولان؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ قال: كُلْ ما أصْمَيتَ، وما أنْمَيتَ فلا تأْكُلْ (٢). قال الحَكَمُ: الإصْماءُ: الإِقْعاصُ -يعني أنَّه يمُوتُ في أكْلِ- والإِنْماءُ أن يَغِيبَ عنك. يعني أنَّه لا يمُوتُ في الحالِ. قال الشاعِرُ (٣):
فَهْوَ لا تَنْمِي رَمِيَّتُه ... ما له لا عُدَّ مِن نَفَرِهْ
وقال أبو حنيفةَ: يُباحُ إن لم يكُنْ تَرَك. طَلَبَه، وإن تشاغَلَ عنه ثم وَجَدَه، لم يُبَحْ. ولَنا، ما رَوَى عَدِيُّ بنُ حاتِمٍ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إذَا رَمَيتَ الصَّيدَ، فَوَجَدْتَه بَعْدَ يَوْم أو يَوْمَينِ، لَيسَ بِهِ إلا أثَرُ سَهْمِكَ، فَكُلْ، وإن وجَدْتَه غَرِيقًا فِي الماءِ، فَلَا تَأْكُلْ». مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن
стр. 13549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ رَجُلًا أتَى (١) النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أفْتِنِي في سَهْمِي. قال: «مَا رَدَّ عَلَيكَ سَهْمُكَ، فَكُلْ». قال: وإنْ تَغَيَّبَ عَنِّي؟ قال: «وإنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ، مَا لَمْ تَجدْ فيه أثَرًا غيرَ سَهْمِكَ، أو تَجِدْه قد صَلَّ (٢)». رَواه أبو داودَ (٣). وعن أبي ثَعْلَبَةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «إذَا رَمَيتَ الصيدَ، فَأدْرَكْتَه بَعْدَ ثَلَاثٍ وسَهْمُكَ فِيهِ، فَكُلْهُ، ما لَمْ يُنْتِنْ» (٤). ولأنَّ جُرْحَه سَبَبُ إباحَتِه، وقد وُجدَ يَقِينًا، والمُعارِضُ له مَشْكوكٌ فيه، فلا نَزُولُ عن اليقينِ بالشَّكِّ، ولَأنَّه وجَدَه وسَهْمُه فيه، ولم يَجِدْ به أثَرًا آخَرَ، فأشْبَهَ ما لو لم يَتْرُكْ طَلَبَه عندَ أبي حنيفةَ، أو كما لو غابَ نهارًا، أو مُدَّةً يَسِيرةً، أو كما لو لم يَغِبْ.
стр. 13550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُشْتَرطُ لحِلِّه شَرْطان؛ أحدُهما، أن يَجِدَ سَهْمَه فيه، أو أثَرَه ويَعْلَمَ أنَّه أثَرُ سَهْمِه؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ كذلك، فهو شَاكُّ في وُجودِ المُبِيحِ، فلا يثْبُتُ بالشَّكِّ. والثاني، أن لا يجدَ به أثَرًا غيرَ أثَرِ سَهْمِه، ممّا يَحْتَمِلُ أنَّه أعانَ على قَتْلِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «ما لَمْ تَجِدْ فِيهِ أثَرًا غَيرَ سَهْمِكَ». وفي لفظٍ: «إنْ وَجَدْتَ فِيهِ أثَرًا غَيرَ سَهْمِكَ، فَلَا تَأْكُلْه، فإنَّكَ لَا تَدْرِي، أقَتَلْتَهُ أنْتَ أو غيرُك». رَواه الدّارَقُطْنِيُّ (١). وفي لفْظٍ: «إذَا وَجَدْتَ فِيهِ سَهْمَكَ، ولَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ سَبُعٌ، فكُلْ مِنْهُ». رَواه النَّسائِي (٢). وفي حديثِ عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «فإنْ رَمَيتَ الصَّيدَ، فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْم أو يَوْمَينِ، لَيسَ بِهِ إلَّا أثَرُ سَهْمِكَ، فكُلْ، وإنْ وَقَعَ في الماءِ، فَلَا تَأْكُلْ». رَواه البخارِيُّ. ولأنَّه إذا وجَدَ به أثَرًا يصلُحُ أن يكونَ قد قَتَلَه، أو أعان على قَتْلِه، فقد تحَقَّقَ المُعارِضُ، فلم يُبَحْ، كما لو وجد مع كَلْبِه كلْبًا سِواهُ، فأمّا إن كان الأثَرُ ممّا لا يقْتُلُ مثلُه، مِثْلَ أكْلِ حَيَوانٍ ضَعِيفٍ، كالسِّنَّوْرِ والثَّعْلَبِ، مِن حيوانٍ قَويٍّ، فهو مُباحٌ؛ لأنَّ هذا يُعْلَمُ أنَّه لم يَقْتُلْه، فهو كما لو تَهَشَّمَ مِن وَقْعَتِه.