يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
стр. 13722
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بَابُ جَامِعِ الْأَيمَانِ
وَيُرْجَعُ في الأَيمَانِ إلَى النِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا،
ــ
بابُ جامِعَ الأيمانِ
٤٧١٧ - مسألة: (ويُرْجَعُ في الأيمانِ إلى النِّيَّةِ، فإن لم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، رُجِعَ إلى سَبَبِ اليَمِينِ وما هَيَّجَها) الأيمانُ مَبْنِيَّةٌ على نِيَّةِ الحالِفِ، فإذا نَوَى بيَمِينِه ما يَحْتَمِلُه، انْصَرَفَت يَمِينُه (١) إليه، سَواءٌ كان ما نَواه مُوافِقًا لظاهِرِ اللَّفْظِ، أو مُخالِفًا له، فالمُوافِق للظَّاهِرِ أن يَنْويَ باللَّفْظِ مَوْضُوعَه الأصْلِيَّ، مثل (٢) أنْ يَنْويَ باللَّفْظِ العامِّ العُمُومَ، وبالمُطْلَقِ الإِطْلاقَ، وبسائِرِ الألْفاظِ ما يَتَبادَرُ إلى الأفْهامِ منها.
стр. 13723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمخالِفُ (١) يَتَنَوَّعُ أنْواعًا؛ أحَدُها، أن يَنْويَ بالعامِّ الخاصَّ، مثلَ مَن (٢) يَحْلِفُ لا يَأكلُ لحْمًا ولا فاكهةً. يُرِيدُ لَحْمًا بعَينه، وفاكِهَةً بعَينها. ومنها، أن يَحْلِفَ على فِعْلِ شيءٍ أو تَرْكِه مُطْلَقًا، ويَنْويَ فِعْلَه أو تَرْكَه في وَقْتٍ بعَينِه، مثلَ مَن يَحْلِفُ، أن لا يتَغَدَّى. ويُرِيدُ اليومَ. أو: لا أكَلْتُ. يعني الساعةَ. ومنها، أن يَنْويَ بيَمِينِه غيرَ ما يَفْهَمُه السَّامِع منه، كما ذكَرْنا في المَعارِيضِ (٣) في مسألةِ إذا تَأَوَّلَ في يَمِينِه فله تَأْويلُه. ومنها، أن يُرِيدَ بالخاصِّ العامَّ، مثلَ أن يَحْلِفَ: لا شَرِبْتُ لفُلانٍ الماءَ من العَطَشِ. ينوي (٤) قَطْعَ كُلِّ ما له فيه مِنَّةٌ. أو: لا يَأْوي مع امْرأتِه في دارٍ. يريدُ جَفاءَها بتَرْكِ اجْتماعِه بها في جميعِ الدُّورِ. أو حَلَف: لا يَلْبَسُ ثَوْبًا من غَزْلِها. يُرِيدُ قَطْعَ مِنَّتِها به، فتَتَعَلَّقُ يَمِينُه بالانْتِفاعِ به، أو بثَمَنِه (٥)، ممَّا لها فيه مِنَّةٌ عليه. وبهذا قال مالكٌ. وقال أبو حنيفةَ،
стр. 13724
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافِعِيُّ: لا عِبْرَةَ بالنِّيَّةِ والسَّبَبِ فيما يُخالِفُ لَفْظَه؛ لأنَّ الحِنْثَ مُخَالفَةُ ما وَقَعَتْ عليه اليَمِينُ، واليَمِينُ لَفْظُه، فلو أحْنَثْناه على ما سِوَاه، لأحْنَثْناه على ما نَوَى، لا على ما حَلَف، ولأنَّ النِّيَّةَ بمُجرَّدِها لا تَنْعَقِدُ بها اليَمِينُ، فكذلك لا يَحْنَثُ بمُخالفَتِها. ولَنا، أنَّه نَوَى بكَلامِه ما يَحْتَمِلُه، ويَسُوغُ في اللُّغَةِ التَّعْبيرُ به (١) عنه، فتَنْصَرِفُ يَمِينُه إليه، كالمَعارِيضِ، وبَيانُ احْتمالِ اللَّفْظِ له، أنَّه يَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ التَّعْبيرُ بالخاصِّ عن العامِّ، قال اللهُ تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢). ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٣). ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (٤). والقِطْمِيرُ: لُفافَةُ النَّواةِ. والفَتِيلُ: ما في شَقِّها. والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ التي في ظَهْرِها. ولم يُرِدْ ذلك بعَينه، بل نَفَى كلَّ شيءٍ. وقال الحُطَيئَةُ (٥) يَهْجُو (٦) بني العَجْلانِ:
* ولَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ *
стр. 13725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم يُرِدِ الحَبَّةَ بعَينِها، إنَّما أرادَ لا يَظْلِمُونَهم شيئًا. وقد يُذْكَرُ العامُّ ويُرادُ به الخَاصُّ، كقوْلِه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ﴾ (١). أرادَ رجلًا واحِدًا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (١). يعْني أبا سفيانَ. وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٢). ولم تُدَمِّرِ السَّماءَ والأرْضَ ولا مَساكِنَهم. وإذا احْتَمَلَه اللَّفْظُ، وَجَب صَرْفُ اليَمِينِ إليه إذا نَوَاه؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «وإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» (٣). ولأنَّ كلامَ الشَّارِعِ يُحْمَلُ على مُرادِه به، إذا ثَبَت ذلك بالدَّليلِ، فكذلك كلامُ غيرِه. قولُهم: إنَّ الحِنْثَ مُخالفَةُ ما عُقِدَ اليَمِينُ عليه. قُلْنا: وهذا كذلك، فإنَّ اليَمِينَ إنَّما انْعَقَدَتْ على ما نَوَاه، ولَفظُه مَصْروفٌ إليه، وليست هذه نِيَّةً مُجَرَّدَةً، بل لَفْظٌ مَنْويٌّ به ما يَحْتَمِلُه.
стр. 13726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومن شَرْطِ (١) انْصِرافِ اللَّفْظِ إلى ما نَوَاه، احْتِمالُ اللَّفْظِ له، فإن نَوَى ما لا يَحْتَمِلُه اللَّفْظُ، مثلَ أن يَحْلِفَ لا يَأْكُلُ
стр. 13727
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خُبْزًا، يَعْنِي به لا يَدْخُلُ بَيتًا، فإنَّ يَمِينَه لا تَنْصَرِفُ إلى المَنْويِّ؛ لأنَّها نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ لا يَحْتَمِلُها اللَّفْظُ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى ذلك بغيرِ يَمِينٍ.
стр. 13728
فَإذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ، لَمْ يَحْنَثْ إِذَا قَصَدَ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَهُ، أَوْ كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ.
ــ
٤٧١٨ - مسألة: (فإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، رُجِعَ إلى سَبَبِ اليَمِينِ وما هَيَّجَهَا) إذا عُدِمَتِ النِّيَّةُ (١)، نَظَرْنا في سَبَبِ اليَمِينِ وما أثارَها؛ لدَلالتِه على النِّيَّةِ (فإذا حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه غدًا، فقَضَاه قبلَه، لم يَحْنَثْ إذا قَصَد أن لا يَتَجاوَزَه، أو كان السَّبَبُ يَقْتَضِيه) وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الشافعيُّ: يَحْنَثُ إذا قَضاه قبلَه؛ لأنَّه [تَرَك فِعْلَ] (٢) ما حَلَفَ عليه مُخْتارًا، فحَنِثَ، كما لو قَضاه بعدَه. ولَنا، أنَّ مُقْتَضَى اليَمِينِ تَعْجِيلُ القَضاءِ قبلَ خُروجِ الغَدِ، فإذا قَضاه قبلَه، فقد قَضَى قبلَ خُروجِ الغَدِ، وزادَه خَيرًا، ولأنَّ مَبْنَى الأيمانِ على النِّيَّةِ (٣)،
стр. 13729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونِيَّةُ هذا بيَمِينِه تَعْجِيلُ القَضاءِ قبلَ خُروجِه، فتَعَلَّقَتْ يَمِينُه بهذا المَعْنَى، كما لو صَرَّحَ به. فإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، رُجِعَ إلى سَبَب اليَمِينِ، فإن كان يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ، فهو كما لو نَوَاه؛ لأنَّ السَّبَبَ يَدُلَّ على النِّيَّةِ، وإن لم يَنْو ذلك، ولا كان السَّبَبُ يَقْتَضِيه، فظاهِرُ كَلامِ الْخِرَقِيِّ، أنَّه لا يَبَرُّ إلَّا بقَضائِه [في الغَدِ، ولا يَبَرُّ بقضائِه] (١) قبلَه. وقال القاضي: يَبَرُّ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ اليَمِينَ للحَثِّ (٢) على الفِعْلِ، فمتى عَجَّلَه، فقد أتَى بالمقْصُودِ فيه، فيَبَرُّ، كما لو نَوَى ذلك. والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه تَرَك فِعْلَ ما تَناوَلَتْه يَمِينُه لفْظًا، ولم تَصْرِفْها عنه نِيَّةٌ ولا سَبَبٌ، فحَنِثَ، كما لو حَلَف لَيَصُومَنَّ شعبانَ، فصامَ رَجَبًا. ويَحْتَمِلُ أنَّ ما قاله القاضي في القَضاءِ خاصَّةً؛ لأنَّ عُرْفَ هذه اليَمِينِ في القَضاءِ التَّعْجِيلُ، فتَنْصَرِفُ اليَمِينُ المُطْلَقَةُ إليه.
فصل: فأمَّا غيرُ قَضاءِ الحَقِّ، كأَكْلِ شيءٍ، أو شُرْبِه، أو بَيع شيء، أو شِرائِه، أو ضَرْبِ عَبْدٍ (٣)، أو نَحْوه، فمتى عَيَّنَ وَقْتًا، ولم يَنْو ما يَقْتَضِي تَعْجِيلَه، ولا كان سَبَبُ يَمِينه يَقْتَضِيه، لم يَبَرَّ إلَّا بفِعْلِه في وَقتِه.
стр. 13730
وَإنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ إلَّا بِمِائَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإنْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ حَنِثَ.
ــ
وذَكَرَ القاضي أنَّه يَبَرُّ بتَعْجِيلِه عن وَقْتِه. وحُكِيَ ذلك عن بعضِ أصحابِ أبي حنيفةَ. ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلِ المَحْلوفَ عليه في وَقْتِه، من غيرِ نِيَّةٍ تَصْرِفُ يَمِينَه، ولا سَبَبٍ، فيَحْنَثُ، كالصِّيام. ولو فَعَل بعضَ المَحْلوفِ عليه قبلَ وَقْتِه، وبعضَه في وَقْتِه، لم يَبَرَّ؛ لأَنَّ اليَمِينَ في الإِثْباتِ لا يَبَرُّ فيها إلَّا بفِعْلِ جميعِ المَحْلوفِ عليه، فتَرْكُ بعضِه في وَقْتِه كتَرْكِ جَمِيعِه، إلَّا أن يَنْويَ أن لا يُجاوزَ ذلك الوَقْتَ، أو يَقْتَضِيَ ذلك سَبَبُها.
٤٧١٩ - مسألة: (وإن حَلَف) أن (لا يَبِيعَ ثَوْبَه إلَّا بمائَةٍ، فباعَه بأكْثَرَ، لم يَحْنَثْ، وإن بَاعَه بِأقَلَّ، حَنِثَ) لأنَّ قَصْدَه أن لا يَبِيعَه بأقَلَّ منها، فحَنِثَ إذا باعَه بالأقَلِّ، ولا يَحْنَثُ إذا باعَه بأكثرَ، لأنَّ قَرِينَةَ الحالِ تَدُلُّ على ذلك، والعُرْف، فهو كما لو حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه غدًا، فقَضاه اليومَ، ومُقْتَضى مذهبِ الشافِعِيِّ أنَّه يَحْنَثُ إذا باعَه بأكثرَ؛ لمُخالفَتِه اللَفْظَ.
فصل: ومَن حَلَف لا يَبِيعُ ثَوْبَه بعَشَرَةٍ، فبَاعَه بها أو بأقَلَّ، حَنِثَ، وإن باعَه بأكْثَرَ، لم يَحْنَثْ. وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إذا باعَه بأَقَلَّ؛ لأنَّه لم تَتَناوَلْه يَمِينُه. ولَنا، أنَّ العُرْفَ في هذا أن لا يَبِيعَه بها ولا بأَقَلَّ منها، بدَلِيلِ أنَّه لو وَكَّلَ في بَيعِه إنْسانًا، وأمَرَه أن لا يَبِيعَه بعَشرةٍ، لم يَكُنْ له بَيعُه بأقَلَّ منها، ولأنَّ هذا تَنْبِيهٌ على امْتِناعِه من بَيعِه
стр. 13731
وَإنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، وَنَوَى الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ في غَيرِهِ.
ــ
بما دونَ العشَرةِ، والحُكْمُ يَثْبُتُ بالنِّيَّةِ (١)، كثُبُوتِه باللَّفْظِ. وإنْ حَلَف: لا أشْتَرِيه بعشَرةٍ (٢). فاشْتَراه بأقَلَّ، لم يَحْنَثْ. وإنِ اشْتَراه بها أو بأكثرَ منها، حَنِثَ؛ لِما ذَكَرْنا. ومُقْتَضَى مذهبِ الشافعيِّ، أن لا يَحْنَثَ إذا اشْتَراه بأكْثَرَ منها؛ لأنَّ يَمِينَه لم تَتَناوَلْه لَفْظًا. ولَنا، أنَّها تَناوَلَتْه عُرْفًا وتَنْبِيهًا، فكان حانِثًا، كما لو حَلَف (٣): ما لَه عليَّ حَبَّةٌ. فإنَّه يَحْنَثُ إذا كان عليه أكْثَرُ منها. قيلَ لأحمدَ: رجلٌ حَلَف أن (٤) لا يَنْقُصَ هذا الثَّوبَ من كذا. قال: قد أخَذْتُه، ولكن هَبْ لي كذا. قال: هذا حِيلَةٌ. قيل له: فإن قال البائِعُ: أبِيعُك بكذا، وأهَبُ لفُلانٍ شيئًا آخَرَ. قال: هذا كلُّه ليس بشيءٍ. وكَرِهَه.
٤٧٢٠ - مسألة: (وإن حَلَف لَا يَدْخُلُ دَارًا، ونَوَى اليَوْمَ، لم يَحْنَثْ بالدُّخُولِ في غَيرِه) لأنَّ قَصْدَه يَتَعَلَّقُ باليومِ، فاخْتَصَّ الحِنْثُ بالدُّخولِ فيه دونَ غيرِه.
стр. 13732
وَإنْ دُعِيَ إِلَى غَداءٍ، فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى، اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ إِذَا قَصَدَهُ، وَإن حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ الْمَاءَ مِنَ الْعَطَش، يَقْصِدُ قَطْعَ الْمِنَّةِ، حَنِث بِأَكْلِ خُبْزِهِ، وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ الْمِنَّةُ.
ــ
٤٧٢١ - مسألة: (وإن دُعِيَ إلَى غَدَاءٍ، فحَلَفَ لا يَتَغَدَّى، اخْتَصَّتْ يَمِينُه به إذا قَصَدَه) لِما ذَكَرْنا.
٤٧٢٢ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَشْرَبُ له الماءَ مِن العَطَشِ، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِه، حَنِثَ بأَكْلِ خُبْزِهِ، واسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وكل ما فيه المِنَّةُ) لأنَّ ذلك للتَّنْبيهِ على ما هو أعْلَى منه، كقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (١). يريدُ: لا يُظْلَمونَ شيئًا. وقال الشاعرُ:
* ولَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ *
стр. 13733
وَإنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ واشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، حَنِثَ، وَكَذِلَكَ إنِ انْتَفَعَ بِثَمَنِهِ.
ــ
٤٧٢٣ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِن غَزْلِهَا، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِها، فبَاعَه واشْتَرَى بثَمَنِه ثَوْبًا فَلَبِسَه، حَنِثَ، وكذَلِك إنِ انْتَفَعَ بثَمَنِه) هذه المسألةُ [فَرْعُ أصْلٍ] (١) قد تَقَدَّمَ ذِكْرُه في أوَّلِ البابِ، وهو أنَّ الأسْبابَ مُعْتَبَرَةٌ في الأيمانِ، يتَعَدَّى الحُكْمُ بتَعَدِّيها، فإذا امْتُنَّ عليه بثَوْبٍ، فحَلَفَ أن لا يَلْبَسَه، لتَنْقَطِعَ المِنَّةُ به، حَنِثَ بالانْتِفاعِ به في غيرِ اللُّبْسِ؛ لأنَّه نَوْعُ انْتِفاعٍ به يُلْحِقُ المِنَّةَ به، فإن لم يَقْصِدْ قَطْعَ المِنَّةِ، ولا كان سَبَبُ يَمِينِه يَقْتَضِي ذلك، لم يَحْنَثْ إلَّا بما تَناوَلَتْه يَمِينُه، وهو لُبْسُه خاصَّةً، فلو أبْدَلَه بثَوْبٍ غيرِه، ثم لَبِسَه، [أو انْتَفَعَ به في غيرِ اللُّبْسِ] (٢)، أو باعَه وأخَذَ ثَمَنَه، لم يَحْنَثْ؛ لعَدَمِ تَناوُلِ اليَمِينِ له لَفْظًا ونِيَّةً وسَبَبًا.
стр. 13734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن فَعَل شيئًا لها فيه مِنَّةٌ عليه سِوَى الانْتِفاعِ بالثَّوْبِ، وبعِوَضِه، مثلَ أن سَكَن دارَها، أو أكَلَ طَعامَها، أو لَبِسَ ثَوْبًا لها غيرَ الثَّوْبِ (١) المَحْلُوفِ عليه، لم يَحْنَثْ، لأنَّ المَحْلُوفَ عليه الثَّوْبُ، فتَعَلَّقَتْ يَمِينُه به، [أو بما] (٢) حَصَل به، ولم يتَعَدَّ إلى غيرِه، لاخْتِصاصِ اليَمِينِ والسَّبَبِ به.
فصل: وإنِ امْتَنَّتْ عليه امرأتُه بثَوْبٍ، فحَلَفَ أن لا يَلْبَسَه، قَطْعًا لمِنَّتِها، فاشْتَراه غيرُها، ثم كَساه إيَّاه، أو اشْتَراه الحالِفُ، ولَبِسَه على وَجْهٍ لا مِنَّةَ لها فيه، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَحْنَثُ، لمُخالفَتِه يَمِينَه لَفْظًا، ولأنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذا كان أعَمَّ مِن السَّبَبِ، وَجَب الأخْذُ بعُمومِ اللَّفْظِ دونَ خُصوصِ السَّبَبِ، كذا في اليَمِينِ، ولأنَّه لو خاصَمَتْه امرأةٌ له، فقال: نسائِي طَوالِقُ. طَلُقْنَ كُلّهُنَّ، وإن كان سَبَبُ الطَّلاقِ واحِدةً، كذا ههُنا. والثاني، لا يَحْنَثُ، لأنَّ السَّبَبَ اقْتَضَى تَقْيِيدَ لَفْظِه بما وُجِدَ فيه السَّبَبُ، فصارَ كالمَنْويِّ، أو كما لو خَصَّصَه بقَرِينَةٍ لَفْطيَّةٍ.
стр. 13735
وَإِنْ حَلَفَ لا يَأْوي مَعَهَا في دَارٍ، يُرِيدُ جَفَاءَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ، فَأوَى مَعَها في غَيرِهَا، حَنِثَ.
ــ
٤٧٢٤ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْوي معها في دارٍ، يُرِيدُ جَفاءَها، ولم يَكُنْ للدَّارِ سَبَب هَيَّجَ يَمِينَه، فأَوَى معها في غيرِها، حَنِثَ) وهذه المسألةُ أيضًا مِن فُروعِ اعْتِبارِ النِّيَّةِ، وذلك أنَّه متى قَصَد جَفاءَها بتَرْكِ الأُويِّ (١) معها، ولم يَكُنْ للدَّارِ أثَرٌ في يَمِينِه، كان ذِكْرُ الدَّارِ كعَدَمِه، وكأنَّه حَلَف لا يَأْوي معها، فإذا أوَى معها في غيرِها، حَنِثَ؛ لمُخالفَتِه ما حَلَف على تَرْكِه، وصارَ هذا بمَنْزِلَةِ سُؤالِ الأعْرابِيِّ رسولَ اللهِ ﷺ : واقَعْتُ أهْلِي في نهارِ رَمضانَ. فقال: «أعْتِقْ رَقَبَةً» (٢). لَمَّا كان ذِكْرُه أهْلَه لا أثَرَ له في إيجابِ الكَفَّارَةِ، حذَفْناه مِن السَّبَبِ، وصارَ السَّبَبُ الوقاعَ، سَواءٌ كان للأهْلِ أو لغيرِهم (٣). وإن كان للدَّارِ أثَرٌ في يَمِينِه، مثلَ أنْ كان يَكْرَهُ سُكْناها، أو خُوصِمَ (٤) مِن أجْلِها، أو امْتُنَّ (٥)
стр. 13736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه بها, لم يَحْنَثْ إذا أَوَى معها في غيرِها؛ [لأنَّه قَصَدَ] (١) بيَمِينِه الجَفاءَ في الدَّارِ بعَينِها، فلم يُخالِفْ ما حَلَف عليه. وإن عُدِمَ السَّبَبُ والنِّيَّةُ، لم يَحْنَثْ إلَّا بفِعْلِ ما تَناوَلَه لَفْظُه، وهو الأُويُّ معها في تلك الدَّارِ بعَينِها؛ لأنَّه (٢) يَجِبُ اتِّباعُ لَفْظِه، إذا لم يَكُنْ سَبَبٌ ولا نِيَّةٌ تَصْرِفُ اللَّفْظَ عن مُقْتَضاه، أو تَقْتَضِي زِيادَةً عليه، ومَعْنَى الأُويِّ الدُّخُولُ، فمتى (٣) حَلَف لا يَأْوي معها، فدَخَلَ معها الدَّارَ، حَنِثَ، قَلِيلًا كان لُبْثُهُما أو كثيرًا، قال اللهُ تعالى مُخْبِرًا عن فَتَى موسى: ﴿إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ (٤). قال أحمدُ: كم كان ذلك إلَّا ساعَةً، أو ما شاءَ اللهُ. يُقال: أَوَيتُ أنَا، وآوَيتُ غَيرِي. قال اللهُ تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ (٦).
فصل: وإنْ بَرّها بهَدِيَّةٍ أو غيرِها، أو اجْتَمَعَ معها فيما ليس بدارٍ ولا بَيتٍ، لم يَحْنَثْ، سَواءٌ كان للدَّارِ سَبَبٌ في يَمِينِه أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه قَصَد جَفاءَها بهذا النَّوْعِ، فلم يَحْنَثْ بغيرِه. فإن حَلَف أن لا يَأْويَ معها
стр. 13737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في دارِ لسَبَبٍ، فزال السَّبَبُ المُوجِبُ ليَمِينِه، مثلَ أن كان السَّبَبُ امْتِنانَها بها عليه، فمَلَكَ الدَّارَ، أو صارت لغيرِها، فأوَى معها فيها، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين، مَضَى ذكْرُهما وتَعْلِيلُهما.
فصل: وإن حَلَفَ لا يدْخُلُ عليها بَيتًا، فدَخَلَ عليها فيما ليس ببَيتٍ، فحُكْمُه حُكْمُ المسألةِ التي قبلَها؛ إن قَصد جَفاءَها، ولم يَكُنْ للبَيتِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَه، حَنِثَ، وإلَّا فلا. وإنْ دَخَل على جماعَةٍ هي فيهم، يَقْصِدُ الدُّخولَ عليها معهم، حَنِثَ، وكذلك إن لم يَقْصِدْ شيئًا. وإنِ اسْتَثْناها بقَلْبه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ، كما لو حَلَف أن لا يُسَلِّمَ عليها، فسَلَّمَ على جماعَةٍ هي فيهم، يَقْصِدُ بقَلْبه السَّلامَ على غيرِها، فإنَّه لا يَحْنَثُ. والثاني، يَحْنَثُ؛ لأنَّ الدُّخولَ فِعْلٌ لا يَتَمَيَّزُ، فلا يَصِحُّ تَخْصِيصُه بالقَصدِ، وقد وُجِدَ في حَقِّ الكلِّ على السواءِ، وهي منهم فيَحْنَثُ (١) به، كما لو لم يَقْصِدِ اسْتِثْناءَها، وفارَقَ السَّلامَ، فإنَّه قَوْلٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُه بالقَصْدِ، ولهذا يَصِحُّ أن يُقال: السلامُ عليكم إلَّا فُلانًا. [ولا يَصِحُّ أن يقولَ: دَخَلْتُ عليكم إلَّا فُلانًا] (٢). ولأنَّ السَّلامَ قولٌ يَتَناوَلُ ما يَتَناوَلُه الضَّمِيرُ في «عليكم»، والضَّمِيرُ عامٌّ يَصِحُّ أن يُرادَ به الخاصُّ، فصَحَّ أن يُرادَ به مَن سِوَاها، والفِعْلُ لا يَتَأَتَّى هذا فيه. وإنْ دَخَل بَيتًا لا يَعْلَمُ أنَّها فيه، فوَجَدَها فيه، فهو كالدُّخولِ عليها ناسِيًا، فيه
стр. 13738
وَإنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أنْ لَا يَخْرُجَ إلا بِإِذْنِهِ فَعُزِلَ، أوْ عَلَى زَوْجَتِهِ فَطَلَّقَهَا، أوْ عَلَى عَبْدِهِ فَأعْتَقَهُ، وَنَحْوه، يُرِيدُ مَا دَامَ كَذَلِكَ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ. وَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، انْحَلتْ أيضًا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأنَّ الْحَال تَصْرِفُ الْيَمِينَ إِلَيهِ. وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ السَّبَبَ إِذَا كَانَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، عَمَّمْنَاهَا بِهِ، وَإِنِ اقْتَضَى الْخُصُوصَ، مِثْلَ مَنْ نَذَرَ لَا يدخلُ بَلَدًا؛ لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ، فَزَال الظُّلْمُ، فَقَال
ــ
رِوَايتان، فإنْ قُلْنا: لا يَحْنَثُ بذلك. فخَرَجَ حينَ عَلِمَ بها, لم يَحْنَثْ. وكذلك إن حَلَف لا يدخلُ عليها، فدَخَلَتْ هي عليه، فخَرَجَ في الحالِ، لم يَحْنَثْ. وإن أقامَ معها (١) فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين، بِناءً على مَن حَلَف لا يدخلُ دارًا هو فيها، فاسْتَدامَ المُقامَ، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين.
٤٧٢٥ - مسألة: (وإن حَلَف لعامِلٍ لا يَخْرُجُ إلَّا بإذْنِه فعُزِلَ، أو على زَوْجَتِه فَطَلَّقَهَا، أو على عَبْدِه فأعْتَقَه، ونحوه، يُرِيدُ ما دامَ كذلك، انْحَلَّتْ يَمِينُه. وإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، انْحَلَّتْ) يَمِينُه (أَيضًا. ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّ الحال تَصْرِفُ اليَمِينَ إليه. وذَكَر في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ السَّبَبَ إذا كان يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، عَمَّمْناها به، وإنِ اقْتَضَى الخُصوصَ، مثلَ مَن نَذَرَ لا يدخلُ بَلَدًا؛ لظُلْمٍ رَآه فيه، فَزَال الظُّلْمُ، فقال أحمدُ:
стр. 13739
أحْمَدُ: النَّذْرُ يُوفَى بِهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، فَصَارَ كَالْمَنْويِّ سَواءً. وَإنْ حَلَفَ: لَا رَأيتُ مُنْكَرًا إلا رَفَعْتُهُ إلَى فُلَانٍ الْقَاضِي. فَعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، إِنْ نَوَى مَا دَام قَاضِيًا، وَإن لَمْ يَنْو، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
ــ
النَّذْرُ يُوفَى به) قال شَيخُنا: (والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ على النِّيَّةِ، فصارَ كالمَنْويِّ سَواءً. وإنْ حَلَفَ: لا رَأَيتُ مُنْكَرًا إلَّا رَفَعْتُه إلى فُلانٍ القاضي. فعُزِلَ، انْحَلَّتْ يَمِينُه إن نَوَى ما دامَ قاضِيًا، وإن لم يَنْو، احْتَمَلَ وَجْهَينِ) وقد ذَكَرْنا في أوَّلِ الباب أنَّ النِّيَّةَ إذا عُدِمَتْ، نَظَرْنا في سَبَبِ اليَمِينَ وما أثَارَها, لدَلالتِه على النِّيَّةِ، فإذا حَلَف لا يَأْوي مع امْرَأتِه في هذه الدَّارِ، [وكان] (١) سَبَبُ يَمِينِه غَيظًا مِن جِهَةِ الدَّارِ، لضَرَرٍ لَحِقَه منها، أو مِنَّةٍ عليه بها، اخْتصَّتْ يَمِينُه بها، وإن كان لغَيظٍ لَحِقَه مِن المرأةِ يَقْتَضِي جَفاءَها, لا أثَرَ للدَّارِ فيه، تَعَلَّقَ بإيوائِه (٢) معها في كلِّ دارٍ، ومثلُه إذا حَلَف لا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِن غَزْلِها، إن كان سَبَبُه المِنَّةَ عليه منها، فكيفما انْتَفَعَ به أو بثَمَنِه حَنِثَ، وإن كان سَبَبُ يَمِينِه خُشُونَةَ غَزْلِها أو
стр. 13740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَداءَتَه، لم تَتَعَدَّ يَمِينُه لُبْسَه، وقد دَلَّلْنا على تعلُّقِ اليَمِينِ بما نَوَاه، والسَّبَبُ دليلٌ على النِّيَّةِ، فتتَعَلَّقُ اليَمِينُ به، وقد ثَبَتَ أنَّ كَلامَ الشَّارِعِ إذا كان خاصًّا في شيءٍ لسَبَبٍ عامٍّ، تَعَدَّى إلى ما وُجِدَ فيه السَّبَبُ، كتَنْصِيصِه (١) على تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ في أعْيانٍ سِتَّةٍ، أثْبَتَ الحُكْمَ في كُلِّ ما وُجِدَ فيه معناها، كذلك في كَلامِ الآدَمِيِّ مثلُه. فأمَّا إن كان اللَّفْظُ عامًّا والسَّبَبُ خاصًّا، مثلَ مَن دُعِيَ إلى غَداءٍ، فحَلَفَ لا يَتَغَدَّى، أو حَلَفَ أن لا يَقْعُدَ، فإن كانت له نِيَّة، فيَمِينُه على ما نَوَى، وإن لم تَكُنْ له نِيَّةٌ، فكلامُ أحمدَ يَقْتَضِي رِوايَتَين؛ إحْدَاهما،
стр. 13741
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ اليَمِينَ مَحْمُولَةٌ على العُمومِ؛ لأنَّ أحمدَ سُئِلَ عن رجلٍ حَلَف (١) لا يدخلُ بلدًا، لظُلْمٍ رَآه فيه، فزَال الظُّلْمُ. فقال: النَّذْرُ يُوفى به. يَعْنِي لا يَدْخُلُه. ووَجْهُ ذلك أنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذا كان عامًّا لسَبَبٍ خاصٍّ، وَجَبَ الأخْذُ بعمُومِ اللَّفْظِ لا بخُصوصِ السَّبَبِ، كذلك يَمِينُ الحالِفِ. وذَكَر القاضِي، في مَن حَلَف على زَوْجَتِه أو عَبْدِه أن لا يَخْرُجَ إلَّا بإذْنِه، فعَتَقَ العَبْدُ، وطَلُقَتِ المرأةُ، وخرَجا بغيرِ إذْنِه، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ قَرِينَةَ الحالِ تَنْقُلُ حُكْمَ الكَلامِ إلى نَفْسِها، وإنَّما يَمْلِكُ مَنْعَ الزَّوْجَةِ أو العَبْدِ مع ولايَتِه عليهما، فكَأنَّه قال: ما دُمْتُما في مِلْكِي. ولأنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ على النِّيَّةِ في الخُصُوصِ، كدَلالتِه عليها في العُمومِ، ولو نَوَى الخُصُوصَ لاخْتَصَّتْ يَمِينُه به، فكذلك إذا وُجِد ما يَدُلُّ عليها. ولو حَلَف لعامِلٍ لا يَخْرُجُ إلَّا بإذْنِه فَعُزِلَ، أو حَلَف لا يَرَى مُنْكَرًا إلَّا رَفَعَه إلى فُلانٍ القاضِي فعُزِلَ، ففيه وَجْهان، بِناءً على ما تقَدَّمَ؛ أحَدُهما، لا تَنْحَلُّ اليَمِينُ بعَزْلِه. قال القاضِي: هذا قِياسُ المذهبِ؛ لأنَّ اليَمِينَ إذا تَعَلَّقَتْ بعينٍ (٢)
стр. 13742
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَوْصُوفَةٍ، تَعَلَّقَتْ بالعَينِ وإن تَغَيَّرَتِ الصِّفَةُ. وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشافعيِّ. والوَجْهُ الآخَرُ، تَنْحَلُّ (١) اليَمِينُ بعَزْلِه. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُقالُ: رَفَعَه إليه. إلَّا في حالِ ولايتِه. فعلى هذا، إن رَأى المُنْكَرَ في ولايتِه فأَمْكَنَه رَفْعُه فلم يَرْفعْه إليه حتَّى عُزِلَ، لم يَبَرَّ برفعِه إليه في حالِ العَزْلِ. وهل يَحْنَثُ بعَزْلِه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد فاتَ رَفْعُه إليه، فأشْبَهَ ما لو ماتَ. والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ فَواتُه؛ لاحْتِمالِ أن يَلِيَ فيَرْفَعَه إليه، بخلافِ ما لو ماتَ، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد تَحَقَّقَ فَواتُه، وإن ماتَ قبلَ إمْكانِ رَفْعِه إليه، حَنِثَ أَيضًا؛ لأنَّه قد فاتَ، فأشْبَهَ ما لو حَلَف ليَضْرِبَنَّ عَبْدَه في غَدٍ، فماتَ العَبْدُ اليومَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لم يَتَمَكَّنْ مِن فِعْلِ المَحْلُوفِ عليه، فأشْبَهَ المُكْرَهَ. وإن قُلْنا: لا تَنْحَلُّ يَمِينُه. فعُزِلَ، فرَفَعَه إليه بعدَ عَزْلِه، بَرَّ بذلك.
стр. 13743
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ والنِّيَّةُ، مثلَ أنِ امْتَنَّتْ عليه امْرأتُه بغَزْلِها، فحَلَف أن لا يَلْبَسَ ثَوْبًا مِن غَزْلِها، يَنْوى اجْتِنابَ اللُّبْسِ خاصَّةً، دونَ الانْتفاعِ بثَمَنِه وغيرِه، قُدِّمَتِ النِّيَّةُ على السَّبَبِ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ النِّيَّةَ وافَقَتْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ. وإن نَوَى بيَمِينِه ثَوْبًا واحدًا، فكذلك في ظاهِرِ كَلامِ الخِرَقِيِّ. وقال القاضي: يُقَدَّمُ السَّبَبُ؛ لأنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في العُمومِ، والسَّبَبُ يُؤكِّدُ ذلك الظَّاهِرَ ويُقَوِّيه؛ لأنَّ السَّبَبَ هو الامْتِنانُ، وظاهِرُ حالِه قَصْدُ قَطْعِ المِنَّةِ، فلا يُلْتَفَتُ إلى نِيَّتِه المُخالِفَةِ للظَّاهِرَين (١). والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ السَّبَبَ إنَّما اعْتُبِرَ لدَلالتِه على القَصْدِ، فإذا خالفَ حَقِيقَةَ القَصْدِ، لم يُعْتَبَرْ، فكان وُجودُه كعَدَمِه، فلم يَبْقَ إلَّا اللَّفْظُ بعُمومِه، والنِّيَّةُ تَخُصُّه على ما بَيَّناه فيما مَضَى.
стр. 13744
فَصْلٌ: فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ، رُجِعَ إلَى التَّعْيِينِ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يدخلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ، فَدَخَلَهَا وَقَدْ صَارَتْ فَضَاءً أوْ حَمَّامًا أوْ مَسْجِدًا، أوْ بَاعَهَا فُلَانٌ. أوْ: لَا لَبسْتُ هَذَا الْقَمِيصَ. فَجَعَلَهُ سَرَاويلَ أوْ رِدَاءً أوْ عِمَامَةً، وَلَبِسَهُ. أَوْ: لَا كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ. فَصَارَ شَيخًا. أو: امْرأةَ فُلَانٍ. أوْ: صَدِيقَهُ فُلَانًا. أوْ:
ــ
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (فإن عُدِمَ ذلك، رُجِعَ إلى التَّعْيِينِ) يَعْنِي إذا عُدِمَتِ النِّيَّةُ والسَّبَبُ رُجِعَ إلى التَّعْيِينِ (فإذا حَلَف لا يدخلُ دارَ فُلانٍ هذه، فدَخَلَها وقد صارَتْ فَضاءً أو حَمَّامًا أو مَسْجِدًا، أو باعَها فُلانٌ. أو: لا لَبِسْتُ هذا القَمِيصَ. فجَعَلَه سَراويلَ أو رِداءً أو عِمامَةً، ولَبِسَه. أو: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبِيَّ. فصارَ شَيخًا.
стр. 13745
غُلَامَهُ سَعْدًا. فَطَلُقَتِ الزَّوْجَةُ، وَزَالتِ الصَّدَاقَةُ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، وَكَلَّمَهُمْ. أوْ: لَا أكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ. فَصَارَ كَبْشًا. أوْ: لَا أَكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ. فَصَارَ تَمْرًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا. أَوْ: لَا أَكَلْتُ هَذَا اللَّبَنَ. فَتَغَيَّرَ. أو عُمِلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأكَلَهُ، حَنِثَ في ذَلِكَ كُلِّهِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
ــ
أو: امْرَأةَ فُلانٍ. أو: صَدِيقَه فُلانًا. أو: غُلامَه سَعْدًا. فطَلُقَتِ الزَّوْجَةُ، وزَالتِ الصَّداقَةُ، وعَتَقَ العَبْدُ، فكَلَّمَهُم. أو: لا أكَلْتُ لَحْمَ هذا الحَمَلِ. فصارَ كَبْشًا. أو: لا أكَلْتُ هذا الرُّطَبَ. فصارَ تَمْرًا أو دِبْسًا أو خَلًّا. أو: لا أكَلْتُ هذا اللَّبَنَ. فتَغَيَّرَ، أو عُمِلَ منه شيءٌ فأكَلَه، حَنِثَ في ذلك كُلِّه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف على شيءٍ عَيَّنه بالإِشَارَةِ، مثلَ أن حَلَف لا يَأْكُلُ هذا الرُّطَبَ، لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحَدُهما، أنْ يَأْكُلَه رُطَبًا، فيَحْنَث، بلا خِلافٍ بينَ الجميعِ؛ لكَوْنِه فَعَل ما حَلَف على تَرْكِه صَرِيحًا. الثاني، أن تَتَغَيَّرَ صِفَتُه، فذلك
стр. 13746
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَمْسَةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن تَسْتَحِيلَ أجْزاؤُه، ويَتَغَيَّرَ اسْمُه، مثلَ أن حَلَف: لا أكَلْتُ هذه البَيضَةَ. فصارَتْ فرْخًا. أو: لا أكَلْتُ هذه الحِنْطَةَ. فصارَتْ زَرْعًا فأكَلَه، فلا يَحْنَثُ؛ لأنَّه زال اسْمُه، واسْتَحالتْ أجْزاؤُه. وعلى قِياسِه: لا شَرِبْتُ هذا الخَمْرَ. فصارَ خَلًّا وشَرِبَه. القسمُ الثاني، تَغَيَّرَتْ صِفَتُه، وزال اسْمُه، مع بَقاءِ أجْزائِه، مثلَ أن يَحْلِفَ: لا أكَلْتُ هذا الرُّطَبَ. فصارَ تَمْرًا. أو: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبِيَّ. فصارَ شَيخًا. أو: لا أكَلْتُ هذا الحَمَلَ. فصارَ كَبْشًا. [و: لا أكَلْتُ هذا الرُّطَبَ. فصار دِبْسًا، أو خَلًّا، أو ناطِفًا (١)، أو غيرَه من الحَلْواءِ. أو: لا يَأْكُلُ هذه الحِنْطَةَ. فصارت دَقِيقًا، أو سَويقًا، أو خُبْزًا، أو هَرِيسَةً. أو: لا أَكلْتُ هذا العَجِينَ. فصار خُبْزًا. أو: لا أكلْتُ هذا اللَّبَنَ. فصار مَصْلًا (٢)، أو جُبْنًا، أو كَشْكًا. أو: لا دَخَلْتُ هذه الدَّارَ. فصارت مَسْجِدًا، أو حَمَّامًا، أو فَضاءً، ثم دَخَلَها وأكَلَه. حَنِثَ في جَمِيعِ ذلك. وبه قال أبو حنيفةَ، فيما إذا حَلَف: لا كَلَّمْتُ هذا الصَّبِيَّ. فصار شَيخًا. و: لا أكَلْتُ هذا الحَمَلَ. فصار كَبْشًا] (٣). أو: لا دَخَلْتُ هذه الدَّارَ.
стр. 13747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فدَخَلها بعدَ تَغَيُّرِها. وقاله أبو يوسفَ في الحِنْطَةِ إذا صارَت دَقِيقًا. وللشافِعِيِّ في الرُّطَبِ إذا صارَ تَمْرًا، والصَّبِيِّ إذا صارَ شَيخًا، والحَمَلِ إذا صارَ كَبْشًا، وَجْهان. وقالُوا في سائِرِ الصُّوَرِ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ اسْمَ المَحْلوفِ عليه وصُورَتَه زالتْ، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ هذه البَيضَةَ فصارَتْ فَرْخًا. ولَنا، أنَّ عَينَ المَحْلوفِ عليه باقِيَةٌ، فحَنِثَ، كما لو حَلَف: لا أكَلْتُ هذا الحَمَلَ. فأكَلَ لحمَه. أو: لا لَبِسْتُ هذا الغَزْلَ. فصارَ ثَوْبًا ولَبِسَه. أو: لا لَبِسْتُ هذا الرِّداءَ. فلَبِسَه بعدَ أن صارَ قَمِيصًا أو سَرَاويلَ. وفارَقَ البَيضَةَ إذا صارَتْ فَرْخًا؛ لأنَّ أجْزاءَها اسْتَحالتْ، فصارَتْ عَينًا أُخْرَى، ولم تَبْقَ عَينُها, ولأنَّه لا اعْتِبارَ بالاسْمِ مع التَّعْيِينِ، كما لو حَلَف: لا كَلَّمْتُ زَيدًا هذا. فغَيَّرَ اسْمَه. أو: لا كَلَّمْتُ صاحِبَ الطَّيلَسانِ. فكَلَّمَه بعدَ بَيعِه. ولأنَّه متى اجْتَمَعَ التَّعْيِينُ مع غيرِه مِمّا (١) يُعْرَفُ به، كان الحُكْمُ للتَّعْيِينِ، كما لو اجْتَمَعَ مع الإِضافَةِ. القِسْمُ الثالِثُ، تَبَدَّلَتِ الاضَافَةُ، مثلَ أن حَلَف: لا كَلَّمْت زَوْجَةَ زَيدٍ هذه، ولا عَبْدَه هذا, ولا دَخَلْتُ دارَه هذه. فطَلَّقَ الزَّوْجَةَ،
стр. 13748
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وباعَ العَبْدَ والدَّارَ، فكَلَّمَهُما، ودَخَل، حَنِثَ. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، ومحمَّدُ، وزُفَرُ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا يَحْنَثُ إلَّا في الزَّوْجَةِ؛ لأنَّ الدَّارَ لا تُوالى ولا تُعادَى، وإنَّما الامْتِناعُ لأجْلِ مالِكِها، فتَعَلَّقَتِ اليَمِينُ بها مع بَقاءِ مِلْكِه عليها، وكذلك العَبْدُ في الغالِبِ. ولَنا، أنَّه إذا اجْتَمَعَ في اليَمِينِ التَّعْيِينُ والإضافَةُ، كان الحُكْمُ للتَّعْيِينِ، كما لو قال: واللهِ لا كَلَّمْتُ زَوْجَةَ فُلانٍ ولا صَدِيقَه. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ في العَبْدِ؛ لأنَّه يُوالي ويُعادَي، ويَلْزَمُه في الدَّارِ إذا أطْلَقَ ولم يَذْكُرْ مالِكَها، فإنَّه يَحْنَثُ بدُخُولِها بعدَ بَيعِ مالِكِها إيَّاها. القِسْمُ الرابعُ، إذا تَغَيَّرَت صِفَتُه بما يُزِيلُ اسْمَه ثم عادَتْ، كمِقَصٍّ انْكَسَرَ ثم أُعِيدَ، وقَلَمٍ كُسِرَ ثم بُرِىَ، وسَفِينَةٍ نُقِضَتْ ثم أُعيدَتْ، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّ أجْزاءَها واسْمَها موجودان، فأَشْبَهَ ما لو لم تَتَغَيَّرْ. القِسْمُ الخامِسُ، إذا تَغَيَّرَتْ صِفَتُه بما لا يُزِيلُ اسْمَه، كَلَحْمٍ شُوِيَ، وعبدٍ بِيعَ، ورجلٍ مَرِضَ، فإنَّه يَحْنَثُ به، بلا خِلافِ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الاسْمَ الذي عَلَّقَ عليه اليَمِينَ لم يَزُلْ، ولا
стр. 13749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زال التَّغْيِيرُ، فحَنِثَ به، كما لو لم يَتَغَيَّرْ حالُه.
فصل: وإن قال: والله لا كَلَّمْتُ سَعْدًا زَوْجَ هِنْدٍ. أو: سَيِّدَ صُبَيحٍ. أو: صَدِيقَ عَمْرٍو. أو: مالِكَ هذه الدَّارِ. أو: صاحِبَ هذا (١) الطَّيلَسانِ. أو: لا كَلَّمْتُ هِنْدًا امْرَأةَ سَعْدٍ. أو: صُبَيحًا عَبْدَه. أو: عَمْرًا صَدِيقَه. فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، وباعَ العَبْدَ والدَّارَ والطَّيلَسانَ، وعَادَى عَمْرًا، وكَلَّمَهُم، حَنِثَ؛ لأنَّه متى اجْتَمَعَ الاسْمُ والإِضافَةُ، غَلَب الاسْمُ بجَرَيانِه جرَى التَّعْيِينِ في تعْرِيفِ المَحَلِّ.
فصل: فإن حَلَف لا يَلْبَسُ هذا الثَّوْبَ، وكان رِداءً في حالِ حَلِفِه، فارْتَدَى به، أو ائْتَزَرَ، أو اعْتَمَّ به، أو جَعَلَه قَمِيصًا، أو سَرَاويلَ، أو قَباءً، فلَبِسَه، حَنِثَ، وكذلك إن كان قَمِيصًا فارْتَدَى به، أو سَراويلَ فائْتَزَرَ به (٢)، حَنِثَ. وهذا هو الصَّحِيحُ من مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّه قد
стр. 13750
فَصْلٌ: فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ، رَجَعْنَا إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاسْمُ. وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسَامٍ؛ شَرْعِيَّةٌ، وَحَقِيقِيَّةٌ، وَعُرْفِيَّةٌ. فَأمَّا
ــ
لَبِسَه. وإن قال في يَمِينِه: لا لَبِسْتُه وهو رِداءٌ. فغَيَّرَه عن كَوْنِه رداءً ولَبِسَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ اليَمِينَ وَقَعَتْ على تَرْكِ لُبْسِه رِداءً. وكذلك إن نوَى بيَمِينِه في شيءٍ من هذه الأشياءِ ما دامَ على تلك الصِّفَةِ والإِضافَةِ، وما لم يَتَغَيَّرْ في هذه المسائلِ المذْكُورَةِ في هذا الفَصلِ والذي قبلَه؛ لقَوْلِه ﵇: «وإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نوَى» (١).
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (فإن عُدِمَ ذلك، رَجَعْنا إلى ما يَتَناوَلُه الاسْمُ. والأسْماءُ تَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ شَرْعِيَّةٌ، وحَقِيقِيَّةٌ، وعُرْفِيَّةٌ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الأسْماءَ تَنْقَسِمُ (٢) سِتَّةَ أقْسامٍ؛ أحَدُها، ما
стр. 13751
الشَّرْعِيَّةُ؛ فَهِيَ أَسْمَاءٌ لَهَا مَوْضُوعٌ في الشَّرْعِ وَمَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ، كالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَنَحْوهِ، فَالْيَمِينُ الْمُطلَقَةُ تَنْصَرِفُ إلى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، وَتَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ.
ــ
لَه مُسَمًّى واحِدٌ، كالرَّجُلِ والمرأةِ والإنسانِ والحَيوانِ، فهذا تَنْصَرِفُ اليَمِينُ إلى مُسَمَّاه، بغيرِ خِلافٍ. الثاني، ما له مَوْضوعٌ شَرْعِيٌّ، ومَوْضوعٌ لُغَويٌّ، كالوُضُوءِ، والصلاةِ، والطَّهارَةِ، والزَّكاةِ، والصَّوْمِ، والحَجِّ، والعُمْرَةِ، والبَيعِ، فهذا تَنْصَرِفُ اليَمِينُ عندَ الإطْلاقِ إلى الموْضوعِ الشرْعِيِّ دونَ اللغَويِّ، لا نَعْلَمُ أَيضًا فيه خِلافًا، إلَّا ما نَذْكُرُه (١) فيما يَأْتِي إن شاءَ اللهُ. الثالثُ، ما له مَوْضُوعٌ حَقِيقِيٌّ ومَجازٌ، لم يُسْتَعْمَلْ أكثرَ من الحقِيقَةِ، كالأسَدِ، والبحرِ، فيَمِينُ الحالِفِ تَنْصَرِفُ عندَ الإطْلاقِ إلى الحقيقةِ دونَ المجازِ؛ لأن كلامَ الشَّارِعِ إذا وَرَدَ في (٢) مثلِ هذا حُمِلَ على حَقِيقَتِه دونَ مَجازِه، كذلك اليَمِينُ. الرَّابعُ، الأسْماءُ العُرْفِيَّةُ، وهي ما يَشْتَهِرُ مَجازُه حتَّى تَصِيرَ الحقِيقَةُ مَغْمُورَةً فيه،
стр. 13752
فإذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيعًا فَاسِدًا، أَوْ لَا يَنْكِحُ, فَنَكَحَ نِكَاحًا
ــ
فهذا على ضُرُوبٍ؛ أحَدُها، ما يَغْلِبُ على الحقِيقَةِ بحيثُ لا يَعْلَمُها أكثرُ الناسِ، كالرَّاويَةِ، وهي في العُرْفِ اسْم للمَزَادَةِ، وفي الحقيقَةِ اسْمٌ لِما يُسْتَقَى (١) عليه من الحيواناتِ، والظَّعِينَةُ في العُرْفِ المرأةُ، وفي الحقيقَةِ النَّاقَةُ التي يُظْعَنُ عليها، والعَذِرَةُ والغائِطُ في العُرْفِ الفَضْلَةُ المُسْتَقْذَرَةُ، وفي الحقِيقَةِ العَذِرَةُ فِناءُ الدَّارِ، ولذلك قال عليٌّ، ﵁، لقومٍ: ما لَكُم لا تُنَظِّفُون عَذِرَاتِكُم؟ يُرِيدُ أفْنِيَتَكُم. والغائِطُ المُطْمَئِنُّ من الأرْضِ. فهذا وأشْباهُه يَنْصَرِفُ (٢) يَمِينُ الحالِفِ إلى المجازِ دونَ الحقِيقَةِ؛ لأنَّه الذي يُرِيدُه بيَمِينِه، ويُفْهَمُ من كَلامِه، فأشْبَهَ الحَقِيقَةَ في غيرِه. الضَّرْبُ الثاني، أن يَخُصَّ (٣) عُرْفُ الاسْتِعْمالِ بعضَ الحَقِيقَةِ بالاسْمِ (٤)، ويَتَنَوَّعُ أنْواعًا، نَذْكُرُها إن شاءَ الله في المسائِلِ، كالدَّابَّةِ، والرَّيحانِ، وغيرِ ذلك.
فصل في الأسماءِ الشَّرْعِيَّةِ: (إذا حَلَف لا يَبِيعُ، فباعَ بَيعًا فاسِدًا،
стр. 13753
فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ، إلا أَنْ يُضِيفَ الْيَمِينَ إلَى شَيْءٍ لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الصِّحَّةُ، مِثْلَ أنْ يَحْلِفَ لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ أو الْحُرَّ، فَيَحْنَثُ بِصُورِةِ الْبَيعِ.
ــ
أو لا يَنْكِحُ، فنَكَحَ نِكاحًا فاسِدًا، لم يَحْنَثْ، إلَّا أن يُضِيفَ اليَمِينَ إلى شيءٍ لا تُتَصَوَّرُ فيه الصِّحَّةُ، مثلَ أن يَحْلِفَ أن لا يَبيع الحُرَّ أو الخَمْرَ، فيَحْنَثُ بصُورةِ البَيعِ) إذا حَلَف أن لا يَبِيعَ ولا يَنْكِحَ، انْصَرَفَ إلى الصَّحِيحِ دونَ الفاسِدِ. وبهذا قال الشافعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال لعَبْدِه: إن زَوَّجْتُكَ، أو بِعْتُكَ، فأنْتَ حُرٌّ. فزَوَّجَه تَزْويجًا فاسِدًا، لم يَعْتِقْ، وإن باعَه بَيعًا فاسِدًا يُمْلَكُ به، حَنِثَ؛ لأنَّ البَيعَ [الفاسِدَ عندَه يَثْبُت به المِلْكُ، إذا اتَّصَلَ به القَبْضُ. ولنا، أنَّ اسْمَ البَيعِ] (١) يَنْصَرِفُ إلى الصَّحِيحِ، بدَليلِ (٢) قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ (٣).
стр. 13754
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأكْثَرُ ألْفاظِه في البَيعِ إنَّما تَنْصَرِفُ إلى الصَّحِيحِ، فلا يَحْنَثُ بما دونَه، كما في النِّكاحِ، وكالصَّلاةِ، وغيرِهما، وما ذكروه مِن ثُبوتِ المِلْكِ به ممنوعٌ. وقال ابنُ أبي موسى: لا يَحْنَثُ بالنِّكاحِ الفاسِدِ، وهل يَحْنَثُ بالبَيعِ الفاسِدِ؟ على رِوايتَين. وقال أبو الخَطّابِ: إن نَكَحَها نِكاحًا مُخْتَلَفًا فيه، مثلَ أن يَتَزوَّجَها بلا وَلِيٍّ ولا شُهودٍ، أو باعَ في وقتِ النِّداءِ، فعلى وَجْهَين. وقال ابنُ أبي موسى: إن تَزَوَّجَها زَواجًا مُخْتَلَفًا فيه، أو مَلَك مِلْكًا مُخْتَلَفًا فيه، حَنِثَ فيهما جميعًا. ولَنا، أنَّه نِكاحٌ فاسِدٌ، وَبَيعٌ فاسِدٌ، فلم يَحْنَثْ بهما، كالمُتَّفَقِ على فسادِهِما.
فصل: والماضِي والمُسْتَقْبَلُ سَواءٌ في هذا. وقال مُحَمَّد بنُ الحسنِ: [إذا حَلَفَ] (١): ما تَزَوَّجْتُ، ولا صَلَّيتُ، ولا بِعْتُ. وكان قد فَعَلَه فاسِدًا، حَنِثَ؛ لأنَّ الماضِيَ لا يُقْصَدُ منه إلَّا الاسْمُ، والاسْمُ يَتَناوَلُه، والمُسْتَقْبَلُ بخِلافِه، فإنَّه يُرادُ بالنِّكاحِ والبَيعِ المِلْكُ، وبالصلاةِ القُرْبَةُ. ولَنا، أنَّ ما لا يَتَناوَلُه الاسْمُ في المُسْتَقْبَلِ، لا يَتَناوَلُه في الماضِي، وكغيرِ
стр. 13755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُسَمَّى، وما ذَكَرَه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الاسْمَ لا يَتَناوَلُ إلَّا الشَّرْعِيَّ، ولا يحْصُلُ.
فصل: فإن حَلَف لا يَبِيعُ، فباع (١) بَيعًا فيه الخِيارُ، حَنِثَ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ في مُدَّةِ الخِيارِ، فأشْبَهَ البَيعَ الفاسِدَ. ولَنا، أنَّه بَيعٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ، فيَحْنَثُ به، كالبَيعِ اللَّازِمِ، وما ذَكَرَه مَمْنُوعٌ، فإنَّ بَيعَ الخِيارِ يَثْبُتُ المِلْكُ به بعدَ انْقِضاءِ الخِيارِ بالاتِّفاقِ، وهو سَبَبٌ له، فكذلك قبلَه.
فصل: وإن حَلَف لا يَبِيعُ، أو لا يُزَوِّجُ، فأوْجَبَ البَيعَ والنِّكاحَ، ولم يَقبَلِ المُتَزوِّجُ والمُشْتَرِي، لم يَحْنَثْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ البَيعَ والنِّكاحَ عَقْدان لا يَتِمَّان إلَّا بالقَبولِ، فلم يَقَعْ الاسْمُ على الإيجابِ بدُونِه، فلم يَحْنَثْ به.
فصل: وإنْ أضافَ اليَمِينَ في البَيعِ والنِّكاحِ إلى ما لا (٢) تُتَصَوَّرُ فيه
стр. 13756
وَذَكَر الْقَاضِي فِي مَنْ قَال لامْرأَتهِ: إِنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا وَبِعْتِنِيهِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَفَعَلَتْ، لَمْ تَطْلُقْ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
ــ
الصِّحَّةُ، كالخَمْرِ والخِنْزيرِ والحُرِّ، حَنِثَ بصُورَةِ (١) البَيعِ؛ لأَنه يتَعَذَّرُ حَمْلُ يَمِينِه على عَقْدٍ صَحِيحٍ، فتَعَيَّنَ محملًا له. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأَنه ليس ببَيعٍ في الشَّرْعِ.
٤٧٢٦ - مسألة: (وذَكَر القاضِي في مَن قال لامْرأتِه: إن سَرَقْتِ مِني شَيئًا وبِعْتِنِيه، فأنْتِ طالِقٌ. ففَعَلَتْ، لم تَطْلُقْ) لأنَّ البَيعَ الشَّرْعِيَّ لم يُوجَدْ (والأوَّلُ أوْلَى) لأنَّ صُورَةَ البَيعِ وُجِدَتْ.
فصل: وإن حَلَف لا يَتَزَوَّجُ، حَنِثَ بمُجَرَّدِ الإِيجابِ والقَبُولِ الصَّحِيحِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ذلك يَحْصُلُ به المُسَمَّى الشَّرْعِيُّ،
стр. 13757
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فتَناوَلَتْه يَمِينُه. وإن حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ، بَرَّ بذلك، سَواءٌ كانت له امرأةٌ أو لم تَكُنْ، وسَواءٌ تَزوَّجَ نَظِيرَتَها، أو أعْلَى منها، إلَّا أن يَحْتال على حلِّ يَمِينِه بتَزْويجٍ لا يُحَصِّلُ القْصودَ، مثلَ أن يُواطِئَ امرأتَه على نِكاحٍ لا يَغِيظُها به، [ليَبَرَّ بيَمِينِه] (١)، فلا يَبَرُّ. [بهذا. و] (٢) قال أصحابُنا: إذا حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ على امرأتِه، لا يَبَرُّ حتَّى يَتَزَوَّجَ نَظِيرَتَها، ويَدْخُلَ بها. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه قَصَد غَيظَ زَوْجَتِه، ولا يَحْصُلُ إلَّا بذلك. ولَنا، أنَّه تزَوَّجَ تَزْويجًا صَحِيحًا، فبَرَّ به، كما لو تَزَوَّجَ نَظِيرَتَها، والدُّخُولُ غيرُ مُسَلَّمٍ؛ فإنَّ الغَيظَ يَحْصُلُ بمُجَرَّدِ الخِطْبَةِ، وإن حَصَل بما ذَكَرُوه زِيادَة في الغَيظِ، فلا تَلْزَمُه الزِّيادَة على الغَيظِ الذي يَحْصُلُ بما تَناوَلَتْه يَمِينُه، كما أنَّه لا يَلْزَمُه نِكاحُ اثْنَتَين (٣) ولا ثلاثةٍ، ولا أعْلَى مِن نَظِيرَتِها. والذي تَناوَلَتْه يَمِينُه مُجَرَّدُ التَّزْويجِ، ولذلك لو حَلَف لا يَتَزَوَّجُ على امرأتِه (٤)، حَنِثَ بهذا، فكذلك يَحْصُلُ البِرُّ به؛ لأنَّ المُسَمَّى واحِدٌ، فما تَناوَلَه النَّفْيُ تَناوَلَه في الإثْباتِ، وإنَّما لا يَبَرُّ إذا تَزَوَّجَ (٥) تَزْويجًا لا يَحْصُلُ به الغَيظُ، كما ذَكَرْناه مِن الصُّورَةِ
стр. 13758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونَظائِرِها؛ لأنَّ مَبْنَى الأيمانِ على المَقاصِدِ والنِّيَّاتِ، ولم يَحْصُلْ مَقْصُودُه، ولأنَّ التَّزْويجَ يَحْصُلُ ههُنا حِيلَةً على التّخَلُّصِ مِن يَمِينِه بما لا يُحَصِّلُ مَقصُودَها، فلم تُقْبَلْ منه حِيلَتُه. وقد نَصَّ أحمدُ على هذا، فقال: إذا حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ على امرأتِه، فتَزَوَّجَ بعَجُوزٍ أو زِنْجِيّةٍ، لا يَبَرُّ؛ لأنَّه أَرادَ أن يَغِيظَها و (١) يُغِيرَها ويَغُمَّها، وبهذا لا تَغارُ ولا تَغْتَمُّ. فعَلَّلَه أحمدُ بما يَغِيظُ به الزَّوْجَةَ، [ولم يَعْتَبِرْ أن تكونَ نَظِيرَتَها] (٢)؛ لأنَّ (٣) الغَيظَ لا يَتَوقَّفُ على ذلك، ولو قَدَّرَ أنَّ تَزَوُّجَ العَجُوزِ يَغِيظُها والزِّنْجِيَّةِ، لَبَرَّ به، وإنَّما ذَكَرَه أحمدُ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَغِيظُها؛ لأنَّها تَعْلَمُ أنَّه إنَّما فَعَل ذلك حِيلَةً لِئلَّا يَغِيظَها، ويَبَرَّ به.
فصل: وإن حَلَف: لا تَسَرَّيتُ. فوَطِئَ جاريَتَه، حَنِثَ. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وقال القاضِي: لا يَحْنَثُ حتَّى يَطَأَ فيُنْزِلَ، فَحْلًا كان أو خَصِيًّا. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ حتَّى يُحْصِنَها ويَحْجُبَها عن الناسِ؛ لأنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِن السِّرِّ. [ولأصحابِ الشافعيِّ ثلاثةُ أوْجُهٍ كهذه. ولَنا، أنَّ التَّسَرِّيَ مَأخُوذٌ مِن السِّرِّ] (٢)، وهو الوَطْءُ؛ لأنَّه يكونُ في السِّرِّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ (٤). وقال
стр. 13759
وَإنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا.
ــ
الشاعرُ (١):
فلَنْ تَطْلُبوا سِرَّها لِلْغِنَى ... ولَنْ تُسْلِمُوها لإِزْهادِهَا
وقال الآخَرُ (٢):
لقد زَعَمَتْ بَسْباسَةُ القَوْمِ أنَّنِي ... كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمْثالي
ولأنَّ ذلك حُكْمٌ تَعَلَّقَ بالوَطْءِ، فلم يُعْتَبَرْ فيه الإِنْزالُ ولا التَّحْصِينُ، كسائِرِ الأحْكامِ.
٤٧٢٧ - مسألة.: (إذا حَلَف لا يَصُومُ، لم يَحْنَثْ حتَّى يَصُومَ يَوْمًا) هذا إذا لم يُسَمِّ عَدَدًا، ولم ينْوه، وأقَلُّ ذلك صَوْمُ يَوْم، لا خِلافَ فيه؛ لأنَّه ليس في الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أقَلَّ مِن يَوْم، فلَزِمَه؛ لأنَّه اليَقِينُ.