. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَشَمُّ الرَّيحانَ، فإنَّه في العُرْفِ اسمٌ يَخْتَصُّ الرَّيحانَ الفَارِسِيَّ، وفي الحَقِيقَةِ اسمٌ لكلِّ نَبْتٍ أو زَهْرٍ طَيِّبِ الرِّيحِ، مثلَ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والنَّرْجِسِ. وقال القاضي: لا يَحْنَثُ إلَّا بشَمِّ الرَّيحانِ الفارِسِيِّ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الحالِفَ لا يُرِيدُ بيَمِينِه في الظَّاهِرِ سِوَاه. وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ بشَمِّ ما يُسَمَّى في الحَقِيقَةِ رَيحانًا، [لأنَّ الاسمَ] (١) [يَتَناولُه حَقِيقَةً] (٢)، ولا يَحْنَثُ بشَمِّ الفاكِهَةِ، وَجْهًا واحِدًا. وإن حَلَف لا يَشَمُّ وَرْدًا ولا بَنَفْسَجًا، فَشَمَّ دُهْنَهُما، أو ماءَ الوَرْدِ، فقال القاضي: لا يَحْنَثُ. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَشَمَّ وَرْدًا ولا بَنَفْسَجًا. وقال أبو الخطَّابِ: يَحْنَثُ؛ لأنَّ الشَّمَّ إنَّما هو للرَّائِحَةِ دونَ الذاتِ، ورَائِحَةُ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ مَوْجُودَةٌ فيهما. وقال أبو حنيفةَ: يَحْنَثُ بشَمِّ دُهْنِ البَنَفْسَجِ؛ لأنَّه يُسَمَّى بَنَفْسَجًا (٣)، [ولا يَحْنَثُ بشَمِّ ماءِ الوردِ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى وردًا] (٤). والأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصِّحَّةِ، إن شاءَ اللهُ تعالى. فإن شَمَّ الوَرْدَ والبَنَفْسَجَ اليابِسَ، حَنِثَ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: لا يَحْنَثُ, كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ رُطَبًا، فأَكَلَ تَمْرًا. ولَنا، أنَّ هذا اسْمُه،
стр. 13827
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسى.
ــ
وحَقِيقَتَه باقِيَةٌ، فيَحْنَثُ به (١) , كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ لحْمًا، فأكَلَ قَدِيدًا، وفارَقَ ما ذَكَرُوه؛ فإنَّ التَّمْرَ ليس برُطَبٍ، ولا يُسمَّى رُطَبًا.
٤٧٦٥ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ لَحْمًا، فأكَلَ يسمَكًا، حَنِث عندَ الخِرَقِيِّ، ولم يَحْنَثْ عندَ ابنِ أبي مُوسَى) إذا حَلَف لا يَأْكُلُ لحْمًا، ولم يُرِدْ لحمًا بعَينِه، فأكَلَ من لَحْم (٢) الأنْعامِ أو الصَّيدِ أو الطَّيرِ، حَنِثَ، في قولِ عامَّةِ عُلَماءِ الأمْصارِ. وأمَّا السَّمَكُ، فظاهِرُ المذْهَبِ أنَّه يَحْنَثُ بأَكْلِه. وبهذا قال قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو يوسفَ. وقال ابنُ أبي موسى في «الإِرْشَادِ»: لا يَحْنَثُ، إلَّا أن يَنْويَه. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، [وأبي ثورٍ] (٣)؛ لأنَّه لا يَنْصَرِفُ إليه إطْلاقُ اسْمِ اللَّحْمِ، ولو وَكَّلَ وَكِيلًا في شِراءِ اللَّحْمِ،
стр. 13828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فاشْتَرَى له سَمَكًا، لم يَلْزَمْه، ويَصِحُّ أن يَنْفِيَ عنه الاسْمَ، فيقولَ: ما أَكَلْتُ لَحْمًا، إنَّما أكَلْتُ سَمَكًا. فلم يَتَعَلَّقْ به الحِنْثُ عندَ الإِطْلاقِ، كما لو حَلَفَ: لاقَعَدْتُ تحتَ سَقْفٍ. فإنَّه لا يَحْنَثُ بقُعُودِه تحتَ السَّماءِ, وقد سمَّاها اللهُ تعالى سَقْفًا مَحْفُوظًا؛ لأنَّه مَجازٌ، كذا ههُنا. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (١). ولأنَّه من جِسْمِ حَيوانٍ، ويُسَمَّى لحْمًا، فَحَنِثَ بأكْلِه، كلَحْمِ الطَّيرِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بلَحْمِ الطَّائِرِ. وأمَّا السَّماءُ، فإنَّ الحالِفَ لا يَقْعُدُ تحتَ سَقْفٍ لا (٢) يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ مِن القُعُودِ تحتَها، فيُعْلَمُ أنَّه لم (٢) يُرِدْها بيَمِينِه، ولأنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجازٌ، وههُنا حَقِيقَةٌ؛ لكَوْنِه من جِسْمِ حَيوانٍ يَصْلُحُ للأكْلِ، فكان الاسمُ فيه حَقِيقَةً، كلَحْمِ الطَّيرِ، حيثُ قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (٣).
стр. 13829
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا وَلَا بَيضًا، حَنِثَ بِأَكْلِ رُءُوسِ الطُّيُورِ وَالسَّمَكِ، وَبَيضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، عِنْدَ الْقَاضِي. وَعنْدَ أَبي الْخَطَّابِ، لَا يَحْنَثُ إلا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بَيضٍ يُزَايِلُ بَائِضَهُ حَال الْحَيَاةِ.
ــ
٤٧٦٦ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ رأْسًا ولا بَيضًا، حَنِثَ بِأكْلِ رُءُوسِ الطَّيرِ والسَّمَكِ، وبيضِ السمكِ والجَرَادِ، عندَ القاضي. وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ العَادَةُ بأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أو بَيضٍ يُزَايِلُ بائِضَه حال الحَيَاةِ) إذا حَلَف لا يَأْكُلُ رأْسًا، فإنَّه يَحْنَثُ بأكْلِ رَأْسِ كُلِّ (١) حَيوانٍ من الإِبِلِ والصُّيودِ والحِيتَانِ والجَرادِ. ذَكَره القاضِي. وقال أبو الخطَّابِ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ العادَةُ ببَيعِه للأكْلِ مُنْفَرِدًا. وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ رُءُوسِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ دونَ غيرِها، إلَّا أن يكونَ ببَلَدٍ تَكْثُرُ فيه الصُّيودُ، وتُمَيَّزُ رُءُوسُها، فيَحْنَثُ بأكْلِها. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ بأكْلِ رُءُوسِ الإِبلِ؛ لأنَّ العادَةَ لم تَجْرِ ببَيعِها للأكْلِ مُنْفَرِدَةً. وقال صاحِباه: لا يَحْنَثُ إلَّا بأكْلِ رُءُوسِ الغَنَمِ؛ لأنَّها التي تُباعُ في الأسْواقِ دونَ غيرِها، فيَمِينُه تَنْصَرِف
стр. 13830
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إليها. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ هذه رُءُوسٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، وهي مَأْكُولَةٌ، فيَحْنَثُ بأكْلِها, كما لو حَلَف لا يَأْكُلُ لَحْمًا، فأَكَلَ من لَحْمِ النَّعامِ والزَّرافَةِ، وما يَنْدرُ وُجودُه وبَيعُه. وأمَّا إذا حَلَف لا يَأْكُلُ بَيضًا، فيَحْنَثُ بأَكْلِ بَيضِ كُلِّ حَيوانٍ، كَثُرَ وُجُودُه، كبَيضِ الدَّجاجِ، أو قَلَّ، كبَيضِ النَّعامِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يَحْنَثُ بأكْلِ بَيضِ النَّعامِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ بَيضِ الدَّجاجِ، وما يُباعُ في السُّوقِ. ولَنا، أنَّ هذا كُلَّه بَيضٌ حَقِيقَةً وعُرْفًا، وهو مأْكُولٌ، فيَحْنَثُ بأكْلِه، كبَيضِ الدَّجاجِ، ولأنَّه لو حَلَف لا يَشْرَبُ ماءً، فشَرِبَ ماءَ البَحْرِ، أو ماءً نَجِسًا، أو لا يَأْكُلُ خُبْزًا، فأَكَلَ خُبْزَ الأُرْزِ أو الذُّرَةِ في مَكانٍ لا يُعْتادُ أكْلُه فيه، حَنِثَ. فأمَّا إن أكَلَ بَيضَ السَّمَكِ أو الجَرادِ، فقال القاضي: يَحْنَثُ؛ لأنَّه بَيضُ حيَوانٍ، أشْبَهَ بَيضَ النَّعامِ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَحْنَثُ إلَّا بأَكْلِ بَيضٍ يُزايِلُ بائِضَه حال الحياةِ. وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي،
стр. 13831
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَيتَ شَعْرٍ، أَوْ أَدَم، أَوْ لَا يَرْكَبُ، فَرَكبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عنْدَ أَصْحَابِنَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ.
ــ
وأكثَرِ العُلَماءِ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ هذا لا يُفْهَمُ من إطْلاقِ اسمِ (١) البَيضِ، ولا يُذْكَرُ إلَّا مُضافًا إلى بائِضِه. ولا يَحْنَثُ بأكْلِ شيءٍ يُسَمَّى بَيضًا غيرَ بَيضِ الحيوانِ، ولا بشيءٍ يُسَمَّى رَأْسًا غيرَ رُءُوسِ الحيوانِ؛ لأنَّ ذلك ليس برَأْسٍ ولا بيضٍ في الحَقِيقَةِ.
٤٧٦٧ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ بَيتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أو حَمَّامًا، أو بَيتَ شَعْرٍ، أو أَدمٍ، أو لا يَرْكَبُ، فرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عندَ أصْحابِنا. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف لا يَدْخُلُ بَيتًا، فدَخَلَ مَسْجِدًا، أو حَمَّامًا، حَنِثَ. نَصَّ عليه أحمدُ. ويَحْتَمِلُ أن
стр. 13832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَحْنَثَ. وهو قولُ أكْثَرَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه لا يُسَمّى بَيتًا في العُرْفِ. والأوَّلُ المذهبُ؛ لأنَّهما بَيتان حَقِيقَةً، وقَد سَمَّى اللهُ المساجِدَ بُيوتًا، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (١). وقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ (٢). ورُوِيَ في حديثٍ: «المَسْجِدُ بَيتُ كُلِّ تَقِيٍّ» (٣). ورُوِيَ في الحديثِ: «بِئْسَ الْبَيتُ الحَمَّامُ» (٤). وإذا كان في الحَقِيقَةِ بَيتًا، وفي عُرْفِ الشَّرْعِ, حَنِثَ بدُخُولِه، كبيتِ الإِنْسانِ. وإن دَخَلَ بَيتَ شَعْرٍ، أو أدَم، حَنِثَ، سَواء كان الحالِفُ حَضَرِيًّا أو بَدَويًّا، فإنَّ اسمَ البَيت يَقَعُ عليه حَقِيقَةً وعُرْفًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ (٥). وأمَّا ما لا يُسَمَّى في العُرْفِ بَيتًا، كالخَيمَةِ، فالأوْلَى أن لا يَحْنَثَ بدُخُولِه مَن لا يُسَمِّيه بَيتًا؛ لأنَّ يَمِينَه لا تَنْصَرِفُ إليه. وإن دَخَلَ دِهْلِيزَ دارٍ [أو صُفَّتَها] (٦)، لم يَحْنَثْ. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَحْنَثُ؛ لأنَّ جميعَ الدَّارِ
стр. 13833
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ، أو سَبَّحَ، أو ذَكَرَ اللهَ تَعَالى، لَمْ
ــ
بَيتٌ. ولَنا، أنَّه لا يُسَمَّى بَيتًا، ولهذا يُقال: ما دَخَل البَيتَ، وإنَّما وَقَف في الصَّحْنِ. فإن حَلَف لا يَرْكَبُ، فرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ. وهو قولُ أبي الخَطَّابِ؛ لأنَّه رُكُوبٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ (١). وقال: ﴿فإذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ (٢). وَيَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى في العُرْفِ رُكوبًا.
٤٧٦٨ - مسألة: (وإن حَلَف لا يتَكَلَّمُ، فقَرَأ، أو سَبَّحَ، أو ذَكَرَ اللهَ تعالى، لم يَحْنَثْ) [ إذا حَلَفَ لا يتَكَلَّمُ، فقَرَأَ] (٣)، لم يَحْنَثْ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن قَرأَ في الصلاةِ، لم يَحْنَثْ، وإن قَرَأَ خارِجًا منها، حَنِثَ؛ لأنَّه يَتَكَلَّمُ بكلامِ اللهِ تعالى. وإن ذَكَرَ اللهَ تعالى، لم يَحْنَثْ. ومُقْتَضَى مذهبِ أبي حنيفةَ أنَّه يَحْنَثُ، لأنَّه كلامٌ (٤)، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ (٥). وقال رسولُ اللهِ ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إلَى
стр. 13834
يَحْنَثْ. وَإِنْ دَقَّ عَلَيهِ إِنْسَانٌ، فَقَال: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ.
ــ
الرَّحْمَنِ؛ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِه، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ» (١). ولَنا، أنَّ الكلامَ في العُرْفِ لا يُطْلَقُ إلَّا على كلامِ الآدَمِيِّين، ولهذا لمَّا قال النبيُّ ﷺ : «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، و (٢) قَدْ أحْدَثَ أنْ لا تَتَكَلَّمُوا في الصَّلَاةِ» (٣). لم يَتَناوَلِ المُختَلَفَ فيه. وقال زيدُ بنُ أرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، حتى نزلَ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤). فأُمِرْنا بالسُّكوتِ، ونُهِينَا عن الكلام (٥). وقال اللهُ تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ (٦). وقال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٧). فأمَرَه بالتَّسْبِيحِ مع قَطْعِ الكلامِ عنه. ولأنَّ ما لا يَحْنَثُ به في الصلاةِ، لا يَحْنَثُ به خارِجًا منها، كالإِشارَةِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالقِراءَةِ والتَّسْبِيحِ في الصلاةِ، وذِكْرِ اللهِ المَشْرُوعِ فيها. وإنِ اسْتَأْذَنَ عليه إنْسانٌ، فقال:
стр. 13835
يَقْصِدُ تَنْبِيهَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
ــ
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (١). يَقْصِدُ القُرآنَ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ هذا من القُرآنِ، فلا يَحْنَثُ به، ولذلك لا تَبْطُلُ الصلاةُ به، وإن لم يَقْصِدِ القُرآنَ، حَنِثَ؛ لأنَّه من كلامِ الناسِ.
стр. 13836
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرأَتَهُ، فَخَنَقَهَا، أَوْ نَتَفَ شَعَرَهَا، أَوْ عَضَّهَا، حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَهَا، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً لَمْ يَبَرَّ في يَمِينِهِ.
ــ
٤٧٦٩ - مسألة: (وإن خَلَف لا يَضْرِبُ امرأتَه، فخَنَقَهَا، أو نَتَفَ شَعَرَها، أو عَضَّهَا، حَنِثَ) لأنَّه يَقْصِدُ تَرْكَ تأْلِيمِها، وقد آلمَها. فأمَّا إن عَضَّهَا للتَّلَذُّذ (١)، ولم يَقْصِدْ تَأْلِيمَها، لم يَحْنَث، وإن حَلَف لَيَضْرِبَنَّها، ففَعَلَ ذلك، بَرَّ؛ لوُجودِ المَقْصُودِ بالضَّرْبِ.
٤٧٧٠ - مسألة: (وإن حَلَف لَيَضْرِبَنَّه مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَها، فضَرَبَه بها ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لم يَبَرَّ في يَمِينِه) وبهذا قال مالكٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال ابنُ حامِدٍ: يَبَرُّ؛ لأنَّ أحمدَ قال في المريضِ عليه الحَدُّ: يُضْرَبُ بعِثْكالِ النَّخْلِ، ويَسْقُطُ عنه الحَدُّ. وبهذا قال الشافعيُّ إذا علِمَ أنَّها مَسَّتْه كُلُّها، وإن علِمَ أنَّها لم تَمَسَّه كُلُّها، لم يَبَرَّ، وإنْ شَكَّ، لم
стр. 13837
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَحْنَثْ في الحُكْمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١). وقال النبيُّ ﷺ في المريضٍ الذي زَنَى: «خُذُوا لَه عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَة وَاحِدَةً» (٢). ولأنَّه ضَرَبَ بمِائَةِ سَوْطٍ، فبَرَّ في يَمِينِه, كما لو فرَّقَ الضَّربَ. ولَنا، أنَّ مَعْنَى يَمِينِه أن يَضْرِبَه مائةَ ضَرْبَةٍ، ولم يَضْرِبْه إلَّا ضَربَةً واحِدَةً، والدَّليلُ على هذا أنَّه لو ضَرَبَه مِائةَ ضَرْبَةٍ بسَوْطٍ بَرَّ، بغيرِ خلافٍ، ولو عادَ العددُ إلى السَّوْطِ، لم يَبَرَّ بالضَّرْبِ بسَوْطٍ واحدٍ, كما لو حَلَف لَيَضْرِبَنَّه بعَشَرَةِ أسْواطٍ، ولأنَّ السَّوْطَ ههُنا آلةٌ أُقِيمَتْ مُقامَ المَصْدَرِ، وانْتَصَبَ انْتِصابَه؛ لأنَّ مَعْنَى كلامِه: لأضْرِبَنَّه مِائَةَ ضَرْبَةٍ بسَوْطٍ. وهذا هو المَفْهومُ من يَمِينِه، والذي يَقْتَضِيه لُغَةً، فلا يَبَرُّ بما يُخالِفُ ذلك. وأمَّا أيُّوبُ، ﵇، فإنَّ اللهَ تعالى أرْخَصَ له رِفْقًا بامرأتِه، لِبِرِّها به، وإحْسانِها إليه، ليَجْمَعَ له بينَ بِرِّه في يَمِينِه ورِفْقِه بامرأتِه، ولذلك امْتَنَّ عليه بهذا، وذَكَرَه في جُمْلَةِ ما مَنَّ به عليه، من مُعافاتِه من بَلائِهِ، وإخْراجِ الماءِ له، فيَخْتَصُّ
стр. 13838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا به، كاخْتِصاصِه بما ذكرَ معه، ولو كان هذا الحكمُ عامًّا لكلِّ أحَدٍ لَما خَصَّ أيُّوبَ بالمِنَّةِ عليه. وكذلك المرِ يضُ الذي يُخافُ تَلَفُه، أُرْخِصَ له بذلك في الحَدِّ دونَ غيرِه، وإذا لم يَتَعَدَّه هذا الحكمُ في الحَدِّ الذي [وَرَد النَّصُّ به فيه، فَلأَنْ لا يَتَعَدَّاه إلى اليَمِينِ أَوْلَى، ولو خُصَّ بالبِرِّ مَن له عُذْرٌ يُبِيحُ العُدولَ في الحَدِّ] (١) إلى الضَّرْبِ بالعِثْكَالِ، لكان له وَجْه، أمَّا (٢) تَعْدِيَتُه إلى غيرِه فبَعِيدٌ جِدًّا.
فصل: ولو حَلَف أن يَضْرِبَه بعَشَرَةِ أسْواطٍ، فجَمَعَها، فضَرَبَه بها، بَرَّ؛ لأنَّه قد فَعَل ما حَلَف عليه. وإن حَلَف ليَضْرِبَنَّه [عشْرَ مراتٍ، لم يَبَرَّ بضَرْبِه عشَرةَ أسْواطٍ، دَفْعَةً واحدةً، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما تَناوَلَتْه يَمِينُه. وإن حَلَف لَيَضْرِبَنَّه] (٣) عشْرَ ضَرَباتٍ، فكذلك، إلَّا وَجْهًا لأصْحابِ الشافِعِيِّ، أنَّه يَبَرُّ. وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ هذه ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ بأسْواطٍ، ولهذا يَصِحُّ أن يُقال: ما ضَرَبْتُه إلَّا (٤) واحِدَةً، ولو حَلَف لا يَضْرِبُه أكْثرَ مِن ضَرْبَةٍ واحدةٍ، ففَعَلَ هذا، لم يَحْنَثْ في يَمِينِه.
فصل: ولا يَبَرُّ حتى يَضْرِبَهِ ضَرْبًا يُؤْلِمُه. وبهذا قال مالكٌ. وقال الشافعيُّ: يَبَرُّ بما (٥) لم يُؤْلِمْ؛ لأنَّ الاسمَ يَتَناوَلُه، فوَقَعَ البِرُّ به،
стр. 13839
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيئًا، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا في غَيرِهِ، مِثْلَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ، لَا يَظْهَرُ فيه طَعْمُهُ، أَوْ لَا يَأْكُلَ بَيضًا، فَأَكَلَ نَاطِفًا، أو لَا يَأْكُلَ شَحْمًا، فَأَكَلَ اللَّحْمَ الأَحْمَرَ، أو لَا يَأْكُلَ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ السَّمْنِ
ــ
كالمُؤْلِمِ. ولَنا، أنَّ هذا يُقْصَدُ به في العُرْفِ التَّأْلِيمُ، فلا يَبَرُّ بغيرِه. ولذلك (١) كلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّرْبُ في الشَّرْعِ، في حَدٍّ، أو تَعْزيرٍ، كان مِن شَرْطِه التَّأْلِيمُ، كذا ههُنا.
فصل: قال، ﵀: (إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ شيئًا، فأَكَلَه مُسْتَهْلَكًا في غيرِه، مثلَ أن لا يَأْكُلَ لَبَنًا، فأكَلَ زُبْدًا، أو لا يَأْكُلَ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيهْ سَمْنٌ، لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، أو لا يَأْكُلَ بَيضًا، فأكَلَ ناطِفًا، أو لا يَأكُلَ شَحْمًا، فأكَلَ اللَّحْمَ الأحْمَرَ، أو لا يأْكُلَ شَعِيرًا، فأكَلَ حِنْطَةً فيها حبَّاتُ شَعِيرٍ، لم يَحْنَثْ. وإن ظَهَر طَعْمُ السَّمْنِ، أو طَعْمُ
بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ وَحْدَهُ. وَقَال غَيرُهُ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ حِنْطَةٍ فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ.
ــ
الأحْمَرِ وَحْدَه. وقال غيرُه: يَحْنَثُ بأَكْلِ حِنْطةٍ فيها حَبَّاتُ شعيرٍ) أمَّا إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَبَنًا، فأكَلَ زُبْدًا لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُ اللَّبَنِ، لم يَحْنَث؛ لأنَّه لم يَأْكُلْ لَبَنًا، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ كَشْكًا، وكذلك إن حَلَف لا يَأْكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ، لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، لا يَحْنَث؛ لذلك، فأمَّا إن ظَهَر طَعْمُ شيءٍ مِن المَحْلُوفِ عليه، حَنِثَ, كما لو أكَلَ كلَّ (١) واحدٍ مُنْفَرِدًا، وإن حَلَف لا يَأْكُلُ بَيضًا، فأكَلَ ناطِفًا، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى بَيضًا.
٤٧٧١ - مسألة: (وإن حَلَف لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، فأكَلَ اللَّحْمَ الأَحْمَرَ، فقال الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ) لأنَّ الشَّحْمَ [كلُّ ما] (٢) يَذُوبُ بالنَّارِ
стр. 13842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مما في الحَيَوانِ. والعُرْفُ (١) يَشْهَدُ لقَوْلِه. وهو ظاهِرُ قولِ أبي الخَطَّابِ. واللَّحْمُ لا يَكادُ يَخْلُو مِن شيءٍ منه، فيَحْنَثُ به وإن قَلَّ؛ لأنَّه يَظْهَرُ في الطَّبْخِ، فيَبِينُ على وَجْهِ المَرَقِ، وفارَقَ مَن حَلَف لا يَأْكُلُ سَمْنًا، فأكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه؛ لأنَّ هذا قد يَظْهَرُ الدُّهْنُ فيه. وقال غيرُ الخِرَقِيِّ مِن أصْحابِنا: لا يَحْنَثُ. قال شيخُنا (٢): وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا، ولا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه ولا لَوْنُه، والذي يَظْهَرُ في المَرَقِ قد فارَقَ اللَّحْمَ، فلا يَحْنَثُ بأكْلِ اللَّحْمِ الذي كان فيه. فإن حَلَف لا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فأكَلَ حِنْطَةً فيها حَبَّاتُ شَعِيرٍ،
стр. 13843
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَويقًا، فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ، فَقَال الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ. وقال أَحْمَدُ في مَن حَلَفَ لَا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فَثَرَدَ فِيهِ، وَأَكَلَهُ: لَا يَحْنَثُ. فَيُخَرَّجُ في كُلِّ مَا
ــ
فقال غيرُ الخِرَقِيِّ: يَحْنَثُ؛ لأنَّه أكلَ شَعِيرًا، فأَشْبَهَ ما لو أكلَه مُنْفَرِدًا، أو حَلَف لا يَأْكُلُ رُطَبًا، فأكَلَ مُنَصَّفًا. والأَوْلَى أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه مُسْتَهْلَكٌ في الحِنْطَةِ، أشْبَهَ السَّمْنَ في الخَبيصِ الذي لا يَظْهَرُ طَعْمُه، وإن نَوَى بيَمِينِه أن لا يَأْكُلَ الشَّعِيرَ مُنْفَرِدًا، أَو كان السَّبَبُ يَقْتَضِي ذلك، أو يَقْتَضِي أكْلَ شعيرٍ يَظْهَرُ أثَرُ أكْلِه، لم يَحْنَثْ بذلك.
فصل: قال، ﵁: (فإن حَلَف لا يَأْكُلُ سَويقًا، فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأكَلَه، فقال الخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ. وقال أحمدُ في مَن حَلَف
стр. 13844
حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ، فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ، وَجْهَانِ. وَقَال الْقَاضِي: إِنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيهِ، حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
ــ
لا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فثَرَد فيه، وأكَلَه: لا يَحْنَثُ. فيُخَرَّجُ في كلِّ ما حَلَف لا يَأْكُلُه، فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأَكَلَه، وَجْهان. وقال القاضي: إن عَيَّنَ المَحْلُوفَ عليه، حَنِثَ، وإلَّا فَلَا) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن حَلَف لا يَأْكُلُ شيئًا، فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأَكَلَه، فقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على رِوايَتَين؛ إحْداهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّ اليَمِينَ على تَرْكِ أكْلِ شيءٍ أو شُرْبِه يُقْصَدُ بها في العُرْفِ اجْتِنابُ ذلك الشيءِ، فَحُمِلَتِ اليَمِينُ عليه، ألَا تَرَى أنَّ (١) قَوْلَه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ﴾ (٢). و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى﴾ (٣). لم يُرِدْ به الأكْلَ على الخُصوصِ؟ ولو قال طَبِيبٌ لمريضٍ: لا تَأْكُلِ. العَسَلَ. لَكانَ ناهِيًا عن شرْبِه. والثانِيَةُ، لا يَحْنَثُ. وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الأفْعال أنْواعٌ كالأعيانِ (٤)، ولو حَلَف على نَوْعٍ مِن الأعْيانِ، لم يَحْنَثْ بغيرِه، كذلك
стр. 13845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأفْعالُ. وقال القاضي: إنَّما الرِّوايتان في مَن عَيَّنَ المَحْلُوفَ عليه، مثلَ مَن حَلَف: لا أكَلْتُ هذا السَّويقَ. فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأكَلَه، أمَّا إذا أطْلَقَ، فقال: لا أكَلْتُ سَويقًا. فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه، فأكَلَه، لم يَحْنَثْ، رِوايَةً واحِدَةً، لا يَخْتَلِفُ المذهبُ فيه. وهذا يُخالِفُ ما ذَكَرْنا ههُنا مِن الإِطْلاقِ، ومُخالِفٌ لِما أطْلَقَه الخِرَقِيُّ، وليس للتَّعْيِينِ أثَرٌ في الحِنْثِ وعَدَمِه، فإنَّ الحِنْثَ في المُعَيَّنِ إنَّما كان لتَناوُلِه ما حَلَف عليه، وإجْراءِ مَعْنَى الأكْلِ والشُّرْبِ على التَّناوُلِ العامِّ فيهما، وهذا لا فَرْقَ فيه بينَ التَّعْيِينِ وعَدَمِه، وعَدَمُ الحِنْثِ مُعَلَّلٌ بأنَّه لم يَفْعَلِ الفِعْلَ الذي حَلَف على تَرْكِه، وإنَّما فَعَل غيرَه، وهذا في المُعَيَّنِ كهُوَ في المُطْلَقِ؛ [لعَدَمِ الفارِقِ بينَهما، فإذا كان في المُعَيَّنِ رِوايتان، كانتا في المُطْلَقِ] (١)، لعَدَمِ الفارِقِ بينَهما، ولأنَّ الرِّوايَةَ في الحِنْثِ أُخِذَتْ (٢) مِن كلامِ الْخِرَقِيِّ، وليس فيه تَعْيِينٌ، ورِوايَةُ عَدَمِ الحِنْثِ أُخِذَتْ (٢) مِن رِوايَةِ مُهَنَّا عن
стр. 13846
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحمدَ، في مَن حَلَف لا يَشْرَبُ هذا النَّبِيذَ، فأكَلَه، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لا يُسَمَّى شُرْبًا، وهذا في المُعَيَّنِ، فإن عَدَّيتَ كلَّ رِوايَةٍ إلى مَحَلِّ الأُخْرَى، وَجَب أن يكونَ في الجميعِ رِوايَتان، وإن قَصَرْتَ كلَّ رِوايَةٍ على مَحَلِّها، كان الأمْرُ على خِلافِ ما قال القاضي، وهو أن يَحْنَثَ في المُطْلَقِ، ولا يَحْنَثَ في المُعَيَّنِ.
فصل: فإن حَلَف لَيَشْرَبَنَّ شيئًا، فأكَلَه، أو ليَأْكُلَنَّه، فشَرِبَه، خُرِّجَ فيه وَجْهان، بناءً على الرِّوايَتَين في الحِنْثِ إذا حَلَف على التَّرْكِ، ومتى تَقَيَّدَتْ يَمِينُه بنِيَّةٍ، أو سَبَب يَدُلُّ عليها، كانت يَمِينُه على ما نَوَاه، أو دَلَّ عليه السَّبَبُ؛ لأنَّ الأيمانَ على النِّيَّةِ.
فصل: فإن حَلَف لا يَشْرَبُ شيئًا، فمَصَّه ورَمَى به، فقد رُوِيَ عن
стр. 13847
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطعَمُهُ، حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَإِنْ ذَاقَهُ، وَلَمْ يَبْلَعْهُ،
ــ
أحمدَ في مَن حَلَف لا يَشْرَبُ، فمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ: لا يَحْنَثُ. وقال ابنُ أبي موسى: إذا حَلَف لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، [فمصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ، لا يَحْنَثُ. وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْي، فإنَّهم قالوا: إذا حَلَف] (١) [لا يَشْرَبُ] (٢)، فمَصَّ حَبَّ رُمَّانٍ، ورَمَى بالثُّفْلِ (٣)، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه ليس بأكْلٍ ولا شُرْبٍ. ويَجِئُ على قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد تَناوَلَه، فوَصَل إلى حَلْقِه وبَطْنِه، فيَحْنَث به، على ما قُلْنا في مَن حَلَف لا يَأْكُلُ شيئًا فشَرِبَه، أو لا يَشْرَبُه فأكَلَه. وإن حَلَف لا يَأْكُلُ سُكَّرًا، فتَرَكه في فيه حتى ذابَ وابْتَلَعه، خُرِّج على الرِّوايَتَين.
٤٧٧٢ - مسألة: (فإن حَلَف لا يَطْعَمُ شَيئًا، حَنِث بأكْلِه وشُرْبِه) وَمَصِّهِ؛ لأنَّ ذلك كُلَّه طُعْمٌ، قال اللهُ تعالى، في النَّهْرِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ (٤).
٤٧٧٣ - مسألة: (وإن ذاقَه ولم يَبْتَلِعْه، لم يَحْنَثْ) في قولِهم
стр. 13848
لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَائِعًا، فَأَكَلَة بِالْخبْزِ، حَنِثَ.
ــ
جميعًا؛ لأنَّه ليس بأكْلٍ ولا شُرْبٍ، ولذلك لا يُفْطِرُ به الصائِمُ. وإن حَلَف لا يَذُوقُه، فأكَلَه، أو شَرِبَه، أو مَصَّه، حَنِث؛ لأنَّه ذَوْقٌ وزِيادَةٌ، وكذلك إن مَضَغه (١) ورَمَى به؛ لأنَّه قد ذاقَه.
٤٧٧٤ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَأْكُلُ مائِعًا، فأكَلَه بالخُبْزِ، حَنِث) لأنَّ ذلك يُسَمَّى أكْلًا، ولهذا قال النبيُّ ﷺ : «كُلُوا الزَّيتَ وَادَّهِنُوا بِهِ» (٢).
فصل: وإن حَلَف لَيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً، بالفَتْحِ، لم يَبَرَّ (٣) حتى يَأْكُلَ ما يَعُدُّه الناسُ أَكْلَةً، وهي المَرَّةُ من الأكْلِ، والأُكْلَةُ، بالضَّمِّ، اللُّقْمَةُ، ومنه: «فَلْيُنَاولْهُ في يَدِهِ أُكْلَةً، أَوْ أُكْلَتَينِ» (٤).
стр. 13849
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ وَلَا يَلْبَسُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، حَنِثَ.
ــ
فصل: (وإن حَلَف لا يَتَزَوَّجُ، ولا يَتَطَهَّرُ، ولا يَتَطَيَّبُ، فاسْتدامَ ذلك، لم يَحْنَثْ) في قولِهم جميعًا؛ لأنَّه لا يُطْلَقُ اسمُ الفِعْلِ على مُسْتَديمِ هذه الثلاثةِ، فلا يُقالُ: تَزَوَّجْتُ شَهْرًا. ولا تَطَهَّرْتُ شَهْرًا. ولا تَطَيَّبْتُ شَهْرًا. وإنَّما يُقالُ: مُنْذُ (١) شَهْرٍ. ولم يُنَزِّلِ الشَّارِعُ اسْتِدامَةَ التَّزْويج والطِّيبِ مَنْزِلَةَ ابْتِدائِهِما (٢) في تَحْريمِه في الإِحْرامِ.
٤٧٧٥ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَرْكَبُ ولا يَلْبَسُ، فاسْتَدامَ ذلك، حَنِث) مَن حَلَف لا يَلْبَسُ. ثَوْبًا هو لابِسُه، فنَزَعه في الحالِ، وإلَّا
стр. 13850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَنِث، وكذلك إن حَلَف لا يَرْكَبُ دابَّةً هو راكِبُها، فنَزَلَ في أوَّلِ حالةِ الإِمْكانِ، وإلَّا حَنِث. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَحْنَثُ باسْتِدامَةِ اللُّبْسِ والرُّكُوبِ حتى يَبْتَدِئَه؛ لأَنَّه لو حَلَف أن لا يَتَزَوَّجَ ولا يَتَطَهَّرَ، فاسْتَدامَ ذلك، لم يَحْنَثْ، كذا ههُنا. ولَنا، أنَّ اسْتِدامَةَ اللُّبْسِ والرُّكوبِ تُسَمَّى لُبْسًا ورُكُوبًا، ويُسَمَّى لابِسًا وراكِبًا، ولذلك يقالُ: لبِسْتُ هذا الثَّوْبَ شَهْرًا، ورَكِبْتُ دابَّتِي يومًا. فحَنِث باسْتِدامَتِه, كما لو حَلَف لا يَسْكُنُ، فاسْتَدامَ السُّكْنَى، وقد اعْتَبَر الشَّرْعُ هذا في الإِحْرامِ، حيث حَرَّم لُبْسَ المَخِيطِ، وأوْجَب الكَفَّارَةَ في اسْتِدامَتِه, كما أوْجَبَها في ابْتِدائِه. وفارقَ التَّزْويجَ، فإنَّه لا يُطْلَقُ على الاسْتِدامَةِ، فلا يقالُ: تزَوَّجْتُ شَهْرًا. وإنَّما يقالُ: مُنْذُ شَهْرٍ. ولهذا لم تَحْرُمِ اسْتِدامَتُه في الإِحْرامِ، ويَحْرُمُ ابْتِداؤُه.
стр. 13851
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا، فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي. وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ.
ــ
٤٧٧٦ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ دَارًا هو داخِلُهَا، فأقَامَ فيها، حَنِث عندَ القاضي. ولم يَحْنَثْ عندَ أبي الخَطَّابِ) ووَجْهُ قولِ القاضي، أنَّ اسْتِدامَةَ المُقامِ في مِلْكِ الغيرِ كابْتِدائِه في التَّحْريمِ. قال أحمدُ في رجلٍ حَلَف على امرأتِه: لا دَخَلْتُ أنا وأنْتِ هذه الدارَ. وهما جميعًا فيها، قال: أخافُ أن يكونَ قد حَنِث. والثاني، لا يَحْنَثُ. اخْتارَه أبو الخطَّابِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الدُّخولَ لا يُسْتَعْمَلُ في الاسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: دَخَلْتُها مُنْذُ شَهْرٍ. ولا يقالُ: دَخَلْتُها شَهْرًا. فجَرَى مَجْرَى التَّزْويجِ، ولأنَّ الدُّخولَ الانْفِصالُ من خارِجٍ إلى داخِلٍ،
стр. 13852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يُوجَدُ في الإِقامَةِ. وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين. ويَحْتَمِلُ أنَّ مَن أحْنَثَه إنَّما كان لأنَّ ظاهِرَ حالِ الحالِفِ أنَّه يَقْصِدُ هِجْرانَ الدَّارِ ومُبايَنَتَها، والإِقامَةُ فيها تُخالِفُ ذلك، فجَرَى مَجْرَى الحالِفِ على تَرْكِ السُّكْنَى بها.
فصل: وإن حَلَف لا يُضاجِعُ امْرَأتَه على فِراشٍ، وهما مُتَضاجِعان، فاسْتَدامَ ذلك، حَنِث؛ لأنَّ المُضاجَعَةَ تَقَعُ على الاسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: اضْطَجَع على الفِراشِ لَيلَةً. وإن كان هو مُضْطَجِعًا على الفِراشِ وَحْدَه، فاضْطَجَعت عندَه عليه، نَظَرْتَ؛ فإن قامَ لوَقْتِه، لم يَحْنَثْ، وإنِ اسْتَدامَ، حَنِث؛ لِما ذَكَرْنا. وإن حَلَف لا يَصُومُ وهو صائِمٌ، فأتَمَّ يَوْمَه، فقال القاضي: لا يَحْنَثُ. [ويَحْتَمِلُ أنْ يَحْنَثَ] (١)؛ لأنَّ الصَّوْمَ (٢) يَقَعُ على الاسْتِدامَةِ، يقالُ: صامَ يَوْمًا. ولو شَرَع في صَوْمِ يومِ العِيدِ، [فظَنَّ أنَّه مِن رمضانَ (٣) فبان يومَ العيدِ] (٤) حَرُمَتْ عليه اسْتِدامَتُه. وإن حَلَف لا يُسافِرُ وهو مُسافِرٌ، فأخَذَ في العَوْدٍ أو أقامَ، لم يَحْنَثْ، وإن مَضَى في سَفَرِه، حَنِثَ؛ لأنَّ الاسْتِدامَةَ سَفرٌ، ولهذا يقالُ: سافَرْت شَهْرًا.
стр. 13853
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيتًا، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيهِ، فَأَقَامَ مَعَهُ، فَعَلى الْوَجْهَينِ. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا، أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ في الْحَالِ، حَنِثَ، إِلَّا أنْ يُقِيمَ لِنَقْل مَتَاعِهِ، أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ فَيُقِيمَ إِلَى أنْ يُمْكِنَهُ.
ــ
٤٧٧٧ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَدْخُلُ على فُلانٍ بَيتًا، فدَخَل فُلَانٌ عليه، فأقَامَ معه، فعلى الوَجْهَين) .
٤٧٧٨ - مسألة: (وإن حَلَف لا يَسْكُنُ دَارًا، ولا يُسَاكِنُ فُلَانًا وهما مُتَسَاكِنَان، ولم يَخْرُجْ في الحالِ، حَنِث، إلَّا أن يُقِيمَ لنَقْلِ مَتاعِه، أو يَخْشَى على نَفْسِه الخُرُوجَ فيُقِيمَ إلى أن يُمْكِنَه) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا حَلَف لا يَسْكُنُ دارًا هو ساكِنُها، خرَج مِن وَقْتِه، فإن أقامَ فيها بعدَ يَمِينِهِ زَمَنًا يُمْكِنُه الخُروجُ، حَنِث؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ السُّكْنَى سُكْنَى، كابْتِدائِها،
стр. 13854
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في وُقوعِ السُّكْنَى عليها، ألا تَرَاه يقولُ: سَكَنْتُ (١) هذه الدَّارَ شَهْرًا. كما يقولُ: لبِسْتُ هذا الثَّوْبَ شَهْرًا؟ (٢). وبهذا قال الشافعيُّ. فإنْ أقامَ لنَقْلِ رَحْلِه وقُماشِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الانْتِقال لا يكونُ إلَّا بالأهْلِ والمالِ، فيَحْتاجُ إلى أن يَنْقُلَ ذلك معه، حتى يكونَ مُنْتَقِلًا. وحُكِي عن مالِكٍ، أنَّه إن أقامَ دونَ اليومِ واللَّيلَةِ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك قليلٌ يَحْتاجُ إليه في الانْتِقالِ، فلم يَحْنَثْ به. وعن زُفَرَ، أنَّه قال (٢): يَحْنَثُ وإنِ انْتَقَل في الحالِ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يكونَ ساكِنًا عَقِيبَ يَمِينِه ولو لَحْظَةً، فحَنِثَ بها. وليس بصَحِيحٍ؛ [فإنَّ ما] (٣) لا يُمْكِنُ الاحْتِرازُ منه (٤) لا يُرادُ باليَمِينِ، ولا تَقَعُ عليه، أمَّا إذا أقامَ زَمَنًا يُمْكِنه الانتِقالُ فيه، فإنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه فَعَل ما يَقَعُ عليه اسمُ السُّكْنَى، فحَنِثَ به، كمَوْضِعِ الاتِّفاقِ، ألَا تَرَى أنَّه لو حَلَف لا يَدْخُلُ الدَّارَ، فدَخَل إلى أوَّلِ جُزْءٍ منها، يَحْنَثُ، وإن كان قَليلًا؟
٤٧٧٩ - مسألة: فإن أقامَ لنَقْلِ متاعِه وأهْلِه، لم يَحْنَثْ . وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: يَحْنَثُ. ولَنا، أنَّ الانْتِقال إنَّما يكونُ بالأهْلِ والمالِ، على ما سَنَذْكُرُه، فلا يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ مِن هذه الإِقامَةِ، فلا تَقَعُ اليَمِينُ عليها. وعلى هذا، لو خَرَج بنَفْسِه، وتَرَك أهْلَه وماله في
стр. 13855
وإنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ وَأهْلِهِ، حَنِثَ، إلا أنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ أوْ يُعِيرَهُ،
ــ
المَسْكَنِ مع إمْكانِ نَقْلِهم عنه، حَنِثَ. وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إذا خَرَج بنِيَّةِ الانْتِقالِ؛ لأنَّه إذا خَرَج بنِيَّةِ الانْتِقالِ، فليس بساكِنٍ؛ لأنَّه يجوزُ أن يُرِيدَ السُّكْنَى وَحْدَه دونَ أهْلِه ومالِه. ولَنا، أنَّ السُّكْنَى تكونُ بالأهْلِ والمالِ، ولهذا يقالُ: فلان ساكِن في البَلَدِ الفُلانِيِّ. وهو غائِبٌ عنه بنَفْسِه، وإذا نَزَل بَلَدًا بأهْلِه ومالِه، يقالُ: سَكَنَه. وقوْلُهم: إنَّه نَوَى السُّكْنَى بنَفْسِه. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ مَن خَرَج إلى مكانٍ ليَنْقُلَ أهْلَه إليه، لم (١) يَنْو السُّكْنَى به بنَفْسِه، [فأشْبَهَ مَن خَرَج لشِراءِ مَتاعٍ، وإن خَرَج عازِمًا على السُّكْنَى بنفسِه] (٢) مُنْفَرِدًا عن أهْلِه الذي في الدَّارِ، لم يَحْنَث فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى. ذَكَرَه القاضي. وحُكِي (٣) عن مالكٍ، أنَّه اعْتَبَر نَقْلَ عِيالِه دونَ مالِه. والأوْلَى، إن شاءَ الله، أنَّه إذا انْتَقَلَ بأهْلِه، فسَكَنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، أنَّه لا يَحْنَثُ، وإن بَقِيَ مَتاعُه في الأُولَى؛ لأنَّ مَسْكَنَه حيثُ حَلَّ أهْلُه به، ونَوَى الإقامَةَ به، ولهذا لو حَلَف لا يَسْكُنُ دارًا لم يَكُنْ ساكِنًا بها، فنَزَلَها بأهْلِه ناويًا للسُّكْنَى بها، حَنِثَ. وقال القاضي: إن نَقَل إليها ما يَتَأَثَّثُ به، ويَسْتَعْمِله في مَنْزِلِه، فهو ساكِنٌ وإن سَكَنَها بنَفسِه.
٤٧٨٠ - مسألة: (وإن خَرَج دُونَ أهْلِه ومَتاعِه، حَنِث) لِما
стр. 13856
وَتَأْبَى امْرَأَتُه الْخُرُوجَ مَعَهُ، وَلَا يُمْكِنَهُ إِكْرَاهُهَا، فَيَخْرُجَ وَحْدَهُ، فَلَا يَحْنَث.
ــ
ذَكَرْنا في المسألةِ التي قبلَها (إلَّا أن يُودِعَ مَتاعَه أو يُعِيرَه، أو تَأْبَى امْرَأتُه الخُروجَ معه، ولا يُمْكِنَه إكْرَاهُها، فيَخْرُجَ وَحْدَه، فلا يَحْنَثُ).
فصل: وإن أُكْرِه على المُقامِ، لم يَحْنَثْ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (١). وكذلك إن كان في جَوْفِ اللَّيلِ في وَقْتٍ لا يَجِدُ مَنْزِلًا يَتَحَوَّلُ إليه، أو تحولُ بينَه وبينَ المنْزِلِ أبوابٌ مُغْلَقَةٌ لا يُمْكِنُه فَتْحُها، أو خَوْفٌ على نَفْسِه أو أهْلِه أو مالِه،
стр. 13857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأقامَ في طَلَبِ النُّقْلَةِ، أو انْتِظارًا لزَوالِ المانِعِ منها، أو خَرَج طالِبًا للنُّقْلَةِ فتَعَذَّرَت (١) عليه؛ إمَّا لكَوْنِه لم يَجِدْ مَسْكَنًا يَتَحَوَّلُ إليه، لتَعَذُّرِ الكِراءِ أو غيرِه، أو لم يَجِدْ بَهائِمَ يَنْتَقِلُ عليها، ولا يُمْكِنُه النُّقْلَةُ بدُونِها، فأقامَ ناويًا للنُّقْلَةِ متى قَدَر عليها، لم يَحْنَثْ وإن أقامَ أيَّامًا ولَيالِيَ؛ لأنَّ إقامَتَه من غيرِ اخْتِيارٍ منه، لعَدَمِ تَمَكنِه من النُّقْلَةِ، فإنَّه إذا لم يَجِدْ مَسْكَنًا لا يُمْكِنُه تَرْكُ أهْلِه، و (٢) إلْقاءُ مَتاعِه في الطَّريقِ، فلم يَحْنَث به، كالمُقِيمِ للإِكْراهِ. فإن أقامَ في هذا الوَقْتِ، غيرَ ناوٍ للنُّقْلةِ، حَنِث، ويكونُ نَقْلُه لِما يَحْتاجُ إلى نَقْلِه على ما جَرَت به (٣) العادَةُ، فلو كان ذا مَتاعٍ كثير، فنَقَلَه قليلًا قليلًا على العادَةِ، بحيثُ لا يَتْرُكُ النَّقْلَ المُعْتادَ، لم يَحْنَثْ وإن أقامَ أيَّامًا، ولا يَلْزَمُه جَمْعُ دَوابِّ البلَدِ لنَقْلِه، ولا النَّقْلُ باللَّيلِ، ولا وقتَ الاسْتراحَةِ عندَ التَّعَبِ، ولا أوْقاتَ الصلواتِ؛ لأن العادَةَ لم تَجْرِ بالنَّقْلِ فيها.
فصل: ولو وَهَب رَحْلَه أو أوْدَعَه أو أعارَه وخَرَج وَحْدَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ يَدَه زالت عن المَتاعِ. وكذلك إن أُبتِ امْرَأتُه الخُروجَ معه، ولم يُمْكِنْه إكْراهُها، أو كان له عائِلَة فامْتَنَعُوا من الخُروجِ والانتِقالِ، ولم
стр. 13858
وَإنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، فَبَنَيَا بَينَهُمَا حَائِطًا وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ، حَنِثَ، وَإنْ كَانَ في الدَّارِ حُجْرَتَانِ، كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا، فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجْرَةً، لَمْ يَحْنَث.
ــ
يُمْكِنْه إخْراجُهم فتَرَكَهُم، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ هذا ممَّا لم يُمْكِنْه، فأشْبَهَ ما لم يُمْكِنْه نَقْلُه من رَحْلِه. وإن تَرَدَّد إلى الدَّارِ لنَقْلِ المَتاعِ، أو عائِدًا، أو زائِرًا لصَدِيقٍ، لم يَحْنَثْ. وقال القاضي: إن دَخَلَها ومِن رَأْيِه الجُلوسُ عندَه، حَنِث، وإلَّا فلا. ولَنا، أنَّ هذا ليس بسُكْنَى، ولذلك لو حَلَف ليَسْكُنَنَّ دارًا، لم يَبَرَّ بالجُلُوسِ فيها على هذا الوَجْهِ، ولا يُسَمَّى ساكِنًا به (١) بهذا القَدْرِ، فلم يَحْنَثْ، كما لو لم يَنْو الجُلوسَ.
فصل: وإن حَلَف لا يُساكِنُ فُلانًا وهو مُساكِنُه، فالحُكْمُ في الاسْتِدامَةِ على ما ذَكَرْنا في الحَلِفِ على السُّكْنَى، وإنِ انْتَقَل أحَدُهما وبَقِيَ الآخَرُ، لم يَحْنَثْ؛ لزَوالِ المُساكَنَةِ.
٤٧٨١ - مسألة: (وإن حَلَف لا يُساكِنُ فُلَانًا، فبَنَيا بينَهما حائِطًا وهما مُتَساكِنَان، حنث، وإن كان في الدَّارِ حُجْرَتان، كلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ ببَابِها ومَرافِقِها، فسَكَنَ كلُّ واحِدٍ حُجْرَةً، لم يَحْنَثْ) إذا كانا في دارٍ
стр. 13859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحدةٍ حالةَ اليَمِينِ، فخَرَج أحَدُهما منها، وقَسَماها حُجْرَتَين، وفَتَحا لكلِّ واحدةٍ منهما بابًا، وبينَهما حاجِزٌ، ثم سَكَن كل واحدٍ منهما في حُجْرَةٍ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّهما غيرُ مُتَساكِنَين، وإن بَنَيَا الحاجِزَ بينَهما وهما مُتَساكِنان، حَنِث؛ لأنَّهما تَساكَنا قبلَ انْفِرادِ إحْدَى الدَّارَين مِن الأخْرَى. وهذا قولُ الشَّافعيِّ (١). ولا نَعلمُ فيه خِلافًا.
فصل: وإن سَكَنا في دارٍ واحدَةٍ، كل واحدٍ في بَيتٍ ذِي بابٍ وغَلْقٍ، رُجِع إلى نِيَّتِه بيَمِينِه أو إلى سَبَبِها، وما دَلَّتْ عليه قَرائِنُ أحْوالِه في المَحْلُوفِ
стр. 13860
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على المُساكَنَةِ فيه، فإن عُدِمَ ذلك، حَنِثَ. وهذا قولُ مالكٍ. وقال الشافعيُّ: إن كانتِ الدَّارُ صَغيرَةً، فهما مُتَساكِنان؛ [لأنَّ الصغيرةَ مَسْكَنٌ واحِدٌ، وإن كانت كبيرةً، إلَّا أنَّ أحدَهما في البيتِ و (١) الآخَرَ في الصُّفَّةِ، أو كانا في صُفَّتَين، أو بَيتَين ليس على أحدِهما غَلْقٌ دونَ صاحبِه، فهما مُتساكِنان] (٢). وإن كانا في بَيتَين، كلُّ واحدٍ منهما له غَلْق، أو كانا في خَانٍ، فليسا مُتَساكِنَين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَنْفَرِدُ بمَسْكَنِه دونَ الآخَرِ، فأشْبَها المُتَجاورَين.
فصل: وإن حَلَف: لا ساكَنْتُ فُلانًا في هذه الدَّارِ. فقَسماها حُجْرَتَينِ، وبَنَيا بَينَهما حائِطًا، ومثَح كلُّ واحدٍ منهما بابًا لنفسِه، وسَكَنا فيهما (٣)، لم يَحْنَثْ؛ لِما (٤) ذَكَرْنا في التي قبلَها. وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي. وقال مالكٌ: لا يُعْجِبُنِي ذلك. ويَحْتَمِلُه قياسُ المذهبِ؛ لكَوْنِه عيَّنَ (٥) الدَّارَ، فلا تَنْحَلُّ يَمِينُه بتَغْيِيرِها (٦)، كما لو حَلَف لا يَدْخُلُها، فصارَتْ فَضاءً.
стр. 13861
وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أهْلِهِ، بَرَّ، وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أهْلِهِ، لَمْ يَبَرَّ.
ــ
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه لم يُساكِنْه فيها، لكَوْنِ المُساكَنَةِ في الدَّارِ لا تَحْصُلُ مع كَوْنِها (١) دارَين، وفارَقَ الدُّخولَ، فإنَّه دَخَلَها مُتَغَيِّرَةً.
٤٧٨٢ - مسألة: (وإن حَلَف لَيَخْرُجَنَّ من هذه البَلْدَةِ، فخَرَجَ دُونَ أهْلِه) لم يَحْنَثْ (وإن حَلَف لَيَخْرُجَنَّ مِن) هذه (الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أهْلِه، لم يَبَرَّ) إذا حَلَف ليَخْرُجَنَّ مِن هذه الدَّارِ، اقْتَضَتْ يَمِينُه الخُروجَ بنَفْسِه وأهْلِه، كما لو حَلَف لا يَسْكُنُها. وإن حَلَف ليَخْرُجَنَّ مِن هذه البَلْدَةِ، تَناوَلَتْ يَمِينُه الخُروجَ بنَفْسِه؛ لأنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ منها صاحِبُها في اليومِ مَرَّات عادَة (٢)، فظاهِرُ حالِه أنَّه لم يُرِدِ الخُروجَ المُعْتادَ، وإنَّما أرادَ الخُروجَ الذي هو النُّقْلَةُ، والخُروجُ من البَلَدِ بخلافِ ذلك.
стр. 13862
وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أو لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هذِهِ الدَّارِ، فَفَعَلَ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
٤٧٨٣ - مسألة: (وإن حَلَف لَيَخْرجَنَّ مِن هذه البَلْدَةِ، أو لَيَرْحَلَنَّ عن هذه الدَّارِ، ففَعَل، فهل له العَوْدُ إليها؟ على رِوَايَتَين) إحْدَاهما، لا شيءَ عليه في العَوْدِ، ولا يَحْنَث به؛ لأنَّ يَمِينَه على الخُروجِ، وقد خَرَج، فانْحَلَّتْ يَمِينه بفِعْلِ ما حَلَف عليه، فلم يَحْنَثْ فيها (١) بعدُ. والثانِيَة، يَحْنَث بالعَوْدِ؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِه قَصْدُ هِجْرانِ ما حَلَف على الرَّحيلِ منه، ولا يَحْصُلُ ذلك بالعَوْدِ. ويُمْكِن حَمْلُ هذه الرّوايَةِ على أنَّ للمَحْلُوفِ (٢) عليه سَبَبًا (٣) هَيَّجَ يَمِينَه، أو دَلَّتْ قَرِينَة حالِه على إرادَةِ هِجْرانِه، أو نَوَى ذلك بيَمِينِه، فاقْتَضَتْ يَمِينه دَوامَ اجْتِنابِها. فإن لم يَكنْ كذلك، لم يَحْنَثْ بالعَوْدِ؛ لأنَّ اليَمِينَ تحْمَل (٤) عندَ عَدَمِ ذلك على مُقْتَضَى اللَّفْظِ،
стр. 13863
فَصْلٌ: وإنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا، وَيُمْكِنُهُ الامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ، أوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَال الْقَاضِي: يَحْنَثُ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ.
ــ
ومُقْتَضاه ههُنا الخُروجُ، وقد فَعَلَه، فانْحَلَّتْ يَمِينُه به. وكذلك الحُكْمُ (١) إذا حَلَف على الرَّحيلِ من بَلَدٍ، لم يَبَرَّ إلَّا بالرَّحيلِ بأهْلِه.
فصل: قال، ﵀: (إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، ويُمْكِنُه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، أو حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فخَدَمَه وهو ساكِت، فقال القاضي: يَحْنَثُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ) إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، فلم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، لم يَحْنَثْ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالبٍ. وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ،
стр. 13864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَوْجودٍ منه، ولا مَنْسُوبٍ إليه. فإن حُمِلَ بأمْرِه، فأُدْخِلَها، حَنِثَ؛ لأنَّه دَخَل مُخْتارًا، فأشْبَهَ ما لو دَخَل راكِبًا. فإن حُمِلَ بغيرِ أمْرِه، لكنَّه أمْكَنَه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، حَنِثَ أيضًا. اخْتارَه القاضي؛ لأنه دَخَلَها غيرَ مُكْرَهٍ، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ بأمْرِه. وقال أبو الخَطَّابِ: في الحِنْثِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ [لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخُولَ، ولم يَأمُرْ به، فأشْبَهَ ما لو لم يُمْكِنْه الامْتِناعُ. ومتى دَخَل باخْتِيارِه، حَنِثَ] (١)، سَواءٌ كان ماشِيًا، أو راكِبًا، أو مَحْمُولًا، أو ألْقَى نَفْسَه (٢) في ماءٍ فَجَرَّه إليها، أو سَبَح فيها فَدَخَلَها، وسَواءٌ دَخَل مِن بابِها، أو تَسَوَّرَ حائِطَها، أو دَخَل مِن طاقَةٍ فيها، أو نَقَب حائِطَها، و (٣) دَخَل مِن ظَهْرِها، أو غير ذلك.
стр. 13865
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن أُكْرِهَ بالضَّرْبِ ونَحْوه، فدَخَلَها، لم يَحْنَثْ، في أحَدِ الوَجْهَين. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. والثاني، يَحْنَثُ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي. ونحوُه عن النَّخَعِيِّ؛ لأنه دَخَلَها وفَعَل ما حَلَف على تَرْكِه. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأَ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (١). ولأنَّه دَخَلَها مُكْرَهًا، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ فأُدْخِلَها مُكْرَهًا. وكذلك إن حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فخَدَمَه وهو ساكِتٌ، فيه مِن الخلافِ ما ذكَرْناه في دُخولِ الدَّارِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: وإن حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا، فخَدَمَه وهو ساكِت، لم يَأْمُرْه ولم يَنْهَه، فقال القاضي: إن كان عبدَه، حَنِثَ، وإن كان عبدَ غيرِه، لم يَحْنَثْ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ عبدَه يَخْدِمُه عِبادَةً (٢) بحُكْمِ اسْتِحْقَاقِه ذلك عليه، فيكونُ معْنى يَمِينِه: لَا مَنَعْتُك خِدْمَتِي. فإذا لم