← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 13616–13655 · переход к 13621.

стр. 13616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ووَجْهُ (١) الأوَّلِ، ما رَوَى مجاهدٌ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَعَلَيهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ صَبْرٍ، فَمَنْ شاء بَرَّ، وَمَنْ شَاءَ فَجَرَ». رَواه الأثْرَمُ (٢). ولأنَّ ابنَ مسعودٍ قال ذلك (٣). ولم نَعْرِفْ له مُخالِفًا في الصحابةِ. قال أحمدُ: وما أعْلمُ شيئًا يَدْفَعُه. قال شيخُنا (٤): ويَحْتَمِلُ [أن يُحْمَلَ] (٥) كلامُ أحمدَ، أنَّ في كُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةً، على الاسْتِحْبابِ لمَن قَدَر عليه، فإنَّه قال: عليه بكلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ (٦)، فإن لم يُمْكِنْه فكفَّارَةٌ واحدةٌ، ورَدُّه إلى واحِدَةٍ عندَ العَجْزِ، دليلٌ على أنَّ ما زادَ عليه غيرُ واجِبٍ. وكلامُ ابنِ مسعودٍ أيضًا يُحْمَلُ على الاخْتِيارِ، [والاحْتِياطِ] (٧) لكلامِ اللهِ، والمُبالغَةِ في تَعْظِيمِه، كما رُوِيَ عن عائِشَةَ، أنَّها أعْتَقَتْ أرْبَعِين رَقَبَةً حينَ حَلَفَت بالعَهْدِ، وليس ذلك بواجِبٍ. فعلى هذا، تُجْزئُه كفَّارَةٌ واحِدَةٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٨). وهذه يَمِينٌ،

стр. 13617

وَإنْ قَال: احلِفُ بِاللهِ أَوْ: أَشْهَدُ باللهِ. أَوْ: أُقْسِمُ باللهِ. أَوْ: أَعْزِمُ باللهِ. كَانَ يَمِينًا. وَإنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، إلا أَنْ يَنْويَ. وَعَنْهُ، يَكُونُ يَمِينًا. ــ فتَدْخُلُ في عُمومِ الأَيمانِ المُنْعَقِدَةِ، ولأنَّها يَمِينٌ واحِدَةٌ، فلم تُوجِبْ كفَّاراتٍ، كسائِرِ الأيمانِ، ولأنَّ إيجابَ كفَّاراتٍ بعَدَدِ الآياتِ يُفْضِي إلى المَنْعَ من البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ النَّاسَ؛ لأنَّ مَن عَلِمَ أنَّه بحِنْثِه تَلْزَمُه هذه الكفَّاراتُ كلُّها، يَتْرُكُ المَحْلُوفَ عليه كائِنًا ما كان، وقد يكونُ بِرًّا وتَقْوَى وإصْلاحًا، فتَمْنَعُه يَمِينُه من، وقد نَهَى الله تعالى عنه بقولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ﴾ (١). وإن قُلْنا بوُجوبِ كفَّاراتٍ بعَدَدِ الآياتِ، فلم يُطِقْ ذلك، أجْزَأتْه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. ٤٦٩٠ - مسألة: (وَإنْ قَال: احلِفُ بِاللهِ أَوْ: أَشْهَدُ باللهِ. أَوْ: أُقْسِمُ باللهِ. أَوْ: أَعْزِمُ باللهِ. كَانَ يَمِينًا. وَإنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، لَمْ يَكُنْ

стр. 13618

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَمِينًا، إلا أَنْ يَنْويَ. وَعَنْهُ، يَكُونُ يَمِينًا) هذا قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وسَواءٌ نَوَى اليَمِينَ أو أطْلَقَ؛ لأنَّه لو قال: باللهِ. ولم يقُلْ: أُقْسِمُ. ولا: أشْهَدُ. ولم يَذكُرِ الفِعْلَ، كان يَمِينًا، وإنَّما كان يَمِينًا بتَقْديرِ الفِعْلِ قَبْلَه؛ لأنَّ الباءَ تتَعَلَّقُ بفِعْل مُقَدَّرٍ، على ما ذَكَرْناه، فإن أظْهَرَ الفِعْلَ ونَطَق بالمُقَدَّرِ، كان أوْلَى بثُبُوتِ حُكْمهِ، وقد ثَبَت له عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). ويقولُ المُلاعِنُ في لِعَانِه: أشْهَدُ باللهِ إنِّي لمِن الصَّادِقِينَ. وتقولُ المَرْأَةُ: أشْهَدُ باللهِ إنَّه لمِن الكاذِبِينَ.

стр. 13619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأنْشَدَ أعرابِيٌّ: أُقْسِمُ (١) باللهِ لَتَفْعَلَنَّهْ (٢) وكذلك الحُكْمُ إن ذَكَر الفِعْلَ بلَفْظِ الماضِي، فقال: أقْسَمْتُ بالله (٣). أو: شَهِدْتُ باللهِ. قال عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ (٤): أقْسَمْتُ باللهِ لتَنْزِلِنَّهْ

стр. 13620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن أرادَ بقَوْلِه: أقْسَمْتُ باللهِ. الخبرَ عن قَسَمٍ ماضٍ، أو بقولِه: أُقْسِمُ باللهِ. الخَبَرَ عن قَسَم يَأْتِي به، فلا كَفارَةَ عليه. وإنِ ادَّعَى ذلك، قُبِلَ منه. وقال القاضي: لا يُقْبَلُ في الحُكْمِ. وهو قولُ بعضِ أصحاب الشافعيِّ؛ لأنَّه خِلافُ الظاهِرٍ. ولَنا، أنَّ هذا حُكْم فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإذا عَلِمَ مِن نَفْسِه أنَّه نوَى شيئًا وأرادَه، مع احْتِمالِ اللَّفْظِ إيَّاه، لم يَلْزَمْه شيءٌ. وإن قال: شَهِدْتُ باللهِ أنِّي آمَنْتُ باللهِ. فليس بيَمِينٍ.

стр. 13621

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذكَرَ أبو بكرٍ، في قَوْلِه: أعْزِمُ باللهِ. أنَّه ليس بيَمِينٍ مع الإِطْلاقِ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له عُرْفُ الشَّرْعِ ولا الاسْتِعْمالِ، فظاهِرُه غيرُ اليَمِينِ؛ لأنَّ مَعْناه: أقْصِدُ اللهَ لأفْعَلَنَّ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه يَحْتَمِلُ اليَمِينَ، وقد اقْتَرَنَ به ما يَدُلُّ عليه، وهو جَوابُه بجَوابِ القَسَمِ، فيكونُ يَمِينًا. فأمَّا إن نوَى بقولِه غيرَ اليَمِينِ، لم يَكُنْ يَمِينًا. فصل: وإن قال: أُولِي باللهِ. أو: حَلَفْتُ باللهِ. أو: آليتُ باللهِ. أو: ألِيَّةً باللهِ. أو: حَلِفًا باللهِ. أو: قَسَمًا باللهِ. فهو يَمِينٌ، سَواءٌ نَوَى به اليَمِينَ أو أَطْلَقَ؛ لِما ذَكَرْناه في: أُقْسِمُ باللهِ. وحُكْمُه حُكْمُه في تَفْصِيله؛ لأنَّ الإيلاءَ والحَلِفَ والقَسَمَ واحِدٌ. قال اللهُ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١). وقال سعدُ بنُ مُعاذٍ: أحْلِفُ بِاللهِ، لقد

стр. 13622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جاءَكُم أُسَيدٌ بغيرِ الوَجْهِ الَّذي ذَهَبَ به (١). وقال الشاعر (٢): أُولِي برَبِّ الرَّاقِصاتِ إلى مِنًى ... ومَطارِحِ (٣) الأكْوارِ حيثُ تَبِيتُ (٤) وقال ابنُ دُرَيدٍ (٥): ألِيَّةً باليَعْمَلاتِ تَرْتَمِي ... بِها النَّجاءُ بَينَ أجْوازِ الفَلَا وقال (٦): بَلْ قَسَمًا بالشُّمِّ مِنْ يَعْرُبَ ... هَلْ لمُقْسِمٍ مِنْ بَعْدِ هذا مُنْتَهَى فصل: فأمَّا إن قال: أقْسَمْتُ، أو: آليتُ، أو: شَهِدْتُ لأفعَلَنَّ. ولم يَذْكُرِ اسمَ اللهِ، فعن أحمدَ رِوايتان؛ إحداهُما، أنَّها يَمِينٌ، سَواءٌ نَوَى اليَمِمنَ أو أطْلَقَ. ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ عباسٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه. وعن أحمدَ، إن نوَى اليَمِينَ بالله كِان يَمِينًا، وإلَّا فلا. وهو قولُ مالكٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ القَسَمَ بالله وبغيرِه، فلم يَكُن يَمِينًا حتى يَصْرِفَه بنِيَّتِهِ إلى ما تَجِبُ به الكَفَّارَةُ. وقال الشافِعيُّ: ليس بيَمِينٍ وإن نوَى. ورُوِيَ نحوُ ذلك عن

стр. 13623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّها عَرِيَتْ عن اسمِ الله تعالى وصِفتِه، فلم تَكُنْ يَمِينًا، كما لو قال: أقْسَمْتُ بالبَيتِ. ولَنا، أنَّه قد ثَبَت لها عُرْفُ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ، فإنَّ أبا بكرٍ قال: أقْسَمْتُ عليك يا رَسولَ اللهِ، لَتُخْبِرَنِّي بما أصَبْتُ ممَّا أخْطَأتُ. فقال النبيُّ ﷺ : «لَا تُقْسِمْ يا أبَا بَكْرٍ». رَواه أبو داودَ (١). وقال العبّاسُ للنبيِّ ﷺ : أقْسَمْتُ عليك يا رَسولَ الله لِتُبَايِعَنُّه. فبايَعَه (٢) النَّبِيُّ ﷺ ، وقال: «أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي، ولَا هِجْرَةَ» (٣). وفي كتابِ الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤). فسَمَّاها يَمِينًا، وسَمَّاها رسولُ اللهِ ﷺ قَسَمًا. وقالت عاتِكَةُ بنتُ عبدِ المطَّلِبِ (٥):

стр. 13624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَلَفْتُ لَئِنْ عَادُوا لنَصطَلِمَنَّهُمْ ... بجَأْواءَ (١) تُرْدِي حَجْرتَيها المَقانِبُ (٢) وقالت عاتِكَةُ بنتُ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيلٍ (٣): فَآلَيتُ لا تَنْفَكُّ عَينِي حَزِينةً ... عَلَيكَ ولا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أغْبَرَا وقولُهم: يَحْتَمِلُ القَسَمَ بغيرِ اللهِ. قُلْنا: إنَّما يُحْمَلُ على القَسَمِ المشروعِ، ولهذا لم يكُنْ مَكْرُوهًا، ولو حُمِلَ على القَسَمِ بغيرِ اللهِ، كان مَكْرُوهًا، ولو كان مَكْرُوهًا لم يَفْعَلْه أبو بكرٍ بينَ يَدَيِ النبيِّ ﷺ ، ولا أَبرَّ النبيُّ ﷺ قَسَمَ العَبَّاسِ حينَ أقْسَمَ عليه. فصل: وإن قال: أعْزِمُ. أو: عَزَمْتُ. لم يَكُنْ قَسَمًا، نَوَى به القَسَمَ أو لم يَنْوه، لأنَّه لم يَثْبُتْ لهذا اللَّفْظِ عُرْفٌ في الشَّرْعِ، ولا هو مَوْضُوعٌ للقَسَمَ، ولا فيه دَلالة عليه، ولذلك إن قال: أسْتَعِينُ باللهَ. أو: أعْتَصِمُ باللهِ. أو: أتَوَكَّلُ على اللهِ. أو: عَلِمَ اللهُ. أو: عَزَّ اللهُ. أو: تبارَكَ اللهُ. أو نحوَ هذا، لم يَكُنْ يَمِينًا، نَوَى أو لم يَنْو؛ لأنَّه ليس بمَوْضُوعٍ للقَسَمِ لُغَةً، ولا ثَبَت له عُرْفٌ في شَرْع ولا اسْتِعْمالٍ، فلم يَجبْ به شيءٌ؛ لو قال: سُبْحانَ اللهِ وبحَمْدِه، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ.

стр. 13625

فَصْلٌ: وَحُرُوفُ الْقَسَم؛ الْبَاءُ، وَالْواوُ، وَالتَّاءُ فِي اسْمِ اللهِ تَعَالى خَاصَّةً. ــ فصل: (وحُروفُ القَسَمَ) ثلاثَةٌ (الباءُ، والواوُ، والتاءُ في اسْمِ اللهِ تعالى خاصَّةً) الأصْلُ في حُروفِ القَسَمِ (١) الباءُ، وتَدْخُلُ على والمُظْهَرِ جميعًا، كقَوْلِكَ: باللهِ، وبِكَ. والواوُ، وهي بَدَلٌ مِن الباءِ، تَدْخُلُ على المُظْهَرِ دُونَ المُضْمَرِ، وهي أكْثرُ اسْتِعْمالًا، [وبها جاءَت] (٢) أكثرُ الأقْسام في الكتابِ والسُّنَّةِ، وإنَّما كانتِ الباءُ الأصْلَ؛ لأنَّها الحَرْفُ الَّذي تَصَلُ به الأفْعالُ القاصِرَةُ عنَ التَّعَدِّي إِلى مَفْعُولاتِها، والتَّقْديرُ في القَسَمِ، أُقْسِمُ باللهِ، كما قال اللهُ سبحانَه: ﴿وَاقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ﴾ (٣). والتاءُ بَدَلٌ مِن الواو، وتَخْتَصُّ باسْم واحدٍ مِن أسماءِ الله تعالى، وهو اللهُ، ولا تَدْخُلُ على غيرِه، فيقالُ: تاللهِ. ولو قال: تالرَّحْمَنِ. أو: تَالرَّحِيمِ. لم يَكُنْ قَسَمًا. فإذا أقْسَمَ بأحَدِ هذه الحروفِ الثلاثَةِ في مَوْضِعِه، كان قَسَمًا صحيحًا؛ لأنَّه مَوْضوعٌ

стр. 13626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له. وقد جاءَ في كتابِ الله تعالى وكلام العربِ، قال اللهُ تعالى: ﴿تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (١). ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَينا﴾ (٢). ﴿تَاللهِ تَفْتَوأ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٣). ﴿تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أصْنَامَكُم﴾ (٤). وقال الشاعرُ (٥): تَاللهِ يَبْقَى على الأيَّامِ ذُو حِيَدٍ ... بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والْآسُ (٦) وإن قال: ما (٧) أرَدْتُ به القَسَمَ. لم يُقْبَلْ قولُه، لأنَّه أتَى باللَّفْظِ الصَّريحِ في القَسَمِ، واقْتَرَنَتْ به قَرِينَة دالَّة عليه، وهو الجوابُ بجَوابِ

стр. 13627

وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللهَ لأَفْعَلَنَّ. بالْجَرِّ والنَّصْبِ، فَإِنْ قَال: اللهُ لأَفْعَلَنَّ. مَرْفُوعًا، كَانَ يَمِينًا، إلا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْويَ الْيَمِينَ. ــ القَسَمِ، [ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ منه في قولِه (١): تاللهِ لأقُومَنَّ. إذا قال: أرَدْتُ أنَّ قِيامي بمَعُونَتِه وفَضْلِه. لأنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما يَحْتَمِلُه، ولا يُقْبَلُ في الحرفين الآخرَين؛ لعَدَمِ الاحْتِمالِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أجابَه بجَوابِ القَسَمَ] (٢). فيَمْتَنِعُ صَرْفُه إلى غيرِه. ٤٦٩١ - مسألة: (وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللهَ لأَفْعَلَنَّ. بالْجَرِّ والنَّصْبِ، فَإِنْ قَال: اللهُ لأَفْعَلَنَّ. مَرْفُوعًا، كَانَ يَمِينًا، إلا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْويَ الْيَمِينَ) إذا أقْسَمَ بغيرِ حَرْفِ القَسَمِ، فقال: اللهَ لأقُومَنَّ. بالجَرِّ والنَّصْبِ، فهو يمينٌ. وقال الشافعيُّ: لا يكونُ يَمِينًا، إلَّا أن يَنْويَ؛ لأنَّ ذِكْرَ اللهِ تعالى بغيرِ حَرْفِ القَسَمِ ليس بصرِيح في القَسَمِ، فلا يَنْصرِفُ إلَّا بالنِّيَّةِ. ولَنا، أنَّه سائِغٌ في العَرَبِيَّةِ، وقد وَرَد به عُرْفُ الاسْتِعْمالِ في الشَّرْعِ، فرُوىَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ أخْبَرَ النَّبيَّ ﷺ أنَّه قَتَل أبا جَهْلٍ، فقال: «آللهِ إنَّكَ قَتَلْتَه؟».

стр. 13628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: اللهِ إنِّي قَتَلْتُه. ذَكَره البخاريُّ (١). وقال لِرُكَانَةَ بنِ عبدِ يَزِيدَ: «آللهِ ما أرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟». قال: اللهِ ما أرَدْتُ إلَّا واحِدَةً (٢). وقال امرؤُ القَيسِ (٣): * فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعِدًا * وقال أيضًا (٤): * فَقالتْ يَمِينَ اللهِ ما لَكَ حِيلَةٌ * وقد اقْتَرَنَتْ به قَرِينَتان تَدُلَّان عليه؛ إحْداهُما، الجوابُ بجَوابِ القَسَمِ. والثانيةُ، الجَرُّ والنَّصْبُ [في اسمِ] (٥) اللهِ تعالى، فوَجَبَ أن يكونَ يَمِينًا، كما لو قال: واللهِ. فإن قال: اللهُ لأفْعَلَنَّ. بالرَّفْعِ، ونَوَى اليَمِينَ، فهو يَمِينٌ، إلَّا أنَّه (٦) يكونُ قد لَحَن، كما لو قال: واللهُ.

стр. 13629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالرَّفْعِ. [وإن لم] (١) يَنْوِ اليَمِينَ، فقال أبو الخَطَّابِ: تكونُ يَمِينًا؛ لأنَّ قَرِينَةَ الجَوابِ بجَوابِ (٢) القَسَمِ كافِيَة، والعامِّيُّ لا يَعْرِفُ الإعْرابَ فيأتِيَ به، إلَّا أن يكونَ مِن أهلِ العَرَبِيَّةِ، فإنَّ عُدولَه عن إعْرابِ القَسَمِ دليل على أنَّه لم يُرِدْه. قال شيخُنا (٣): ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ قَسَمًا في حَقِّ العامِّيِّ؛ لأنَّه ليس بقَسَم في حَقِّ أهلِ العَربِيَّةِ، فلم يَكُنْ قَسَمًا في حَقِّ غيرِهم، كما لو لم يُجِبْه بجوابِ القَسَمِ. فصل: ويُجابُ القَسَمُ بأرْبَعَةِ أحْرُفٍ؛ حرفان للنَّفْي، وهما «ما» و «لا»، وحَرفان للإِثباتِ، وهما «إنْ» و «اللام» المَفْتُوحَةُ. وتقُومُ «إن» الخفيفةُ المكسورَةُ، مَقامَ «ما» النَّافِيَةِ، مثلَ قولِه: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إلا الْحُسْنَى﴾ (٤). وإن قال: واللهِ أفْعَلُ. بغيرِ حَرْفٍ، فالمحذوف ههُنا «لا»، ويكونُ يَمِينُه على النَّفي، لأنَّ

стр. 13630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَوْضُوعَه في العَرَبِيَّةِ لذلك، قال اللهُ تعالى: ﴿تَاللهِ تَفْتَوأ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾. أي: لا تَفْتَؤُ. وقال الشاعر: * تَاللهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حِيَدٍ * وقال آخرُ: * فَقُلْتُ يَمِينَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا * أي: لا أَبْرَحُ. فصل: وإن قال: لاهَا اللهِ. ونَوَى اليَمِينَ، كان يَمِينًا؛ لأنَّ أبا بكرٍ، ﵁، قال في سَلَبِ قتيلِ أبي قَتادَةَ: لَاها اللهِ، إذًا يَعْمِدُ (١) إلى أسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ، يُقاتِلُ عن اللهِ وعن رسولِه، فيُعْطِيكَ سَلَبَه! فقال النبيُّ ﷺ : «صَدَقَ» (٢). وإن لم يَنْو اليَمِينَ، فالظاهِرُ أنَّه لا يكونُ يَمِينًا؛ لأنَّه لم يَقْتَرِنْ به عُرْفٌ (٣) ولا نِيَّةٌ، ولا في جَوأبِه حَرْفٌ يَدُل على القَسَمِ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ.

стр. 13631

وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا. ــ ٤٦٩٢ - مسألة: (ويُكْرَهُ الحَلِفُ بغيرِ اللهِ تعالى. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مُحرَّمًا) وذلك نَحْوُ أن يَحْلِفَ بأبِيهِ، أو بِالْكَعْبَةِ، أو بِصَحابِيٍّ، أو إمام، أو غيرِه. قال الشافعيُّ: أخْشَى أن يكونَ مَعْصيَةً. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): هذا أمْرٌ مُجْتَمَعٌ (٢) عليه. وقيلَ: يجوزُ (٣) ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقْسَمَ بمَخْلُوقاتِه، فقال: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (٤). ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ (٥). وقال النّبيُّ ﷺ للأعْرابِيِّ الَّذي سَأَل عن الصلاةِ: «أفْلَحَ، وأبِيهِ، إن صَدَقَ» (٦). وقال في حديث أبي العُشَراءِ: «وَأبِيكَ لَوْ طَعَنْتَ في فَخِذِهَا لأَجْزَأَكَ» (٧). ولَنا، ما روَى عمرُ بنُ الخطابِ، ﵁، أنَّ النبيُّ ﷺ أدْرَكَه وهو يَحْلِفُ بأبِيه،

стр. 13632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال: «إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ». قال عمرُ: فواللهِ ما حَلَفْتُ بها بعدَ ذلك، ذاكِرًا ولا آثِرًا. مُتَّفَقٌ عليه (١). يعني ولا حَاكِيًا عن غيرِى. وعن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فَقَدْ أشْرَكَ». قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ (٢). فأمَّا قَسَمُ اللهِ بمَصْنُوعاتِه، فإنَّما أقْسَمَ [بها دالَّةً] (٣) على قُدْرَتِه وعَظَمَتِه، وللهِ تعالى أن يُقْسِمَ بما شاءَ، ولا وَجْهَ للقِياسِ على إقْسامِه. وقد قيل: إنَّ في إقْسامِه إضْمارَ القَسَمِ بربِّ هذه المخلوقاتِ، فقولُه: ﴿وَالضُّحَى﴾ (٤). أي ورَبِّ الضُّحَى. وأمَّا قولُ النبيِّ ﷺ

стр. 13633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للأعْرابِيِّ: «أفْلَحَ، وأَبِيهِ، [إِن صَدَقَ] (١)». فقال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): هذه اللفظَةُ غيرُ مَحْفُوظَةٍ من وَجْهٍ صحيح. وحديثُ أبي العُشَراءِ، قال أحمدُ: لو كانَ يَثْبُتُ. يعني أنَّه لم يَثْبُتْ، ثم إن لم يَكُنِ الحَلِفُ بغيرِ اللهِ مُحَرَّمًا، فهو مَكْرُوهٌ؛ لأنَّ مَن حَلَف بغيرِ اللهِ، فقد عَظَّمَ غيرَه تَعْظِيمًا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الرَّبِّ ﵎، ولهذا سُمِّيَ شِرْكًا، لكَوْنِه أشْرَكَ غيرَ اللهِ مع اللهِ تعالى في تَعْظِيمِه بالقَسَمِ به. فعلى هذا، يَسْتَغْفِرُ اللهَ إذا أقْسَمَ بغيرِ الله (٣). قال الشَّافِعِيُّ: مَنْ حَلَفَ بغيرِ اللهِ فَلْيَقُلْ: أسْتَغْفِرُ اللهَ.

стр. 13634

وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ، سَواءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللهِ تَعَالى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ومَعْلُومِ اللهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيتِهِ. أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ، وَأَبى. ــ ٤٦٩٣ - مسألة: (وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ، سَواءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللهِ تَعَالى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ومَعْلُومِ اللهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيتِهِ. أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ، وَأَبى) يعني لا تجبُ الكَفّارَةُ بالحِنْثِ فيها. هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ.

стр. 13635

وقَال أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً. ــ ٤٦٩٤ - مسألة: (وقال أصحابُنا: تَجِبُ الكَفَّارَةُ بالحَلِفِ برسولِ الله ﷺ خَاصَّةً) ورُويَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا حَلَف بحَقِّ رسولِ اللهِ ﷺ ، فحَنِثَ، فعليه الكَفَّارَةُ، لأنَّه أحَدُ شَرْطَىِ الشَّهادَةِ، فالْحَلِفُ به مُوجِبٌ للكَفَّارَةِ، كالحَلِفِ باللهِ تعالى. والأوَّلُ أوْلَى؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أو لِيَصْمُتْ». ولأنَّه حَلِفٌ بغيرِ اللهِ تعالى، فلم يُوجِبِ الكَفَّارَةَ بالحِنْثِ فيه، كسائِرِ الأنْبِياءِ، ولأنَّه مخلوقٌ، فلم تَجِبِ الكَفَّارَةُ بالحَلِفِ به، كالحَلِفِ بإبراهيمَ ﵇،

стр. 13636

فَصْلٌ: وَيُشَتَرَطُ لِوجُوب الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدةً، وَهِيَ الًّتى يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ، وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ. ــ ولأنَّه ليس بمَنْصوصٍ عليه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ اسمِ غيرِ اللهِ على اسْمِه؛ لعَدَمِ الشَّبَهِ، وانْتِفاءِ المُماثَلَةِ. وكلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على الاسْتِحْبابِ. فَصْلٌ: وَيُشَتَرَطُ لِوجُوب الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدةً، وَهِيَ الَّتي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ، وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ) قال ابنُ عبدِ البَر (١): اليَمِينُ التي فيها الكَفَّارَةُ بإجْماعِ المسلمين، هي التي على المُسْتَقْبَلِ مِن الأفْعالِ. كمَن حَلَف ليَضْرِبَنَّ غُلامَه أَوْ لا يَضْرِبُه، فإن فَعَل، فعليه الكَفَّارَةُ. وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الحِنْثَ إذا كان طاعةً، لم يُوجِبْ كَفَّارَةً. وقال قومٌ: مَن حَلَفَ على فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، فكَفَّارَتُها تَرْكُها. وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: اللَّغْوُ أن

стр. 13637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يحْلِفَ الرجلُ (١) فيما لا يَنْبَغِي له. يعني فلا كَفَّارَةَ عليه في الحِنْثِ. وقد روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا في مَعْصِيَةِ اللهِ، ولَا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ومَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَلْيَدَعْهَا، ولْيَأتِ الَّذِي هُوَ خَير، فإنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَةٌ». روَاه أبو داودَ (٢). ولأنَّ الكَفَّارَةَ إنَّما تَجِبُ لرَفْعِ (٣) الإِثْمِ، ولا إثْمَ في الطَّاعَةِ، ولأنَّ اليَمِينَ كالنَّذْرِ، ولا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللهَ. ولَنا، قولُ النبِيِّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خير، ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِه» (٤). وقال: «إِنِّي وَاللهِ، إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي».

стр. 13638

فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي، فَلَيسَتْ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ، يَمِينُ الغَمُوسِ، وَهِيَ الَّتي يَحْلِفُ بِهَا كَاذِبًا عَالِمًا ــ أخْرَجَه البخاريُّ (١). وحَدِيثُهم لا يُعارِضُ حدِيثَنا؛ لأنَّ حَدِيثَنا أصَحُّ منه وأثْبَتُ. ثم إنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ تَرْكَها كَفَّارَةٌ لإثْمِ الحَلِفِ، والكَفَّارَةُ المُخْتلَفُ فيها كَفَّارَةُ المُخالفَةِ. وقولُهم: إنَّ الحِنْثَ طاعةٌ. قُلْنا: فاليَمِينُ غيرُ طاعَةٍ، فتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ؛ للمُخالفَةِ، ولتَعْظِيمِ اسْمِ الله إذا حَلَف به ولم يَبَرَّ يَمِينَه. إذا ثَبَت ذلك، نَظرنا في يَمِينِه، فإن كانت على تَرْكِ شيءٍ ففَعَلَه، حَنِثَ، ووَجَبَتِ الكَفَّارَةُ. وإن كانت على فِعْلِ شيءٍ فلم يَفْعَلْه، وكانت يَمِينُه مُؤقَّتَةً بلَفْظِه، أو بنِيَّتِه، أو قَرِينَةِ حالِه، ففاتَ الوَقْتُ، حَنِث، [وكَفَّر] (٢). وإن كانت مُطْلَقَةً، لم يَحْنَثْ إلَّا بفَواتِ وَقْتِ الإِمْكانِ؛ لأنَّه ما دامَ في الوَقْتِ، والفعلُ مُمْكِن، فيَحْتَمِلُ أنَّه يفْعَلُ فلا يَحْنَثُ. ٤٦٩٥ - مسألة: (فَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي، فَلَيسَتْ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ، يَمِينُ الغَمُوسِ، وَهِيَ الَّتي يَحْلِفُ بِهَا كَاذِبًا عَالِمًا بكَذِبه .

стр. 13639

بِكَذِبِهِ. وَعَنْهُ، فِيهَا الْكَفَّارَةُ. وَمِثْلُهَا الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، كَقَتْلِ الْمَيِّتِ وَإِحْيَائِهِ، وَشُرْبِ مَاءِ الْكُوزِ وَلَا مَاء فِيهِ. ــ وعنه، فيها الكَفَّارَةُ. ومِثْلُها الحَلِفُ على مُسْتَحِيلٍ، كقَتْلِ المَيِّتِ وإحْيائِه، وشُرْبِ ماءِ الكُوزِ ولا ماءَ فيه) ظاهِرُ المذهب أنَّ يَمِينَ الغَمُوسِ لا كَفَّارَةَ فيها. نَقَلَه الجماعَةُ عن أحمدَ. وهو قولُ أكثرِ أَهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسْعُودٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الحَدِيثِ، وأصْحابُ الرَّأْي مِن أهلِ الكوفَةِ. وإنَّما سُمِّيَتْ هذه يَمِينَ الغَمُوسِ؛ لأنَّها تَغْمِسُ صاحِبَها فِي الإِثْمِ. قال ابنُ مسعودٍ: كُنَّا نَعُدُّ مِن (١) اليَمِينِ التي لا كَفَّارَةَ لها،

стр. 13640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اليَمِينَ الغَمُوسَ (١). وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، قال: هي مِن الكبائِرِ، وهي أعظمُ مِن أن تُكَفَّرَ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ فيها الكَفَّارَةَ. ورُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، والحَكَمِ، والبَتِّيِّ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه وُجِدَتْ منه اليَمِينُ باللهِ، والمُخالفَةُ مع القَصْدِ، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كالمُسْتَقْبَلَةِ (٢). ولَنا، أنَّها يمِينٌ غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا تُوجِبُ الكَفَّارَةَ، كاللَّغْو، أو يَمِينٌ على ماضٍ، أشْبَهَتِ اللَّغْوَ، وبَيانُ أنَّها غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، كَوْنُها لا (٣) تُوجِبُ بِرًّا، ولا يُمْكِنُ فيها، ولأنَّه قارَنَها ما يُنافِيها، فلم تَنْعَقِدْ، كالنِّكاحِ الَّذي قارَنَه الرَّضاعُ. ولأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَرْفَعُ إثْمَها، فلا تَسُوغُ (٤) فيها، ودليلُ أنَّها كبيرةٌ، ما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنَّه قال: «مِنَ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ باللهِ، وعُقُوقُ الْوَالِدَينِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، والْيَمِينُ الغَمُوسُ». رَواه البخاريُّ (٥). ورُوِيَ فيه: «خمْسٌ مِنَ الكَبَائِرِ لَا

стр. 13641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَفَّارَةَ لَهُنَّ، الإِشْرَاكُ باللهِ، والْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وبَهْتُ المُؤْمِنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيرِ حَقٍّ، والحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» (١). ولا يَصِحُّ القياسُ على المُسْتَقْبَيَةِ، لأنَّها يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ، يُمْكِنُ حلُّها والبِرُّ فيها، وهذه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلا حَلَّ لها. وقولُ النبيِّ ﷺ : «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِنِهِ، ولْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ». يَدُلُّ على أنَّ الكَفَّارَةَ إنَّما تجِبُ على فِعْل يَفْعَلُه فيما يَسْتَقْبِلُه. قاله ابنُ المُنْذِرِ (٢). فصلٌ: والمُسْتَحِيلُ نَوْعان؛ أحدُهما، مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا، كقَتْلِ الميِّتِ وإحْيائِه، وشُرْبِ ماءِ الكُوزِ ولا ماءَ فيه. فقال أبو الخَطَّابِ: لا تَنْعَقِدُ [يَمِينُه، ولا تَجِبُ بها كَفَّارَة. وهذا مذهبُ مالكٌ، لأنَّها يَمِينٌ قارَنَها ما لا يُتَصَوَّرُ، فلم تَنْعَقِدْ] (٣)، كيَمِينِ الغَمُوسِ، ولأنَّ اليَمِينَ إنَّما تَنْعَقِدُ على مُتَصوَّرٍ، أو مُتَوَهَّمِ التَّصَوُّرِ، وليس ههُنا واحِدٌ منهما. وقال

стр. 13642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القاضي: يَنْعَقِدُ مُوجِبًا للكَفَّارَةِ في الحالِ. وهذا قولُ أبي يُوسُفَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه حَلَف على فِعْلِ نفْسِه في المُسْتَقْبَلِ ولم يَفْعَلْ، فهو كما لو حَلَف ليطَلِّقَنَّ امرأتَه، فماتَ قبلَ طَلاقِها، وبالقِياسِ (١) على المُسْتَحِيلِ عادةً. ولا فَرْقَ بينَ أنْ يَعْلَمَ اسْتِحالتَه (٢) أو لا يَعْلَمَ، مثلَ أن يَحْلِفَ ليَشرَبَنَّ الماءَ الَّذي في الكُوزِ ولا ماءَ فيه، فالحُكْمُ واحدٌ في مَن عَلِمَ أنَّه لا ماءَ فيه ومَن لم يَعْلَمْ. وذَكَر شَيخُنا في الكتابِ المَشْروحِ إحْياءَ المَيِّتِ وقَتْلَه في المُسْتَحِيلِ عقْلًا. وإحْياءُ الميِّتِ مُتَصَوَّرٌ عقْلًا، وإنَّما هو مُسْتَحِيلٌ عادةً، فهو من النَّوْعِ الثاني. فأمَّا قَتْلُ المَيِّتِ،

стр. 13643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن أرادَ قَتْلَه حال مَوْتِه، فهو مِن المُسْتَحِيلِ عقْلًا، فيه من الخِلافِ ما ذكَرْنا، وإن حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلانًا، وهو مَيِّت، فهو كالمُسْتَحِيلِ عادةً، فإنَّه يُتَصَوَّرُ أن يُحْيِيَه اللهُ، فيَقْتُلَه، فَتَنْعَقِدَ يَمِينُه، على ما نَذْكُرُ في المُسْتَحِيلِ عادةً. النَّوْعُ الثانِي، المُسْتَحِيلُ عادةً، كصُعودِ السَّماءِ، والطَّيرَانِ، وقَطْعِ المسافَةِ البَعِيدَةِ في المُدَّةِ القَليلَةِ، فإذا حَلَف على فِعْلِه، انْعَقَدَتْ يَمِينُه. ذَكَرَه القاضِي، وأبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يُتَصَوَّرُ وجُودُه، فإذا حَلَف عليه، انْعَقَدَتْ يَمِينُه، ولَزِمَتْه الكَفَّارَةُ في الحالِ، لأنَّه مَأْيُوسٌ من البِرِّ فيها، فوَجَبَتِ الكَفَّارَةُ، كما لو حَلَف لَيُطَلِّقَنَّ امرأتَه فماتتْ. فصل: إذا قال: واللهِ لَيفَعَلَنَّ فلانٌ كذا، أو لا يَفْعَلَنَّ (١). أو حَلَف على حاضِرٍ، فقال: واللهِ لتَفْعَلَنَّ كذا. فأْحْنَثَه، ولم يَفْعَلْ، فالكَفَّارَةُ على الحالِفِ. كذلك قال ابنُ عمرَ، وأهلُ المدينةِ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والأوْزَاعِيُّ، وأهلُ العراقِ، والشافعيُّ، لأنَّ الحالِفَ هو الحانِثُ، فكانتِ

стр. 13644

الثَّانِي، لَغْوُ الْيَمِينِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ فَيَبِينَ بِخِلَافِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا. ــ الكَفَّارَةُ عليه، كما لو كان هو الفاعِلَ لِما يُحْنِثُه، ولأنَّ سَبَبَ الكَفَّارَةِ إمَّا اليَمِينُ، أو الحِنْثُ، أو هما، وأيُّ ذلك قُدِّرَ، فهو مَوْجُودٌ في الحالِفِ. وإن قال: أسْأَلُكَ باللهِ لتَفْعَلَنَّ. وأرادَ اليَمِينَ، فهي كالتي قبلَها. وإن أرادَ الشَّفاعَةَ إليه باللهِ، فليس بيَمِينٍ، ولا كَفَّارَةَ على واحدٍ منهما. وإن قال: باللهِ لتَفْعَلَنَّ. فهي يَمِينٌ؛ لأنَّه أجابَ بجوابِ القَسَمِ، إلَّا أن يَنْويَ ما يَصْرِفُها. وإن قال: باللهِ أفْعَلُ. فليست يَمِينًا؛ لأنَّه لم يُجِبْها بجَوابِ القَسَمِ، ولذلك لا يَصْلُحُ أن يقولَ: والله أفْعَلُ. ولا: تالله أفْعَلُ. وإنَّما صَلَح ذلك في الباءِ؛ لأنَّها لا تخْتَصُّ القَسَمَ، فيَدُلُّ على أنَّه سُؤالٌ، فلا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ. (الثاني، لَغْوُ اليَمِينِ، وهو أن يَحْلِفَ على شيءٍ يَظُنُّه فيَبِينَ بخِلافِه، فلا كَفَّارَةَ فيها) أكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ هذه اليَمِينَ لا كَفَّارَةَ فيها. قاله ابنُ المُنْذِرِ (١). يُرْوَى هذا عن ابنِ عباس، وأبي هُرَيرَةَ، وأبي مالكٍ،

стр. 13645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وزُرَارَةَ (١) بنِ أوْفَى، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ. وممَّن قال: هذا لَغْوُ اليَمِينِ. مُجاهِدٌ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، والأوْزَاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه. وأكثرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ لا كَفَّارَةَ فيه. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): أجْمَع المسلمون على هذا. وقد حُكِيَ عن النَّخَعِيِّ في اليَمِينِ على شيءٍ يَظُنُّه حَقًّا، فيَبِينُ بخِلافِه، أنَّه من لَغْو اليَمِينِ، وفيه الكَفَّارَةُ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ فيه الكَفَّارَةَ، وليس هو مِن لَغْو اليَمِينِ، لأنَّ اليَمِينَ باللهِ وُجِدَتْ مع المُخالفَةِ، فأوْجَبَتِ الكَفَّارَةَ، كاليَمِينِ على مُسْتَقْبَل. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿لَا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ (٣). [وهذا منه] (٤)، ولأنَّها يَمِين غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، فلم تَجِبْ فيها كفَّارَةٌ، كيَمِينِ الغَمُوسِ، ولأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفَةِ، فأشْبَهَ ما لو

стр. 13646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَنِثَ (١) ناسِيًا. وفي الجُمْلَةِ، لا كَفَّارَةَ في يَمِينٍ على ماضٍ؛ لأنَّها تَنْقَسِمُ ثلاثَةَ أقْسامٍ؛ ما هو صادِقٌ فيه، فلا كَفَّارَةَ فيه إجْماعًا. وما تَعَمَّدَ

стр. 13647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكَذِبَ فيه، فهو يَمِينُ الغَمُوسِ، لا كَفَّارَةَ فيها؛ لأنَّها أعْظَمُ مِن أن تكِونَ فيها كَفَّارَةٌ. وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيها. وما يَظُنُّه حَقًّا، فيَبِينُ بخِلافِه، فلا كَفَّارةَ فيها؛ لأنَّها من لَغْو اليَمِينِ.

стр. 13648

فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا، فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ. ــ فصل: الشَّرْطُ (الثاني، أن يَحْلِفَ مُخْتارًا، فإن، حَلَف مُكْرَهًا، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه) وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ. وذَكَر فيها أبو الخَطَّابِ رِوَايَتَين؛ إحْدَاهما، تَنْعَقِدُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّها يَمِينُ مُكَلَّفٍ، فانْعَقَدَتْ، كيَمِينِ المُخْتارِ، ولأنَّ هذه الكَفَّارَةَ لا تَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، فوَجَبَتْ مع الإِكْراهِ، ككَفَّارَةِ الصَّيدِ. ولَنا، ما روَى أبو أُمامَةَ، ووَاثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَيسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ» (١). ولأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ مع الإِكْراهِ، ككَلِمَةِ الكُفْرِ، وأمَّا كَفَّارَةُ الصَّيدِ فلا تجِبُ مع الإِكْراهِ، فهي كمَسْأَلَتِنا.

стр. 13649

وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ إِلَيهَا، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللهِ. وَبَلَى وَاللهِ. في عُرْضِ حَدِيثِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ. ــ ٤٦٩٦ - مسألة: (وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ إِلَيهَا، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللهِ. وَبَلَى وَاللهِ. في عُرْضِ حَدِيثِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ) هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّها من لَغْو اليَمِينِ. نَقَل عبدُ اللهِ، عن أبِيه، أنَّه قال: اللَّغْوُ عندِي أن يَحْلِفَ على اليَمِينِ، يَرَى أنَّها كذلك، والرجلُ يَحْلِفُ فلا يَعْقِدُ قَلْبَه على شيءٍ. وممَّن قال: إنَّ اللَّغْوَ اليَمِينُ التي لا يَعْقِدُ عليها قَلْبَه؛ عمرُ، وعائشةُ، ﵄. وبه قال عَطاءٌ، والقاسِمُ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والشافعيُّ؛ لِما رُوِيَ عن عَطاءٍ، قال: قالت عائشةُ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال، يَعْنِي في اللَّغْو في اليَمِينِ: «هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ في بَيتِه: لَا واللهِ. و: بَلَى واللهِ». أخرَجَه أبو داودَ (١). قال: ورَواه الزُّهْرِيُّ، وعبدُ الملكِ (٢) بنُ أبي سُلَيمانَ، ومالِكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ مَؤقُوفًا. وروَى الزُّهْرِيُّ، أنَّ عُروَةَ

стр. 13650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَدَّثَه أنَّ (١) عائشةَ، قالت: أيمانُ (٢) اللَّغْو، ما كان في المِرَاءِ، والهَزْلِ، والْمُزَاحَةِ، والحديثِ الَّذي لا يُعْقَدُ عليه القَلْبُ، وأيمانُ الكَفَّارَةِ كلُّ يَمِينٍ حَلَف عليها على وَجْهٍ من الأمْرِ، في غَضَبٍ أو غيرِه، ليَفْعَلَنَّ، أو ليَتْرُكَنَّ، فذاك عَقْدُ الأيمانِ التي فَرَض اللهُ فيها الكَفَّارَةَ (٣). ولأنَّ اللَّغْوَ في كلامِ العَرَبِ غيرُ المَعْقُودِ عليه، وهذا كذلك. وممَّن قال: لا كَفَّارَةَ في هذا؛ ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وأبو مالكٍ، وزُرَارَةُ (٤) بنُ أوْفَى، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وممالكٌ. وهو قولُ مَن قال: إنَّه مِن لَغْو اليَمِينِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. ووَجْهُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٥). فجَعَلَ الكفَّارَةَ لليَمِينِ

стр. 13651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التي يُؤْاخَذُ بها، ونَفَى المُؤاخَذَةَ باللَّغْو، فيَلْزَمُ انْتِفاءُ الكفَّارَةِ، ولأنَّ المُؤاخَذَةَ يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَعْناها إيجابَ الكَفَّارَةِ، بدليلِ أنَّها تَجِبُ في الأيمانِ التي لا مَأْثَمَ (١) فيها، وإذا كانتِ المُؤاخَذَةُ إيجابَ الكَفَّارَةِ، فقد نَفَاها في اللَّغْو، فلا تَجِبُ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا، ولأنَّ قولَ عائشةَ في تفسيرِ اللَّغْو، وبَيانِ الأيمانِ التي فيها الكَفَّارَةُ، خَرَج منها تفسيرًا لكلامِ اللهِ تعالى،

стр. 13652

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، الْحِنْثُ في يَمِينهِ، بَأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتَارًا ذَاكِرًا، وَإِنْ فَعَلَهُ ــ وتَفْسِيرُ الصَّحابِيِّ مَقبولٌ. فصل: الشَّرطُ (فَصْلٌ: الثَّالِثُ، الْحِنْثُ في يَمِينهِ، بَأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتَارًا ذَاكِرًا، وَإِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أو

стр. 13653

مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ. وَعَنْهُ، عَلَى النَّاسِي كَفَّارَة. ــ ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه. وعنه، على النَّاسِي كَفَّارَةٌ) إذا حَلَف لا يَفْعَلُ شيئًا، فَفَعَلَه ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه. نَقَلَه عن أحمدَ الجماعَةُ، إذا كان في غيرِ الطَّلاقِ والعَتاقِ. وهذا ظاهِرُ المذهبِ. اخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه. فأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فإنَّه يَحْنَثُ فيهما، في ظاهرِ المذهبِ. وعنه، لا يَحْنَثُ في الطَّلاقِ والعتَاقِ أيضًا. وهو قولُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، وإسْحَاقَ. وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ؛ لقولِه تعالى. ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١). وقال النّبيُّ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَجاوَز لأُمَّتِي (٢) عَنَ الخَطَأْ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (٣). ولأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفَةِ، فلم يَحْنَثْ، كالنَّائِم والمجْنُونِ. ولأنَّه أحَدُ طَرَفَيِ اليَمِينِ، فاعْتُبِرَ فيه القَصْدُ، كحالةِ الابتِداءِ (٤) بها. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخرَى، أنَّه يَحْنَثُ، وتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ،

стр. 13654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، والقولُ الثاني للشافِعِيِّ، لأنَّه خالفَ ما حَلَف عليه قاصِدًا لفِعْلِه، فلَزِمَه الحِنْثُ، كالذَّاكِرِ، وكما لو كانتِ اليَمِينُ بالطَّلاقِ والعَتاقِ. ولَنا، على (١) أنَّ الكَفَّارَةَ لا تَجِبُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ، ما تَقَدَّمَ من الآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّها تَجِبُ لمَحْو الإثْمِ، ولا إثْمَ على النَّاسِي. وأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فهو مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ، فيَقَعُ بوُجودِ شَرْطِه من غيرِ قَصْدٍ، كما لو قال: أنْتِ طالِقٌ، إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أو قَدِمَ الحاجُّ. فصل: فإن فَعَلَه غيرَ عالمٍ بالمَحْلُوفِ عليه، كرجلٍ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فسَلَّمَ عليه يَحْسَبُه أجْنَبِيًّا، أو حَلَف لا يُفارِقُه حتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّه، فأعْطاه، ففارَقَه ظَنًّا منه أنَّه قد بَرَّ (٢)، فوَجَدَه مَعِيبًا أو رَدِيئًا، أو حَلَفَ: لا بِعْتُ لزيدٍ ثَوْبًا. فوَكَّلَ زيدٌ مَنْ يَدْفَعُه إلى مَن يَبِيعُه، فدَفَعَه إلى الحالِفِ، فباعَه مِن غيرِ عِلْمِه، فهو كالنَّاسِي، لأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفةِ، أَشْبَهَ النَّاسِيَ.

стр. 13655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والمُكْرهُ على الفِعْلِ يَنْقَسِمُ قِسمَين؛ أحدُهما، أن يُلْجَأَ إليه، مثلَ مَن حَلَف لا يَدْخُل دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها. أو لا يَخْرُجُ منها، فأُخْرِجَ مَحْمُولًا، ولم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، فلا يَحْنَثُ في قولِ الأكْثَرِين. وبه قال أصحابُ الرَّأْي. وقال مالكٌ: إن دَخَل مَرْبُوطًا، لم يَحْنَث. وذلك لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخولَ والخُروجَ، فلم يَحْنَث، كما لو لم
следующие страницы →