← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 13861–13900 · переход к 13866.

стр. 13861

وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أهْلِهِ، بَرَّ، وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أهْلِهِ، لَمْ يَبَرَّ. ــ والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه لم يُساكِنْه فيها، لكَوْنِ المُساكَنَةِ في الدَّارِ لا تَحْصُلُ مع كَوْنِها (١) دارَين، وفارَقَ الدُّخولَ، فإنَّه دَخَلَها مُتَغَيِّرَةً. ٤٧٨٢ - مسألة: (وإن حَلَف لَيَخْرُجَنَّ من هذه البَلْدَةِ، فخَرَجَ دُونَ أهْلِه) لم يَحْنَثْ (وإن حَلَف لَيَخْرُجَنَّ مِن) هذه (الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أهْلِه، لم يَبَرَّ) إذا حَلَف ليَخْرُجَنَّ مِن هذه الدَّارِ، اقْتَضَتْ يَمِينُه الخُروجَ بنَفْسِه وأهْلِه، كما لو حَلَف لا يَسْكُنُها. وإن حَلَف ليَخْرُجَنَّ مِن هذه البَلْدَةِ، تَناوَلَتْ يَمِينُه الخُروجَ بنَفْسِه؛ لأنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ منها صاحِبُها في اليومِ مَرَّات عادَة (٢)، فظاهِرُ حالِه أنَّه لم يُرِدِ الخُروجَ المُعْتادَ، وإنَّما أرادَ الخُروجَ الذي هو النُّقْلَةُ، والخُروجُ من البَلَدِ بخلافِ ذلك.

стр. 13862

وَإنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أو لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هذِهِ الدَّارِ، فَفَعَلَ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ ٤٧٨٣ - مسألة: (وإن حَلَف لَيَخْرجَنَّ مِن هذه البَلْدَةِ، أو لَيَرْحَلَنَّ عن هذه الدَّارِ، ففَعَل، فهل له العَوْدُ إليها؟ على رِوَايَتَين) إحْدَاهما، لا شيءَ عليه في العَوْدِ، ولا يَحْنَث به؛ لأنَّ يَمِينَه على الخُروجِ، وقد خَرَج، فانْحَلَّتْ يَمِينه بفِعْلِ ما حَلَف عليه، فلم يَحْنَثْ فيها (١) بعدُ. والثانِيَة، يَحْنَث بالعَوْدِ؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِه قَصْدُ هِجْرانِ ما حَلَف على الرَّحيلِ منه، ولا يَحْصُلُ ذلك بالعَوْدِ. ويُمْكِن حَمْلُ هذه الرّوايَةِ على أنَّ للمَحْلُوفِ (٢) عليه سَبَبًا (٣) هَيَّجَ يَمِينَه، أو دَلَّتْ قَرِينَة حالِه على إرادَةِ هِجْرانِه، أو نَوَى ذلك بيَمِينِه، فاقْتَضَتْ يَمِينه دَوامَ اجْتِنابِها. فإن لم يَكنْ كذلك، لم يَحْنَثْ بالعَوْدِ؛ لأنَّ اليَمِينَ تحْمَل (٤) عندَ عَدَمِ ذلك على مُقْتَضَى اللَّفْظِ،

стр. 13863

فَصْلٌ: وإنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا، وَيُمْكِنُهُ الامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ، أوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَال الْقَاضِي: يَحْنَثُ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ. ــ ومُقْتَضاه ههُنا الخُروجُ، وقد فَعَلَه، فانْحَلَّتْ يَمِينُه به. وكذلك الحُكْمُ (١) إذا حَلَف على الرَّحيلِ من بَلَدٍ، لم يَبَرَّ إلَّا بالرَّحيلِ بأهْلِه. فصل: قال، ﵀: (إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، ويُمْكِنُه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، أو حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فخَدَمَه وهو ساكِت، فقال القاضي: يَحْنَثُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ) إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها، فلم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، لم يَحْنَثْ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالبٍ. وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ،

стр. 13864

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأصحابُ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَوْجودٍ منه، ولا مَنْسُوبٍ إليه. فإن حُمِلَ بأمْرِه، فأُدْخِلَها، حَنِثَ؛ لأنَّه دَخَل مُخْتارًا، فأشْبَهَ ما لو دَخَل راكِبًا. فإن حُمِلَ بغيرِ أمْرِه، لكنَّه أمْكَنَه الامْتِناعُ فلم يَمْتَنِعْ، حَنِثَ أيضًا. اخْتارَه القاضي؛ لأنه دَخَلَها غيرَ مُكْرَهٍ، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ بأمْرِه. وقال أبو الخَطَّابِ: في الحِنْثِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحْنَثُ؛ [لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخُولَ، ولم يَأمُرْ به، فأشْبَهَ ما لو لم يُمْكِنْه الامْتِناعُ. ومتى دَخَل باخْتِيارِه، حَنِثَ] (١)، سَواءٌ كان ماشِيًا، أو راكِبًا، أو مَحْمُولًا، أو ألْقَى نَفْسَه (٢) في ماءٍ فَجَرَّه إليها، أو سَبَح فيها فَدَخَلَها، وسَواءٌ دَخَل مِن بابِها، أو تَسَوَّرَ حائِطَها، أو دَخَل مِن طاقَةٍ فيها، أو نَقَب حائِطَها، و (٣) دَخَل مِن ظَهْرِها، أو غير ذلك.

стр. 13865

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أُكْرِهَ بالضَّرْبِ ونَحْوه، فدَخَلَها، لم يَحْنَثْ، في أحَدِ الوَجْهَين. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. والثاني، يَحْنَثُ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي. ونحوُه عن النَّخَعِيِّ؛ لأنه دَخَلَها وفَعَل ما حَلَف على تَرْكِه. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأَ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (١). ولأنَّه دَخَلَها مُكْرَهًا، فأشْبَهَ ما لو حُمِلَ فأُدْخِلَها مُكْرَهًا. وكذلك إن حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فخَدَمَه وهو ساكِتٌ، فيه مِن الخلافِ ما ذكَرْناه في دُخولِ الدَّارِ؛ لأنَّه في مَعْناه. فصل: وإن حَلَف لا يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا، فخَدَمَه وهو ساكِت، لم يَأْمُرْه ولم يَنْهَه، فقال القاضي: إن كان عبدَه، حَنِثَ، وإن كان عبدَ غيرِه، لم يَحْنَثْ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ عبدَه يَخْدِمُه عِبادَةً (٢) بحُكْمِ اسْتِحْقَاقِه ذلك عليه، فيكونُ معْنى يَمِينِه: لَا مَنَعْتُك خِدْمَتِي. فإذا لم

стр. 13866

وَإنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أو لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يَحْنَثَ. وإنْ مَاتَ الْحَالِفُ، لَمْ يَحْنَثْ. ــ يَنْهَه، لم يَمْنَعْه، فحَنِثَ (١)، وعبدُ غيرِه بخِلافِه. وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْنَثُ في الحالين؛ لأنَّ إقْرارَه على الخِدْمَةِ اسْتِخْدامٌ، ولهذا يقالُ: فلانٌ يَسْتَخْدِمُ عبدَه. إذا خَدَمَه وإن لم يَأْمُرْه، ولأنَّه ما حَنِثَ به في عبدِه، حَنِث به في عبدِ غيرِه، [كسائِرِ الأشْياءِ. وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ في الحالين؛ لأنَّه حَلَف على فِعْلِ نَفْسِه، فلا يَحْنَث بفِعْلِ غيرِه] (٢)، كسائِرِ الأفْعالِ. ٤٧٨٤ - مسألة: (وإن حَلَف لَيَشْرَبَنَّ) هذا (الماءَ، أو لَيَضْرِبَنَّ غُلامَه غَدًا، فتَلِفَ المَحْلُوفُ عليه قبلَ الغَدِ، حَنِثَ عندَ الخِرَقِيِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ. وإن مَاتَ الحَالِفُ، لم يَحْنَثْ) أمَّا إذا ماتَ الحالِفُ من يَوْمِه، فلا حِنْثَ عليه؛ لأنَّ الحنثَ إنَّما يحصُلُ بفواتِ المحلوف عليه في وقته، وهو الغَدُ، والحالِفُ قد خَرَج عن أهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ قبلَ الغَدِ،

стр. 13867

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلا يُمْكِنُ حِنْثُه. وكذلك إن جُنَّ الحالِفُ من يَوْمِه، فلم يُفِقْ إلَّا بعدَ خُروجِ الغَدِ؛ لأنَّه خَرَج عن كَوْنِه مِن أهلِ التَّكْلِيفِ. وإن هَرَب العبدُ، أو مَرِضَ هو أو الحالِفُ، أو نحو ذلك، فلم يَقْدِرْ على ضَرْبِ العَبْدِ، حَنِثَ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه، مع كَوْنِه مِن أهلِ التَّكْلِيفِ. وإن لم يَمُتِ الحالِفُ، ففيه مسائِلُ سبعٌ (١)؛ أحدُها، أن يَضْرِبَ العَبْد في غَدٍ، أيَّ وَقْتٍ كان منه، فإنَّه يَبَرُّ في يَمِينِه، بلا خِلافٍ. الثانِيَةُ، أمْكَنَه ضَرْبُه في غَدٍ، فلم يَضْرِبْه حتى مَضَى الغَدُ، وهما في الحَياةِ (٢)، فيَحْنَثُ بلا خِلافٍ أيضًا. الثالِثَةُ، ماتَ العبدُ من يَوْمِه، فإنَّه يَحْنَثُ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. ويَتَخَرجُ أن لا يَحْنَثَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ. والقولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه فقدَ (٣) ضَرْبَه بغيرِ اختِيارِه، فلم يَحْنَث، كالمُكرَهِ

стр. 13868

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والنَّاسِي. ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه في وَقْتِه، مِن غيرِ إكْرَاهٍ ولا نِسْيانٍ، وهو مِن أهْلِ الحِنْثِ، فحَنِثَ، كما لو أتْلَفَه (١) باخْتِيارِه، وكما لو حَلَف ليَحُجَّنَّ العامَ، فلم يَقْدِرْ على الحَجِّ؛ لمرَض، أو عَدَمِ النَّفَقَةِ، وفارَقَ الإكراهَ والنِّسيانَ، فإنَّ الامْتِناعَ لمَعْنًى في الحَالِفِ (٢)، وههُنا الامْتِناغُ لمَعْنًى في المَحَلِّ، فأشْبَهَ ما لو تَرَك ضَرْبَه لصُعُوبَتِه، أو تَرَك الحالِفُ الحَجَّ لصُعُوبَةِ الطَّريقِ وبُعْدِها عليه. فأمَّا إن كان تَلَفُ المَحْلُوفِ عليه بفِعْلِه واخْتِيارِه، حَنِثَ، وَجْهًا. واحِدًا؛ لأنَّه فَوَّتَ الفِعْلَ على نَفْسِه.

стр. 13869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال القاضي: ويَحْنَثُ الحالِفُ ساعةَ مَوْتِه؛ لأنَّ يَمِينَه انْعَقَدَتْ مِن حِينِ حَلِفِه، وقد تَعَذَّرَ عليه الفِعْلُ، فحَنِثَ في الحالِ، كما لو لم يُؤَقِّتْ. ويَتَخَرَّجُ أن لا يَحْنَثَ قبلَ الغَدِ؛ لأنَّ الحِنْثَ مُخالفَةُ ما عَقَدَ يَمِينَه عليه، فلا تحْصُلُ المُخالفَةُ إلَّا بتَرْكِ الفِعْلِ في وَقْتِه. الرابِعَةُ، ماتَ العبدُ في غَدٍ قبلَ التَّمَكُّنِ من ضَرْبِه، فهو كما لو ماتَ في يَوْمِه. الخامِسَةُ، ماتَ العبدُ في غَدٍ بعدَ التَّمَكُّنِ من ضَرْبِه، قبلَ ضَرْبِه، فإَّنه يَحْنَثُ، وَجْهًا واحدًا. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ. وقال بعضُهم: فيه قَوْلان. ولَنا، أنَّه تَمَكَّنَ من ضَرْبِه في وَقْتِه، فلم يَضْرِبْه، فحَنِثَ، كما لو مَضَى الغَدُ قبلَ ضَرْبِه. السادِسَةُ، ماتَ الحالِفُ في غَدٍ، بعدَ التَّمَكنِ من ضَرْبِه، فلم يَضْرِبْه، حَنِثَ، وَجْهًا واحدًا، لِما ذَكَرْنا. السابِعَةُ، ضَرَبَه في يَوْمِه، فإنَّه لا يَبَرُّ. وهذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ. وقال القاضي، وأصحابُ أبي حنيفةَ: يَبَرُّ،

стр. 13870

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّ يَمِينَه للحَثِّ (١) على ضَرْبِه، فإذا ضَرَبَه اليومَ، فقد فَعَل المحلوفَ عليه وزِيادَةً، فأشْبَهَ ما لو حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه (٢) غَدًا، فقَضاه اليومَ. ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلِ المَحْلُوفَ عليه في وَقْتِه، فلم يَبَرَّ، كما لو حَلَف ليَصُومَنَّ يومَ الجُمُعَةِ، فصامَ يومَ الخميسِ، وفارَقَ قَضاءَ الدَّينِ، فإنَّ المقْصودَ تَعْجِيلُه لا غيرُ، وفي قَضاءِ اليومِ (٣) زِيادَة في التَّعْجيلِ، فلا يَحْنَثُ فيها؛ لأَنه عُلِمَ من قَصْدِه إرادَةُ أن لا يَتَجاوَزَ غَدًا بالقَضاءِ، فصارَ كالمَلْفوظِ به، إذْ (٤) كان مَبْنَى الأيمانِ على النِّيَّةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ ما ليس مثلُه عليه، وسائرُ المَحْلُوفاتِ لا يُعْلَمُ منها إرادَةُ التَّعْجيلِ عن الوَقْتِ الذي وَقَّتَه لها، فامْتَنَعَ الإلْحاقُ، وتَعَيَّنَ التَّمَسُّكُ باللَّفْظِ. الثامنَةُ، ضَرَبَه بعدَ مَوْتِه، فلا يَبَرُّ؛ لأن اليَمِينَ تَنْصَرِفُ إلى ضَرْبِه حَيًّا، يَتَألَّمُ بالضَّرْبِ، وقد زال هذا بالموتِ. التاسِعَةُ، ضَرَبَه ضَرْبًا لا يُولِمُه، لا يَبَرُّ؛ لِما ذَكَرْناه. العاشِرَةُ، خَنَقَه، [أو نَتَف] (٥) شَعَرَه، أو عَصَر ساقَه، بحيثُ يُؤْلِمُه، فإنَّه يَبرُّ؛ لأَنَّه

стр. 13871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُسَمَّى ضَرْبًا، لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُنا له. الحادِيَةَ عَشَرَةَ، جُنَّ العبدُ، فضَرَبَه، فإنَّه يَبَرُّ؛ لأَنَّه حَى يَتَأَلَّمُ بالضَّرْبِ. وإن لم يَضْرِبْه، حَنِثَ. وإن حَلَف لا يَضْرِبُه في غَدٍ، ففيه نحوُ هذه المَسائلِ. ومتى فاتَ ضَرْبُه بمَوْتِه أو غيرِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنه لم يَضْرِبْه. ٤٧٨٥ - مسألة: وإن قال: واللهِ لَأشْرَبَنَّ ماءَ هذا الكُوزِ غَدًا. فانْدَفَقَ اليَوْمَ. أو: لآكُلَنَّ هَذَا الخُبْزَ غَدًا. فتَلِفَ، فهو على نحو ما ذَكَرْنَا في العَبْدِ. قال صالحٌ: سألْتُ أبي عن الرجلِ يَحْلِفُ أن يَشْرَبَ هذا (١) الماءَ، فانْصَبَّ؟ فقال: يَحْنَث. وكذا لو حَلَف [أن يَأكُلَ] (٢) هذا الرَّغِيفَ، فأكَلَه كلبٌ (٣)؟ قال: يَحْنَثُ؛ لأن هذا لا يَقْدِرُ عليه.

стр. 13872

وإنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ، فَأبْرأهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ــ فصل: ومَن حَلَفَ لا يَتَكَفَّلُ بمالٍ، فكَفَلَ ببَدَنٍ، فقال أصحابُنا: يَحْنَثُ؛ لأنَّ المال (١) يَلْزَمُه بكَفالتِه إذا تَعَذَّرَ إحْضارُ المَكْفولِ به. قال شَيخُنا (٢): والقياسُ أَنه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَكْفُلْ بمالٍ، وإنَّما يَلْزَمُه المالُ بتَعَذر إحْضارِ المَكْفُولِ به، وأمَّا قبلَ ذلك فلا يَلْزَمُه، ولأنَّ هذا لا يسَمَّى كَفالةً بالمالِ، ويَصِحُّ نَفْيُها عنه، فيقالُ: ما تَكَفَّلَ بمالٍ، إنَّما تَكَفَّلَ بالبَدَنِ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ. ٤٧٨٦ - مسألة: (وإن حَلَف لَيَقْضِيَنَّه حَقَّه، فأبْرَأه، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين) وذلك مَبْنِيٌّ على ما إذا حَلِف على فِعْلِ شيءٍ، فتَلِفَ قبلَ فِعْلِه، وفيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه.

стр. 13873

وَإنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ فَقَضَى وَرَثَتَهُ، لَمْ يَحْنَثْ. وَقَال الْقَاضِي: يَحْنَثُ. ــ والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه مُنِعَ من فِعْلِه، فأشْبَهَ المُكْرَهَ على فِعْلِ ما حَلَف على [تَرْكِ فِعْلِه] (١)، وقد ذَكَرْنا ذلك في مَن حَلَف ليَضْرِبَنَّ غُلامَه غَدًا (٢)، فتَعَذَّرَ ضَرْبُه. ٤٧٨٧ - مسألة: (وإن ماتَ المُسْتَحِقُّ فقَضَى وَرَثَتَه، لم يَحْنَثْ) ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ قَضاءَ وَرَثَتِه يَقُومُ مَقامَ قَضائِه في إبْراء ذِمَّتِه، فكذلك في البِرِّ في يَمِينه. وحُكِيَ عن القاضي أنَّه يَحْنَثُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ قَضاؤُه، فأشْبَهَ ما لو حَلَف ليَضْرِبَنَّ عبدَه غَدًا، فماتَ العبدُ اليومَ. ومَن

стр. 13874

وَإنْ بَاعَهُ بِحَقِّهِ عَرْضًا، لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَحَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي. ــ نَصَر قولَ أبي الخطَّابِ قال: مَوْتُ العَبْدِ يُخالِفُ ذلك؛ لأنَّ ضَرْبَ غيرِه لا يَقُومُ مَقامَ ضَرْبِه. وقال أصحابُ الرَّأْي، وأبو ثَوْرٍ: تَنْحَلُّ اليَمِينُ بمَوْتِ المُسْتَحِقِّ، ولا يَحْنَثُ، سَواءٌ قَضَى وَرَثَتَه أو لم يَقْضِهم؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه فِعْلُ (١) ما حَلَف عليه بغيرِ اخْتِيارِه، أشْبَهَ المُكْرَهَ. وقد سَبَق الكلامُ على هذا في مسألَةِ مَن حَلَف ليَضْرِبَنَّ عَبْدَه غَدًا، فماتَ العبدُ اليومَ. ٤٧٨٨ - مسألة: (وإن باعَه بحَقِّه عَرْضًا، لم يَحْنَثْ عندَ ابنِ حامِدٍ) [ لأنَّه قد قَضَاه] (٢) حَقَّه. وقال القاضي: يَحْنَثُ؛ لأنَّه لم يَقْض الحَقَّ الذي عليه بعَينِه.

стр. 13875

وإنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأسِ الْهِلَالِ، فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ في أوَّل الشَّهْرِ، بَرَّ. ــ ٤٧٨٩ - مسألة: (وإن حَلَف لَيَقْضِيَنَّه حَقَّه عندَ رَأسِ الهِلَالِ) أو مع رَأْسِه، أو إلى رَأْسِ الهِلَالِ، أو إلى اسْتِهْلَالِه، أو عندَ رَأْسِ الشَّهْرِ، أو مع رَأسِه (فقَضَاه عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ في أوَّلِ الشَّهْرِ، بَرَّ) في يَمِينِه.

стр. 13876

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن أخَّرَ ذلك مع إمْكَانِه، حَنِثَ. وإن شَرَع في عَدِّه أو كَيله (١) أو وَزْنِه، فتَأخَّرَ القَضاءُ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه لم يَتْرُكِ القَضاءَ. وكذلك إذا حَلَف ليَأكُلَنَّ هذا الطَّعامَ، في هذا الوَقتِ، فشَرَعَ في أكْلِه فيه، وتَأخَّرَ الفَراغُ لكَثْرَتِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ أكلَه كلِّه غيرُ مُمْكِن في هذا الوَقتِ [ليَسِيرِ، فكانت يَمِينُه على الشُّرُوعِ منه في ذلك، أو على مُقارَنَةِ فِعْلِه لذلك الوقتِ] (٢)، للِعلْمِ بالعَجْزِ عن غيرِ ذلك. ومذهبُ الشافعيِّ في هذا كما ذكَرنا.

стр. 13877

وَإنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُهُ حَتَّى أَستَوْفِيَ حَقِّي. فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ. نَصَّ عَلَيهِ. وَقَال الْخِرَقِيُّ: لَا يحْنثُ. وَإنْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَحَكَمَ عَلَيهِ بِفِرَاقِهِ، خُرِّجَ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ ٤٧٩٠ - مسألة: (وإِن حَلَف: لا فارَقْتُكَ حتى أسْتوْفِيَ حَقِّي) منك (فَهَرَبَ منه، حَنِثَ. نصَّ عليه. وقال الخِرَقِيُّ: لا يَحْنَث. وإن فَلَّسَه الحاكِمُ وحَكَم عليه بِفِراقِه، خُرِّجَ على رِوايَتَينِ) إذا حَلَف: لا فارَقْتُكَ. ففيه عشرُ مسائِلَ (١)؛ أحدُها، أن يُفارِقَه الحالِفُ مُخْتارًا، فيَحْنَثُ، [بلا خِلافٍ] (٢)، سَواءٌ أبْرأه من الحَقِّ أو فارَقَه، والحَقُّ عليه؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه منه. الثانِيَةُ، فارَقَه مُكْرَهًا، فيُنْظَرُ؛ فإن كان حُمِلَ مُكْرَهًا حتى فارَقَه، لم يَحْنثْ، وإن أُكْرِهَ بالضَّرْبِ والتَّهْديدِ، لم يَحْنَثْ. وفي قولِ أبي بكرٍ، يَحْنَثُ. وفي النَّاسِي تَفْصِيلٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى. الثالِثَةُ، هَرَب منه الغَرِيمُ بغَيرِ اخْتِيارِه، فلا يَحْنَثُ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْي. ورُوِيَ

стр. 13878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن أحمدَ أَنه يحْنَثُ؛ لأنَّ مَعْنَى يَمِينِه أن لا تَحْصُلَ بينَهما فُرْقَةٌ، وقد حَصَلَتْ. ولَنا، أنَّه حَلَف على فِعْلِ نَفْسِه في الفُرْقَةِ، [وما فَعَل] (١)، ولا فعلَ باخْتِيارِه، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَف: لا قُمْتُ. فقامَ غيرُه. الرابِعَةُ، أذِنَ له الحالِفُ في الفُرْقَةِ، ففارَقَه، فمَفْهُومُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يَحْنَثُ.

стр. 13879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الشافعيُّ: لا يحنث. قال القاضي: وهو قولُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه لم يَفْعَلِ الفُرْقَةَ التي حَلَف أنَّه لا يَفْعَلُها. ولَنا، أنَّ مَعْنَى يَمِينِه: لألْزَمَنَّكَ. فإذا فارَقَه بإذْنِه فما لَزِمَه، ويُفارِقُ ما إذا هَرَب منه؛ لأنَّه فَرَّ بغيرِ اخْتِيارِه. وليس هذا قولَ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ الخِرَقِيَّ قال: فهَرَبَ منه. فمَفْهُومُه أنَّه إذا فارَقَه بغيرِ هَرَبٍ أنَّه يَحْنَثُ. الخامِسَةُ، فارَقَه مِن غيرِ إذْنٍ ولا هَرَبٍ، على وَجْهٍ تُمْكِنُه مُلازَمَتُه، والمَشْيُ معه، أو إمْساكُه، فهي كالتي قبلَها. السادِسَةُ، قَضاهُ قَدْرَ حَقِّه، ففارَقَه ظَنًّا منه أنَّه قد وَفَّاه، فخَرَجَ رَدِيئًا أو بعضُه، فيُخَرَّجُ في الحِنْثِ رِوايتان، بِناءً على النَّاسِي. وللشافِعِيِّ قَوْلان كالروايَتَين؛ أحدُهما، يَحْنَثُ. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه مُخْتارًا. والثانِيَةُ، لا يَحْنَثُ. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي،

стр. 13880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا وَجَدَها زُيُوفًا، وإن وَجَد أكثَرَها نُحاسًا أَنه يَحْنَثُ. وإن وَجَدَها مُسْتَحَقَّةً، فأخَذَها صاحِبُها، خُرِّجَ أيضًا على الرِّوايَتَين في النَّاسِي؛ لأنَّه ظَانٌّ أنَّه مُسْتَوْفٍ حَقَّه، فأشْبَهَ ما لو وَجَدَها رَدِيئَةً. وقال أبو ثَورٍ، وأصحابُ الرَّأي: لا يَحْنَثُ. وإن عَلِمَ بالحالِ ففارَقَه، حَنِثَ؛ لأنه لم يُوَفِّه حَقَّه. السابِعَةُ، فَلَّسَهُ الحاكِمُ، ففارَقَه، فإن ألْزَمَه الحاكِمُ، فهو كالمُكْرَهِ، وإن لم يُلْزِمْه مُفارَقَتَه، لكنْ فارَقَه لعِلْمِه بوُجوبِ مُفارَقَتِه، حَنِثَ؛ لأنَّه فارَقَه مِن غيرِ إكْراهٍ، فحَنِثَ، كما لو حَلَف لا يُصَلِّي، فوَجَبَتْ عليه صلاة فصَلَّاها. الثامِنَةُ، أحاله الغَرِيمُ بحَقِّه، ففارَقَه، فإنَّه يَحْنَث. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: لا يَحْنَثُ؛ لأنَّه قد بَرِئ إليه منه. ولَنا، أنَّه ما اسْتَوْفَى حَقَّه منه، بدَليلِ أنَّه لم يَصِلْ إليه شيءٌ، ولذلك يَمْلِكُ المُطالبَةَ به،

стр. 13881

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فحَنِثَ، كما لو لم يُحِلْه. فإن ظَنَّ أنَّه قد بَرَّ (١) بذلك (٢)، ففارَقَه، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. قال شيخُنا (٣): والصَّحِيحُ أَنه يَحْنَثُ؛ لأنَّ هذا جَهْل بحُكمِ الشَّرْعِ فيه، فلا يَسْقُطُ عنه الحِنْثُ، كما لو جَهِل كَوْنَ اليَمِينِ مُوجِبَةً للكَفَّارَةِ. فأمَّا إن كانت يَمِينُه: لا فارَقْتُك ولى قِبَلَكَ حَقٌّ. فأحاله به، ففارَقَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّه (٤) لم يَبْقَ له قِبَلَه حَقٌّ. وإنْ أخَذَ به ضَمِينًا أو كَفِيلًا أو رَهْنًا، ففارَقَه، حَنِث بلا إشْكالٍ؛ لأنَّه يملكُ مُطالبَةَ الغَرِيمِ. التاسِعَةُ، قَضاهُ عن حَقِّه عِوَضًا عنه، ثم فارَقَه، فقال ابنُ حامِدٍ: لا يَحْنَثُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه قد قَضاه حَقَّه، وبَرِئَ إليه منه بالقَضاءِ. وقال القاضي: يَحْنَثُ؛ لأنَّ يَمِينَه على نَفْس الحَقِّ، وهذا بَدَلُه. والأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ الله تعالى؛ لحُصُولِ المَقْصودِ به. فإن كانت يَمِينُه: لا فارَقْتُكَ حتى تَبْرَأ من حَقِّي. أو: ولِي قِبَلَكَ حَقٌّ. لم يَحْنَثْ، وَجْهًا واحِدُا؛ لأنَّه لم يَبْقَ له قِبَلَه حَق. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. العاشِرَةُ، وَكَّلَ وَكِيلًا يَسْتَوْفِي له حَقه، فإن فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ

стр. 13882

وَإنْ حَلَفَ: لَا افْتَرَقْنَا. فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ. ــ الوَكِيلِ، حَنِثَ؛ لأنَّه فارَقَه قبلَ اسْتِيفاءِ حَقِّه. وإنِ اسْتَوْفَى الوَكيلُ، ثم فارَقَه، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ اسْتِيفاءَ وَكِيله اسْتِيفاءٌ له، [يَبْرأُ به] (١) غَرِيمُه، ويَصِيرُ في ضَمانِ المُوَكِّلِ (٢). فأمَّا إنْ قال: لا فارَقْتَنِي حتى أسْتَوْفِيَ حَقِّي منك. ففارَقَه المحْلُوفُ عليه مُخْتارًا، حَنِثَ، وإن أُكْرِهَ على فِراقِه، لم يَحْنَثْ. وإن فارَقَه الحالِفُ مُخْتارًا، حَنِثَ، إلَّا على ما ذَكَرَه القاضي في تَأويلِ كلامِ الْخِرَقِيِّ. وهو مذهبُ الشافعيِّ، وسائِرُ الفُروعِ تَأْتِي ها هنا على نحو ما ذَكَرْنا. ٤٧٩١ - مسألة: (فإن حَلَف: لا افْتَرَقْنا. فهَرَبَ منه، حَنِثَ) إذا هَرَب مِن المَحْلُوفِ عليه؛ لأنَّ يَمِينَه تَقْتَضِي أن لا تَحْصُلَ بينَهما فُرْقَةٌ بوَجْهٍ، وقد حَصَلَتِ الفُرْقَةُ بهَرَبِه، وإن أُكْرِها على الفُرْقَةِ، لم يَحْنَث، إلَّا على قَوْلِ مَن لا يَرَى الإكراهَ عُذْرًا.

стр. 13883

وَقَدْرُ الْفِرَاقِ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا، كفُرْقَةِ الْبَيعِ. وَاللهُ أعْلَمُ. ــ فصل: وإن حَلَف: لا فارَقْتُكَ حتى أُوَفِّيَكَ حَقَّكَ. فأبْرَأَه الغَرِيمُ منه، فهل يَحْنَثُ؟ على وَجْهَين، بِناءً على المُكْرَهِ. وإن كان الحَقُّ عَينًا، فوَهَبَها له الغَرِيمُ، فقَبِلَها، حَنِثَ؛ لأنَّه تَرَك إيفاءَها له باخْتِيارِه. وإن قَبَضَها منه، ثم وَهَبَها إيَّاه، لم يَحْنَثْ. وإن كانت يَمِينُه: لا أُفارِقُكَ ولَكَ قِبَلِي حَقٌّ. لم يَحْنَثْ إذا أبرأهُ، أو وَهَبَ العَينَ له. ٤٧٩٢ - مسألة: (وقَدْرُ الفِراقِ مَا عَدَّه النَّاسُ فِرَاقًا، كفُرْقَةِ البَيعِ) وقد ذَكَرْناه في البَيعِ (١). وما نَوَاه بيَمِينِه ممَّا يَحْتَمِلُه لَفْظُه، فهو على ما نَواه. واللهُ أعْلَمُ.

стр. 13884

بابُ النَّذرِ ــ بابُ النَّذرِ الأصْلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٢). وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَتْ عائشةُ، ﵂، قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ». رَواه [السبعةُ غيرَ مسلمٍ] (٣). وعن عِمْرانَ بنِ حُصَين، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خَيرُكُمْ (٤) قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِئُ قَوْمٌ يَنْذُرُون ولَا يُوفُونَ، ويَخُونُونَ ولَا يُؤْتَمَنُون (٥)، ويَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».

стр. 13885

وَهُوَ أنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ لِلّهِ تَعَالى شَيئًا. وَلَا يَصِحُّ إلا مِنْ مُكَلَّفٍ، ــ رَواه (١) البخارِيُّ (٢). وأجْمَعَ المسلمون على صِحَّةِ النَّذْرِ في الجُمْلَةِ، ووُجوبِ الوَفاءِ به. فصل: ولا يُسْتَحَبُّ النَّذْرُ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ روَى عن النبيِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن النَّذْرِ، وقال: «إنَّه لَا يَأتِي بِخَيرٍ، وإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). وهذا نَهْيُ كَراهَةٍ، لا نهْيُ تَحْرِيمٍ؛ لأنَّه لو كان حَرَامًا لَما مَدَح المُوفِينَ به؛ لأنَّ ذَنْبَهم (٤) في ارْتِكابِ المُحَرَّم أشَدُّ مِن طاعَتِهم في وَفائِه، ولأنَّ النَّذْرَ لو كان مُسْتَحَبًّا، لفَعَلَه النبيُّ ﷺ ، وأفاضِلُ أصحابِه. ٤٧٩٣ - مسألة: (وهو أن يُلْزِمَ نَفْسَه للهِ تعالى شَيئًا) فيَقُولَ:

стр. 13886

مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا. ــ للهِ عليَّ أن أفْعَلَ كذا. وإن قال: عليَّ نَذْرُ كَذَا. لَزِمَه أيضًا؛ لأنَّه صَرَّع بلَفْظِ النَّذْرِ (ولا يَصِحُّ إلَّا مِن مُكَلَّفٍ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا) لأنَّه قَوْل يُوجِبُ على المُكَلَّفِ عِبادَةً أو مالًا، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ المُكَلَّفِ، كالإِقْرارِ، ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ. ويَصِحُّ مِن الكافِرِ؛ لحديثِ عمرَ حينَ قال للنبيِّ ﷺ : إنِّي نَذَرْتُ [في الجاهليةِ] (١) أن اعتَكِفَ ليلةً في المسجدِ الحرامِ. قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ». مُتَّفَقٌ عليه (٢).

стр. 13887

وَلَا يَصِحُّ إلا بِالْقَوْلِ، فَإِنْ نَوَاهُ مِنْ غَيرِ قَوْلٍ، لَمْ يَصِحَّ. ــ ٤٧٩٤ - مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا بالقولِ، فإن نَوَاه مِن غيرِ قَوْلٍ، لم يَصِحَّ) لأنَّه مُوجِبٌ للكَفَّارَةِ في أحَدِ طَرَفَيه، فلم ينْعَقِدْ بالنِّيَّةِ، كاليَمِينِ.

стр. 13888

وَلَا يَصِحُّ في مُحَالٍ وَلَا وَاجِبٍ، فَلَوْ قَال: لِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ. أو: صَوْمُ رَمَضَانَ. لَمْ يَنْعَقِدْ. ــ ٤٧٩٥ - مسألة: (ولا يصِحُّ في مُحَالٍ ولا واجِبٍ، فلو قال: للهِ عليَّ صومُ أَمْسِ. أو: صَوْمُ رمضانَ. لم يَنْعَقِدْ) لا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ المُسْتَحيلُ، كصَوْمِ أمسِ، ولا يُوجِبُ شيئًا؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ انْعِقادُه، ولا الوَفاءُ به؛ لأنَّه لو حَلَف على فِعْلِه، لم تَلْزَمْه كَفَّارَة، فالنَّذْرُ أوْلَى. قال شيخُنا (١): وعَقْدُ البابِ في الصَّحيحِ مِن المذهبِ، أنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ومُوجَبُه مُوجَبُها، إلَّا في لُزُوم الوفاء به، إذا كان قُرْبَةً و (٢) أمْكَنَه فِعْلُه، ودَليلُ هذا الأصْلِ قولُ النبيِّ ﷺ لأختِ عُقْبَةَ، لمَّا نَذَرَتِ المَشْيَ ولم تُطِقْهُ: «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» (٣). وفي روايةٍ: «فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ» (٤). قال أحمدُ: إليه أذْهَبُ. وعن عُقْبَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:

стр. 13889

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ». أخْرَجَه مسلمٌ (١). وقولُ ابنِ عباس في التي نَذَرَتْ ذَبْحَ ابْنِها: كَفِّرِي يَمِينَكِ (٢). ولأنَّه قد ثَبَت أنَّ حُكْمَه حكمُ اليَمِينِ في أحَدِ أقْسامِه وهو نَذْرُ اللَّجاجِ (٣)، فكذلك في سائِرِه، سِوَى ما اسْتَثْناه الشَّرْعُ. فإن نَذَرَ واجِبًا، كالصلاةِ المَكْتُوبَةِ، فقال أصْحابُنا: لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه. وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ، لأنَّ النَّذْرَ التِزامٌ، ولا يَصِحُّ التزامُ ما هو لازمٌ له. ويَحْتَمِلُ أن ينعقدَ نذْرُه مُوجِبًا لكَفَّارَةِ يَمِين إن تَرَكَه، كما لو حَلَف لا يَفْعَلُه ففَعَلَه، فإنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، وقد سَمَّاه النبيُّ ﷺ يَمِينًا، ولذلك لو نَذَرَ مَعْصِيَةً أو مُباحًا، لم يَلْزمْه، ويُكَفِّرُ إذا لم يَفْعَلْه.

стр. 13890

وَالنَّذْرُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى خَمْسَةِ أقْسَامٍ؛ أحَدُهَا، النَّذْرُ الْمُطْلَقُ؛ وَهُوَ أنْ يَقُولَ: لِلهِ عَلَيَّ نَذْرٌ. فَتَجِبُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. ــ ٤٧٩٦ - مسألة: (والنَّذْرُ المُنْعَقِدُ على خَمْسَةِ أَقسام؛ أحَدُها، النَّذْرُ المُطْلَقُ، وهو أن يقولَ: لله عِليَّ نَذْرٌ. فتَجِبُ) به (كَفَّارَةُ يَمِينٍ) في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباس، وجابِر، وعائشةَ، ﵃. وبه قال الحسنُ، وطاوسٌ، وسالمٌ، والقاسمُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وسعيدُ بنُ جُبَير، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا إلَّا الشافعيَّ، قال: لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه، ولا كَفَّارَةَ فيه. ولَنا (١) ما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِر، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمَّ، كَفَّارَةُ يَمِين». رَواه التِّرْمِذِيُّ (٢)، وقال: هذا حديث حسنٌ صَحِيحٌ غَريبٌ. وهذا نَصٌّ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينَا مِن الصحابَةِ والتابِعِين، ولا نَعْرِفُ لهم في عَصْرِهم مُخالِفًا، فيكونُ إجْماعًا.

стр. 13891

الثَّانِي، نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهُوَ مَا يَقْصِدُ بِهِ الْمَنْعَ مِنْ شَيْءٍ، أو الْحَمْلَ عَلَيهِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُكَ فَلِلّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ. أوْ: صَوْمُ سَنَةٍ. أوْ: عِتْقُ عَبْدِي. أو: الصَّدَقَةُ بِمَالِي. فَهَذَا يَمِين، يُخَيَّرُ بَينَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ. ــ (الثاني، نَذْرُ اللَّجَاجِ والغَضَبِ، وهو ما يَقْصِدُ به المَنْعَ مِن شيءٍ، أو الحَمْلَ عليه، كقَوْلِه: إن كَلَّمْتُكَ فَلِله علَيَّ الحَجُّ. أو: صَوْمُ سَنَةٍ. أو: عِتْقُ عَبْدِي. أو: الصَّدَقَةُ بمالِي. فهذا يَمِينٌ، يُخَيَّرُ بينَ فِعْلِه) وبينَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ؛ لِما روَى عِمْرانُ بن حُصَين، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «لَا نَذْرَ في غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». رَواه سعيدٌ،

стр. 13892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في «سُنَنِه» (١). وعن أحمدَ أنَّ الكَفَّارَةَ تَتَعَيَّنُ عليه، ولا يُجْزِئُه غيرُها؛ للخَبَرِ. والأوَّلُ ظاهِرُ المذهَبِ، لأنَّها يَمِين، فيُخَيَّرُ فيها بينَ الأمْرَين،

стр. 13893

الثَّالِثُ، نَذْرُ الْمُبَاحِ، كَقَوْلِهِ: للهِ عَلَيَّ أنْ ألْبَسَ ثَوْبِي. أوْ: أرْكَبَ دَابَّتِي. فَهَذَا كَالْيَمِينِ، يَتَخَيَّرُ بَينَ فِعْلِهِ وَبَينَ كَفَّارَةِ يمِينٍ. ــ كاليَمِينِ باللهِ تعالى، ولأنَّ هذا جمَعَ الصِّفَتين، فَيَخْرُجُ عن العهْدَةِ بكُلِّ واحدَةٍ منهما. (الثالِثُ، نَذْرُ المُباحِ، كقولِه: لله عِليَّ أنْ ألْبَسَ ثَوْبِي. أو: أرْكَبَ دابَّتِي. فهذا كاليَمِينِ، يَتَخَيَّرُ بينَ فِعْلِه وبينَ كَفَّارَةِ يَمِين) لِما رُوِيَ أنَّ امرأةً أتتِ النبيَّ ﷺ ، فقالتْ: إنِّي نَذَرْتُ أن أضْرِبَ على رَأْسِكَ بالدُّفِّ. فقال النبيُّ ﷺ : «أوْفِ بِنَذْرِكِ». رَواه أبو داودَ (١). ولأنَّه لو حَلَف على فِعْلِ مُباح، بَرَّ بفِعْلِه، فكذلك إذا نَذَرَه؛ لأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ. وإن شاءَ تَرَكَه وعليه كَفَّارةُ يَمِين، كما لو حَلَف ليَفْعَلَنَّه، فلم يَفْعَلْ. ويَتَخَرَّجُ أن لا كَفَّارَةَ فيه، فإنَّ أصحابَنا قالوا: مَن نَذَر أن يَعْتَكِفَ

стр. 13894

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في مسجدٍ مُعَيَّن، أو يُصَلِّيَ فيه، كان له أن يُصَلِّيَ ويَعْتَكِفَ في غيرِه، ولا كَفَّارَةَ عليه، ومَن نَذَر أن يَتَصَدَّقَ بمالِه كلِّه، أجْرَأَتْه الصَّدَقَةُ بثُلُثِه بلا كَفَّارَةٍ. وهذا مثلُه. وقال مالكٌ، والشافِعِيُّ: لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ «لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ» (١). وروَى ابنُ عباسٍ، قال: بَينَا رسولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسَألَ عنه، فقالوا: أبو إسرائيلَ، نذرَ أن يقومَ في الشمسِ، ولا يَسْتَظِلَّ، ولا يَتَكَلَّمَ، ويصومَ. فقال النبيُّ ﷺ : «مُرُوهُ فَلْيَجْلِسْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيُتمَّ صَوْمَهُ». رَواه البخاريُّ (٢). وعن أنَسٍ، قال: نَذَرَتِ امرأةٌ أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ، فسُئِلَ نبيُّ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقال: «إنَّ اللهَ لغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِها، مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ». قال التِّرْمِذِيُّ (٣): هذا حديث صَحِيحٌ. ولم يأمُرْ بكَفَّارَةٍ. ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ رَأى رجلًا يُهادَى بينَ اثْنَين، فسألَ عنه، فقالوا: نَذَرَ أن يَحُجَّ ماشِيًا. فقال: «إنَّ

стр. 13895

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيب هذَا نَفْسَهُ، مُرُوهُ فَلْيَرْكَبْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولم يَأْمُرْه بكَفَّارَةٍ. ولأَنَّه نَذْرٌ غيرُ مُوجِبٍ (٢) لفِعْلِ ما نَذَرَه، فلم يُوجِبْ كَفَّارَةً، كنَذْرِ المُسْتَحيلِ. ولَنا، ما تقَدَّمَ في قِسْمِ نَذْرِ اللَّجَاجِ (٣) والغَضَب، فأمَّا حديثُ التي نَذَرَتِ المَشْيَ، فقد أمَرَ فيه بالكَفَّارَةِ في حديثٍ آَخَرَ، فروَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، أنَّ أُخْتَه نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى بيتِ الله الحَرامِ، فسألَ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقال: «مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا». أخْرَجَه أبو داودَ (٤). وهذه زِيادَةٌ يجبُ الأخْذُ بها، ويجوزُ أن يكونَ الرَّاوي للحديثِ روَى البعضَ وتَرَك البعضَ، أو يكونَ النبيُّ ﷺ تَرَكَ (٥) ذِكْرَ الكَفَّارَةِ في بعضِ الحديثِ، إحالةً على ما عُلِمَ مِن حَدِيثِه في مَوْضِعٍ آخَرَ.

стр. 13896

فَإِنْ نَذَرَ مَكرُوهًا، كَالطَّلاقِ، اسْتُحِبَّ أنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلَهُ. الرَّابعُ، نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيضِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيُكَفِّرُ، ــ ٤٧٩٧ - مسألة: (فإن نَذَر مَكْرُوهًا، كالطَّلاقِ) فإنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلىَ اللهِ الطَّلاقُ» (١) (اسْتُحِبَّ أن يُكَفِّرَ ولا يَفْعَلَه) لأنَّ تَرْكَ المَكْرُوهِ أوْلَى مِن فِعْلِه، فإن فَعَلَه فلا كَفَّارَةَ عليه، والخِلافُ فيه كالذي قبلَه. (الرابعُ، نَذْرُ المَعْصِيَةِ، كشُرْبِ الخَمْرِ، وصَوْم يومِ الحَيضِ، ويومِ العيدِ، فلا يجوزُ الوَفاءُ به، ويُكَفِّرُ) لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ

стр. 13897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» (١). ولأنَّ مَعْصِيَةَ اللهِ لا تُباحُ في حالٍ. ويَجِبُ على النَّاذِرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، وسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه. ورُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 13898

إلا أنْ يَنْذِرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، أنَّهُ كَذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ، يَلْزَمُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ. ــ ٤٧٩٨ - مسألة: (إلَّا أن يَنْذِرَ ذَبْحَ وَلَدِه، ففيه رِوَايتان؛ إحْدَاهُما، أنَّه كذلك. والثَّانِيَةُ، يَلْزَمُه ذَبْحُ كَبْشٍ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في مَن قال: إن فَعَلْتُ كذا، فلِلّه عليَّ نَحْرُ وَلَدِي. أو يقولُ: وَلَدِي نَحِيرٌ إن فَعَلْتُ كذا. أو نَذَر ذَبْحَ وَلَدِه مُطْلَقًا، غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ. فعن أحمدَ، عليه كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وهذا قياسُ المذهبِ؛ لأنَّ هذا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، أوْ نَذْرُ لَجاجٍ، وكِلاهما يُوجِبُ الكَفَّارَةَ. وهو قولُ ابنِ عباس؛ فإنَّه قال لامرأةٍ نَذَرَتْ أن تَذْبَحَ ابْنَها: لا تَنْحَرِي ابْنَكِ، وكَفِّرِي عن يَمِينكِ (١). والرِّوايةُ الثانِيَةُ، كَفَّارتُه ذَبْحُ كَبْشٍ، ويُطْعِمُه المساكينَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ أيضًا؛

стр. 13899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الوَلَدِ جُعِلَ في الشَّرْعِ كنذْرِ ذَبْحِ شاةٍ، بدَليلِ أنَّ الله تعالى أمَرَ إبراهيمَ ﵇، بذَبْحِ وَلَدِه، وكان [أُمِرَ أن يَذْبَحَ] (١) شاةً، وشَرْعُ مَن قَبْلَنَا شَرْعٌ لنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه، ودليلُ أنَّه أُمِرَ بذَبْحِ شاةٍ، أنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بالفَحْشاءِ ولا بالمَعاصِي، وذَبْحُ الوَلَدِ مِن كَبائِرِ المعاصِي، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٢). وقال النبيُّ ﷺ : «أكْبَرُ الكَبَائِرِ أنْ تَجْعَلَ لِله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قِيلَ: ثم أيٌّ؟ قال: «أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» (٣). وقال الشافِعِيُّ: ليس هذا بشيءٍ، ولا يَجِبُ به شيءٌ؛ لأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، لا يَجِبُ (٤) الوَفاءُ به، ولا يجوزُ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» (٥). ولَنا، قولُه عليه

стр. 13900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصلاةُ والسلامُ: «لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِينٍ». رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه» (١). ولأنَّ النَّذْرَ حُكْمُه حكمُ اليَمِينِ، بدليلِ قولِه ﵊: «النَّذْرُ حَلْفَةٌ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٢). فيكونُ بمَنْزِلَةِ مَن حَلَف ليَذْبَحَنَّ وَلَدَه. وقولُهم: إنَّ النَّذْرَ لذَبْحِ الوَلَدِ كِنايَةٌ عن ذَبْحِ كَبْشٍ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ إبراهيمَ، ﵇، لو كان مَأْمُورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، لم يَكُنِ الكَبْشُ فِداءً، ولا كان مُصَدِّقًا للرُّؤْيَا قبلَ ذَبْحِ الكَبْشِ، وإنَّما أُمِرَ بِذَبْحِ ابنِه ابْتِلاءً (٣)، ثم فُدِيَ بذَبْحِ الكَبْشِ، وهذا أمْرٌ اخْتَصَّ به إبراهيمُ ﵇، لا يَتَعَدَّاه إلى غيرِه، لحِكْمَةٍ عَلِمَها اللهُ تعالى فيه، ثم لو كان إبراهيمُ مَأْمُورًا بذَبْحِ كَبْشٍ، فقد وَرَد شَرْعُنا بخِلافِه، فإنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الابنِ ليس بقُرْبَةٍ في شَرْعِنا، ولا مُباحٍ،
следующие страницы →