مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ. وَعَنْهُ، عَلَى النَّاسِي كَفَّارَة.
ــ
ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه. وعنه، على النَّاسِي كَفَّارَةٌ) إذا حَلَف لا يَفْعَلُ شيئًا، فَفَعَلَه ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه. نَقَلَه عن أحمدَ الجماعَةُ، إذا كان في غيرِ الطَّلاقِ والعَتاقِ. وهذا ظاهِرُ المذهبِ. اخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه. فأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فإنَّه يَحْنَثُ فيهما، في ظاهرِ المذهبِ. وعنه، لا يَحْنَثُ في الطَّلاقِ والعتَاقِ أيضًا. وهو قولُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، وإسْحَاقَ. وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ؛ لقولِه تعالى. ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١). وقال النّبيُّ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَجاوَز لأُمَّتِي (٢) عَنَ الخَطَأْ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (٣). ولأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفَةِ، فلم يَحْنَثْ، كالنَّائِم والمجْنُونِ. ولأنَّه أحَدُ طَرَفَيِ اليَمِينِ، فاعْتُبِرَ فيه القَصْدُ، كحالةِ الابتِداءِ (٤) بها. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخرَى، أنَّه يَحْنَثُ، وتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ،
стр. 13654
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، والقولُ الثاني للشافِعِيِّ، لأنَّه خالفَ ما حَلَف عليه قاصِدًا لفِعْلِه، فلَزِمَه الحِنْثُ، كالذَّاكِرِ، وكما لو كانتِ اليَمِينُ بالطَّلاقِ والعَتاقِ. ولَنا، على (١) أنَّ الكَفَّارَةَ لا تَجِبُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ، ما تَقَدَّمَ من الآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّها تَجِبُ لمَحْو الإثْمِ، ولا إثْمَ على النَّاسِي. وأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فهو مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ، فيَقَعُ بوُجودِ شَرْطِه من غيرِ قَصْدٍ، كما لو قال: أنْتِ طالِقٌ، إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أو قَدِمَ الحاجُّ.
فصل: فإن فَعَلَه غيرَ عالمٍ بالمَحْلُوفِ عليه، كرجلٍ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فسَلَّمَ عليه يَحْسَبُه أجْنَبِيًّا، أو حَلَف لا يُفارِقُه حتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّه، فأعْطاه، ففارَقَه ظَنًّا منه أنَّه قد بَرَّ (٢)، فوَجَدَه مَعِيبًا أو رَدِيئًا، أو حَلَفَ: لا بِعْتُ لزيدٍ ثَوْبًا. فوَكَّلَ زيدٌ مَنْ يَدْفَعُه إلى مَن يَبِيعُه، فدَفَعَه إلى الحالِفِ، فباعَه مِن غيرِ عِلْمِه، فهو كالنَّاسِي، لأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفةِ، أَشْبَهَ النَّاسِيَ.
стр. 13655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والمُكْرهُ على الفِعْلِ يَنْقَسِمُ قِسمَين؛ أحدُهما، أن يُلْجَأَ إليه، مثلَ مَن حَلَف لا يَدْخُل دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها. أو لا يَخْرُجُ منها، فأُخْرِجَ مَحْمُولًا، ولم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، فلا يَحْنَثُ في قولِ الأكْثَرِين. وبه قال أصحابُ الرَّأْي. وقال مالكٌ: إن دَخَل مَرْبُوطًا، لم يَحْنَث. وذلك لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخولَ والخُروجَ، فلم يَحْنَث، كما لو لم
стр. 13656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُوجَدْ ذلك. الثاني، أن يُكْرَهَ بالضَّرْبِ والتَّهْدِيدِ بالقَتْلِ ونحوه، فقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوايتان، كالنَّاسِي. وللشافعيِّ قَوْلان. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَحْنَثُ، لأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، فوَجَبَت مع الإِكْراهِ والنِّسْيانِ، ككَفَّارَةِ الصَّيدِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ». ولأنَّه نَوْعُ إكْراهٍ، فلم يَحْنَثْ به، كما لو حُمِلَ ولم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، لأنَّ الفِعْلَ لا يُنْسَبُ إليه، فأشْبَهَ مَن لم يَفْعَلْه، ولا نُسَلِّمُ الكَفَّارَةَ في الصَّيدِ، بل إنَّما تَجِبُ على المُكْرِهِ.
стр. 13657
وَإنْ حَلَفَ فَقَال: إِنْ شاءَ اللهُ. لَمْ يَحْنَثْ، فَعَلَ أَوْ تَرَكَ، إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ.
ــ
٤٦٩٧ - مسألة: (فإن حَلَف فقال: إن شاءَ اللهُ. لم يَحْنَثْ، فَعَل أو تَرَك، إذا كان مُتَّصِلًا بيَمِينِه) وجملةُ ذلك، أنَّ الحالِفَ إذا قال: إن شاء اللهُ. مع يَمِينِه، فهذا يُسَمَّى اسْتِثْناءً. فإنَّ (١) ابنَ عمرَ رَوَى عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ. [فَقَدِ اسْتَثْنَى] (٢)». روَاه أبو داودَ (٣). وأجْمَعَ العُلَماءُ على تَسْمِيَته اسْتِثْناءً، وأنَّه متى اسْتَثْنَى في يَمِينِه، لم يَحْنَث فيها؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «مَن حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ. لَمْ يَحْنَثْ». رَواه التِّرْمِذِي (٤). وروَى أبو داودَ (٥): «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، فإنْ شَاءَ رَجَعَ، وإنْ شَاءَ تَرَكَ».
стр. 13658
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّه متى قال: لأَفعَلَنَّ إن شاء اللهُ. فقد عَلِمْنا أنَّه متى شاءَ اللهُ فَعَل، ومتى لم يَفْعَلْ لم يَشَأ اللهُ ذلك، فإنَّ ما شاءَ اللهُ كان، وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُشْتَرَطُ أن يكونَ الاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا باليَمِينِ، بحيث لا يَفْصِلُ بينَهما بكلامٍ أجْنَبِيٍّ، ولا يَسْكُتُ بينَهما سُكوتًا يُمْكِنُه الكَلامُ فيه، فأمَّا السُّكوتُ لانْقِطاعِ نَفَسِه أو صَوْتِه، أو عِيٍّ، أو عارِضٍ، من عَطْسَةٍ، أو شيءٍ غيرها، فلا يَمْنَعُ صِحَّةَ الاسْتِثْناءِ، وثُبوتَ حُكْمِه. وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ، فاسْتَثْنَى». وهذا يَقْتَضِي كَوْنَه (١) عَقِيبَه. ولأنَّ الاسْتِثْناءَ من تَمامِ الكلامِ، فاعْتُبرَ اتِّصالُه به، كالشَّرْطِ وجَوابِه، وخَبَرِ المُبْتَدَأ، والاسْتِثْناءِ بإلَّا، ولأنَّ الحالِفَ إذا سَكَت ثَبَت حُكْمُ يَمِينِه، وانْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لحُكْمِها، وبعدَ ثُبُوتِه لا يُمْكِنُ دَفْعُه (٢) ولا تَغْيِيرُه. قال أحمدُ: حديثُ النبيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (٣).
стр. 13659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولَمْ يَقُلْ: فاسْتَثْنِ. ولو جازَ الاسْتِثْناءُ في كلِّ حالٍ، لم يَحْنَثْ حالِفٌ به. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخرَى، أنَّه يجوزُ الاسْتِثْناءُ إذا لم يَطُلِ الفَصْلُ بينَهما. قال في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: حديثُ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَاللهَ لأغْزُوَنَّ قُريشًا». ثم سَكَت، ثم قال: «إنْ شَاءَ اللهُ» (١). إنَّما هو اسْتِثْناءٌ بالقُرْبِ، ولم يخْلِطْ كلامَه بغيرِه. ونقَل عنه إسْماعيلُ بنُ سعيدٍ مثلَ هذا، وزادَ: ولا أقولُ فيه بقَوْلِ هؤلاءِ. يَعْنِي مَن (٢) لم يَرَ ذلك إلَّا مُتَّصِلًا. ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ؛ فإنَّه قال: إذا لم يَكُنْ بينَ اليَمِينِ والاسْتِثْناءِ كلامٌ. ولم يَشْتَرِطِ اتِّصال الكلام، وعدمَ السُّكوتِ. وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، قال في رجلٍ، قال: لا أَفْعَلُ كذا وكذا. ثم سَكَت ساعَةً لا يَتَكَلَّمُ، ولا يُحَدِّث نَفْسَه بالاسْتِثْناءِ، فقال
стр. 13660
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له إنْسانٌ: قُلْ: إن شاءَ اللهُ. [فقال: إن شاء اللهُ] (١). أَيُكَفِّرُ عن يَمِينِه؟ قال: أراهُ قد اسْتَثْنَى. وقال قَتادَةُ: له أن يَسْتَثْنِيَ قبلَ أن يقومَ أو يتَكَلَّمَ. ووَجْهُ ذلك، أنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَثْنَى بعدَ سُكُوتِه، إذْ قال: «وَاللهِ لَأغْزُوَنَّ قُرَيشًا». ثم سَكَتَ، ثم قال: «إنْ شَاءَ اللهُ». احْتَجَّ به أحمدُ، ورَواه أبو داودَ. وزاد (٢): قال الوليدُ بنُ مسلم: ولم يَغْزُهُم. ويُشْتَرَطُ على هذه الرِّوايَةِ أن لا يُطِيلَ الفَصْلَ بينَهما، ولا يَتَكَلَّمَ بينَهما بكَلامٍ أجْنَبِيٍّ. وحَكَى ابنُ أبي موسى عن بعضِ أصحابِنا، أنَّه قال: يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ ما دامَ في المَجْلِسِ. وحُكِيَ ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ. وعن عَطاءٍ أنَّه قال: قَدْر حَلْبِ النَّاقَةِ الغَرُوزَةِ (٣). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ له أن يَسْتَثْنِيَ بعدَ حِينٍ (٤). وهو قولُ مُجاهِدٍ. وهذا القولُ لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْناه، وتَقْديرُه بمَجْلِسٍ أو غيرِه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّقْديراتِ بابُها التَّوْقِيفُ، فلا يُصارُ إليها (٥) بالتَّحَكُّمِ.
стр. 13661
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَسْتَثْنِيَ بلِسانِه، ولا يَنْفَعُه الاسْتِثْناءُ بالقَلْبِ في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأَوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ. لَمْ يَحْنَثْ». والقولُ هو النُّطْقُ، ولأنَّ اليَمِينَ لا تَنْعَقِدُ بالنَّيَّةِ، وكذلك الاسْتِثْناءُ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ: إن كان مَظْلُومًا فاسْتَثْنَى في نفْسِه، رَجَوْتُ (١) أنْ يجوزَ، إذا خافَ على نَفْسِه. فهذا في حَقِّ الخائِفِ على نفسِه؛ لأنَّ يَمِينَه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، أو لأنَّه بمنزِلَةِ المُتَأَوِّلِ، وأمَّا في حَقِّ غيرِه فلا.
стр. 13662
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: واشْتَرَطَ القاضِي [أن يَقْصِدَ] (١) الاسْتِثْناءَ، فلو أرادَ الجَزْمَ، فسَبَقَ لِسانُه إلى الاسْتِثْناءِ مِن غيرِ قَصْدٍ، أو كانت عادَتُه جارِيَةً بالاسْتِثْناءِ، فجرَى على لِسانِه من غيرِ قَصْدٍ، لم يَصِحَّ، لأنَّ اليَمِينَ لَمّا لم تَنْعَقِدْ مِن غيرِ قَصْدٍ، فكذلك الاسْتِثْناءُ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وذَكَر بعضُهم أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ حتَّى يَقْصِدَه مع ابتِدَاءِ (٢) يَمينِه (٣)، فلو حَلَف غيرَ قاصِدٍ للاسْتِثْناءِ، ثم عَرَض له بعدَ فَرَاغِه من اليَمِينِ فاسْتَثْنَى، لم يَنْفَعْه. وهذا القولُ يُخالِفُ عُمومَ الخَبَرِ، وهو قولُه، ﵇: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ. لَمْ يَحْنَثْ». فلا يَصِحُّ، ولأنَّ لَفْظَ الاسْتِثْناء يكونُ عَقِيبَ يَمِينِه، فكذلك نِيَّتُه.
стр. 13663
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، والظِّهارِ، والنَّذْرِ. قال ابنُ أبي موسى. مَنْ اسْتَثْنَى في يَمِينٍ تَدْخُلُها كَفَّارَةٌ، فله ثُنْيَاهُ (١)؛ لأنَّها أَيمانٌ مُكَفَّرَةْ، فدَخَلَها الاسْتِثْناءُ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، فلو قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي، إن شاءَ اللهُ. [أو أنْتِ حَرامٌ، إن شاء اللهُ. أو: إن دخَلْتِ الدّارَ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي، إن شاء اللهُ] (٢). أو: للهِ عليَّ أن أتَصَدَّقَ بمائَةِ دِرْهَمٍ، إن شَاءَ اللهُ. لم يَلْزَمْه شيءٌ؛ لأنَّها أيمانٌ، فتَدْخُلُ في عُمومِ قولِه: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شاءَ اللهُ. لَمْ يَحْنَثْ».
فصل: فإن قال: واللهِ لأَشْرَبَنَّ اليومَ، إلَّا أن يشاءَ اللهُ. أو: لا أشْرَبُ، إلَّا أن يشاءَ اللهُ. لم يَحْنَثْ بالشُّرْبِ ولا تَرْكِه، لِما ذَكَرْنا في الإِثْباتِ. ولا فَرْقَ بينَ تَقْديمِ الاسْتِثْناءِ وتَأْخيرِه في هذا كُلِّه، فإذا قال: واللهِ، إن شَاءَ اللهُ، لا أشْرَبُ اليومَ. أو: لأشْرَبَنَّ (٣). ففَعَلَ أو تَرَك،
стр. 13664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وتَأْخِيرَه سَواءٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (١).
فصل: فإن قال: واللهِ لأشْرَبَنَّ اليومَ، إن شاءَ زَيدٌ. فشاءَ زَيدٌ، ولم يَشْرَبْ حتَّى مَضَى اليومُ، حَنِثَ، وإن لم يَشَأْ زَيدٌ، لم تَلْزَمْه يَمِينٌ، فإن لم تُعْلَمْ مَشِيئَتُه لغَيبَةٍ أو جُنونٍ أو مَوْتٍ انْحَلَّتِ اليَمِينُ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ الشَّرْطُ. وإن قال: واللهِ لا أشْرَبُ، إلَّا أن يَشاءَ زيدٌ. فقد مَنَع نَفسَه الشُّرْبَ إلَّا أن تُوجَدَ مَشِيئَةُ زيدٍ، فإن شاءَ فله الشُّرْبُ، وإن لم يَشأْ لم يَشْرَبْ، وإن خَفِيَتْ مَشِيئَتُه لغَيبَةٍ أو موتٍ أو جُنونٍ، لم يَشْرَبْ، وإنْ شَرِبَ حَنِثَ؛ لأنَّه مَنَع نَفْسَه إلَّا أن تُوجَدَ المَشِيئَةُ. (٢) ولم يَكُنْ له أن يَشْرَبَ قبلَ وُجودِها. وإن قال: واللهِ لأشْرَبَنَّ، إلَّا أن يشاءَ زيدٌ. فقد ألْزَمَ نَفْسَه الشُّرْبَ إلَّا أن يَشاءَ زيدٌ أن لا يَشْرَبَ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ ضِدُّ المُسْتَثْنَى منه، والمُسْتَثْنَى منه إيجابٌ لشربِه بيَمِينِه، فإن شَرِبَ قبلَ مَشِيئَةِ زيدٍ بَرَّ. وإن قال زيدٌ: قد شِئتُ أن لا يَشْرَبَ. انْحَلَّتْ يَمِينُه؛ لأنَّها مُعَلَّقَةٌ بعَدَمِ مَشِيئَتِه لتَرْكِ الشربِ، وإن لم تَتَقَدَّمْ فلم يُوجَدْ شَرْطُها. وإن قال: قد
стр. 13665
وَإذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَينِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ، وَإنْ لَمْ يَنْو، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْو ذَلِكَ.
ــ
شِئْتُ أن يَشْرَبَ. أو: ما شِئْتُ أن لا يَشْرَبَ. لم تَنْحَلَّ اليَمِينُ؛ لأنَّ هذه المَشِيئَةَ غيرُ المستثناةِ، فإن خَفِيتْ مَشِيئَتُه، لَزِمَه الشربُ؛ لأنَّه عَلَّقَ وُجوبَ الشُّرْبِ بعَدَمِ المشيئةِ، وهي مَعْدُومَةٌ بحُكْمِ الأصلِ. وإن قال: واللهِ لا أشربُ اليومَ، إن شاء زيدٌ. فقال زيدٌ: قد شِئْتُ أن لا يشربَ. فشربَ حَنِث، وإن شَرِب قبلَ مشيئتِه لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الامْتِناعَ من الشُّرْبِ مُعَلَّقٌ بمشيئتِه، ولم تَثْبُتْ مشيئتُه، فلم يَثْبُتْ الامْتناعُ، بخلافِ التي قبلَها. وإن خفِيَتْ مشيئتُه، فهي في حكمِ المعْدومةِ. والمشيئةُ في هذه المواضِعِ أن يقولَ: قد شئتُ. بلسانِه.
٤٦٩٨ - مسألة: (وَإذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَينِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ، وَإنْ لَمْ يَنْو، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ) وذلك لأنَّ اللفظَ يَحْتَمِلُ إرادةَ المَحْلُوفِ عليه في وَقْتٍ مُعَيَّن، ويَحْتَمِلُ غيرَه، فرُجِعَ إلى ما نَواه، ككناياتِ الطلاقِ والعِتقِ، وإن لم يكنْ له نيةٌ، لم يَحْنَثْ قبلَ اليَأْسِ مِن فِعْلِه؛ فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ﴾ (١). فقال عُمَرُ: يا رسولَ اللهِ: ألم تُخْبِرْنا أَنّا سنَأْتي البيتَ ونَطُوف به؟ قال: «بلى،
стр. 13666
وَإذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ.
ــ
فأخْبَرْتُك أنَّك آتِيه العامَ؟». قال: لا. قال: «فإنَّك آتِيه ومُطَّوِّفٌ بِه» (١).
٤٦٩٩ - مسألة: (وَإذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ) لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ سَمُرَةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذا حَلَفْتَ على يَمِين، فرَأَيتَ غيرَها خَيرًا منْها، فكَفِّر عن يَمِينِك، ثم ائْت الَّذي هو خيرٌ». رَواه أبو داودَ (٢). وفي لفظٍ: «وائْتِ الَّذي هو خَيرٌ». رَواه البخارِيُّ، والأثْرَمُ (٢). وعن أبي موسى عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنِّي، إن شاء اللهُ، لا أحْلِفُ على يَمِين فأرَى غيرَها خيرًا منْها، إلَّا كَفَّرْتُ عن يَمِينِي، وأتَيتُ الَّذي هو خيرٌ». أو: «أتَيتُ الَّذي هو خيرٌ، وكَفَّرْتُ عن يَمِينِي». رَواه البُخارِيُّ (٣).
стр. 13667
وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفَ.
ــ
٤٧٠٠ - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُ الحَلِفِ) باللهِ، ولا الإِفْراطُ (١) فيه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٢). وهذا ذَمٌّ له يَقْتَضِي كَراهَةَ فِعْلِه. فإن لم يخرُجْ إلى حَدِّ الإِكْثارِ، فليس بمَكْرُوهٍ، إلَّا أن يَقْتَرِنَ به ما يُوجِبُ كراهَتَه. ومن الناسِ مَن قال: الأَيمانُ كُلُّها مَكْروهَةٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ (٣). ولَنا، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَحْلِفُ كثيرًا، وقد كان يَحْلِفُ في الحديثِ الواحِدِ أيمانًا كثيرةً، ورُبَّما كرَّرَ اليمينَ الواحِدةَ ثلاثًا، فإنَّه قال في خُطْبةِ الكُسوفِ: «وَاللهِ يا أُمَّةَ
стр. 13668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
محمَّدٍ، مَا مِنْ أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ الله أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أو تَزْنِيَ أَمتُهُ، يَا أَمَّةَ محمّدٍ، واللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعلَمُ، لَضَحِكْتُم قَلِيلًا، ولَبَكَيتُمْ كَثيرًا» (١). ولَقِيَتْه امرأةٌ من الأنْصارِ، معها أولادُها، فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّكُم لأحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ». ثَلاثَ مَرَّاتٍ (٢). وقال: «وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا» (٣). ولو كان هذا مكروهًا، لَكانَ النبيُّ ﷺ أَبْعدَ الناسِ منه. ولأنَّ الحَلِفَ بالله تعالى تعظيمٌ له، وربَّما ضَمَّ إلى يَمِينِه وَصْفَ الله تعالى بتعظِيمِه وتَوْحِيدِه، فيكونُ مُثابًا على ذلك. فقد رُوِيَ أنَّ رجُلًا حَلَفَ على شيءٍ، فقال: واللهِ الَّذي لا إلهَ إلَّا هو، ما فَعَلْتُ كذا. فقال النَّبِيُّ ﷺ : «أمَّا إنَّه، (٤) قد كَذَبَ، وَلَكِنْ غفَرَ اللهُ له بتَوْحِيدِه» (٥). وأمَّا الإفْراطُ في الحَلِفِ، فإنَّه إنَّما كُرِهَ، لأنَّه لا يَكادُ يَخْلُو من الكَذِبِ. واللَّهُ أعلمُ. وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ
стр. 13669
وَإنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ مُحِقٌّ، اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ
ــ
عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾. فمَعْناه لا تَجْعَلُوا أَيمَانَكُم باللهِ مانِعَةً لكم من البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ الناسِ، وهو أن يَحْلِفَ باللهِ أن لا يَفْعَلَ بِرًّا ولا تَقوَى ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، ثم يمْتنِعَ مِن فِعْلِه، لِيَبَرَّ في يَمِينِه، ولا يَحْنَثَ فيها، فنُهُوا عن المُضِيِّ فيها. قال أحمدُ، ولِيَبَرَّ حديثَ ابنِ عباسٍ بإسْنادِه، في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾: الرجلُ يَحْلِفُ أن لا يَصِلَ قَرابَتَه، وقد جَعَل اللهُ له مَخْرَجًا في التَّكْفير، فأمَرَه أن لا يَعْتَلَّ باللهِ، وَلْيُكَفِّرْ، ولْيَبَرَّ (١). وقال النبيُّ ﷺ : «لَأَنْ يَسْتَلِجَّ (٢) أَحَدُكُمْ في يَمِينِه، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أنْ يُؤَدِّيَ الكَفَّارَةَ الَّتِي فَرَضَ اللهُ عَلَيهِ» (٣). وإن كان النَّهْي عادَ إلى اليَمِينِ، فالمَنْهِيُّ عنه الحَلِفُ على تَرْكِ البِرِّ والتَّقْوَى والإِصْلاحِ بينَ الناسَ، لا على كلِّ يَمِينٍ، فلا حُجَّةَ فيها لهم إذًا.
٤٧٠١ - مسألة: (فإن دُعِيَ إلى الحَلِفِ عندَ الحاكِمِ وهو مُحِقٌّ ،
стр. 13670
يَمِينِهِ، فَإِنْ حَلَفَ، فَلَا بَأْسَ.
ــ
اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ يَمِينِه، فإن حَلَف، فلا بَأْسَ) قال أصحابُنا: تَرْكُه أوْلَى، فيكونُ مَكْرُوهًا. وبه قال أصحابُ الشافعي؛ لِما رُوِيَ أنَّ المِقْدادَ وعثمانَ تَحاكَما إلى عمرَ، في مالٍ اسْتَقْرَص سه المِقْدادُ، فجعلَ عمرُ اليَمِينَ على المِقْدادِ، فرَدَّها على عثمانَ، فقال عمرُ: لقد أنْصَفَكَ. فأخَذَ عثمانُ ما أعْطاهُ المِقْدادُ، ولم يَحْلِفْ، وقال: خِفْتُ أن يُوافِقَ قَدَر بَلاءً، فيُقال: بيَمِينِ عثمانَ (١). والصَّحِيحُ أنَّه لا يُكْرَهُ بل هو مُباح، فِعْلُه كتَركِه؛ لأنَّ اللهَ أمَر نَبِيَّه ﵇ بالحَلِفِ على الحَقِّ في ثلَاثةِ مَواضعَ، فقال: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّىَ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (٢). والثاني قولُه: ﴿قُلْ بَلَى وَربي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٣). والثالثُ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٤). ورَوَى محمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أنَّ عمرَ قال على المِنبَرِ،
стр. 13671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفى يَدِه عَصًا: يا أيُّها الناسُ، لا تَمْنعَنَّكم اليمينُ من حُقُوقِكُم، فوَالذِي نفْسِي بِيَدِه، إنَّ في يَدِي لَعَصًا. ورَوَى الشَّعْبِيُّ، أنَّ عمرَ وأُبَيًّا احْتَكَمَا (١) إلى زيدٍ في نَخْلٍ ادَّعاه أُبَيٌّ، فتَوَجَّهَتِ اليمينُ على عمرَ، فقال زيدٌ: أَعفِ أميرَ المؤمِنين. فقال عمرُ: ولِمَ يُعْفِي أميرَ المؤمنين؟ إن عَرَفْتُ شيئًا اسْتَحْقَقْتُه بيَمِينِي، وإلَّا تَرَكْتُه، والله (٢) الذِى لا إلهَ إلَّا هو، إنَّ النَّخْلَ لنَخْلِي، وما لأُبَيٍّ فيه حَقٌّ فلمَّا خرَجا وَهَب النَّخْلَ لأُبَيٍّ، فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، هلَّا كان هذا قبلَ اليَمِينِ؟ فقال: خِفْتُ أن لا أحْلِفَ، فلا يَحْلِفَ الناسُ على حُقُوقِهم بَعْدِي، فتكونَ سُنَّةً (٣). ولأنَّه حَلِف صِدْقٍ على حَق، فأَشْبَهَ الحَلِفَ عندَ غيرِ الحاكمِ.
стр. 13672
فصْلٌ: فإِنْ حَرَّمَ أمَتَهُ أَوْ شَيئًا مِنَ الْحَلَالِ، لَمْ يُحَرَّمْ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ.
ــ
فصل: قال، ﵀: (وإِنْ حَرَّمَ أمَتَهُ أَوْ شَيئًا مِنَ الْحَلَالِ، لَمْ يُحَرَّمْ، وَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ) وقال أبو حنيفةَ: يُحَرَّمُ، لقولِ الله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ (١). وقولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ (٢). ولأنَّه تَحْرِيمٌ للحَلالِ، فحَرَّمَ، كتَحْريمِ الزَّوْجَةِ. ولَنا، أنَّه إذا أرادَ التَّكْفِيرَ، فله فِعْلُ المَحْلُوفِ عليه، وحِلُّ فِعْلِه مع كَوْنِه (٣) مُحَرَّمًا تَناقُضٌ، والعَجَبُ أنَّ أبا حنيفةَ لا يُجِيزُ التَّكْفِيرَ إلَّا بعدَ الحِنْثِ، وقد فَرَض اللهُ تعالى تَحِلَّةَ اليمينِ، فعلى قولِه، يَلْزَمُ كونُ المُحَرَّم مَفروضًا، أو من ضَرُورَةِ المَفْروضِ، لأنَّه لا تَحْصُلُ التَّحِلَّةُ إلَّا بفِعْلِ المَحْلُوفِ عليه (٤)، وهو عندَه مُحَرَّمٌ، وهذا غيرُ جائِزٍ، ولأنَّه لو كان مُحَرَّمًا،
стр. 13673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ عليه، كالظِّهارِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (١). فأمَرَ بفِعْلِ المحْلُوفِ عليه، ولو كان مُحَرَّمًا، لم يَأْمُرْ بفِعْلِه، وسَمَّاه خَيرًا، والمُحَرَّمُ ليس بخيرٍ. وأمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها قوْلُه: هو علَيَّ حَرامٌ. أو مَنْعُ نَفْسِه منه، وذلك (٢) يُسَمَّى تحْرِيمًا، قال اللهُ تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ (٣). وقال: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ (٤). ولم يَثْبُتْ في التَّحْرِيمُ حَقِيقَةً ولا شَرْعًا.
فإذا قال: هذا حَرامٌ عليَّ إن فَعَلْتُ. وفَعَل. أو: ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ إن فَعَلْتُ. ثم فَعَلَ، فهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ تَرَك ما حَرَّمَه على نَفْسِه، وإن شاءَ كَفَّرَ. وإن قال: هذا الطعامُ حَرامٌ عليَّ. فهو كالحالِفِ على تَرْكِه.
стр. 13674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويُرْوَى نحوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، والحَسنِ، وجابرِ بنِ زَيدٍ، وقَتادَةَ، وإسْحاقَ، وأهلِ العراقِ. وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، في مَن قال: الحِلُّ عَلَيَّ حَرامٌ: يَمِينٌ مِن الأيمانِ، يُكَفِّرُها. وقال الحسنُ: هي يَمِينٌ، إلا أن يَنْويَ امرأتَه. وعن إبراهيمَ مثلُه. وعنه، إن نَوَى طَلاقًا، وإلَّا فليس بشيءٍ. وعن الضَّحَّاكِ، أنَّ أبا بكرٍ، وعمرَ، وابنَ مسعودٍ، قالوا: الحرامُ يَمِينٌ (١). وقال طاوُسٌ: هو ما نَوَى. وقال مالكٌ، والشافعيُّ: ليس بيَمِينٍ، ولا شيءَ عليه، لأنَّه قَصَد تَغْيِيرَ المَشْرُوعِ، فَلَغا ما قَصَدَه، كما لو قال: هذه ابْنَتِي. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ إلى قولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ (٢). سَمَّى تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللهُ يَمِينًا، وفَرَض له تَحِلَّةً، وهو الكَفَّارَةُ. وقالت عائِشَةُ: كان النبيُّ ﷺ يَمْكُثُ عندَ زَينَبَ بنتِ جَحْشٍ، ويَشْرَبُ عندَها عَسَلًا، فتَواطَيتُ (٣) أنا وحَفْصَةُ، أنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عليها النبيُّ ﷺ ، فَلْتَقُلْ: إنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغافِيرَ (٤) فدَخَلَ على إحْدانا، فقالتْ له
стр. 13675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك، فقال: «لَا، بَل شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَينَبَ بنْتِ جَحْشٍ، ولَنْ أَعُودَ». فنزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾. مُتَّفَقٌ عليه (١). فإن قيل: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في تَحْرِيمِ مارِيَةَ القِبْطِيَّةِ، كذلك قال الحسنُ، وقَتادَةُ (٢). قُلنا: ما ذَكَرْناه أصَحُّ، فإنَّه مُتَّفَقٌ عليه، وقولُ عائشةَ صاحِبَةِ القِصَّةِ الحاضِرَةِ للتَّنْزِيلِ، المُشاهِدَةِ للحالِ، أوْلَى، والحسنُ وقَتادَةُ لو سَمِعَا قولَ عائشةَ، لم يَعْدِلا به شيئًا، ولم يَصِيرَا إلى غيرِه، فكيفَ يُصارُ إلى قولِهما، ويُتْرَكُ قَوْلُها! وقد رُوِيَ عن ابنِ عَباسٍ، وابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه جَعَل تَحْرِيمَ الحلالِ يَمِينًا (٣).
وَإنْ قَال: هُوَ يَهُودِيٌّ. أوْ: كَافِرٌ. أوْ: بَرِئٌ مِنَ اللهِ تَعَالى، أوْ: مِنَ الإسْلَامِ، أو: الْقُرْآنِ، أو: النَّبِيِّ ﷺ ، إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا،
ــ
٤٧٠٢ - مسألة: (وإن قال: هو يَهُودِيٌّ) أو: نَصْرانِيٌّ (أو: بَرِئٌ مِنَ اللهِ تعالى، أو:) من (القُرْآنِ، أو: الإِسْلام، أو: النبيِّ ﷺ إن فَعَل ذلك. فقد فَعَل مُحَرَّمًا) لِما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَال». مُتَّفَق عليه (١). وفي لَفْظٍ: «مَنْ حَلَفَ أنَّه بَرِئٌ مِنَ الإِسْلَامِ، فَإنْ كَانَ قَدْ
стр. 13678
وَعَلَيهِ كَفَّارَةٌ إِنْ فَعَلَ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
ــ
كَذَبَ، فَهُوَ كَمَا قَال، وَإنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَرْجِعْ إلَى الإِسْلَامِ سَالِمًا» (١).
٤٧٠٣ - مسألة: (وعليه كَفَّارَةٌ إن فَعَل، في إحْدَى الرِّوَايَتَين) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، في الحالِفِ بالخُروجِ من الإسْلامِ، مثلَ أن يقولَ: هو يَهُودِيٌّ. أو: نَصْرَانِيٌّ،. أو: مَجُوسِيٌّ، إن فَعَل كَذا. [أو: هو] (٢) بَرِئٌ من الإِسْلامِ. أو: مِن رسولِ اللهِ ﷺ . أو يقولُ: هو يَعْبُدُ الصَّلِيبَ. أو: يَعْبُدُ غيرَ اللهِ، إن فَعَل. أو نحوَ هذا (٣)، فعن أحمدَ: عليه الكَفَّارَةُ إذا حَنِثَ. يُرْوَى هذا عن طاوُسٍ، والحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي.
стр. 13679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورُوِيَ ذلك عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، ﵁. والثانِيَةُ، لا كَفَّارَةَ عليه. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، واللَّيثِ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يَحْلِفْ باسمِ اللهِ، ولا صِفَتِه، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَة، كما لو قال: عَصَيتُ اللهَ فيما أمَرَنِي به. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في الرِّوايَةِ الأُولَى على النَّدْبِ دونَ الإيجابِ، فإنَّه قال في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: إذا قال: أكفُرُ باللهِ. أو: أُشْرِكُ باللهِ: فأحَبُّ إليَّ أن يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ إذا حَنِثَ. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، ما رُوِيَ [عن الزُّهْرِيِّ، عن خارِجَةَ بنَ زيدٍ، عن أبيه] (١)، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه سُئِلَ عن الرجلِ يقولُ: هو يَهُودِيٌّ، أو نَصْرَانِيٌّ، أو مَجُوسِيٌّ، أو بَرِئٌ من الإسْلامِ. في اليَمِينِ يَحْلِفُ بها، فيَحْنَث في هذه الأشْياءِ. قال: «عَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». أخْرَجَه أبو بَكْرٍ (٢). ولأنَّ البَرَاءَةَ من هذه الأشْياءِ تُوجِبُ الكُفْرَ باللهِ، فكان الحَلِف بها يَمِينًا،
стр. 13680
وَإنْ قَال: أَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَى. أَوْ نَحْوَهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
ــ
كالحَلِفِ باللهِ تعالى. قال شيخُنا (١): والرِّوايةُ الثانِيَةُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى، فإنَّ الوُجوبَ من الشَّارعِ، ولم يَرِدْ في هذه اليَمِينِ نَصٌّ، ولا هي في قياسِ المَنْصُوصِ، فإنّ الكَفَّارَةَ إنَّما وَجَبَتْ بالحَلِفِ باسِم اللهِ تَعْظِيمًا لاسْمِه، وإظْهارًا لشَرَفِه وعَظَمَتِه، ولا تَتَحَقَّقُ التَّسْويَةُ.
٤٧٠٤ - مسألة: (وإن قال: «أنا أسْتَحِلُّ الزِّنَى. أو نَحْوَه، فعلى وَجْهَين) وكذلك إن قال: أنا أسْتَحِلُّ تَرْكَ الصلاةِ أو الزكاةِ أو الصِّيامِ.
стр. 13681
وَإنْ قَال: عَصَيتُ اللهَ. أوْ: أَنا أَعْصِي اللهَ في كُلِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ. أوْ: مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ إِنْ فَعَلْتُ. فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
ــ
فهو كالحَلِفِ بالبَراءَةِ من الإسْلامِ؛ لأنَّ اسْتِحْلال ذلك يُوجِبُ الكُفْرَ، فيُخَرَّجُ على الرِّوايَتَين في المسألةِ قبلَها.
٤٧٠٥ - مسألة: (وإن قال: عَصيتُ اللهَ. أو: أنَا أعْصِي اللهَ في كُلِّ ما أمَرَنِي بِهِ. أو: مَحَوْتُ المُصْحَفَ إن فَعَلْتُ) كَذا. وحَنِثَ (فلا كَفَّارَةَ فيه) لأنَّ هذا دونَ الشِّرْكِ. وإن قال: أخْزاه اللهُ. أو: قَطَعَ يَدَه. أو: لعنه، إن فَعَل. ثم حَنِثَ، فلا كَفّارَةَ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال طاوُسٌ، واللَّيثُ: عليه الكَفَّارَةُ. وبه قال الأوْزَاعِيُّ إذا قال: عليه لَعْنَةُ اللهِ. ولَنا،
стр. 13682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ هذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ، أشْبَهَ ما لو قال: مَحَوْتُ المُصْحَفَ. وإن قال: لا يَرانِيَ اللهُ في (١) مَوْضِعِ كذا إن فعلتُ. وحَنِثَ، فقال القاضِي: عليه
стр. 13683
وَإنْ قَال: عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لأفْعَلَنَّ. فَلَيسَ بِشَيْءٍ؛ وَعَنْهُ، عَلَيهِ كَفَّارَة إِنْ حَنِثَ.
ــ
كَفَّارَةٌ. وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه. والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا كفَّارَةَ فيه، لأنَّ إيجابَها في هذا ومثلِه تَحَكُّم بغيرِ نَصٍّ، ولا قِياس صَحِيحٍ.
٤٧٠٦ - مسألة: (وإن قال: عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لَأفْعَلَنَّ. فليس بشيءٍ. وعنه، عليه كَفَّارَةٌ إن حَنِثَ) أمَّا إذا قال: عَبْدُ فُلانٍ حُرٌّ. من غيرِ تعْلِيقٍ، لم يَلْزَمْه شيءٌ، وكذلك إن عَلَّقَه، لأنَّ تَعْلِيقَ الشيءِ بالشَّرْطِ أثَرُه في أن يَصِيرَ عندَ الشَّرْطِ كالمُطْلَقِ (١)، فإذا كان المُطْلَقُ (٢) لا يُوجبُ شيئًا، فكذلك المعَلَّقُ. ولا يَعْتِقُ العَبْدُ إذا حَنِثَ، بغيرِ خلافٍ، لأنَّه لا يَعْتِقُ بتَنْجِيزِ (٣) العِتْقِ، فالتَّعْلِيقُ أوْلَى. وهل تَلْزَمُه كَفَّارَةٌ؟ فيه رِوايتان عن أحمدَ، ذَكَرَهُما ابنُ أبي موسى؛ إحْداهما، عليه كَفَّارَةٌ؛ لأنَّه حَلَف بالعِتْقِ فيما لا يَقَعُ بالحِنْثِ، فلَزِمَتْه كَفَّارَةٌ، كما لو قال: فللهِ عَلَيَّ أنْ أُعْتِقَ فُلانًا. والثانيةُ، لا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه حَلَف بإخْراجِ مالِ غيرِه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو قال: مالُ فُلانٍ صَدَقَةٌ، إن دَخَلْتُ الدَّارَ. ولأنَّه تعْلِيقٌ للعِتْقِ
стр. 13684
وَإنْ قَال: أَيمَانُ الْبَيعَةِ تَلْزَمُنِي. فَهِيَ يَمِينٌ، رَتَّبَها الْحَجَّاجُ، تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ باللهِ تَعَالى، والطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَصَدَقَةِ
ــ
على صِفَةٍ، فلم تَجِبْ به كَفَّارَة، كسائِرِ التَّعْلِيقُ (١). أمَّا إذا قال: للهِ عَلَيَّ أن أُعْتِقَ عَبْدًا. فإنَّه نَذْرٌ، فأوجَبَ الكَفَّارَةَ؛ لكَوْنِ (٢) النَّذْرِ كاليَمِينِ، وتعْلِيقُ العِتْقِ بخلافِه.
فصل: وإن قال: إن فَعَلْتُ كذا، فمالُ فُلانٍ صَدَقَةٌ، أو: فعلى فُلانٍ حَجَّةٌ، أو: فمالُ (٣) فُلانٍ حَرامٌ عليه، أو: هو بَرِئٌ من الإِسْلام. وأشْباهَ هذا، فليس ذلك بيَمِينٍ، ولا تَجبُ به كَفَّارَةٌ. لا نَعْلَمُ بينَ أهَلِ العِلْمِ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لم يَرِدِ الشَّرْعُ فيه بَكفَّارَةٍ، ولا هو في معنى ما وَرَد الشَّرْعُ به.
٤٧٠٧ - مسألة: (وإن قال: أيمانُ البَيعَةِ تَلْزَمُنِي. فهي يَمِينٌ، رَتَّبَهَا الحَجَّاجُ، تَشْتَمِلُ على اليَمِينِ باللهِ تَعَالى، والطَّلاقِ، والعَتاقِ ،
стр. 13685
الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ يَعْرِفُهَا وَنَوَاهَا، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِمَا فِيهَا، وَإلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ بِحَالٍ، إلا في الطَّلَاقِ والْعَتَاقِ.
ــ
وصَدَقَةِ المالِ، فإن كان الحالِفُ يَعْرِفُها ونَوَاها، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بما فيها، وإلَّا فلا شيءَ عليه. ويَحْتَمِلُ أن لا تَنْعَقِدَ إلَّا فِي الطَّلاقِ والعَتاقِ) قال أبو عبدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ: كُنْتُ عندَ أبي القاسِمِ الخِرَقِيِّ، وقد سَأَلَه رجلٌ عن أيْمانِ البَيعَةِ، فقال: لستُ أُفْتِي فيها بشيءٍ، ولا رأيتُ أحدًا من شيوخِنا يُفْتِي في هذه اليَمِينِ. قال: وكان أبي، ﵀ -يَعْنِي [أبا عليٍّ] (١) - يَهابُ الكلامَ فيها. ثم (٢) قال أبو القاسِمِ: إلَّا أن يَلْتَزِمَ الحالِفُ بها بجميعِ ما فيها من الأيمانِ. فقال له السائِلُ: عَرَفَها أم لم يَعْرِفْها؟ قال: نعم. وكانتِ اليَمِينُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ بالمصافَحَةِ (٣)، فلمَّا وَلِيَ الحَجَّاجُ رَتَّبَها إيمانًا تَشْتَمِلُ على اليَمِينِ باللهِ
стр. 13686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى، والطَّلاقِ، والعَتاقِ، وصَدَقَةِ المالِ. فمَن لم يَعْرِفْها، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه بشيءٍ ممَّا فيها؛ لأنَّ هذا ليس بصَرِيحٍ في القَسَمِ، والكِنايَةُ لا تَصِحُّ إلَّا بالنِّيَّةِ، ومَن لم يَعْرِفْ شيئًا، لمْ يصِحَّ أن يَنْويَه. وإن عَرَفَها، ولم يَنْو عَقْدَ اليَمِينِ بما فيها، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لِما ذَكَرْناه. ومَن عَرَفَها، ونوَى اليَمِينَ بما فيها، انْعَقَدَ في الطَّلاقِ، العَتاقِ؛ لأنَّ اليَمِينَ بهما (١) جميعًا (٢)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالكِنايَةِ المَنْويَّةِ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ، وكما لو لَفَظَ بكل واحدةٍ وَحْدَها. وقال في مَوْضِعٍ: لا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ باللهِ بالكِنايَةِ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الكفَّارَةَ إنَّما وَجَبَتْ فيها لما ذُكِرَ فيها من اسْمِ اللهِ تعالى المُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ، ولا يُوجَدُ ذلك في الكِنايَةِ.
стр. 13689
وَإنْ قَال: عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ: يَمِين إِنْ فعَلْتُ كَذَا. وَفَعَلَهُ، فَقَال أصْحَابُنَا: عَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
ــ
٤٧٠٨ - مسألة: (وإن قال: عَلَيَّ نَذْرٌ، أو يَمِينٌ إن فَعَلْتُ كذا. وفَعَلَه، فقال أصحابُنا: عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِما روَى ابنُ عامِرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمَّ، كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». قال