وَهُوَ فَرْضُ كِفَايةٍ. قَال أحْمَدُ، ﵀: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِم، أتذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ!
ــ
وأخْبارٍ سِوَى ذلك كثيرةٍ. وأجْمَعَ المسلمون على مَشْروعِيَّةِ نَصْبِ القَضاءِ (١)، والحكْمِ بينَ النَّاسِ.
٤٨١٩ - مسألة: (وهو فَرْضٌ كِفايَةٍ) لأنَّ أمْرَ النَّاسِ لا يَسْتَقِيمُ بدُونِه، فكان واجِبًا عليهم، كالجِهادِ والإمامَةِ (قال أحمدُ، ﵀: لا بُدَّ للنَّاسِ مِن حاكِم، أتَذْهَب حقوقُ النَّاسِ!) وفيه فَضْلٌ عظيمٌ لمَن قَوِيَ على القِيامِ به، وأداء الحقِّ فيه، ولذلك جعلَ الله فيه أجْرًا على الخَطَأ، وأسْقَطَ عنه حُكْمَه، ولأنَّ فيه أمْرًا بالمَعْروفِ، ونُصْرة للمَظْلُومِ، وأداءَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، ورَدَّ الظَّالِمِ عن ظُلْمِه، وإصْلاحًا بينَ النَّاسِ، وتَخْلِيصًا لبعضِهم مِن بعض، وذلك مِن أبوابِ القُرَبِ؛
стр. 13970
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولذلك تَوَلَّاه النَّبيُّ ﷺ ، والأنْبِياءُ قبلَه، فكانوا يَحْكُمُون لأمَمِهم، وبَعَث عليًّا إلى اليمنِ قاضِيًا (١)، وبَعَث مُعاذًا قاضِيًا (٢). وعن عُقْبَةَ بنِ عامر، قال: جاء خَصْمانِ يَخْتَصِمان إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال لي (٣): «اقْضِ بَينَهُما». قلتُ: أنت أوْلَى بذلك. قال (٤): «وَإنْ كَانَ». قلتُ: علامَ أقْضِي؟ قال: «اقْضِ، فَإنْ أصَبْتَ فَلَكَ عَشرَةُ أُجُور، وَإنْ أخْطَأتَ فَلَكَ أجْر وَاحِدٌ». رَواه سعيد في «سُنَنِه» (٥). ووَلَّى عمرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكعبَ بنَ سُورٍ (٦) قَضاءَ البَصْرَةِ.
стр. 13971
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وفيه خَطَر عظيمٌ ووزْرٌ كبيرٌ لمَن لم يُؤَدِّ الحَقَّ فيه، ولذلك كان السَّلَفُ، ﵏، يَمْتَنِعُونَ منه أشَدَّ الامْتِناعِ، ويَخْشَوْن على أنْفُسِهم خَطَرَه. قال خاقانُ بنُ عبدِ الله (١): أُرِيدَ أبو قِلابَةَ على قَضاءِ البَصْرَةِ، فهَرَبَ إلى اليَمامَةِ، فأُرِيدَ على قَضائِها، فهَرَبَ إلى الشَّام، فأُرِيدَ على قَضائِها، وقيل: ليس ههُنا غيرُك. قال: فَأَنْزِلُوا (٢) الأَمرَ على ما قُلْتُمْ، فإنَّما مَثَلِي مَثَلُ سابِحٍ وَقَع في البَحْرِ، فسَبَحَ يومَه، فانْطَلَقَ، ثم سَبَح اليومَ الثَّانِيَ، فمَضَى أيضًا، فلَمّا كان اليومُ الثالثُ فتَرَتْ يَداه (٣). وكان يُقالُ: أعلَمُ الناسِ بالقَضاءِ أشَدُّهم له كَراهَةً. ولعِظَمِ خَطرَه، قال النبيُّ ﷺ : «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا، فَقَدْ ذُبِحَ بغيرِ سِكِّين». قال التِّرْمِذِيُّ (٤): هذا حديث حسنِ. قيلَ في هذا الحديثِ: إنَّه لم يَخْرُجْ مَخْرَجَ الذَّمِّ للقَضاءِ، وإنَّما وَصَفه بالمَشقَّةِ، فكأنَّ مَن وَلِيَه قد حُمِل على
стр. 13972
فَيَجِبُ عَلَى الْإمَامِ أنْ يُنَصِّبَ في كُلِّ إقْلِيم قَاضِيًا، وَيَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يجِدُ وَأَوْرَعَهُمْ،
ــ
مَشَقَّةٍ، كمَشَقَّةِ الذَّبْح.
٤٨٢٠ - مسألة: (فيَجِبُ عَلَى الإِمَامِ أنْ يُنَصبَ في كلِّ إِقْلِيمٍ قاضِيًا، ويَخْتارَ لذلك أفْضَلَ مَن يَجِدُ وأوْرَعَهم) [ إذا كان الإِمامُ في بَلَدٍ، فعليه أنَّ يَبْعَثَ القُضاةَ إلى الأمْصارِ غيرِ بَلَدِه] (١)؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ عليًّا قاضِيًا إلى اليَمَنِ، وبَعَث مُعاذًا قاضِيًا أيضًا (٢)، وقال له (٣): «بِمَ تَحْكُمُ؟». قال: بكتابِ اللهِ. قال: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟». قال: بسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ . قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟». قال: أجْتَهِدُ رَأْيي. قال: «الْحَمْدُ للهِ الَّذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ» (٤). ووَلَّى عُمَرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكَتَبَ إلى أبي عُبَيدَةَ ومُعاذٍ
стр. 13973
وَيَأْمُرَهُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَإيثارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ، والْاجْتِهَادِ في إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَأنْ يَسْتَخْلِفَ في كُلِّ صُقعٍ أصْلَحَ مَن يَقْدِرُ عَلَيهِ لَهُمْ.
ــ
يَأْمُرُهما بتَوْلِيَةِ القُضاةِ (١) في الشَّامِ. ولأنَّ أهلَ كلِّ بَلَدٍ يَحْتاجُون إلى القاضِي، ولا يُمْكِنُهم المَصِيرُ إلى بَلَدِ الإِمامِ، ومَن أمْكَنَه ذلك شَقَّ عليه، فوَجَبَ إغْناؤُهم عنه.
٤٨٢١ - مسألة: (وَيَخْتارَ لذلك أفْضَلَ مَن يَجِدُ وَأوْرَعَهم، ويَأْمُرَه بتَقْوَى اللهِ، وإيثارِ طاعَتِه في سِرِّهِ وعَلانِيَته، وتَحَرِّي العَدْلِ، والاجْتِهادِ في إقامَةِ الحَقِّ) إذا أراد الإِمامُ تَوْلِيَةَ قاضٍ، فإن كان له خِبْرَةٌ بالنَّاسِ، ويَعْرِفُ مَن يَصْلُحُ للقَضاءِ، وَلَّاه، وإنْ لم يَعْرِف ذلك، سأل أهلَ المَعْرِفةِ بالناسِ، واسْتَرْشَدَهم عمَّن يَصْلُحُ. وإن ذُكِر له رجلٌ لا يَعْرِفُه، أحْضَرَه وسأله، فإن عَرَف عَدالتَه، وإلَّا بَحث عن عَدالتِه، فإذا عَرَفَها وَلَّاه. قال عليٌّ، ﵁: لا يَنْبَغِي للقاضي أنْ يكونَ قاضِيًا حتى يكونَ فيه خَمْسُ خِصالٍ؛ عَفيفٌ، حَلِيمٌ، عالمٌ بما كان قبلَه، يَسْتَشِيرُ ذَوي الرَّأْي (٢). ويَكْتُبُ له (٣) الإِمامُ عَهْدًا يَأْمُرُه فيه
стр. 13974
وَيَجبُ على مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، الدُّخُولُ فِيهِ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالامْتِنَاعِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بهِ؛ قَال: لَا يَأْثَمُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ليسَ بِوَاجِبٍ.
ــ
بتَقْوَى اللهِ، والتَّثَبُّتِ في القَضاءِ، ومُشاوَرَةِ أهلِ العلمِ، وتَصَفُّحِ (١) حالِ الشُّهُودِ، وتَأمُّلِ الشَّهاداتِ، وتَعاهُدِ اليَتامَى، وحِفْظِ أمْوالِهم وأموالِ الوُقُوفِ، وغيرِ ذلك ممّا يَحْتاجُ إلى مُراعاتِه (وأنْ يَسْتَخْلِفَ في كلِّ صُقْعٍ (٢) أصْلَحَ مَن يَقْدِرُ عليه) ليكونَ [قَيِّمًا بما] (٣) يَتَولَّاه.
٤٨٢٢ - مسألة: (ويَجِبُ على مَن يَصْلُحُ له، إذَا طُلِبَ ولم يُوجَدْ غَيرُه، الدُّخُولُ فيه. وعنه، أنَّه سُئِلَ: هل يَأْثَمُ القاضي إذا لم يُوجَدْ غَيرُه ممَّن يُوثَقُ به؟ قال: لا يَأَثَمُ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه ليس بواجبٍ) الناسُ في القَضاءِ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ منهم مَن لا يَجُوزُ له الدُّخُولُ فيه، وهو مَن لا يُحْسِنُه، ولم تَجْتَمِعْ فيه شُروطُه، فقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال:
стр. 13975
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ». ذَكَر منهم رجلا قَضَى بينَ الناسِ بجَهْل، فهو في النارِ (١). ولأنَّ [مَن لا] (٢) يُحْسِنُه لا يَقْدِرُ على العَدْلِ فيه، فيَأْخُذُ الحَقَّ مِن مُسْتَحِقِّه ويَدْفَعُه إلى غيرِه. ومنهم مَن يجوزُ له، ولا يَجِبُ عليه، وهو مَن كان مِن أهلِ العَدالةِ والاجْتِهادِ، ويُوجَدُ غيرُه مثلُه، فله أنْ يَلِيَ القَضاءَ بحُكمِ حالِه وصَلاحِيَته، ولا يَجِبُ عليه، لأنَّه لم يَتَعَيَّنْ له. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يُسْتَحَبُّ له الدُّخُولُ فيه، لِما فيه مِن الخَطَرِ والغَرَرِ، وفي تَرْكِه مِن السَّلامَةِ، ولِما وَرَد فيه مِن التَّشْدِيدِ والذَّمِّ، ولأنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الامْتِناعُ منه والتَّوقِّي، وقد أراد عمانُ تَولِيَةَ ابنِ عمرَ، ﵄، القَضاءَ فأباه (٣). وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ: إن كان رجلًا خامِلًا، لا يُرْجَعُ إليه في الأحْكامِ، [ولا يُعْرَفُ] (٤)، فالأوْلَى له تَوَلِّيه، ليُرْجَعَ إليه في الأحْكامِ، ويَقُومَ به الحَقُّ، ويَنْتَفِعَ به المسلمون، وإن كان مَشْهورًا
стр. 13976
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الناسِ بالعِلْمِ، يُرْجَعُ إليه في تَعْلِيمِ العِلْمِ والفَتْوَى (١)، فالأَولَى الاشْتِغالُ بذلك؛ لِما فيه مِن النَّفْعِ مع الأمْنِ مِن الغَرَرِ. [ونحوُ] (٢) هذا قولُ أصْحابِ الشافعيِّ، وقالوا أيضًا: إذا كان ذا حاجةٍ، وله في القضاءِ رِزْقٌ، فالأوْلَى له. الاشْتِغالُ به، فيكونُ أوْلَى مِن سائرِ المَكاسِبِ؛ لأنَّه قُرْبَةٌ وطاعَةٌ. والثالثُ، مَن يَجِبُ عليه، وهو مَن يَصْلُحُ للقَضاءِ، ولا يُوجَدُ سواه، فهذا يَتَعَيَّنُ عليه؛ لأنَّه فَرْضُ كِفايَةٍ، لا يَقدِرُ على القيامِ به غيرُه، فيتَعَيَّنُ عليه، كغَسْلِ المَيِّتِ وتَكْفِينه. وقد نُقِل عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّه لا يَتَعَيَّنُ عليه، فإنَّه سُئِلَ: هل يَأْثَمُ القاضي بالامتناعِ (٣) إذا
стр. 13977
فَإِنْ وُجِدَ غَيرُهُ، كُرِهَ لَهُ طَلبهُ، بِغَيرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
ــ
لم يُوجَدْ غيرُه؟ قال: لا يَأْثَمُ. فهذا يَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على ظاهِرِه، في أنَّه لا يَجِبُ عليه؛ لِما فيه مِن الخَطَرِ، فلا يَلْزَمُه الإضْرارُ بنَفْسِه لنَفْعِ غيرِه، ولذلك امْتَنَعَ أبو قِلابَةَ منه، وقد قيلَ له: ليس ههُنا غيرُك. ويَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على مَن لم يُمْكِنْه القِيامُ بالواجِبِ، لظُلْمِ السُّلْطانِ أو غيرِه؛ فإنَّ أحمدَ قال: لا بُدَّ للناسِ مِن حاكم، أتَذْهَبُ حُقُوقُ الناسِ!
٤٨٢٣ - مسألة: (فإن وُجِد غيرُه، كُرِه له طَلَبُه، بغَيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ) لأنَّ أنَسًا روَى أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنِ ابْتَغَى القَضَاءَ، وسَألَ فِيهِ شُفَعَاءَ، وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، ومَنْ أكْرِهَ عَلَيهِ، أنْزَلَ اللهُ عليه (١) مَلَكًا يُسَدِّدُه». قال التِّرْمِذِيُّ (٢): حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ، نَحْوُ: فَاحْكُمْ، أو فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيكَ فِيهِ. وَمَا أَشْبَهَهُ.
ــ
إليك، وأسْنَدْتُ إليك الحُكْمَ. فلا يَنْعَقِدُ حتى تَقْتَرِنَ بها قَرِينَة، نحوُ: فاحْكُمْ، أو: تَوَلَّ ما عَوَّلْتُ عليك فيه. وما أشْبَهَه) نحو: وانْظُرْ فيما أسْنَدْتُ إليك؛ واحْكُمْ فيما وَكَّلْتُ إليك، لأنَّ هذه الألْفاظَ تَحْتَمِلُ التَّوْلِيَةَ وغيرَها، مِن كونِه يَأْخُذُ برأْيِه وغير ذلك، فلا تَنْصرِفُ إلى التَّوْلِيَةِ إلَّا بقَرينَةٍ تَنْفِي الاحْتِمال.
стр. 13987
فصلٌ: وَإذَا ثَبَتَتِ الْولَايةُ وَكَانَتْ عَامَّةً، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ في عَشَرَةِ أَشْيَاءَ؛ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيهِ وَدَفْعُهُ إلَى رَبِّهِ، والنَّظَرُ في أَمْوَالِ الْيَتَامَى والْمَجَانِينِ والسُّفَهَاءِ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ في عَمَلِهِ، بِإجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا، وَتزْويجُ النِّسَاءِ اللَّاتي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ، وَإقَامَةُ الْحُدُودِ، وَإقَامَةُ
ــ
فصل: قال الشَّيخُ، ﵁: (وإذا ثَبَتَتِ الولايةُ وكانت عامَّةً، اسْتفاد بها النَّظَرَ في عَشَرَةِ أشياءَ؛ فَصْلُ الخُصُوماتِ، واسْتِيفاءُ الحَقِّ ممَّن هو عليه ودَفْعُه إلى رَبِّه، والنَّظَرُ في أمْوالِ اليَتامَى والمَجانِين والسُّفهاءِ، والحَجْرُ على مَن يَرَى الحَجْرَ عليه لسَفَهٍ أو فَلَس، والنَّظَرُ في الوُقُوفِ في عملِه، بإجْرائِها على شَرْطِ الواقفِ، وتَنْفِيذُ الوَصايا، وتَزْويجُ النِّساءِ اللَّاتِي لا وَلِيَّ لَهُنَّ، وإقامةُ الحُدُودِ، وإقامَةُ الجُمُعَةِ، والنَّظَرُ في
стр. 13988
الْجُمُعَةِ، والنَّظَرُ في مَصَالِحِ عَمَلِهِ، بِكَفِّ الأذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتهِمْ، وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، والْاسْتِبدَالُ بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ. فَأَمَّا جِبَايةُ الْخَرَاجِ، وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
ــ
مصالحِ عملِه، بكَفِّ الأذَى عن طُرُقاتِ المسلِمِين وأفْنِيَتهم، وتَصفُّحُ حالِ شُهُودِه وأُمَنائِه، والاسْتِبْدالُ بمَن ثَبَت جَرْحُه منهم) وإنَّما تَثْبُتُ هذه الولاياتُ له؛ لأنَّ العادَةَ مِن القضاةِ تَوَلِّيها، فعندَ إطْلاقِ تَوْلِيَةِ القَضاءِ تَنْصَرِفُ إلى ولايَةِ ما جَرَتِ العادةُ بولايَتِه لها (فأمَّا جِبايَةُ الخَراجِ، وأخْذُ الصَّدَقةِ، فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، يَدْخُلان فيه، قِياسًا على سائرِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ. وفي الآخرِ، لا يَدْخُلانِ فيه؛ لأنَّ العادةَ لم تَثْبُتْ بتَوْلِيَةِ القَضاءِ لهما، و (١) الأصْل عَدَمُ ذلك، فلا يَثْبُتُ.
стр. 13989
وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ. فَأمَّا مَعَ عَدَمِهَا، فَعَلَى وَجْهَينِ.
ــ
٤٨٣٠ - مسألة: (وله طَلَبُ الرِّزْقِ لنَفْسِه وأُمَنائِه وخُلَفائِه مع الحاجَةِ. فأمَّا مع عَدَمِها، فعلى وَجْهَين) يَجُوزُ للقاضي أخْذُ الرِّزْقِ. ورَخَّصَ فيه شُرَيحٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشافعيُّ، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، ﵁، أنَّه اسْتَعْمَلَ زيدَ بنَ ثابتٍ على القَضاءِ، وفَرَض له رِزْقًا (١). ورَزَق شُرَيحًا في كلِّ شهر مائةَ دِرْهم (٢). وبَعَث إلى الكوفَةِ عمّارًا وابنَ مسعودٍ وعُثْمانَ [بنَ حُنَيفٍ، ورَزَقَهم كلَّ يوم شاةً؛ نِصْفُها لعَمّارٍ، ونِصْفُها لابنِ مسعودٍ وعُثْمانَ] (٣)، وكان ابنُ
стр. 13990
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مسعودٍ قاضِيَهم ومُعَلِّمَهم. وكَتَب إلى مُعاذِ بنِ جَبَلٍ وأبي عُبَيدَةَ، حينَ بَعَثَهما إلى الشامِ، أنِ انْظُرَا رجالًا مِن صَالِحي مَن قِبَلَكم، فاسْتَعْمِلُوهم على القَضاءِ، وأوْسِعُوا عليهم، وارْزُقُوهم، واكْفُوهم مِن مالِ اللهِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَجُوزُ له أخْذُ الرِّزْقِ مع الحاجةِ، فأمَّا مَع عَدَمِها فعلى وَجْهَين. [وهو الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ] (١). وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: ما يُعْجِبُني أنَّ يَأْخُذَ على القَضاءِ أجْرًا، وإنْ كان فَبِقَدْرِ عَمَلِه، مثلَ مالِ (٢) اليَتيمِ. لي كان ابنُ مسعودٍ والحسنُ يَكْرَهانِ الأجْرَ على القضاءِ (٣). وكان مَسْروق (٤) وعبدُ الرحمنِ بنُ القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمَنِ (٥)، لا يَأْخُذان عليه أجْرًا، وقالا: لا نَأْخُذُ أجْرًا على أنَّ نَعْدِلَ بينَ اثْنَين (٦). وقال أصْحابُ الشافعيِّ: إن لم يكنْ مُتَعَيِّنًا جاز له أخْذُ
стр. 13991
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرِّزْقِ، وإن تَعَيَّنَ لم يَجُزْ إلَّا مع الحاجَةِ. والصَّحِيِحُ جوازُ الأخْذِ عليه مُطْلَقًا؛ لأنَّ أبا بكرٍ، ﵁، لَمَّا وَلِيَ الخِلافةَ، فَرَضُوا له رِزْقًا، كلَّ يومٍ دِرْهَمَينِ (١). ولِما ذَكَرْنا مِن (٢) أنَّ عُمَرَ رَزَق زيدًا وشُرَيحًا وابنَ مسعودٍ، وأمَرَ بفرْضِ الرِّزْقِ لمَن وَلِيَ (٣) مِن القُضاةِ. ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إليه، ولو لم يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَ، وضاعَتِ الحُقُوقُ. فأمَّا الاسْتِئْجارُ عليه، فلا يجوزُ. قال عمرُ، ﵁: لا يَنْبَغِي لقاضِي المسلِمِين أنَّ يَأْخُذَ علي القَضاء أجْرًا (٤). وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه قُرْبَةٌ يَخْتَصُّ فاعِلُه أنَّ يكونَ مِن أهلِ القُرْبَةِ، فأشْبَهَ الصلاةَ، ولأنَّه لا يَعْمَلُه (٥) الإنسانُ عن غيرِه، وإنَّما يَقَعُ عن نَفْسِه، فأشْبَهَ الصلاةَ، ولأنَّه عمل غيرُ مَعْلُومٍ. فإن لم يكنْ للقاضي رِزْق، فقال للخَصْمَين: لا أقْضِي بينَكما حتى تَجْعَلا لي جُعْلًا عليه. جاز. ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَجُوزَ.
стр. 13992
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ في عُمُومِ الْعَمَلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا في أَحَدِهمَا أو فِيهِمَا، فيُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ في بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ، فَيَنْفُذَ قَضَاؤهُ في أَهْلِهِ وَمَنْ طَرأَ إِلَيهِ، أَوْ يَجْعَلَ إليهِ الْحُكْمَ في الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً، أَوْ فِي قَدْرٍ مِنَ الْمَالِ لَا يَتَجَاوَزُهُ، أَوْ يُفَوِّضَ إِلَيهِ عُقُودَ الأَنْكِحَةِ دُونَ غَيرِهَا.
ــ
فصل: قال، ﵀: (ويجوز أنَّ يُوَلِّيَه عُمُومَ النَّظَرِ في عُمُومِ العملِ، ويجوزُ أنَّ يُوَلِّيَه خاصًّا في أحَدِهما أو فيهما، ويُوَلِّيَه عُمُومَ النَّظَرِ في بلدٍ أو مَخَلَّةٍ خاصَّةٍ، فيَنْفُذَ قضاؤه في أهلِه ومَن طَرَأ إليه، أو يَجْعَلَ إليه الحُكْمَ في المُدايَناتِ خاصَّةً، أو في قَدْرٍ مِن المالِ لا يَتجاوزُه، أو يُفَوِّضَ إليه عُقُودَ الأنْكِحَةِ دُونَ غيرِها) لأن ذلك جميعَه إلى الإِمامِ، وله الاسْتِنابَةُ في الكلِّ، فتكونُ له الاسْتِنابَةُ في البعضِ، فإنَّ مَن مَلَك في الكلِّ مَلَك في (١) البعضِ، وقد صَح أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَسْتَنِيبُ أصحابَه
стр. 13993
وَيَجُوزُ أنْ يَوَلِّيَ قَاضِيَينِ أَوْ أَكْثَرَ في بَلَدٍ وَاحِدٍ؛ يَجْعَلُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَمَلًا، فَيَجْعَلُ إلَى أحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَينَ النَّاسِ، لَيالى الْآخَرِ عُقُودَ الْأنْكِحَةِ دُونَ غَيرِهَا.
ــ
كلًّا في شيءٍ؛ فوَلَّى عُمَرَ القَضاءَ (١)، وبَعَثَ عليًّا قاضِيًا على اليَمنِ (٢)، وكان يُرْسِلُ أصحابَه في جَمْعِ الزكاةِ وغيرِها، وكذلك الخُلَفاءُ بعدَه، ولأنَّه نِيابَةٌ، فكان على حَسَبِ الاسْتِنابَةِ.
٤٨٣١ - مسألة (٣): (ويَجُوزُ) له (أنَّ يُوَلِّيَ قاضِيَين أو أكْثَرَ في بَلَدٍ واحِدٍ، فيَجْعَلُ إلى أحَدِهما الحُكْمَ بينَ الناسِ، وإلى الآخرِ عُقودَ الأنْكِحَةِ) لِما ذَكَرْنا.
стр. 13994
فَإِنْ جَعَلَ إِلَيهِمَا عَمَلًا وَاحِدًا، جَازَ. وَعِنْدَ أَبِي الْخطَّابِ لَا يَجُوزُ.
ــ
٤٨٣٢ - مسألة: (فإن جَعَل إليهما عَمَلًا واحِدًا، جاز. وعندَ أبي الخَطَّابِ لا يجوزُ) [ إذا وَلَّى قاضِيَين أو أكْثَرَ في بَلَدٍ واحدٍ وجَعَل إليهما عَمَلًا واحدًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ] (١). وهو أحدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى إيقافِ (٢) الأحْكامِ والخُصُوماتِ، لأنَّهما يَخْتَلِفان في الاجْتِهادِ، ويَرَى أحَدُهما ما لا يَرَى الآخرُ. والثَّاني، يجوزُ. وهو قولُ أصْحابِ أبي حنيفةَ.
стр. 13995
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ يَسْتَخْلِفَ في البلدِ الذي هو فيه، فيكونَ فيه قاضِيان، فجاز أنَّ يكونَ فيها قاضِيان أصْلِيّان؛ لأنَّ الغَرَضَ فَصْلُ الخُصُوماتِ، وإيصالُ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، وهذا يَحْصُلُ، فأشْبَهَ القاضِيَ وخُلَفاءَه. ولأَنه يجوزُ للقاضي أن يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَين في موضعٍ واحدٍ، فالإمامُ أوْلَى؛ لأنَّ تَوْلِيَتَه أقْوَى. وقولُهم: يُفْضِي إلى إيقافِ (١) الأحْكامِ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ كلَّ حاكم يَحْكُمُ باجْتِهادِه بينَ المُتَحاكِمَين إليه، وليس للآخَرِ الاعْتِراضُ عليه، ولا نَقْضُ حُكْمِه فيما خالفَ اجْتِهادَه.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يُقَلِّدَ القَضاءَ لواحدٍ على أنَّ يَحْكُمَ بمذهبٍ بعَينه. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: (فَاحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) (٢). والحقُّ لا يَتَعَيَّنُ في مَذْهَبٍ، وقد
стр. 13996
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَظْهَرُ له الحقُّ في غيرِ ذلك المَذْهَبِ. فإن قَلَّدَه على هذا الشَّرْطِ، بَطَل الشَّرْطُ. وفي فَسادِ التَّوْلِيَةِ وَجْهان، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.
فصل: إذا فَوَّضَ (١) الإمامُ إلى إنْسانٍ تَوْلِيَةَ القاضي، جاز؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ يَتَوَلَّى ذلك، فجاز له التَّوْكِيلُ فيه، كالبَيعِ. فإن فَوَّضَ إليه اخْتِيارَ قاض، جاز، ولا يجوزُ له اخْتِيارُ نفسِه، ولا والدِه، ولا ولَدِه، كما لو
стр. 13997
وَإِنْ مَاتَ الْمُوَلِّي، أَوْ عُزِلَ الْمُوَلَّى مَعَ صَلَاحِيَتهِ، لَمْ تَبْطُلْ ولَايتُهُ في أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَبْطُلُ في الْآخَرِ.
ــ
وَكَّلَه في الصَّدقةِ بمالٍ، لم يَجُزْ له أخْذُه، ولا دَفْعُه إلى هَذَين. ويَحْتَمِلُ أنَّ يجوزَ له اخْتِيارُهما، إذا كانا صالحَين للولايةِ؛ لأنَّهما يَدْخُلان في عُمُومِ مَن أذِنَ له في الاخْتِيارِ منه، مع أهْلِيَّتهما، أشْبَها الأجانِبَ.
٤٨٣٣ - مسألة: (إذا مات المُوَلِّي، أو عُزِل المُوَلَّى مع صَلاحِيته، لم تَبْطُلْ ولايتُه في أحَدِ الوَجْهَين، وتَبْطُلُ في الآخَرِ) إذا وَلَّى الإمامُ قاضِيًا، ثم مات، لم يَنْعَزِلِ القاضِي؛ لأنَّ الخُلَفاءَ، ﵃، [وَلَّوْا حُكّامًا] (١) في زَمَنِهم، فلم يَنْعَزِلُوا بمَوْتِهم، ولأنَّ في عَزْلِه بمَوْتِ الإمام ضَرَرًا على المسلِمِين، فإنَّ البَلَدَ يَتَعَطَّلُ (٢) مِن الحُكّامِ، وتَقِفُ أحْكَامُ النَّاسِ إلى أنَّ يُوَلِّيَ الإِمامُ الثَّاني حَاكِمًا، وفيه
стр. 13998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَرَرٌ (١) عَظِيمٌ. وكذلك لا يَنْعَزِلُ القاضِي إذا عُزِل الإمامُ؛ لِما ذَكَرْنا. فأمَّا إن عَزَلَه الإمامُ الذي وَلَّاه أو غيرُه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَنْعَزِلُ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ لمَصْلَحَةِ المسلمين، فلم يَمْلِكْ عَزْلَه مع سَدادِ حالِه، كما لو عَقَدَ النِّكاحَ على مُوَلِّيَته، لم يكنْ له فَسْخُه. والثاني، [له عَزْلُه] (٢)، لِما رُوِيَ عن (٣) عُمَرَ، ﵁، أنَّه قال: لأعْزِلَنَّ أبا مَرْيَمَ (٤)، وأُوَلِّيَنَّ رجُلًا إذا رآهُ الفاجرُ فَرِقَه (٥). فعَزَلَه عن قَضاء البَصْرَةِ، ووَلَّى كَعْبَ بنَ سُورٍ مَكانَه. ووَلَّى عليٌّ، ﵁، أَبا الأسْوَدِ، ثم عَزَلَه، فقال له: لِمَ عَزَلْتَنِي، وما خُنْتُ (٦). قال: إنِّي رَأيتُك يَعْلُو كلامُك على الخَصْمَين. ولأنَّه يَمْلِكُ عَزْلَ أُمَرائِه ووُلاتِه على البُلْدانِ، فكذلك قُضاتُه. وقد كان عُمَرُ، ﵁، يُوَلِّى ويَعْزِلُ، فعَزَلَ شرَحْبِيلَ بنَ حَسَنَةَ
стр. 13999
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن ولايَته في الشامِ، ووَلَّى مُعاويَةَ، فقال له شُرَحْبِيلٌ: أمِن جُبْنٍ عَزَلْتَنِي، أو مِن (١) خِيانَةٍ؟ قال: من كلٍّ لا، ولكنْ أرَدْتُ رجلًا أقْوَى مِن رجلٍ. وعزلَ خالدَ بنَ الوليدِ، ووَلَّى أبا عُبَيدَةَ. وقد كان يُوَلِّي بعضَ الوُلاةِ الحُكْمَ مع الإمارَةِ، فوَلَّى أبا موسى البَصْرَةَ قضاءَها وإمْرَتَها (٢). ثم كان يَعْزِلُهم هو (٣)، ومَن لم يَعْزلْه، عَزَلَه عُثْمانُ بعدَه إلَّا القليلَ منهِم، فعَزْلُ القاضي أوْلَى. ويُفارِقُ عَزْلَه بمَوْتِ مَن وَلَّاه أو عَزْلِه؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، وههُنا لا ضَرَرَ فيه؛ لأنَّه لا يَعْزِلُ قاضيًا حتى يُوَلِّيَ آخَرَ مكانَه،
стр. 14000
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولهذا لا يَنْعَزِلُ الوالي (١) بمَوْتِ الإمامِ، ويَنْعَزِلُ بعَزْلِه. وقد ذَكَر شيخُنا في عَزْلِه بالموتِ، في الكتابِ المَشْرُوحِ وَجْهَين، وحَكاهما أبو الخَطَّابِ. والأوْلَى، إن شاءَ اللهُ، ما ذَكَرْنا. فأمَّا إن تَغَيَّرَتْ حالُ القاضي، بفِسْقٍ، أو زَوالِ عَقْل، أو مَرَضٍ يَمنعُه من القضاءِ، أو اخْتَلَّ فيه بعضُ شُرُوطِه، فإنَّه يَنْعَزِلُ بذلك، ويَتَعَيَّنُ على الإِمامِ عَزْلُه، وَجْهًا واحدًا. وأمَّا إذا اسْتَخْلَفَ القاضي خَلِيفَةً، فإنَّه يَنْعَزِلُ بمَوْتِه وعَزْلِه؛ لأنَّه نائِبُه، أشْبَهَ الوَكِيلَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِناءً على الوَكِيلِ) وقد مَضَى ذلك في كِتابِ الوَكالةِ (١).
فصل: وللإمامِ تَوْلِيَةُ القَضاء في بلدِه وغيرِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وَلَّى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ القَضاءَ (٢)، وولَّى عليًّا (٣) ومُعاذًا (٤). وقال عثمانُ [بنُ عَفّانَ] (٥) لابنِ عُمَرَ: إنَّ أباكَ كان يَقْضِي وهو خيرٌ منك. فقال: إنَّ أبي قد كان يَقْضِي، فإن أشْكَلَ عليه شيء، سأل رسولَ اللهِ ﷺ . وذَكَر الحديثَ (٦). رَواه [عُمَرُ بنُ شَبةَ] (٧)، في «قُضاةِ البَصْرَةِ». ورَوَى سعيدٌ، في «سُنَنِه» عن عمرِو بنِ العاصِ، قال: جاء خَصْمان إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال لي: «يَا عَمْرُو، اقْضِ بَينَهُمَا». قال: قلتُ: أنت أوْلَى بذلك مِنِّي يا رسولَ اللهِ. قال: «إنْ أصَبْتَ القَضَاءَ بَينَهُمَا، فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وإنْ أخْطَأْتَ، فَلَكَ حَسَنَةٌ» (٨). وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر مثلُه (٩). ولأن الامامَ يَشْتَغِلُ بأشْياءَ كثيرةٍ مِن مَصالِح
стр. 14003
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسلِمِين، فلا يَتَفَرَّغُ للقَضاءِ بينَهم. فإذا وَلَّى قاضيًا، اسْتُحِبَّ أنَّ يَجْعَلَ له أنَّ يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّه قد يَحْتاجُ إلى ذلك، فإذا أذِنَ له في الاسْتِخْلافِ، جازَ له بلا خِلافٍ نَعْلَمُه، وإن نَهاهُ، لم يكنْ له أنَّ يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّ ولايتَه بإذْنِه، فلم يَكنْ له ما [نهاه عنه] (١)، كالوكيلِ. وإن أطْلَقَ، فله الاسْتِخْلافُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يكونَ له ذلك؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ بالاذْنِ، فلم يكنْ له ما لم يَأْذَنْ فيه، كالوَكيلِ. ولأصْحابِ الشافعيِّ في هذا وَجْهان.
стр. 14004
وَإذَا قَال الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ في الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ: قَدْ وَلَّيتُهُ. لَمْ تَنْعَقِدِ الْولَايةُ لِمَنْ يَنْظُرُ.
ــ
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ الغَرَضَ مِن القَضاءِ الفَصْلُ بينَ المُتَخاصِمَين، فإذا فَعَلَه بنفسِه [أو بغيرِه، جاز، كما لو أذِنَ له، ويفارِقُ التَّوكِيل؛ لأنَّ الإِمام يُوَلِّي القَضاءَ للمسلمين] (١)، بخلافِ الوَكيلِ. فإنِ اسْتَخْلَفَ في مَوْضِع ليس له الاسْتِخْلافُ، فحُكْمُه حكمُ مَن لم يُوَلَّ.
٤٨٣٥ - مسألة: (وإذا قال المُوَلِّي: مَن نَظَر في الحُكْمِ في البَلَدِ الفُلانِيِّ مِن فُلانٍ وفُلانٍ، فهو خَلِيفَتِي، أو: قد وَلَّيتُه. لم تَنْعَقِدِ الولايةُ لمَن يَنْظُرُ) لأنَّه عَلَّقَها على شَرْطٍ، ولم يُعَيِّنْ بالولايةِ أحدًا منهم. ويَحْتَمِلُ أنَّ تَنْعَقِدَ لمَنِ نَظَر؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أميرُكُمْ (٢) زَيدٌ، فَإنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَميرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ» (٣). فعَلَّقَ ولايةَ