← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 13686–13725 · переход к 13691.

стр. 13686

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى، والطَّلاقِ، والعَتاقِ، وصَدَقَةِ المالِ. فمَن لم يَعْرِفْها، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه بشيءٍ ممَّا فيها؛ لأنَّ هذا ليس بصَرِيحٍ في القَسَمِ، والكِنايَةُ لا تَصِحُّ إلَّا بالنِّيَّةِ، ومَن لم يَعْرِفْ شيئًا، لمْ يصِحَّ أن يَنْويَه. وإن عَرَفَها، ولم يَنْو عَقْدَ اليَمِينِ بما فيها، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لِما ذَكَرْناه. ومَن عَرَفَها، ونوَى اليَمِينَ بما فيها، انْعَقَدَ في الطَّلاقِ، العَتاقِ؛ لأنَّ اليَمِينَ بهما (١) جميعًا (٢)

стр. 13687

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَنْعَقِدُ بالكِنايَةِ، وما عدا الطَّلاقَ والعَتاقَ، كاليَمِينِ بالله تعالى، وصَدَقَةِ المالِ، فقال القاضي: تَنْعَقِدُ يَمِينُه ها هنا أيضًا؛ لأنَّها يَمِينٌ، فتَنْعَقِدُ

стр. 13688

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالكِنايَةِ المَنْويَّةِ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ، وكما لو لَفَظَ بكل واحدةٍ وَحْدَها. وقال في مَوْضِعٍ: لا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ باللهِ بالكِنايَةِ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الكفَّارَةَ إنَّما وَجَبَتْ فيها لما ذُكِرَ فيها من اسْمِ اللهِ تعالى المُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ، ولا يُوجَدُ ذلك في الكِنايَةِ.

стр. 13689

وَإنْ قَال: عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ: يَمِين إِنْ فعَلْتُ كَذَا. وَفَعَلَهُ، فَقَال أصْحَابُنَا: عَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. ــ ٤٧٠٨ - مسألة: (وإن قال: عَلَيَّ نَذْرٌ، أو يَمِينٌ إن فَعَلْتُ كذا. وفَعَلَه، فقال أصحابُنا: عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِما روَى ابنُ عامِرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمَّ، كَفَّارَةُ الْيَمِينِ». قال

стр. 13690

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التِّرْمِذِيُّ (١): هذا حدِيثٌ صَحِيحٌ.

стр. 13691

فَصْلٌ في كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: وَهِيَ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا، فَيُخَيَّرُ ــ فصل في كَفَّارَةِ اليَمِينِ: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ تعالى: (وهي تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وترتيبًا). والأصْلُ في كفَّارَةِ اليَمِينِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ (١) الآية. وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبيِّ ﷺ : «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَايتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (٢). في أخْبارٍ سِوَى هذا. وأجْمعَ المسلِمُون على مَشْرُوعِيَّةِ الكفَّارَةِ في اليَمِينِ باللهِ تعالى. ٤٧٠٩ - مسألة: (وهي تَجْمَع تَخْيِيرًا وتَرْتِيبًا، فَيُخَيَّرُ بينَ ثَلَاثةِ

стр. 13692

فِيهَا بَينَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أوْ كُسْوَتُهُمْ، أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. والْكُسْوَةُ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أنْ يُصَلِّيَ فيهِ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ. ــ أشْيَاءَ؛ إطْعامُ عَشَرَةِ مساكِينَ، أو كُسْوَتُهُم، أو تَحْريرُ رَقَبَةٍ) لِما ذَكَرْنا في الآيةِ. وقد سَبَق شَرْحُ العِتْقِ والإِطْعام في كفَّارَةِ الظِّهارِ. و (كُسْوَةُ) المساكينِ (للرجلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُه أن يُصَلِّيَ فيه، وللمرأةِ دِرْعٌ وخِمَارٌ) ولا خِلافَ في أنَّ الكُسْوَةَ أحَدُ أصْنافِ الكفَّارَةِ؛ لنَصِّ اللهِ عليها، في كتابِه بقولِه: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. وتتقَدَّرُ الكُسْوَةُ بما تُجْزِئُ الصلاةُ فيه، على ما ذكَرْنا. وهذا قولُ مالكٍ. ومِمَّن قال: لا تُجْزِئُه السَّراويلُ وحدَها (١). الأوْزَاعِيُّ، وأبو يوسف. وقال إبراهيمُ: ثَوْبٌ جامِعٌ. وقال الحسنُ: كلُّ مِسْكِين حُلَّة؛ إزَارٌ ورِداءٌ. وقال ابنُ عمرَ، وعَطاء، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأصْحابُ الرَّأْي: يُجْزِئُه ثوْبٌ ثَوْبٌ (٢). ولم يُفَرِّقُوا بينَ الرجلِ والمرأةِ. ورُوِيَ عن الحسنِ (٣)،

стр. 13693

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: تُجْزِئُ العِمامَةُ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: عباءَةٌ وعِمامَةٌ. [وقال الشافعيُّ: يُجْزِئُ أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسمُ؛ من سَراويلَ، أو إزارٍ، أو رِداءٍ، أو مِقْنَعَةٍ، أو عِمامَةٍ] (١). وفي القَلَنْسُوَةِ وَجْهان. واحْتَجُّوا بأنَّ ذلك يَقَعُ عليه اسمُ الكُسْوَةِ، فأجْزَأ، كالذي تجوزُ الصلاةُ فيه. ولَنا، أنَّ الكُسْوَةَ أحَدُ أنْواعِ الكَفَّارَةِ، فلم يَجُزْ فيه ما يَقَعُ عليه الاسمُ، كالإِطْعامِ والإِعْتاقِ، ولأنَّ التَّكْفِيرَ عِبادَةٌ تُعْتَبَرُ فيها الكُسْوَةُ، فلم يَجُزْ فيه أقَلُّ ممَّا ذَكَرْناه، كالصلاةِ، ولأنَّه مَصْروفٌ إلى المساكِينِ في الكَفَّارَةِ، فيُقَدَّرُ، كالإِطْعامِ، ولأنَّ اللَّابِسَ ما لا يَسْتُرُ عَوْرَتَه يُسَمّى عُرْيانًا، فلا يُجْزِئُه؛ لقولِ الله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. إذا ثَبَت هذا،

стр. 13694

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنَّه إذا كَسَا امرأةً، أعْطاها دِرْعًا وخِمارًا، على ما ذَكَرْنا؛ لأنَّه [أقَلُّ ما] (١) يَسْتُرُ عَوْرَتَها، وتُجْزئُها الصلاةُ فيه، وإن أعْطاها ثوبًا واسِعًا، يُمْكِنُها أن تَسْتُرَ به بَدَنَها ورَأْسَها، أجْزَأَة ذلك. والرجلُ يُجْزِئُه إذا كَسَاه ثَوْبٌ، أو قَمِيصٌ يُمْكِنُه أن يَسْتُرَ به عَوْرَتَه، ويَجْعَلَ على عاتِقِه منه شيئًا، أو ثَوْبَين يَأْتَزِرُ بأحَدِهما، ويَرْتَدِي بالآخَرِ. ولا يُجْزِئُه مِئْزَرٌ وَحْدَه، ولا سَراويلُ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لَا يُصَلِّي أحَدُكُم فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيسَ عَلَى عَاتِقِه مِنْهُ شَيْءٌ» (٢). ويجوزُ أن يَكْسُوَهُم من جميعِ أصْنافِ الكُسْوَةِ، من القُطْنِ، والكَتَّانِ، والصوفِ، والشَّعَرِ، والوَبَرِ، والخَزِّ، والحريرِ، لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بكُسْوَتِهم ولم يُعَيِّنْ جِنْسَها، فأيُّ جِنْسٍ كَساهُم منه، خَرَجَ به عن العُهْدَةِ؛ لوُجُودِ الكُسْوَةِ المأْمُورِ بها. ويجوزُ أن يَكْسُوَهُم جَدِيدًا

стр. 13695

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيَّام مُتَتَابِعَةٍ، إِنْ شَاءَ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَإنْ شَاءَ بَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْيَمِينِ. ــ ولَبِيسًا، إلَّا أن يكونَ قد بَلِيَ وذَهَبَتْ مَنْفَعَتُه، فلا يجوزُ؛ لأنَّه مَعِيبٌ، فهو كالحَبِّ المَعِيبِ، والرَّقَبَةِ إذا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُها وسَواءٌ كان ما أعْطَاهُم مَصْبُوغًا أو لا، أو خَامًا أو مَقْصُورًا (١)؛ لأنَّه تَحْصُلُ به الكُسْوَةُ المأْمُورُ بها، والمَنْفَعَةُ المقْصُودَةُ منها (٢). فصل: والذين (٣) تُجْزِئُ كُسْوَتُهم، هم المساكينُ الذين يُجْزِئُ إطْعامُهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى. قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. فيَنْصَرِفُ الضَّمِيرُ إليهم. ٤٧١٠ - مسألة: (فإن لم يَجِدْ، فصِيامُ ثَلَاثَةِ أيَّام مُتَتَابِعَةٍ، إن شاء قَبْلَ الحِنْثِ، وإن شاء بعدَه، ولا يَجُوزُ تَقْدِيمُها على اليَمِينِ) إذا عَجَز عن العِتْقِ والإِطْعامِ والكُسْوَةِ، أجْزَأَه صِيامُ ثلاثَةِ أيَّامٍ؛ للآيةِ.

стр. 13696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد ذَكَرْنا صِفَةَ العَجْزِ في كفَّارَةِ الظِّهارِ في العَجْزِ عن الرَّقَبَةِ. ويُشْتَرَطُ التَّتابُعُ في صَوْمِ الأَيَّامِ الثلاثَةِ. وعنه، لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّ الأمْرَ بصَوْمِها مُطْلَقٌ، فلم يَجُزْ تَخْصِيصُه (١) بغيرِ دليلٍ. والأوَّلُ ظاهِرُ المذهَبِ؛ لأنَّ في قراءَةِ أُبَيٍّ، وابنِ مسعودٍ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أيَّام مُتَتَابِعَاتٍ) (٢). والظاهِرُ أنَّهما سَمِعاه من رسولِ اللهِ ﷺ ، فيكونُ خَبَرًا، ولأنَّه صَوْمٌ في كَفَّارَةٍ، فلا يُنْتَقَلُ عنه إلَّا بعدَ العَجْزِ عن العِتْقِ، فوَجَبَ التَّتابعُ، كصَوْمِ المُظاهِرِ.

стр. 13697

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤٧١١ - مسألة: وهو مُخَيَّرٌ في التَّكْفِيرِ، إن شاء قَبْلَ الحِنْثِ، وإن شاء بعدَه، سواءٌ كان صَوْمًا أو غيرَه، فيما سِوَى الظِّهارِ (١)، في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ، منهم مالكٌ. وممَّن رُوِيَ عنه تَقْدِيمُ التَّكْفِيرِ على الحِنْثِ؛ عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُه، وابنُ عباسٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ،

стр. 13698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومَسْلَمَةُ بنُ مَخْلَدٍ، ﵃. وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ورَبِيعةُ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ المُبارَكِ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو خَيثَمَةَ، وسليمانُ بنُ داودَ. وقال أصحابُ الرَّأْي: لا تُجْزِئُ الكَفَّارَةُ قبلَ الحِنْثِ؛ لأنَّه تَكْفِيرٌ قبلَ وُجودِ سَبَبِه، فأشْبَهَ ما لو كَفَّرَ قبلَ اليَمِينِ، ودليلُ ذلك أنَّ سَبَبَ التَّكْفِيرِ الحِنْثُ، إذ (١) هو هَتْكُ الاسمِ المُعَظَّمِ المُحْتَرَمِ، ولم يُوجَدْ ذلك. وقال الشافِعِيُّ كقَوْلِنا في الإِعْتاقِ والإِطْعامِ والكُسْوَةِ، وكقَوْلِهم في الصِّيامِ، من أجْلِ أنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فلم يَجُزْ فِعْلُه قبلَ وُجُوبِه لغيرِ مَشقةٍ، كالصَّلاةِ (٢). ولَنا، ما رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ سَمُرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا حَلَفْتَ عَلَىِ يَمِينٍ، فَرَأيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خيرٌ». رَواه أبو

стр. 13699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ داودَ (١). [وفي لفظٍ: «وائْتِ الذي هو خيرٌ». رَواه البُخارِيُّ] (٢). وقد رَوَى أبو هُرَيرَةَ، وأبو الدَّرْدَاءِ، وعَدِيُّ بنُ حاتمٍ، ﵃، عن النبيِّ ﷺ نحوَ ذلك. رَواه الأثْرَمُ (٣). وعن أبي موسى، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنِّي، إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأرَى غَيرَها خَيرًا مِنْهَا، إلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وأتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ». أو: «أَتَيتُ الَّذِي هُوَ خَيرٌ، وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي». رَواه البخارِيُّ (٤). ولأنَّه كَفَّرَ بعدَ وُجودِ السَّبَبِ، فأجْزَأَ، كما لو كَفَّرَ بعدَ الجَرْحِ وقبلَ الزُّهوقِ، والسَّبَبُ هو اليَمِينُ، بدليلِ قولِه تعالى. ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٥). وقولِه سبحانَه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾ (٦). وقولِ النبيِّ ﷺ : «وكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي»: «فكَفِّرْ

стр. 13700

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَنْ يَمِينِكَ». وتَسْمِيَةِ الكَفَّارَةِ كَفَّارَةَ اليَمِينِ، وبهذا يَنْفَصِلُ عمَّا ذَكَرُوه، وعلى هذا، فالحِنْثُ شَرْطٌ وليس بسَبَبٍ، ولأنَّ تَعْجِيلَ حَقِّ اللهِ تعالى في المالِ بعدَ وُجودِ (١) سَبَبِه قبلَ وُجودِ شَرْطِه جائِزٌ، بدليلِ تَعْجيل الزَّكاةِ بعدَ وُجودِ (١) النِّصابِ وقبلَ الحَوْلِ، وكَفَّارَةِ القَتْلِ بعدَ الجَرْحِ وقبلَ الزُّهوقِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): العَجَبُ من أصحابِ أبي حنيفةَ، أجازُوا تَقْدِيمَ (٣) الزَّكاةِ من غيرِ أن يَرْوُوا فيها مثلَ هذه الآثارِ الوارِدَةِ (٤) في تَقْدِيمِ الكَفَّارَةِ، وأبَوْا تَقْدِيمَ الكَفَّارَةِ ههُنا مع كَثْرَةِ الرِّوايَةِ الوارِدَةِ فيها، والحُجَّةُ في السُّنَّةِ، ومَن خالفَها مَحْجُوجٌ بها. فأمَّا أصحابُ الشافِعِيِّ فهم مَحْجُوجُونَ بالأحادِيثِ، مع أنَّهم قد احْتَجُّوا بها في البَعْضِ، وخالفُوها في البعضِ، وفَرَّقُوا بينَ (٥) ما جَمَعَ بينَه النَّصُّ. ولأنَّ الصِّيامَ نَوْعُ تَكْفِيرٍ، فجازَ قبلَ الحِنْثِ، كالتَّكْفِيرِ بالمالِ، وقياسُ الكَفَّارَةِ على الكَفَّارَةِ أوْلَى من قِياسِها على الصلاةِ المَفْروضَةِ بأصْلِ الوَضْعِ.

стр. 13701

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأمّا تَقْدِيمُها على اليَمِينِ، فلا يجوزُ عندَ أحَدٍ من العُلَماءِ، لأنَّه تَقْدِيمٌ للحُكْمِ قبلَ سَبَبِه، فلم يَجُزْ، كتَقْدِيمِ الزَّكاةِ قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، وكَفَّارَةِ القَتْلِ قبلَ الجَرْحِ. فصل: والتَّكْفِيرُ قبلَ الحِنْثِ وبعدَه سَواءٌ في الفَضِيلَةِ. وقال ابنُ أبي موسى: بعدَه أفْضَلُ عندَ أحمدَ. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافِعِيِّ؛ لِما فيه من الخُروجِ من الخِلافِ، وحُصُولِ اليَقِينِ (١) ببَراءَةِ الذِّمَّةِ. ولَنا، أنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ فيه، فيها التَّقْدِيمُ مَرَّةً والتَّأْخِيرُ أُخْرَى، وهذا دليلُ التَّسْويَةِ، ولأنَّه تَعْجِيلُ ما (٢) يجوزُ تعْجِيلُه قبلَ وُجوبِه، فلم يَكُن التَّأْخِيرُ أفْضَلَ، كتَعْجِيلِ الزَّكاةِ وكفَّارَةِ القَتْلِ، وما ذَكَرُوه مُعارَضٌ بتَعْجيلِ النَّفْعِ للفُقَراءِ، والتَّبَرُّعِ بما لم يَجِبْ عليه، والخِلافُ الخالِفُ [للنُّصوصِ] (٣) لا يُوجِبُ تَفْضيلَ المُجْمَعِ عليه، كتَرْكِ الجَمْعِ بينَ الصَّلاتَين.

стр. 13702

وَمَنْ كَرَّرَ أَيمَانًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ، فَعَلَيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَعَنْهُ، لِكُلِّ يَمِين كَفَّارَةٌ. ــ فصل: فإن كان الحِنْثُ في اليَمِينِ مَحْظُورًا، فعَجَّلَ الكَفَّارَةَ (١) قبلَه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه عَجَّلَ الكَفَّارَةَ قَبْلَ سَبَبِها، فأجْزَأته، كما لو كان الحِنْثُ مُباحًا. والثاني، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ التَّعْجِيلَ رُخْصَة، فلا يُسْتَباحُ بالمَعْصِيَةِ، كالقَصْرِ في سَفَرِ المَعْصِيَةَ، والحديث لم يَتَناوَلِ المَعْصِيَةَ؛ فإنَّه قال: «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرأَيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا». ولأصحابِ الشافعيِّ في هذا وَجْهان كما ذَكَرْنا. ٤٧١٢ - مسألة: (ومَن كَرَّرَ أيمَانًا قبلَ التَّكْفِيرِ، فعليه كَفَّارَة واحِدَةٌ. وعنه، لكلِّ يَمِين كَفَّارَةٌ) إذا كَرَّرَ أيمانًا قبلَ التَّكْفِيرِ،

стр. 13703

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كقول النبيِّ ﷺ ] (١): «واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا» (٢)، فحَنِثَ، فليس عليه إلَّا كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، وكذلك إن حَلَف بأيمانٍ [كَفّارَتُها واحِدَةٌ] (٣)، كقَوْلِه: واللهِ، وعَهْدِ اللهِ، ومِيثَاقِه، وقُدْرَتِه، وكَلامِه، وكِبْرِيائِه. على شيءٍ واحدٍ. رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ عمرَ. وبه قال الحسنُ، وعُرْوَةُ، وإسْحاقُ. ورُوِيَ أيضًا عن عَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وحَمَّادٍ، والأوْزاعِيِّ. وقال أبو عُبَيدٍ، في مَن قال: عليَّ عَهْدُ اللهِ ومِيثاقُه وكَفالتُه. ثم حَنِثَ: فعليه ثَلاثُ كفَّاراتٍ. وقال أصحابُ الرَّأْي: عليه لكلِّ يَمينٍ كَفَّارَةٌ، إلَّا أن يَنْويَ التَّأكِيدَ أو التَّفْهِيمَ. ونحوُه عن الثَّوْرِيِّ، وأبي ثَوْرٍ. وعن أحمدَ مثلُ ذلك. وعن الشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين. وعن عمرِو بنِ دينارٍ، إن كان في مَجْلِسٍ واحدٍ كقَوْلِنا، وإن كان في مَجالِسَ كقَوْلِهم. واحْتَجُّوا بأنَّ أسْبابَ الكَفَّاراتِ تَكَرَّرَتْ، فتَكَرَّرُ (٤) الكَفَّاراتُ، كالقَتْلِ لآدَمِيٍّ، أو صَيدِ حَرَمِيٍّ (٥). ولأنَّ اليَمِينَ الثانِيَةَ مثلُ الأُولَى، فتَقْتَضِي ما تَقْتَضِيه.

стр. 13704

وَالظَّاهِرُ أَنَّها إِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ ــ ولَنا، أنَّه حِنْثٌ واحدٌ أوْجَبَ جِنْسًا واحدًا من الكَفَّاراتِ، فلم يَجِبْ به أكثرُ مِن كَفَّارَةٍ، كما لو قَصَد التَّأْكِيدَ. قولُهم: إنَّها أسْبابٌ تَكَرَّرَتْ. مَمْنُوعٌ، فإنَّ السَّبَبَ الحِنْثُ، وهو واحِدٌ، وإن سَلَّمْنا، فيَنْتَقِضُ بما إذا كَرَّرَ الوَطْءَ في رمضانَ في أيَّامٍ، وبالحُدودِ إذا تَكَرَّرَتْ أسْبابُها، ولا يَصِحُّ القياسُ على الصَّيدِ الحَرَمِيِّ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ بَدَلٌ، ولذلك تَزْدادُ بكِبَرِ الصَّيدِ، وتُقَدَّرُ بقَدْره، فهي كدِيَةِ القتلِ، ولا على كَفَّارَةِ قَتْلِ الآدَمِي؛ لأنَّها أُجرِيَتْ مُجْرَى البَدَلِ أيضًا لحَقِّ اللهِ تعالى؛ لأنَّه لمّا أتْلَفَ آدَمِيًّا عابدًا للهِ تعالى، ناسَبَ أن يُوجِدَ عبدًا يَقُومُ مَقامَه في العِبادَةِ، فلمَّا عَجَز عن الإِيجادِ، لَزِمَه إعْتاقُ رَقَبَةٍ؛ لأنَّ العِتْقَ إيجاد للعَبْدِ بتَخْلِيصِه من رِقِّ العُبُودِيَّةِ وشُغْلِها، إلى فَراغِ البالِ للعِبادَةِ بالحُرِّيَّةِ التي حَصَلَت بالإِعْتاقِ، ثم الفَرْقُ ظاهِرٌ، لأنَّ السَّبَبَ ههُنا تَكَرَّرَ بكَمالِه وشُروطِه، وفي مَحَل النِّزاعِ لم يُوجَدْ ذلك، لأنَّ الحِنْثَ إمَّا أن يكونَ هو السَّبَبَ، أو جُزْءًا منه، أو شَرْطًا له، بدليلَ تَوَقُّفِ الحُكْمَ على وجُودِه، وأَيًّا ما كان، فلم يَتَكَرَّرْ، فلم يَجُزِ الإِلْحاقُ (١)، وإن صَحَّ القِياسُ، فقِياسُ كَفَّارَةِ اليَمِينِ على مِثْلِها أوْلَى من قِياسِها على القَتْلِ؛ لبُعْدِ ما بينَهما. ٤٧١٣ - مسألة: (والظَّاهِرُ) فيما إذا كَرَّرَ الأيمَانَ (أنَّها إن كانت

стр. 13705

كَانَتْ عَلَى أَفْعَالٍ، فَعَلَيهِ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ. ــ على فِعْلٍ واحِدٍ، فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، وإن كانت على أفْعَالٍ، فعليهِ لِكلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ) لأنَّها إذا كانت على فِعْلٍ واحدٍ، كان سَبَبُها واحدًا، فالظَّاهِرُ أنَّه أرادَ التَّوْكِيدَ لذلك، كقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا». كَرَّرَها (١) ثلاثًا، وإن كانت على أفْعالٍ، فعليه لكلِّ يَمِين كَفَّارَةٌ. وهو ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ. ورَواه المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. وقال أبو بَكْرٍ: تجْزِئُه كَفَّارَةٌ واحدةٌ، رَواها ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ. قال القاضي: هي الصَّحِيحَةُ. وقال أبو بكرٍ: ما نَقَلَه المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ قولٌ لأبي عبدِ اللهِ، ومذهَبُه أنَّ كَفَّارَةً واحِدَةً تُجْزِئه.

стр. 13706

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو قولُ إسحاقَ؛ لأنَّها كَفَّارات من جِنْس واحدٍ، فتَداخَلَتْ، كالحُدودِ مِن جِنْسٍ واحدٍ، وإنِ اخْتَلَفَتْ محالُّها، بأن سَرَقَ من جماعَةٍ، أو زَنَى بنِساءٍ. ولَنا، أنَّهُنَّ أيمانٌ لا يَحْنَثُ في إحْداهُنَّ بالحِنْثِ في الأُخْرَى، فلم تَتَكَفَّرْ (١) إحْداهما بكَفَّارَةِ الأُخْرَى، كما لو كَفَّرَ عن إحْداهما قبلَ الحِنْثِ في الأُخْرَى، وكالأيمانِ المُخْتَلِفَةِ الكَفَّارَةِ. وبهذا فارَقَ الأيمانَ على شيءٍ واحدٍ؛ فإنَّه متى حَنِثَ في إحْداهما كان حانِثًا في الأُخْرَى، فلمَّا كان الحِنْثُ واحِدًا، كانتِ الكَفَّارَةُ واحِدَةً، وههُنا تَعَدَّدَ (٢) الحِنْثُ، فتَعَدَّدَتِ (٣) الكَفَّاراتُ، وفارَقَ الحُدودَ، فإنَّها وَجَبَت للزَّجْرِ، وتَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، بخلافِ مسألتنا، ولأنَّ الحُدودَ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فالمُوالاةُ بينَها رُبَّما أفْضتْ إلى التَّلَفَ، فاجْتُزِئَ بإحَداها (٤)، وههُنا الواجِبُ (٥) إخْراجُ مالٍ يَسِيرٍ، أو صيامُ ثلاثَةِ إيَّامٍ، فلا يَلْزَمُ الضَّرَرُ الكبيرُ بالمُوالاةِ فيه، ولا يُخْشَى منه التَّلَفُ. فصل: إذا حَلَف يَمِينًا واحِدَةً على أجْناسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فقال: واللهِ لا

стр. 13707

وَإنْ كَانَتِ الأيمَانُ مُخْتَلِفَةَ الْكَفَّارَةِ، كَالظِّهَارِ وَالْيَمِين باللهِ تَعَالى، فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا. ــ أكَلْتُ، ولا شَرِبْتُ: ولا لَبِسْتُ. فحَنِثَ في الجميعِ، فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ اليَمِينَ واحِدَةٌ، والحِنْثَ واحِدٌ، فإنَّه يَحْنَث بفِعْلِ واحدٍ من المَحْلوفِ عليه، وتَنْحَلُّ يَمِينُه. وإن حَلَف أيمانًا على أجْناسٍ، فقال: واللهِ لا أكَلْتُ، واللهِ لا شَرِبْتُ، واللهِ لا لَبِسْتُ. فحَنِثَ في واحِدَةٍ منها، فعليه كَفَّارَةٌ، فإن أخْرَجَها ثم حَنِثَ في يَمِين أُخْرَى، لَزِمَتْه كَفَّارَةٌ أُخْرَى. لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا أيضًا (١)؛ لأنَّ الحِنْثَ في الثانِيةِ (٢) تَجِبُ به الكَفَّارَةُ بعدَ أن كَفَّرَ عن الأُولَى، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ في رمضانَ فكَفَّرَ، ثم وَطِئَ مَرَّةً أُخْرَى. وإن حَنِثَ في الجميعِ قبلَ التَّكْفِيرِ، ففيه رِوايتان ذَكَرْناهُما في المسألةِ قبلَ هذا الفَصْلِ. ٤٧١٤ - مسألة: (وإن كانتِ الأيمَانُ مُخْتَلِفَةَ الكَفَّارَةِ، كالظِّهَارِ واليَمِينِ باللهِ تعالى، فلكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا) مثلَ أن يَحْلِفَ باللهِ تعالى وبِالظِّهَارِ وبعِتْقِ عَبْدِه، فإذا حَنِثَ (٣)، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين وكَفَّارَةُ

стр. 13708

وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ الصِّيَامُ، وَلَيسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ. ــ ظِهَارٍ، ويَعْتِقُ العَبْدُ؛ لأنَّ تَداخُلَ الأحْكامِ إنَّما يكونُ مع اتِّحادِ الجنْسِ، كالحُدودِ من جِنْسٍ، فأمَّا الكَفَّارَاتُ ههُنا فمن أجْناسٍ، وَأسْبابُها مُخْتَلِفَةٌ، فلم تَتَداخَلْ، كحَدِّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ والقَذْفِ والشُّرْبِ. ٤٧١٥ - مسألة: (وكَفَّارَةُ العَبْدِ الصِّيامُ، وليس لسَيِّدِه مَنْعُه منه. ومَن بَعْضُه حُرٌّ فَحُكْمُه في الكَفَّارَةِ حُكمُ الأحْرارِ) لا خِلافَ في أنَّ العَبْدَ يُجْزِئُه الصِّيامُ في الكَفَّارَةِ؛ لأنَّ ذلك فرْضُ المُعْسِرِ من الأحْرارِ، وهو أحْسَنُ حالًا من العَبْدِ، فإنَّه (١) يَمْلِكُ في الجُمْلَةِ، ولأنَّ العَبْدَ داخِلٌ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٢). فصل: فإن أَذِنَ السَّيِّدُ لعَبْدِه في التَّكْفِيرِ بالمالِ، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه ليس بمالِكٍ (٣) لِمَا أَذِنَ له فيه. وهل يُجْزِئُه بإذْنِ السَّيِّدِ؛ فيه رِوَايتان؛ إحْداهما، لا يُجْزِئُه. وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ، ولا يُجْزِئُه إلَّا الصِّيامُ.

стр. 13709

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثانِيَةُ، يُجْزِئُه؛ لأنَّ المَنْعَ لحَقِّ السَّيِّدِ، وقد أذِنَ، أشْبَهَ ما لو أذِنَ له أن يَتَصَدَّقَ بالمالِ، وقد ذَكَرْنا ذلك في الظِّهارِ، والاخْتِلافَ فيه (١). وذكرَ القاضي، أنَّ أصْلَ هذا (٢) عندَه الرِّوايتان في مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْليكِ، فإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ. فمَلَّكَه سَيِّدُه، وأذِنَ له بالتَّكْفيرِ بالمالِ، جازَ، لأنَّه مالِكٌ لِما يُكَفِّرُ به، وإدت قُلْنا: لا يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ. ففَرْضُه الصِّيامُ؛ [لأنَّه لا يَمْلِكُ شيئًا يُكَفِّرُ به، وكذلك إن قُلْنا: إنَّه يَمْلِكُ. ولم يَأْذَنْ له سَيِّدُه في التَّكْفيرِ بالمالِ، ففَرْضُه الصِّيامُ] (٣) وإن مَلَك؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه، مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ فيما في يَدَيه. قال: وأصْحابُنا يَجْعَلُون في العَبْدِ رِوايَتَين مُطْلَقًا، سَواءٌ قُلْنا: يَمْلِكُ أو لا يَمْلِكُ. ثم (٤) على الرِّوايَةِ التي تُجِيزُ له التَّكْفِيرَ بالمالِ له أن يُطْعِمَ، وهل له أن يُعْتِقَ؟ على رِوايَتَين؛ إحْداهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ العِتْقَ يَقْتَضِي الوَلاءَ والولايةَ والإِرْثَ، وليس

стр. 13710

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك للعَبْدِ. وهذه رِوايَةٌ عن مالكٍ. وبه قال الشافعيُّ، على القوْلِ الذي يُجِيزُ له التَّكْفِيرَ بالمالِ. والثانيةُ، له التَّكْفِيرُ بالعِتْقِ؛ لأنَّ مَن صَحَّ تَكْفِيرُه بالمالِ، صَحَّ تَكْفيرُه بالعِتْقِ، كالحُرِّ (١)، ولأنَّه يَمْلِكُ العَبْدَ، فصَحَّ تَكْفِيرُه بإعْتاقِه، كالحُرِّ. وقولُهم: إنَّ العِتْقَ يَقْتَضِي الوَلاءَ والوِلايةَ. مَمْنُوعٌ إذا أعْتَقَ في الكَفَّارَةِ، على ما أسْلَفْناه، وإن سَلَّمْنا، فتَخَلُّفُ بعضِ الأحْكامِ لا يَمْنَعُ ثُبوتَ المُقْتَضِي، فإنَّ الحُكْمَ يَتَخَلَّفُ لتَخَلُّفِ سَبَبِه، لا لتَخَلُّفِ أحْكامِه،؛ أنَّه يَثْبُتُ لوُجودِ سَبَبِه، ولأنَّ تَخَلُّفَ بعضِ الأحْكامِ مع وجُودِ المُقْتَضِي إنَّما يكونُ لمانِعٍ، ويجوزُ أن يَخْتَصَّ المَنْعُ بها دونَ غيرِها، وهذا السَّبَبُ المُقْتَضِي لهذه الأحْكامِ، لا (٢) يَمْنَعُ ثُبُوته تخَلُّفُها عنه في الرَّقِيقِ، على أنَّ الوَلاءَ يَثْبُتُ بإعْتاقِ العَبْدِ، لكن لا يَرِثُ به، كما لو اخْتَلَفَ دِيناهُما. وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ. ويُفَرِّعُ عليه إذا أذِنَ له سَيِّدُه فأعْتَقَ نَفْسَه، ففيه قَوْلان؛ أحدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه رَقَبَةٌ تُجْزِء عن غيرِه، فأجْزَأت عنه كغيرِه. والآخَرُ، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ الإِذْنَ

стр. 13711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له في الإِعْتاقِ يَنْصَرِفُ إلى إعْتاقِ غيرِه. وهذا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ على أنَّ سَيِّدَه إذا أذِنَ له في إعْتاقِ نَفْسِه عن كَفَّارَتِه، جازَ، ومتى أطْلَقَ الإِذْنَ في الإِعْتاقِ، فليس له أن يُعْتِقَ إلَّا أقَلَّ رَقَبَةٍ تُجْزِئُ عن الواجِبِ، وليس له إعْتاقُ نَفْسِه إذا كان أفضلَ (١) ممَّا تُجْزِئُ. وهذا من أبي بكر يَقْتَضِي أن لا يُعْتَبَرَ في التَّكْفِيرِ أن يُمَلِّكَه سَمدُه ما يُكَفِّرُ به؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ نَفْسَه، بل متى أذِنَ له في التَّكْفِيرِ بالإِطْعامِ أو الإعْتاقِ، أجْزَأَه؛ لأنَّه لو اعْتَبَرَ التَّمْلِيكَ، لَما صحَّ له أن يُعْتِقَ نَفْسَه، لأَنَّه لا (٢) يَمْلِكُها، ولأنَّ التَّمْلِيكَ لا يكونُ إلَّا في مُعَيَّنٍ، فلا يَصِحُّ أن يَأْذَنَ فيه مُطْلَقًا. فصل: إذا أعْتَقَ العَبْدُ عَبْدًا عن كَفَّارَتِه بإذْنِ سَيِّدِه، وقُلْنا: إنَّ الإِعْتاقَ في الكَفَّارَةِ يَثْبُتُ به الوَلاءُ لمُعْتِقِه. ثَبَت وَلاؤُه للعَبْدِ الذي أعْتَقَه؛ لقَوْلِ

стр. 13712

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبيِّ ﷺ : «إنَّما الوَلاءُ لمَنْ أعْتَقَ» (١). ولا يَرِثُ به؛ لأنَّه ليس مِن أهلِ الميراثِ، وانْتِفاءُ الإِرْثِ لا يَمْنَعُ ثُبوتَ الوَلاءِ، كما لو اخْتَلَفَ دِينُهُما (٢)، أو قَتَل المُعْتِقُ عَتِيقَه، فإنَّه لا يَرِثُه مع ثُبوتِ الولايَةِ عليه. فإن عَتَق المُعْتِقُ، وَرِث بالوَلاءِ، لزَوالِ المانِعِ، كما إذا كانا مُخْتَلِفَي الدِّينِ فأسْلَمَ الكافِرُ منهما. ذَكَر هذا طَلْحَةُ العَاقُولِيُّ. ومُقْتَضَى هذا أنَّ سَيِّدَ العَبْدِ لا يَرِثُ عَتِيقَه في حَياةِ عَبْدِه، كما لا يَرِثُ وَلَدَ عَبْدِه، وإن أعْتَقَ عَبْدَه، ثم مات، وَرِثَ السَّيِّدُ مَوْلَى عَبْدِه؛ لأنَّه مَوْلَى مَوْلاه، كما أنَّه لو أعْتَقَ العَبْدَ وله وَلَدٌ عليه الوَلاءُ لمَوْلَى أُمِّه لَجَرَّ (٣) وَلاءَه، ويَرِثُه سَيِّدُه إذا ماتَ أبُوه.

стр. 13713

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤٧١٦ - مسألة: وليس للسَّيِّدِ مَنْعُ العبدِ (١) مِنَ التَّكْفِيرِ بالصِّيَامِ، سَواءٌ كان الحِنْثُ والحَلِفُ بإذْنِه أو بغيرِ إذْنِه، وسَواءٌ أضَرَّ به الصِّيامُ أو لم يُضرَّ به. وقال الشافعيُّ: إن حَنِثَ بغيرِ إذْنِه، والصَّوْمُ يُضِرُّ به، فله مَنْعُه، لأنَّ السَّيِّدَ لم يَأْذَنْ له فيما ألْزَمَ نَفْسَه، ممَّا يَتَعَلَّقُ به ضَرَرٌ على السَّيِّدِ، فكان له مَنْعُه (٢) وتَحْلِيلُه، كما لو أحْرَمَ بالحجِّ بغيرِ إذْنِه. ولَنا، أنَّه صَوْمٌ واجِبٌ لحَقِّ اللهِ تعالى، فلم يَكُنْ لسَيِّدِه مَنْعُه منه (٣)، كصيام رمضانَ وقَضائِه، ويُفارِقُ الحجَّ؛ لأنَّ ضَرَرَه كثيرٌ؛ لطُولِ مُدَّتِه وغَيبَتِه عن سَيِّدِه، وتَفْويتِ خِدْمَتِه، ولهذا مَلَك تَحْلِيلَ زَوْجَتِه

стр. 13714

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منه، ولم يَمْلِكْ مَنْعَها صَوْمَ الكَفَّارَةِ. فأمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فإن كان فيه ضَرَرٌ عليه، فلسَّيِّدِ مَنْعُه منه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّه [بما ليس] (١) بواجِبٍ عليه، وإن كان لا يُضِرُّ به، لم يَكُنْ لسَيِّدِه مَنْعُه منه؛ لأنَّه يَعْبُدُ رَبَّه بما لا مَضَرَّةَ فيه، فأشْبَهَ ذِكْرَ اللهِ تعالى، وصلاةَ النَّافِلَةِ في غيرِ وَقْتِ خِدْمَتِه، وللزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِه (٢) منه في كلِّ حالٍ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّه من الاسْتِمْتاعِ، ويَمْنَعُه منه.

стр. 13715

وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، فَحُكْمُهُ في الْكَفَّارَةِ حُكْمُ الْأَحْرارِ. ــ فصل: (ومَن نِصْفُه حُرٌّ، فحُكْمُه في الكَفَّارَةِ حُكْمُ الأحْرارِ) متى مَلَك بجُزْئِه الحُرِّ مالًا (١) يُكَفِّرُ به، لم يَجُزْ له الصِّيامُ، وله التَّكْفِيرُ بأحَدِ الأُمُورِ الثلاثَةِ. وظاهِرُ كلامِ الشافعيِّ، أنَّ له التَّكْفِيرَ بالإطْعامِ والكُسْوَةِ دونَ الإعْتاقِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ له الوَلاءُ. منهم من قال: لا يُجْزِئُه إلَّا الصيامُ؛ لأنَّه مَنْقُوصٌ بالرِّقِّ، أشْبَهَ القِنَّ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٢). وهذا واجِدٌ، ولأنَّه (٣) يَمْلِكُ مِلْكًا تامًّا، فأشْبَهَ الحُرَّ الكامِلَ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَثْبُتُ له الوَلاءُ، ثم إنَّ امْتِناعَ بعضِ أحْكامِه، لا يَمْنَعُ صِحَّتَه، كعِتْقِ المُسْلِمِ رَقِيقَه الكافِرَ. فصل: والكَفَّارَةُ في حَقِّ الحُرِّ والعَبْدِ، والمسلمِ والكافِرِ، سَواءٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذَكَر الكَفَّارَةَ بلَفْظٍ عامٍّ في جميعِ المُخاطَبِين، فدَخَلَ الكُلُّ في عُمومِه، إلَّا أنَّ الكافِرَ لا يَصِحُّ منه التَّكْفِيرُ بالصِّيامِ؛ لأنَّه عِبادَةٌ، وليس

стр. 13716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هو من أهْلِها، ولا بالإِعْتاقِ؛ لأنَّ مِن شَرْطِه الإِيمانَ في الرَّقَبَةِ، ولا يجوزُ لكافِرٍ شِراءُ مسْلِمٍ، إلَّا أنْ يتَّفِقَ إسْلامُه (١) في يَدَيه، أو يَرِثَ مُسْلِمًا فيُعْتِقَه، فيَصِحُّ إعْتأقُه، وإن لم يَتَّفِقْ ذلك فتَكْفِيرُه بالإِطْعام أو الكُسْوَةِ، فإذا كَفَّرَ ثم أسْلَمَ، لم تَلْزَمْه إعادَةُ التَّكْفِيرِ. وإن أسْلَمَ قبلَ التَّكْفِيرِ، كَفَّرَ بما يَجِبُ عليه في تلك الحالِ؛ من إعْتاقٍ، أو إطْعامٍ، أو كُسْوَةٍ، أو صِيامٍ. ويَحْتَمِلُ على قولِ الْخِرَقِيِّ أن لا يُجْزِئَه الصِّيامُ؛ لأنَّه إنَّما يُكَفِّرُ بما وَجَب عليه حينَ الحِنْثِ، ولم يَكُنِ الصِّيامُ ممَّا وَجَب عليه. فصل: إذا حَلَف رجلٌ باللهِ لا يَفْعَلُ شيئًا، فقال له آخَرُ: يَمِيني في يَمِينِكَ. لم يَلْزَمْه شيءٌ؛ لأنَّ يَمِينَ الأوَّلِ ليست ظَرْفًا ليَمِينِ الثاني. وإن نَوَى أنَّه يَلْزَمُنِي من اليَمِينِ ما يَلْزَمُكَ، لم يَلْزَمْه حُكْمُها. قاله القاضي. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ اليَمِينَ باللهِ لا تَنْعَقِدُ بالكِنايَةِ؛ لأنَّ تعْلِيقَ الكَفَّارَةِ بها لحُرْمَةِ اللَّفْظِ باسمِ اللهِ المُحْتَرَمِ، أو صِفَةٍ من صِفاتِه، ولا يُوجَدُ ذلك في الكنايَةِ. فأمَّا إن حَلَف بطَلاقٍ، فقال آخَرُ: يَمِيني في يَمِينِكَ. يَنْوي أنَّه يَلْزَمُنِي من اليَمِينِ ما يَلْزَمُكَ، انْعَقَدَت يَمِينُه. نصَّ عليه أحمدُ، وسُئِلَ عن رجلٍ حَلَف بالطَّلاقِ لا يُكَلِّمُ رجلًا، فقال رجلٌ: وأنا على مثلِ يَمِينك؟ فقال: عليه مثلُ [ما قال] (٢) الذي حَلَف. لأنَّ

стр. 13717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكِنايَةَ تَدْخُلُ في الطَّلاقِ، وكذلك يَمِينُ العَتاقِ. وإن لم يَنْو شيئًا، لم تَنْعَقِدْ يَمِينُه؛ لأنَّ الكِنايَةَ لا تَنْعَقِدُ (١) بغيرِ نِيَّةٍ، وليس قولُه هذا بصَرِيحٍ. وإن كان المَقولُ له لم يَحْلِفْ بعدُ، وإنَّما أرادَ أنَّه [يَلْزَمُه ما] (٢) يَلْزَمُ الآخرَ يَمِينًا يَحْلِفُ بها، فحَلَفَ المَقُولُ له (٣) لم تَنْعَقِدْ يَمِينُ القائِلِ وإن كان في الطَّلاقِ والعَتاقِ؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكونَ هناك ما يُكْنَى عنه، وليس ههُنا ما يُكْنَى عنه. فصل: وإذا قال: حَلَفْتُ. ولم يَكُنْ حَلَف، فقال أحمدُ: هي كَذِبَةٌ، وليس عليه يَمِين. وعنه، عليه الكَفَّارَةُ؛ لأنَّه أقَرَّ على نَفْسِه. والأوَّلُ المذهبُ؛ لأنَّه حُكْمٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ، فإنْ كَذَبَ في الخَبَرِ به، لم يَلْزَمْه حُكْمُه، كما لو قال: ما صَلَّيتُ. وقد صَلَّى. ولو قال: عليَّ يَمِينٌ. فهي كالتي قبلَها. وإن نَوَى القَسَمَ، فقال أبو الخَطَّاب: هي يَمِينٌ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي. وقال الشافعيُّ: ليس بيَمِينٍ؛ لَأنَّه لم يَأْتِ باسمِ اللهِ المُعَظَّمِ، ولا صِفَتِه، فلمِ يَكُنْ يَمِينًا، كما لو قال: حَلَفْتُ. وهذا أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى، فإن هذه ليست صِيغةَ اليَمِينِ والقَسَمِ، وإنَّما هي صِيِغةُ الخَبَرِ، فلا يكونُ بها حالِفًا، وإن قُدِّرَ ثُبوتُ حُكْمِها، لَزِمَه أقَلُّ ما تَناوَلَه الاسْمُ، وهو يَمِينٌ ما، وليست كلُّ يَمِينٍ

стр. 13718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ، فلا يَلْزَمُه شيءٌ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه كِنايَةٌ عن اليَمِينِ، وقد نَوَى بها اليَمِينَ، فتكونُ يَمِينًا، كالصَّرِيحِ. فصل: وثَبَت أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بإبْرارِ المُقْسِمِ أو القَسَمِ. رَواه البخاريُّ (١). وهذا، واللهُ أعْلَمُ، على سَبِيلِ النَّدْبِ، لا. على (٢) سبيلِ الإِيجابِ، بدليلِ أنَّ أبا بكرٍ، ﵁، قال: أقْسَمْتُ عليكَ يا رسولَ اللهِ، لتُخْبِرَنِّي بما أصَبْتُ ممَّا (٣) أخْطَأتُ. فقال النبِيُّ ﷺ : «لَا تُقْسِمْ يَا أبَا بَكْرٍ» (٤). ولم يُخْبِرْه. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ إبْرارُه إذا لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، ويكونُ امْتِناعُ النبيِّ ﷺ مِن إبْرارِ أبي بكرٍ لِمَا عَلِمَ مِن الضَّرَرِ فيه. وإن أجابَه إلى صورَةِ ما أقْسَمَ عليه دونَ مَعْناه، عندَ تَعَذُّرِ المعْنَى، فحَسَنٌ؛ فإنَّه رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّ العباسَ جاءَه برجل لِيُبايِعَه على الهِجْرَةِ، فقال النبيُّ ﷺ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ». قال العباسُ: أقْسَمْتُ عليكَ يا رسولَ الله لِتُبَايِعَنَّه. فوَضَعَ النبيُّ ﷺ يَدَه في يَدِه، فقال: «أبرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي، ولَا هِجْرَةَ» (٥). فأجابَه إلى صُورَةِ المُبايَعَةِ، دونَ ما قَصَد بيَمِينه. فصل: وتُسْتَحَبُّ إجابَةُ مَن سألَ (٦) باللهِ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ،

стр. 13719

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأعِيذُوهُ، ومَنْ سَألَكُمْ باللهِ فَأعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللهِ فأَجِيرُوهُ، ومَنْ أتَى إلَيكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أنْ قَدْ (١) كَافَأْتُمُوهُ». وعن أبي ذَرٍّ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ يحِبُّهُمُ اللهُ، وثَلاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ؛ أمَّا الّذِين يُحِبُّهُمُ اللهُ؛ فرَجُلٌ سَأل قَوْمًا، فَسَألَهُم باللهِ، ولَمْ يَسْأَلهُمْ بِقَرَابَةٍ بَينَهُ وبَينَهُم، فتَخَلَّفَ رجُلٌ بأعْقَابِهِمْ، فأَعطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بعَطِيَّتِهِ إلَّا اللهُ والَّذِي أعْطَاهُ، وقَوْمٌ سَاروا لَيلَتَهُمْ حَتَّى إذَا كَانَ النَّوْمُ أحَبَّ إلَيهِمْ مِمَّا (٢) يُعْدَلُ بِهِ، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي (٣)، ورَجُل كَانَ في سَرِيَّةٍ، فَلَقُوا العَدُوَّ فهُزِمُوا، فأقْبَلَ بِصَدْرِه حَتَّى يُقْتَلَ أوْ يُفْتَحَ لَهُ، والثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللهُ؛ الشَّيخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ». رَواهما النَّسَائِيُّ (٤).

стр. 13720

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة

стр. 13721

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

стр. 13722

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بَابُ جَامِعِ الْأَيمَانِ وَيُرْجَعُ في الأَيمَانِ إلَى النِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا، ــ بابُ جامِعَ الأيمانِ ٤٧١٧ - مسألة: (ويُرْجَعُ في الأيمانِ إلى النِّيَّةِ، فإن لم تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، رُجِعَ إلى سَبَبِ اليَمِينِ وما هَيَّجَها) الأيمانُ مَبْنِيَّةٌ على نِيَّةِ الحالِفِ، فإذا نَوَى بيَمِينِه ما يَحْتَمِلُه، انْصَرَفَت يَمِينُه (١) إليه، سَواءٌ كان ما نَواه مُوافِقًا لظاهِرِ اللَّفْظِ، أو مُخالِفًا له، فالمُوافِق للظَّاهِرِ أن يَنْويَ باللَّفْظِ مَوْضُوعَه الأصْلِيَّ، مثل (٢) أنْ يَنْويَ باللَّفْظِ العامِّ العُمُومَ، وبالمُطْلَقِ الإِطْلاقَ، وبسائِرِ الألْفاظِ ما يَتَبادَرُ إلى الأفْهامِ منها.

стр. 13723

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمخالِفُ (١) يَتَنَوَّعُ أنْواعًا؛ أحَدُها، أن يَنْويَ بالعامِّ الخاصَّ، مثلَ مَن (٢) يَحْلِفُ لا يَأكلُ لحْمًا ولا فاكهةً. يُرِيدُ لَحْمًا بعَينه، وفاكِهَةً بعَينها. ومنها، أن يَحْلِفَ على فِعْلِ شيءٍ أو تَرْكِه مُطْلَقًا، ويَنْويَ فِعْلَه أو تَرْكَه في وَقْتٍ بعَينِه، مثلَ مَن يَحْلِفُ، أن لا يتَغَدَّى. ويُرِيدُ اليومَ. أو: لا أكَلْتُ. يعني الساعةَ. ومنها، أن يَنْويَ بيَمِينِه غيرَ ما يَفْهَمُه السَّامِع منه، كما ذكَرْنا في المَعارِيضِ (٣) في مسألةِ إذا تَأَوَّلَ في يَمِينِه فله تَأْويلُه. ومنها، أن يُرِيدَ بالخاصِّ العامَّ، مثلَ أن يَحْلِفَ: لا شَرِبْتُ لفُلانٍ الماءَ من العَطَشِ. ينوي (٤) قَطْعَ كُلِّ ما له فيه مِنَّةٌ. أو: لا يَأْوي مع امْرأتِه في دارٍ. يريدُ جَفاءَها بتَرْكِ اجْتماعِه بها في جميعِ الدُّورِ. أو حَلَف: لا يَلْبَسُ ثَوْبًا من غَزْلِها. يُرِيدُ قَطْعَ مِنَّتِها به، فتَتَعَلَّقُ يَمِينُه بالانْتِفاعِ به، أو بثَمَنِه (٥)، ممَّا لها فيه مِنَّةٌ عليه. وبهذا قال مالكٌ. وقال أبو حنيفةَ،

стр. 13724

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشافِعِيُّ: لا عِبْرَةَ بالنِّيَّةِ والسَّبَبِ فيما يُخالِفُ لَفْظَه؛ لأنَّ الحِنْثَ مُخَالفَةُ ما وَقَعَتْ عليه اليَمِينُ، واليَمِينُ لَفْظُه، فلو أحْنَثْناه على ما سِوَاه، لأحْنَثْناه على ما نَوَى، لا على ما حَلَف، ولأنَّ النِّيَّةَ بمُجرَّدِها لا تَنْعَقِدُ بها اليَمِينُ، فكذلك لا يَحْنَثُ بمُخالفَتِها. ولَنا، أنَّه نَوَى بكَلامِه ما يَحْتَمِلُه، ويَسُوغُ في اللُّغَةِ التَّعْبيرُ به (١) عنه، فتَنْصَرِفُ يَمِينُه إليه، كالمَعارِيضِ، وبَيانُ احْتمالِ اللَّفْظِ له، أنَّه يَسُوغُ في كَلامِ العَرَبِ التَّعْبيرُ بالخاصِّ عن العامِّ، قال اللهُ تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢). ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٣). ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (٤). والقِطْمِيرُ: لُفافَةُ النَّواةِ. والفَتِيلُ: ما في شَقِّها. والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ التي في ظَهْرِها. ولم يُرِدْ ذلك بعَينه، بل نَفَى كلَّ شيءٍ. وقال الحُطَيئَةُ (٥) يَهْجُو (٦) بني العَجْلانِ: * ولَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ *

стр. 13725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يُرِدِ الحَبَّةَ بعَينِها، إنَّما أرادَ لا يَظْلِمُونَهم شيئًا. وقد يُذْكَرُ العامُّ ويُرادُ به الخَاصُّ، كقوْلِه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ﴾ (١). أرادَ رجلًا واحِدًا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (١). يعْني أبا سفيانَ. وقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٢). ولم تُدَمِّرِ السَّماءَ والأرْضَ ولا مَساكِنَهم. وإذا احْتَمَلَه اللَّفْظُ، وَجَب صَرْفُ اليَمِينِ إليه إذا نَوَاه؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «وإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» (٣). ولأنَّ كلامَ الشَّارِعِ يُحْمَلُ على مُرادِه به، إذا ثَبَت ذلك بالدَّليلِ، فكذلك كلامُ غيرِه. قولُهم: إنَّ الحِنْثَ مُخالفَةُ ما عُقِدَ اليَمِينُ عليه. قُلْنا: وهذا كذلك، فإنَّ اليَمِينَ إنَّما انْعَقَدَتْ على ما نَوَاه، ولَفظُه مَصْروفٌ إليه، وليست هذه نِيَّةً مُجَرَّدَةً، بل لَفْظٌ مَنْويٌّ به ما يَحْتَمِلُه.
следующие страницы →