← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 13931–13970 · переход к 13936.

стр. 13931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ففيه روايَتان؛ إحْداهما، يَنْقَطِعُ صَوْمُه، ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُه؛ لأنَّه صومٌ يَجِبُ مُتَتابِعًا بالنَّذْرِ، فأبْطَلَه الفِطْرُ لغيرِ عُذْرٍ، [كما لو شَرَط التَّتابُعَ] (١)، وفارَقَ رمضانَ؛ فإن تَتابُعَه بالشَّرْعِ لا بالنَّذْرِ، وههُنا أوْجَبَه على نفسِه ثم فَوَّتَه، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَه مُتَتابِعًا. الثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ، إلَّا أن يكونَ قد شَرَط التَّتابُعَ. وهذا قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ وُجوبَ التَّتابُعِ ضَرُورَةُ التَّعْيِينِ لا بالشَّرطِ، فلم يُبْطِلْه الفِطْرُ في أثْنائِه، كشهرِ رمضان، ولأنَّ الاسْتِئْنافَ يَجْعَلُ الصومَ في غيرِ الوقتِ الذي عَيَّنَه، والوفاءَ بنَذْرِه في غيرِ وَقْتِه، وتَفْويتُ البعضِ لا يُوجِبُ تَفْويتَ الجميعِ. فعلى هذا، يُكَفِّرُ عن فِطْرِه، ويَقْضي أيَّامَ فِطْرِه بعدَ إتْمامِ صَوْمِه. وهذا أقْيَسُ، إن شاءَ اللهُ تعالى، وأصَحُّ. وعلى الرِّوايَةِ الأولَى، يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ عَقِيبَ الأيَّامِ التي أفْطَر

стр. 13932

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيها، ولا يجوزُ تَأخِيرُه؛ لأنَّ باقِيَ الشَّهْرِ مَنْذُورٌ، فلا يجوزُ تَرْكُ الصومِ فيه، وتَلْزَمُه كَفَّارَةٌ أيضًا؛ لإِخْلالِه بصومِ الأيَّامِ التي أفْطرَها. الحال الثَّاني، أفْطرَ لعُذْرٍ، فإنَّه يَبْنِي على ما مَضَى من صِيامِه [ويَقْضِي] (١)، ويُكَفِّرُ. هذا قِياسُ المذهبِ. وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه. وهو مذهبُ مالكٍ، والشَّافعيّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ، ولو أفْطرَ رمضانَ لعُذْرٍ لم يَلْزَمْه شيء. ولَنا، أنَّه فاتَ ما نَذَرَه، فلَزِمَتْه كَفَّارَة؛ لقولِ النبيِّ ﷺ لأخْتِ عُقْبَةَ بنِ عامِر: «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» (٢). وفارَقَ رمضانَ، فإنَّه لو أفْطرَ لغيرِ عُذْرٍ، لم تَجِبْ عليه كَفَّارَةٌ إلَّا في الجِماعِ، بخلافِ هذا. فصل: وإن جُنَّ جميعَ الشهرِ المُعَيَّنِ، لم يَلْزَمْه قَضاء ولا كَفَّارَة.

стр. 13933

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال أبو يوسفَ: يَلْزَمُه القَضاءُ؛ لأنَّه من أهلِ التَّكْلِيفِ [حالةَ نَذْرِه وقَضائِه، فلَزِمَه القَضاءُ، كالمُغْمَى عليه. ولَنا، أنَّه ليس من أهلِ التَّكْلِيفِ] (١) في وَقْتِ الوُجوبِ، فلم يَلْزَمْه القَضاءُ، كما لو كان في شهرِ رمضانَ. وإن حاضَتِ المرأةُ جميعَ الزَّمَنِ المُعَيَّنِ، فعليها القَضاءُ، وفي الكَفَّارَةِ وَجْهان. وقال الشَّافعيُّ: لا كفَّارَةَ عليها، وفي القَضاءِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُها، لأنَّ زمَنَ الصوم لا يُمْكِنُ الصومُ فيه، فلا يَدْخُلُ في النَّذْرِ، كزمنِ رمضانَ. ولَنا، أنَّ المَنْذُورَ يُحْمَلُ على المَشْرُوعِ ابْتِداءً، ولو حاضَتْ في شهرِ رمضانَ، لَزِمَها القَضاءُ، فكذلك المَنْذُورُ. فصل: وإن قال: للهِ عليَّ الحَجُّ في عامِي هذا. فلم يَحُجَّ لعُذْرٍ أبي غيرِه، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ. ويَحْتَمِلُ أن لا كَفَّارَةَ عليه إذا كان مَعْذُورًا. وقال الشَّافعيّ: إن تَعَذَّرَ عليه الحَجُّ لأحَدِ الشَّرائِطِ السَّبْعَةِ، أو مَنَعَه منه سُلْطان أو عَدُوٌّ، فلا قَضاءَ عليه، وإن حَدَث به مَرَضٌ، أو أخْطَأ، أو تَوانَى، قَضاه. ولَنا، أنَّه فاتَه الحَجُّ المنذورُ، فلَزِمَه قَضاؤه، كما لو مَرِض، ولأنَّ المنذورَ مَحْمُولٌ على المَشْرُوعِ ابْتِداءً، ولو فاتَه الشروعُ، [لَزِمَه قَضاؤه] (٢)، فكذلك المنْذُورُ.

стр. 13934

وَإذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْر، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ. ــ ٤٨١١ - مسألة: (وإن نَذَر صَوْمَ شَهْر، لَزِمَه التَّتابُعُ) إذا نَذَر صومَ شهو، فهو مُخَيَّرٌ بينَ أن يصومَ شهرًا بالهلالِ، فيُجْزِئُه، وبينَ أن يَصُومَه بالعَدَدِ ثلاثينَ يومًا، ويَلْزَمُه التَّتابُعُ، في أحَدِ الوَجْهَين. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، لأنَّ إطْلاقَ الشهرِ يَقْتَضِي التَّتابُعَ. والثَّاني، لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ.

стр. 13935

وإنْ نَذَرَ صِيَامَ أيَّام مَعْدُودَةٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتابُعُ، إلَّا أَنْ يَشتَرِطَهُ. ــ وهو قولُ الشَّافعيِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ؛ لأنَّ الشهرَ يَقَعُ على ما بينَ الهِلالين، وعلى ثلاثينَ يومًا، ولا خِلافَ في أنَّه يُجْزِئُه ثلاثونَ يومًا، فلم يلْزَمْه التَّتابُعُ، كما لو نَذَر ثلاثينَ يومًا. ٤٨١٢ - مسألة: (وإن نَذَر أيَّامًا مَعْدُودَةً، لم يَلْزَمْه التَّتابُعُ، إلَّا أن يَشْتَرِطَه) نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِيَ عنه في مَن قال: للهِ عليَّ صِيامُ عشَرةِ أيَّام. يصومُها مُتَتابِعًا. وهذا يَدُلُّ على وُجوبِ التَّتابعِ في الأَيَّامِ المَنْذُورَةِ. وهو اخْتِيارُ القاضي. وحَمَل بعضُ أصحابِنا كلامَ أحمدَ على مَن شَرَط التَّتابُعَ أو نَواه؛ لأنَّ لَفْظَ العشَرةِ لا يَقْتَضِي تَتابُعًا، والنَّذْرُ لا يَقْتَضِيه، ما لم يَكُنْ في لَفْظِه أو نِيَّته. وقال بعضُهم: كلامُ أحمدَ على ظاهِرِه، ويَلْزَمُه التَّتابُعُ في نَذْرِ العشَرةِ دونَ الثلاثينَ؛ لأنَّ الثلاثينَ شهرٌ، فلو أرادَ التَّتابُعَ لقال: شهرًا. فعُدُولُه إلى العدَدِ دليلٌ على إرادَةِ التَّفْرِيقِ،

стр. 13936

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بخِلافِ العشَرةِ. والصَّحِيحُ أنَّه لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ، فإن عَدَمَ ما يَدُلُّ على التَّفْرِيقِ ليس بدليل على التَّتابُعِ، فإن اللهَ تعالى قال في قَضاءِ (١) رمضانَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢). ولم يَذْكُرْ تَفْرِيقَها ولا تَتابُعَها، ولم يَجِبِ التَّتابُعُ فيها بالاتِّفاقِ. وقال بعضُ أصحابنا: إن نَذَر اعْتِكافَ أيَّام، لَزِمَه التَّتابُعُ، ولا يَلْزَمُ مثلُ ذلك في الصيامِ؛ لأَنَّ الاعْتِكافَ يَتَّصِلُ بعضُه ببعض مِن غيرِ فَصْل (٣)، والصَّوْمُ يَتَخَلَّلُه اللَّيلُ، فيَفْصِلُ بعضَه مِن بعض، ولذلك لو نَذَر اعْتِكافَ يومَين مُتَتابِعَين، لَدَخَلَ فيه اللَّيلُ. والصَّحِيحُ التَّسْويَةُ؛ لأنَّ الواجِبَ ما اقْتَضاهُ لَفظه، ولَفْظُه (١) لا يَقْتَضِي التَّتابعَ، بدليلِ نَذْرِ الصومِ، وما ذكَرُوه مِن الفَرْقِ لا أثرَ له. ومَن قال: يَلْزَمُه التَّتابعُ. لَزِمَتْه اللَّيالِي التي بينَ أيَّام الاعْتِكافِ، كما لو قال: مُتَتابِعَة.

стр. 13937

وَإنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا، فَأفطَرَ لِمَرض أو حَيض، قَضَى لا غَيرُ، وَإنْ أفْطَرَ لِغَيرِ عُذْرٍ، لَزِمَهُ الاسْتِئْنَافُ، وَإنْ أفْطَرَ لِسَفَر أوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَعَلَى وَجْهَينِ. ــ ٤٨١٣ - مسألة: (وإن نَذَر صِيامًا مُتَتابِعًا، فأفْطَرَ لمَرَض أو حَيضٍ، قَضَى لا غيرُ، وإن أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ، لَزِمَه الاسْتِئْنافُ، وإن أفْطَرَ لسَفَر أو ما يُبِيحُ الفِطْرَ، فعلى وَجْهَين) وجملتُه، أنَّ مَن نَذَر صِيامًا مُتَتابِعًا غيرَ مُعَيَّن، [ثم أفْطَرَ فيه] (١) لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحَدُهما، أن يُفْطِرَ لعُذْرٍ؛ مِن حَيض، أو مَرَض، أو نحوه، فهو مُخَيَّرٌ بينَ أن يَبْتَدِئ الصومَ، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمنْذُورِ على وَجْهِه، وبينَ أن يَبْنِيَ على صِيامِه ويُكَفِّرَ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ تَلْزَمُ لتَرْكِه المنذورَ وإن كان عاجِزًا، بدليلِ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أخْتَ عُقْبَةَ بنَ عامِر بالكَفَّارَة، لعَجْزِها عن المَشْي، ولأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ولو حَلَف ليَصُومَنَّ صِيامًا مُتَتابعًا، ثم لم يَأت به مُتَتابِعًا، لَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، وإنَّما جَوَّزْنا له البِنَاءَ ههُنا؛ لأنَّ الفِطْرَ لعُذْرٍ لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ حُكْمًا، كما لو أفْطَرَ في صِيامِ الشَّهْرَين المُتَتابعَين لعُذْرٍ، كان له البِنَاءُ. والذي ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المشروحِ، أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه إذا أفْطَرَ لعُذْرٍ، فإنَّه قال: قَضاهُ لا غيرُ. وهي إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، كما لو تَرَك التَّتابُعَ في الشَّهْرَين المُتَتابِعَين لعُذْرٍ، فإنَّه لا كَفَّارَةَ

стр. 13938

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه، كذا ههُنا. الحالُ الثَّاني، أن يُفْطِرَ لغيرِ عُذْرٍ، فهذا يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الصيامِ، ولا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه تَرَك التَّتابُعَ المنذورَ لغيرِ عُذْرٍ، مع إمْكانِ الإِتْيانِ به، فلَزِمَه فِعْلُه، كما لو نَذَر صومًا مُعَينًا، فصامَ قبلَه. فإن أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، كالسَّفَرِ، لم يَقْطَعِ التَّتابُعَ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه عُذْرٌ في فِطْرِ رمضانَ، فأشْبَهَ المَرَضَ. والثَّاني، يُفْطِرُ؛ لأنَّه أفْطر باخْتِيارِه، أشْبَهَ ما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ. فصل: إذا نَذَر صومَ شهر مُتَتابع، فصامَ من أوَّلِ الهِلالِ، أجْزَأه، تامًّا كان الشهرُ أو ناقِصًا؛ لأنَّ ما بينَ الهِلالين شَهْرٌ، ولذلك قال النبيُّ ﷺ : «إنَّمَا (١) الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» (٢). وإن بَدَأ مِن أثْناءِ شَهْر،

стр. 13939

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَزِمَه شهرٌ بالعدَدِ، ثلاثون يومًا؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤيَتهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتهِ، فإن غُمَّ عَلَيكُمْ، فأكْمِلُوا ثَلَاثِينَ» (١). [فإن صام شَوّالًا، لَزِمَه إكْمالُه ثلاثين] (٢)؛ لأنَّه بَدَأ مِن أثْنائِه، إن كان ناقِصًا، قضَى يَومينِ، وإن كان تامًّا أتَمَّ يومًا واحدًا. وإن صامَ ذا الحِجَّةِ، أفْطَرَ يومَ الأضْحَى وأيَّام التَّشْرِيقِ، ولم يَنْقَطِعْ تَتابُعُه، كما لو أفْطَرَتِ المرأةُ لحَيضٍ، وعليه كَفَّارَةٌ، ويَقْضِي أرْبَعةَ أيَّام إن كان تامًّا، وخمسة إن كان ناقِصًا. والأوْلَى أن لا يَلْزَمَه إلَّا أرْبَعَةٌ إذا كان ناقِصًا؛ لأنَّه بدَأ مِن أوَّلِه، فيَقْضِي المَتْرُوكَ منه حَسْبُ. وإن صامَ مِن أوَّلِ شَهْر، فمَرِضَ فيه أيَّامًا مَعْلُومَةً، أو حاضَتِ المرأةُ فيه ثم طَهُرَتْ قبلَ خُروجِه، قَضَى ما أفْطَرَ منه بعِدَّتِه إن كان الشَّهرُ تامًّا، وإن كان ناقِصًا، فهل يَلْزَمُه الإِتْيانُ بيَوْم آخَرَ؟ على وَجْهَين، بِناءً على ما ذَكَرْنا فيما إذا أفْطَرَ يومَ العيدِ وأيَّامَ التَّشْريقِ.

стр. 13940

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا نَذَر صِيامَ شهر مِن يومِ يَقْدَمُ فُلانٌ، فقَدِم في أوَّلِ شَهْرِ رمضانَ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ هذا نَذْر مُنْعَقِد، يُجْزِئُ صِيامُه عن النَّذْرِ ورمضانَ. وهو قولُ أبي يوسفَ. وقياسُ قولِ ابنِ عباس، وعِكْرِمَةَ؛ لأنَّه نَذَر صومًا في وَقْتٍ، وقد صامَ فيه. وقال القاضي، في «شَرْحِه»: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه غيرُ مُنْعَقِدٍ؛ لأنَّ نَذْرَه وافَقَ زَمَنًا يُسْتَحَقُّ صَومُه، فلم يَنْعَقِدْ نَذْرُه، كنَذْرِ صومِ رمضانَ. قال: والصَّحِيحُ عندِي صِحَّةُ النَّذْرِ؛ لأنَّه نَذْرُ طاعَةٍ يُمْكِنُ الوَفاءُ به غالِبًا، فانعَقَد، كما لو وافَقَ شعبانَ. فعلى هذا، يصومُ رمضانَ، ثم يَقْضِي ويُكَفِّرُ. وهذا اخْتِيارُ أبي بكر. ونَقَل جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أحمدَ، أنَّ عليه القَضاءَ. وقولُ الخِرَقِيِّ: أجْزَاة صِيامُه لرمضانَ ونَذْرِه. دليل على أنَّ نَذرَه انْعَقَد عندَه، ولولا ذلك ما كان صومُه عن نَذْرِه. وقد نَقَل أبو طالِبٍ عن أحمدَ، في مَن نَذَر أن يَحُجَّ وعليه حَجَّة مَفْرُوضَة، فأحْرَم عن النَّذْرِ: وَقَعَتْ عنِ المَفْرُوضِ، ولا يَجِبُ عليه شيءٌ آخَرُ. وهذا مثلُ قولِ الخِرَقِيِّ. ورَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباس، في رجل نَذَر أن يَحُجَّ،

стр. 13941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يَكُنْ حَجَّ الفَرِيضَةَ، قال: يُجْزِئُ لهما جميعًا. وعن عِكْرِمَةَ، أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال عِكْرِمَةُ: يَقْضِي حَجَّتَهُ عن نَذْرِه وعن (١) حَجَّةِ الإسْلامِ، أرَأيتُم لو أنَّ رجلًا نَذَر أن يُصَلِّيَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فصَلَّى العَصْرَ، أليس ذلك يُجْزِئُه مِن العصرِ والنَّذْرِ؟ قال: فذكَرْتُ قَوْلِي لابنِ عباس، فقال: أصَبْتَ و (٢) أحْسَنْتَ. وقال ابنُ عمرَ، وأنَسٌ: يَبْدَأ بحَجَّةِ الإِسْلامِ، ثم يَحُجُّ لنَذْرِه. وفائِدَةُ انْعِقادِ [نَذرِه، لُزومُ] (٣) الكَفَّارَةِ بتَرْكِه، وأنَّهِ لو لم يَنْوه لنَذْرِه، لَزِمَه قَضاؤه. وعلى هذا، لو وافَقَ نَذْرُه بعضَ رمضان، وبعضَ شَهْر آخَرَ، إمَّا شعبان، وإمَّا شوال، لَزِمَه صومُ ما خرَج عن رمضانَ، ويُتمُّه [مِن رمضانَ] (٤)، ولو قال: للهِ عليَّ صومُ رمضان. فعلى قياس قولِ الخِرَقِي، يَصِحُّ نَذْرُه، ويُجْزِئُه صِيامُه عن الأمرين، وتَلْزَمُه الكفَّارَةُ إن أخَلَّ به. وعلى قولِ القاضِي، لا يَنْعَقِدُ نَذْرُه. وهو مذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ صومُه عن النَّذْرِ، أشْبَهَ الليلَ. ولَنا، أنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ، فيَنْعَقِدُ (٥) في الواجِبِ مُوجِبًا للكَفَّارَةِ، كاليَمِينِ باللهِ

стр. 13942

وَإنْ نَذَرَ صِيَامًا، فَعَجَزَ عَنْهُ لِكِبَر، أوْ مَرَض لَا يُرْجَى بُرْؤهُ، أطعَمَ ــ تعالى. وقد نُقِلَ من أحمدَ، في مَن نَذَر أن يَحُجَّ العامَ، وعليه حَجَّةُ الإِسلام، رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، تُجْزِئُه حَجَّةُ الإِسْلامِ عنها وعن نَذْرِه. نَقَلَها أَبو طالِبٍ. والثَّانيةُ، يَنْعَقِدُ نَذْرُه مُوجِبًا لحَجَّةٍ غيرِ حَجَّةِ (١) الإِسْلامِ، ويَبْدَأ بحَجَّةِ الإِسْلامِ، ثم يَقْضِي نَذْرَه. نَقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ؛ لأنَّهما عِبادَتان تجِبانِ بسَبَبَين (٢) مُخْتَلِفَين، فلم تَسْقُطْ إحْداهما بالأخرَى، كما لو نَذَر حَجَّتَين. ووَجْهُ الأولَى، أنَّه نَذَر عِبادَةً في وقتٍ مُعَيَّن، وقد أتَى بها فيه، فأشْبَهَ ما لو قال: للهِ عليَّ أن أصومَ رمضانَ. فصل: فأمَّا إن قال: لله عِليَّ أن أصومَ شهرًا. فنَوَى صيامَ شهرِ رمضانَ لنَذْرِه ورمضانَ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ شَهْرَ رمضانَ واجِبٌ بفَرْضِ اللهِ تعالى، ونَذْرُه يَقْتَضِي (٣) إيجابَ شهر، فيَجِبُ شَهْران بسَبَبَين، فلا يُجْزِئُ أحدُهما عن الآخَرِ، كما لو نَذر صومَ شَهْرَين، وكما لو نَذَر أن يُصَلِّيَ ركعتَين، لم تُجْزِئْه صلاةُ الفَجْرِ عن نَذْرِه وعن الفجرِ. ٤٨١٤ - مسألة: (وإن نَذَر صيامًا، فعَجَز عنه لكِبَر، أو مَرَض

стр. 13943

عَنْهُ لكُلِّ يَوْم مِسْكِينًا. وَيَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولَا شَيْءَ عَلَيهِ. ــ لا يُرْجَى بُرْؤهُ، أطْعَم عنه لكلِّ يَوْم مِسْكِينًا. ويَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولا شَيْءَ عليه) مَن نَذَر طاعَةً لا يُطيقُها، أو كان قادِرًا عليها فعَجَزَ عنها، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لِما روَى عُقْبةُ بنُ عامِر، قال: نَذَرَتْ أخْتي أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ حافِيَةً، فأمَرَتْنِي أن أسْتَفْتِيِ لها رسولَ اللهِ ﷺ ، فاسْتَفْتَيتُه، فقال: «لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ». مُتَّفقٌ عليه (١). ولأبي داودَ (٢): «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا». وللتِّرْمِذِيِّ (٣): «وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّام». وعن عائشةَ، ﵂، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين» (٤). قال: «وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين». رَواه أبو داودَ (٥)، وقال: وَقَفَه مَن رَواه عنِ ابنِ

стр. 13944

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عباس. وقال ابنُ عباس: مَن نَذَرَ نَذْرًا لا يُطِيقُه فكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِين، ومن نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُه، فَلْيَفِ بما نَذَر (١). فإذا كَفَّرَ، وكان المَنْذُورُ غيرَ الصيامِ، لم يَلْزَمْه شيءٌ آخَرُ. وإن كان صِيامًا. فعن أحمدَ رِوايَتان؛ إحداهما، يَلْزَمُه لكلِّ يوم إطْعامُ مِسْكِين. قال القاضي: وهذا أصَحُّ؛ لأنَّه صَوْمٌ وُجِدَ سَبَبُ إيجابِه عَينًا (٢)، فإذا عَجَز عنه، لَزِمَه أن يُطْعِمَ عن كلِّ يوم مِسْكينًا، كصومِ رمضانَ، ولأنَّ المُطْلَقَ مِن كلامِ الآدَمِي يُحْمَلُ على المُطْلَقِ مِن كلام الله تعالى، ولو عَجَز عن الصومِ المَشْرُوعِ، أطْعَمَ عن كلِّ يومٍ مِسْكينًا، كذلك إذا عَجَز عن الصومِ المَنْذُورِ. والثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه شيء آخَرُ مِن إطْعام ولا غيرِه؛ لقَوْلِه: «مَنْ نَذَرَ نَذرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين». وهذا يَقْتَضي أن تكونَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ جميعَ كفَّارَتِه، ولأنَّه نَذْرٌ عَجَز عن الوَفاءِ به، فكان الواجبُ فيه كَفّارَةَ يَمِين، كسائرِ النَّذْرٍ، ولأنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ مُوجَبُ اليَمِينِ، إلَّا مع إمْكانِ الوَفاءِ به إذا كان قُرْبَة، ولا يَصِحُّ قياسُه على صومِ رمضانَ؛ لوَجْهَين؛

стр. 13945

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحَدُهما، أنَّ رمضانَ يُطْعَمُ عنه عندَ العَجز بالموتِ، فكذلك في الحياةِ، [وهذا بخِلافِه] (١). والثَّاني، أنَّ قياسَ المَنْذُورِ على المَنْذُورِ أوْلَى مِن قياسِه على (٢) المَفْرُوضِ بأصلِ الشَّرْعِ؛ لأنَّ هذا قد وَجَبَت فيه كفَّارَة، فأجْزَأت عنه، بخلافِ المشْروعِ. [وقولُهم: إنَّ المُطْلَقَ مِن كَلامِ الآدَمِيِّ مَحْمُولٌ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ. قُلْنا: وليس هذا بمُطْلَقٍ، وإنَّما هو مَنْذُور مُعَيَّن. ويَتَخَرَّجُ أن لا تَلْزَمَه كفَّارَة في العَجْزِ عنه، كما لو عَجَز عن الواجِبِ بأصْلِ الشرْعِ] (١). فصل: وإن عَجَز [عن الصومِ] (٣) لعارِض يُرْجَى زَوالُه، مِن مَرَض، أو نحوه، انْتَظَر زَواله، ولا تَلْزَمُه كَفَّارَة ولا غيرُها؛ لأنَّه لم يَفُتِ

стр. 13946

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوقْتُ، فيُشْبِهُ المرِيضَ في شهرِ رمضانَ، فإنِ اسْتَمَرَّ عَجْزُه إلى أن صارَ غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، صارَ إلى الكَفَّارَة والفِدْيَةِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخلافِ فيه. فإن كان العَجْزُ المَرْجُوُّ الزَّوال عن صوم مُعَيَّن فاتَ وَقْتُه، انْتَظَر الإمْكانَ ليَقْضِيَه. وهل تَلْزَمُه لفَواتِ الوقتِ كَفَّارَةٌ؟ علي رِوايَتَين، ذَكَرَهما أبو الخَطَّاب؛ إحداهما، تَجِبُ الكفَّارَةُ؛ لأنَّه أخَلَّ بما نَذَرَه على وَجْهِه، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كما لو نَذَر المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ فعَجَز، ولأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ، ولو حَلَف ليَصُومَنَّ هذا الشهرَ [فأفْطَرَه لعُذْرٍ] (١)، لَزِمَتْه الكفَّارَةُ، كذا ههُنا. والثَّانيةُ، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّه أتَى بصِيام أجْزَأ عن نَذْرِه مِن غيرِ تَفْرِيطِه، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَةٌ، كما لو صامَ ما عَيَّنَه. فصل: فإن نَذَر غيرَ الصيامِ، فعَجَز عنه، كالصَّلاةِ ونحوها، فليس عليهْ إلَّا الكفَّارَةُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَجْعَلْ لذلك بَدَلًا (٢) يُصارُ إليه، فوَجَبَت الكَفَّارَةُ؛ لمُخالفَتِه نَذْرَه فقط. وإن عَجَز عنه لعارِض، فحُكْمُه حكمُ الصيامِ سَواءً فيما فصَّلْناهُ.

стр. 13947

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن نَذَر صِيامًا، ولم يُسَمِّ عَدَدًا، ولم يَنْوه، أجْزَأه صومُ يوم، لا خِلافَ فيه؛ لأنَّه ليس في الشَّرْعِ صومٌ مُفْرَدٌ أقلّ مِن يوم، فلَزِمَه؛ لأنَّه اليَقِينُ. فإن نَذَر صلاةً مُطْلَقَةً، ففيها رِوايَتان؛ إحداهما، تُجْزِئُه ركعةٌ. نَقَلَها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، لأنَّ أقَلَّ الصلاةِ ركعةٌ، فإن الوترَ صلاة مَشْرُوعَةٌ، وهي ركعةٌ واحدة. ورُوِيَ عن عمرَ، ﵁، أنَّه تَطَوَّعَ بركعةٍ واحدةٍ (١). والثَّانيةُ، لا يجزِئُه إلَّا ركعتان. ذَكَرَها الْخِرَقِيُّ. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ أقَلَّ صلاةٍ وَجَبَتْ بالشَّرْعِ رَكعتان، فوَجَبَ حَمْلُ النَّذْرِ عليه، وأمَّا الوتْرُ، فهو نَفْلٌ، والنَّذْرُ فَرْضٌ، فحَمْلُه على المَفْرُوضِ أوْلَى، ولأنَّ الرَّكْعَةَ لا تُجْزِئ في الفَرْضِ، فلا تجْزِئُ في النَّفْلِ، كالسَّجْدَةِ. وللشَّافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين. فأمَّا إن عَيَّنَ بنَذْرِه عَدَدًا، لَزِمَه، قَلَّ أو كَثُرَ؛ لأنَّ النَّذْرَ يَثْبُتُ بقَوْلِه، فكذلك عَدَدُه، فإن نَوَى عَدَدًا، فهو كما لو سَمَّاه؛ لأنَّه نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، فلَزِمَه حُكْمُه، كاليَمِينِ. فصل: وإن نَذَر صومَ الدَّهْرِ، لَزِمَه، ولم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ،

стр. 13948

وَإنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ، أو مَوْضِع مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلا أن يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ لِعَجْزٍ أو غَيرِهِ، فَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِين. وَعَنْهُ، عَلَيهِ دَمٌ. ــ ولا أيَّامُ العيدِ والتَّشْريقِ. فإن أفْطَرَ لعُذْرٍ أو غيرِه، لم يَقْضِه؛ لأنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرقٌ بالصَّومِ المَنْذُورِ، لكنْ تَلْزَمُه كفَّارَةٌ لتَرْكِه. وإن لَزِمَه قَضاء [من رمضانَ] (١)، أو كَفَّارَة، قَدَّمَه على النَّذْرِ؛ لأنَّه واجِبٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، فيُقَدَّمُ على ما أوْجَبَه على نَفْسِه، كتَقْدِيمِ (٢) حَجَّةِ الإِسْلامِ على المَنْذُورَةِ. وإذا لَزِمَتْه كَفَّارَة لتَرْكِه صومَ يوم أو أكثرَ، وكانت كَفَّارَتُه الصِّيامَ، احْتَمَلَ أن لا (٣) يَجِبَ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ إلَّا بتَرْكِ الصومِ المَنْذُورِ، وتَرْكُه يُوجِبُ كفَّارَةً، فيُفْضِي ذلك (٣) إلى التَّسَلْسُلِ، وتَرْكِ المَنْذُورِ بالكُلِّيَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ الكَفَّارَةُ، ولا يَجِبُ بفِعْلِها كفَّارَةٌ؛ لأنَّ تَرْكَ النَّذْرِ لعُذْرٍ لا يُوجِبُ كَفَّارَةً، فلا يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ. واللهُ أعلمُ. ٤٨١٥ - مسألة: (وإن نَذَر المَشْيَ إلى بَيتِ اللهِ الحَرامِ، أو مَوْضِع مِن الحَرَمِ، لم يُجْزِئْه إلَّا أن يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فَإن تَرَك المَشْيَ لعَجْزٍ أو غيرِه، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين. وعنه، عليه دَمٌ) وجملةُ

стр. 13949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك، أنَّ مَن نَذَر المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ ، لَزِمَه الوَفاءُ بنَذْرِه. وبهذا قال مالكٌ، والأوْزَاعِيّ، والشَّافعيّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أن يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» (١). وقال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِي هذَا، والمَسْجِدِ الأقْصَى» (٢). ولا يُجْزِئُه المَشْيُ إلَّا في حَج أو عُمْرَةٍ. وبه يقولُ الشافِعِيُّ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلك لأنَّ المشيَ إليه في الشَّرْعِ هو المشيُ في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فإذا أطْلَقَ النَّاذِرُ، حُمِلَ على المَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ، ويَلْزَمُه المشيُ لنَذْرِه إيَّاه، فإن عَجَز عن المشي، رَكِب، وعليه كَفَّارَةُ يَمِين. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُه دَم.

стр. 13950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو قولُ الشَّافِعِيِّ. [وأفْتَى به] (١) عَطاءٌ؛ لِما روَى ابنُ عباس، أنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر نَذَرَتِ المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ، فأمَرَها النبيُّ ﷺ أن تَرْكَبَ، وتُهْدِيَ هَدْيًا. رَواه أبو داودَ (٢)، وفيه ضعفٌ. [ولأنَّه] (٣) أخَلَّ بواجبٍ في الإِحْرام، فلَزِمَه هَدْيٌ، كتاركِ الإِحْرام مِن المِيقاتِ. وعن ابنِ عمرَ، وابن الزُّبَيرِ، قالا: يَحُجُّ مِن قابل، ويَرْكَبُ ما مَشَى ويَمْشِي ما رَكِب (٤). ونحوَه قال ابنُ عباسٍ (٤)، وزادَ: ويُهْدِي. وعن الحسنِ مثلُ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ. وعن النَّخَعِيِّ رِوايتان؛ إحداهما، كقولِ ابنِ عمرَ. والثَّانيةُ، كقولِ ابنِ عباس. وهذا قولُ مالكٍ. وقال أبو حنيفةَ: عليه (٥) هَدْيٌ، سَواءٌ عَجَز عن المشْي أو قَدَر عليه، وأقل الهَدْي شاةٌ. وقال الشَّافعيُّ: لا تَلْزَمُه مع العَجْزِ كفَّارَة بحالٍ،

стр. 13951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلَّا أن يكونَ النَّذْرُ إلى بيتِ اللهِ، فهل يَلْزَمُه هَدْيٌ؟ فيه قَوْلانِ، وأمَّا غيرُه، فلا يَلْزَمُ مع العَجْزِ شيءٌ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ لأخْتِ عُقْبةَ بنِ عامِر، لَمَّا نذَرَتِ المشْيَ إلى بيتِ اللهِ: «لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» (١). وقولُ النبيِّ ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ» (٢). ولأنَّ المَشْيَ ممَّا لا يُوجِبُه الإِحْرامُ، فلم يَجِبِ الدَّمُ ببرْكِه، كما لو نَذَرَت صلاةَ رَكعتين، فتَرَكَتْهما، وحدِيثُ الهَدْي ضَعِيف، وهذا حُجَّة على الشَّافعيِّ، حيثُ أوْجَب الكفَّارَةَ عليها [مِن غيرِ ذكرِ] (٣) العَجْزِ. فإن قيلَ: إنَّ النبيَّ ﷺ أوْجَبَ عليها (٤) الكفَّارَةَ مِن غيرِ ذِكْرِ العَجْزِ. قُلْنا: يَتَعَيَّنُ حَمْلُه على حالةِ العَجْزِ؛ لأنَّ المشيَ قُرْبَة، لكَوْنِه مَشْيًا إلى عِبادَةٍ، والمشْيُ إلى العِبادَةِ أفضلُ، ولهذا رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَرْكَبْ في عِيدٍ ولا جِنازَةٍ (٥). فلو كانت قادِرَةً على المشي، لأمَرَها به، ولم يَأمُرْها

стр. 13952

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [بالرُّكوبِ والتَّكْفيرِ] (١)، ولأنَّ المشيَ المَقْدُورَ عليه لا يَخْلُو مِن أن يكونَ واجِبًا أو مُباحًا؛ فإن كان واجِبًا، لَزِم (٢) الوَفاءُ به، وإن كان مُباحًا، لم تَجِبِ الكَفَّارَةُ بتَرْكِه عندَ الشَّافعيِّ، وقد أوجَب الكفَّارَةَ ههُنا، وتَرْكُ ذِكْرِه في الحديثِ؛ إمَّا لِعلمِ النبيِّ ﷺ بحالِها وعَجْزِها، وإمَّا لأنَّ الظَّاهِرَ مِن حالِ المرأةِ العَجْزُ عن المَشْي إلى مَكَّةَ. أو (٣) يكونُ قد ذُكِر في الخَبَرِ، فتَرَك الرَّاوى ذِكْرَه. وقولُ أصحابِ أبي حنيفةَ: إنَّه أخَلَّ بواجِبٍ في الحَجِّ. قُلْنا المشيُ لم يُوجِبْه الإِحْرامُ، ولا هو مِن مَناسِكِه، فلم يَجِبْ بتَرْكِه هَدْيٌ، كما لو نَذَر صلاةَ ركعتين في الحَجِّ، فلم يُصَلِّهِما. فأمَّا إن تَرَك المَشْيَ مع إمْكانِه، فقد أساءَ، وعليه كَفَّارَة لتَرْكِه صِفَةَ النَّذْرِ. وقياسُ المذهبِ أن يَفزَمَه اسْتِئْناف الحَجِّ ماشِيًا؛ لتَرْكِه صِفَةَ المَنْذُورِ، كما لو نَذَر صَوْمًا مُتَتابِعًا فأتى به مُتَفَرِّقًا. فإن عَجَز عن المشي بعدَ الحَجِّ، كَفَّر، وأجْزَأه. وإن مَشَى بعضَ. الطريقِ ورَكِب بعضًا، فعلى هذا القياسِ، يَحْتَمِلُ أن يكون كقولِ ابنِ عمرَ، وهو أن يَحُجَّ فيَمْشِيَ

стр. 13953

وَإنْ نَذَرَ الرُّكُوبَ، فَمَشَى، فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ. ــ ما رَكِب، ويَرْكبَ ما مَشَى. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه إلَّا حَجٌّ يَمْشِي في جميعِه؛ لأنَّ ظاهِرَ النَّذْرِ يَقْتَضي هذا. ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، وهو أن لا يَلْزَمَه بتَرْكِ المشي المَقْدُورِ عليه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ، أنَّ المشْيَ ليس بمَقْصودٍ في الحجِّ، ولا وَرَد الشَّرْعُ باعْتِبارِه في مَوْضِع، فلم يَلْزَمْه بتَرْكِه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ، كما لو نَذَر التَّحَفِّيَ وشِبْهَه، وفارَقَ التَّتابُعَ في الصيامِ؛ فإنَّه صِفَةٌ مَقْصُودَة فيه، اعْتَبرَها الشَّرْعُ في صيامِ كفَّارَتَيِ الظِّهارِ والقَتْلِ. ٤٨١٦ - مسألة: (فإن نَذَر الرُّكُوبَ، فمَشَى، فعلى الرِّوَايَتَين) إذا نَذَر الحجَّ راكِبًا، لَزِمَه الحجُّ كذلك؛ لأنَّ فيه إنْفاقًا في الحَجِّ، فإن تَرَك الرُّكوبَ، فعليه كَفَّارَة. وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: يَلْزَمُه دَمٌ؛ لتَرَفُّهِه (١) بتَرْكِ الانْفاقِ. وعن أحمدَ مثلُ ذلك. وقد بَيَّنّا أنَّ الواجِبَ بتَرْكِ النَّذْرِ الكفَّارَةُ دونَ الهَدْي، إلَّا أنَّ هذا إذا مَشَى ولم يَرْكَبْ مع إمْكانِه،

стр. 13954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يَلْزَمْه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ؛ لأنَّ الرُّكوبَ في نفْسِه ليس بطاعَةٍ، ولا قُرْبَةٍ. وكلُّ مَوْضِعٍ نَذَر المشيَ فيه أو الركوبَ، فإنَّه يَلْزَمُه الإِتْيانُ بذلك مِن دُوَيرَةِ أهْلِه، إلَّا أن يَنْويَ مَوْضِعًا بعَينِه، فيَلْزَمَه مِن ذلك المَوْضِعِ؛ لأنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ على أصْلِه في الفَرْضِ، والحَجُّ المفْروضُ [بأصلِ الشَّرْعِ] (١) يَجِبُ كذلك. ويُحْرِمُ للمَنْذُورِ مِن حيثُ يُحْرِمُ للواجِبِ. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ الإحْرامُ مِن دُوَيرَةِ أهلِه، لأنَّ إتْمامَ الحَجِّ كذلك. ولَنا، أنَّ المُطْلَقَ محمولٌ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ، والإِحْرامُ الواجبُ إنَّما هو مِن المِيقاتِ، ويَلْزَمُه المَنْذُورُ مِن المشي أو الركوبِ في الحجِّ أو (٢) العُمْرَةِ إلى أن يَتَحَلَّلَ؛ لأنَّ ذلك انْقِضاءُ الحَجِّ والعُمْرَةِ. قال أحمدُ: يَرْكَبُ في الحَجِّ إذا رَمَى، وفي العُمْرةِ إذا سَعَى؛ لأنَّه لو وَطِئ بعدَ ذلك، لم يُفْسِدْ [حَجًّا ولا عُمْرَة] (٣). وهذا يَدُلّ على أنَّه إنَّما يَلْزَمُه في الحجِّ مِن (٤) التَّحَلُّلِ الأولِ. فصل: وإذا نَذَر المشْيَ إلى البيتِ الحَرامِ، أو بُقْعَةٍ منه، كالصَّفا والمروةِ وأبي قُبيس، أو مَوْضِع مِن الحرمِ، لَزِمَه حَجٌّ أو عُمرَة. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الشَّافعي. وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه إلَّا أن يَنْذِرَ المشْيَ

стр. 13955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى الكعبةِ، أو إلى مكةَ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ، إن نَذَر المشيَ إلى الحَرم، أو المسجدِ الحَرامِ كقَوْلِنا، وفي باقي الصُّوَرِ كقولِ أبي حنيفةَ. ولَنا، أَنَّه نَذَر المشيَ إلى مَوْضِع مِن الحَرمِ، أشْبَهَ النَّذْرَ إلى مكةَ. فأمَّا إن نَذَر المشيَ إلى غيرِ الحَرمِ، كعَرَفَةَ، ومَواقِيتِ الإحْرامِ، وغيرِ ذلك، لم يَلْزَمْه ذلك، ويكونُ كنَذْرِ المُباحِ. وكَذلك إن نَذَر إتْيانَ مسجدٍ سِوَى المساجدِ الثلاثةِ، لم يَلْزَمْه إتْيانُه. وإن نَذَر الصلاةَ فيه، لَزِمَتْه (١) الصَّلاةُ دونَ المسجدِ (٢)، ففي أيِّ مَوْضِع صَلَّى أجْزَأه؛ لأنَّ الصلاةَ لا تَخْتَصُّ مَكانًا دونَ مكانٍ، فلَزِمَتْه الصَّلاةُ دونَ المَوْضِعِ. ولا نعلمُ في هذا خِلافًا، إلَّا عن اللَّيثِ، فإنَّه قال: لو نَذَر صلاةً أو صيامًا بمَوْضِع، لَزِمَه فِعْلُه في ذلك الموضِعِ، ومَن نَذَر المشيَ إلى مسجدٍ، مَشَى إليه. قال الطَّحاويّ: ولم يُوافِقْه على ذلك أحَدٌ مِن الفُقَهاءِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثةِ مَسَاجدَ؛ المَسْجِدِ الْحَرَامِ، ومَسْجِدِي هَذَا، والْمَسْجِدِ الأقْصَى». مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولو لَزِمَه المشيُ إلى مسجدٍ بَعِيدٍ لشَدَّ الرَّحْلَ إليه، وقد ذَكَرْناه في الاعْتِكافِ (٤). فصل (٥): فإن نَذَر المشيَ إلى بيتِ اللهِ، ولم يَنْو شيئًا، ولم يُعَيِّنه،

стр. 13956

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انْصَرَف إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ؛ لأنَّه المَخْصُوصُ بالقَصْدِ دونَ غيرِه، وإطْلاقُ بيتِ اللهِ يَنْصَرِفُ إليه دونَ غيرِه في العُرْفِ، فيَنْصَرِفُ إليه في النَّذْرِ. فصل: إذا نَذَر المشيَ إلى بيتِ اللهِ، أو الرُّكوبَ إليه، ولم يُرِدْ بذلك حَقِيقَةَ المشي، إنَّما أرادَ إتْيانَه، لزِمَه إتْيانُه في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ؛ [لِما ذَكَرْنا. ولم يَتَعَيَّنْ عليه مشيٌ، ولا ركوبٌ؛ لأنَّه عَيَّنَ ذلك بنَذْرِه، وهو مُحْتَمِل له، فأشْبَهَ ما لو صَرَّح به. وإن نَذَر أن يَأتيَ بيتَ اللهِ الحَرامَ، أو يذهبَ إليه، لَزِمَه إتْيانُه في حَج أو عُمْرَةٍ] (١). وعن أبي حَنيفةَ، لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ إتْيانِه ليس بقرْبَةٍ ولا طاعَةٍ. ولَنا، أنَّه عَلَّقَ نَذْرَه بوُصولِ البيتِ، فلَزِمَه، كما لو قال: لله عِليَّ المشيُ إلى الكعبةِ. إذا ثَبَت هذا، فهو مُخَيَّر في المَشْي والرُّكوبِ. وكذلك إذا نَذَر أن يَحُجَّ البيتَ أو يَزُورَه؛ لأنَّ الحجَّ يَحْصُلُ بكُلِّ واحدٍ مِن الأمْرَين، فلم يَتَعَيَّنْ أحَدُهما، وإن قال: للهِ عليَّ أن آتِيَ البيتَ الحرامَ، غيرَ حاج ولا مُعْتَمِر. لَزِمَه الحَجُّ أو (٢) العُمْرَةُ، وسَقَط شَرْطُه. وهذا أحدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ قولَه: لله عِليَّ أن آتِيَ البيتَ. يَقْتَضِي حَجًّا أو عُمْرَةً، وشَرْطُ سُقوطِ ذلك يُناقِضُ (٣) نَذْرَه، فسَقَط حُكْمُه.

стр. 13957

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا نَذَر المشيَ إلى مسجدِ النبيِّ ﷺ ، أو المسجدِ الأقْصَى، لَزِمَه ذلك. وبهذا قال مالكٍ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وهو أحدُ قَوْلَي الشَّافعيِّ. وقال في الآخرِ: لَا يَتَبَيَّنُ لي وُجوبُ المشي إليهما؛ لأنَّ البرَّ بإتْيانِ بيتِ اللهِ فرْضٌ، والبِرَّ بإتْيانِ هذَين نَفْلٌ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هذَا، وَالْمَسْجِدِ الأقْصَى». ولأنَّهَ أحدُ المساجدِ الثلاثةِ، فيَلْزَمُ [المشيُ إليه بالنَّذْرِ] (١)، كالمسجدِ الحَرامِ، ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَه (٢)، فإنَّ كلُّ قُرْبَةٍ تَجِبُ بالنَّذْرِ، وإن لم يَكُنْ لها أصْل في الوُجوبِ، كعِيادةِ المَرْضَى، وشُهودِ الجَنائزِ. ويَلْزَمُه بهذا النَّذْرِ أن يُصَلِّيَ في المَوْضِعِ الذي أتاهُ رَكْعَتين؛ لأنَّ القَصْدَ بالنَّذْرِ القُرْبَةُ والطَّاعَةُ، وإنَّما يَحْصُلُ ذلك بالصَّلاةِ، فتَضَمَّنَ ذلك نَذْرُه، كما يَلْزَمُ ناذِرَ المشي إلى بيتِ الله الحرامِ أحَدُ النُّسُكَين. ونَذْرُ الصلاةِ في أحدِ المَسجدين كنَذْرِ

стр. 13958

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المشي إليه، كما أنَّ نَذْرَ أحدِ النُّسُكَين في المسجدِ الحَرامِ كنَذْرِ المشي إليه. وقال أبو حنيفةَ: لا تَتَعَيَّنُ عليه الصَّلاةُ في مَوْضِعٍ بالنَّذْرِ، سَواءٌ كان في المسجدِ الحَرامِ أو غيرِه، لأنَّ ما لا أصْلَ له في الشَّرْعِ، لا يجِبُ بالنَّذْرِ، بدليلِ نَذْرِ الصلاةِ في سائرِ المساجدِ. ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ عمرَ، ﵁، قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي نَذَرْتُ أن أعْتَكِفَ ليلةً في المسجدِ الحرامِ. قال: «أوفِ بِنَذْرِكَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). [ولأنَّ الصلاةَ فيها أفضلُ مِن غيرِها، بدليلِ قولِ النبيِّ ﷺ : «صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيرٌ مِنْ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِواهُ إلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ». مُتَّفَقٌ عليه] (٢). ورُوي عنه ﵊: «صَلَاة فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمائَةِ ألْفِ صَلَاةٍ» (٣). وإذا كان فَضِيلَةً وقُرْبَةً، لَزِم بالنَّذْرِ، كما لو نَذَر طُول القِراءَةِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالعُمْرَةِ، فإنَّها تَلْزَمُ بالنَّذْرِ، وهي غيرُ واجبةٍ عندَهم. فصل: إذا نَذَر الصلاةَ في المسجدِ الحرامِ، لم تُجْزِئْه الصَّلاةُ في غيرِه؛ لأنَّه أفضلُ المساجدِ وخيرُها (٤)، وأكثرُها ثَوابًا للمُصَلِّي فيها.

стр. 13959

وَإنْ نَذَرَ رَقَبَةً، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُهُ عَنِ الْوَاجِبِ، إلَّا أن يَنْويَ رَقَبَةً ــ وإن نَذَر الصلاةَ في السجدِ الأقْصى، أجْزَأتْه الصَّلاةُ في المسجدِ الحَرامِ؛ لِما رَوَى جابِرٌ، أنَّ رجلًا قامَ يومَ الفَتْحِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي نَذَرْتُ إن فَتَح اللهُ عليكَ أن أصَلِّيَ في بيتِ المَقْدِسِ رَكْعَتَين. قال: «صَلِّ ههُنا». ثم أعادَ عليه فقال: «صَلِّ ههُنَا». ثم أعادَ عليه، قال: «صَلِّ ههُنَا». ثم أعادَ عليه، قال: «شَأنَكَ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، ولَفْظُه: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ صَلَّيتَ ههُنَا لَأجْزَأ عَنْكَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي بَيتِ الْمَقْدِسِ» (١). وقد سَبَق هذا في كتابِ (٢) الاعْتِكافِ. فصل: وإن أفْسَد الحَجَّ المَنْذُورَ ماشيًا، وَجَب القَضاءُ مَشْيًا؛ لأنَّ القَضاءَ يكونُ على صِفَةِ الأداءِ. وكذلك إن فاتَه الحَجُّ، لكنْ إن فاتَه الحَجُّ، سَقَط تَوابع الوُقوفِ، مِن المَبِيتِ (٣) بمُزْدَلِفَةَ ومِنًى، والرَّمْي، وتَحَلَّل للعُمْرَةِ (٤)، ويَمْضِي في الحَجِّ الفاسدِ ماشيًا حتَّى يَحِلَّ منه. ٤٨١٧ - مسألة: (فإن نَذَر رَقَبَةً، فهي التي تُجْزِئُ عن الواجِبِ ،

стр. 13960

بِعَينهَا. ــ إلَّا أن يَنْويَ رَقَبَةً بعَينِها) إذا نذَرَ عِتْقَ (١) رَقَبَةٍ، فهي التي تُجْزِئُ في الكفَّارَةِ، وهي المُؤمِنَةُ السَّلِيمَةُ مِن العُيوبِ المُضِرَّةِ بالعَمَلِ، على ما ذَكَرْنا في بابِ الظِّهارِ (٢)؛ لأنَّ النَّذْرَ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على المعهودِ في الشَّرْعِ، والواجبُ بأصْلِ الشَّرْعِ كذلك. وهو أحدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ. والثَّاني، تُجْزِئُه أيُّ رَقَبَةٍ كانتْ، صَحِيحَةً أو مَعِيبَةً، مُسْلِمَةً أو كافِرَةً؛ لأنَّ الاسمَ يَتَناول جميعَ ذلك. [ولَنا، أنَّ] (٣) المُطْلَقَ يُحْمَلُ على معهودِ الشَّرْعِ، وهو الواجبُ في الكفَّارَةِ، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بنَذْرِ المشْي إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ، فإنَّه لا يُحْمَلُ على ما تَناوَلَه الاسمُ. فأمَّا إن نَوَى رَقَبَةً بعَينها، أجْزَاة عِتْقُها، أيَّ رَقَبَةٍ كانتْ؛ لأنَّه نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه. وإن نَوَى ما يَقَعُ عليه اسمُ الرَّقَبَةِ، أجْزَأه ما نَوَاه؛ لِما ذَكَرْنا، فإن المُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بالنِّيَّةِ، كما يَتَقَيَّدُ بالقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ. قال أحمدُ في مَن نَذَر [عِتقَ عبدٍ بعَينِه] (٤)، فماتَ قبْلَ أن يُعْتِقَه (٥): تَلْزَمُه كفَّارَةُ يَمِين، ولا يَلْزَمُه عِتْقُ عبدٍ؛ لأنَّ هذا شيءٌ فاتَه، على حديثِ عُقبةَ بنِ عامِر، وإليه

стр. 13961

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أذهبُ (١) في الفائِتِ وما عُجِزَ عنه. فصل: ومَن نَذَر حَجًّا، أو صيامًا، أو صدقةً، أو عِتْقًا، أو اعْتِكافًا، أو صلاةً، أو غيرَه (٢) مِن الطَّاعاتِ، وماتَ قبلَ فِعْلِه، فعَلَه الوَلِيُّ عنه. وعن أحمدَ في الصلاةِ: لا يُصَلِّي عن المَيِّتِ؛ لأنَّها لا بَدَلَ لها بحالٍ، وأمَّا سائِرُ الأعْمالِ فيَجُوزُ أن يَنُوبَ الوَلِيُّ عنه فيها، وليس بواجِبٍ عليه، لكنْ يُسْتَحَبُّ له ذلك على سبيلِ الصِّلَةِ له والمعروفِ. وأفْتَى بذلك ابنُ عباس في امْرَأةٍ نَذَرَتْ أن تَمْشِيَ إلى قُبَاءٍ، فماتَتْ ولم تَقْضه، أن تَمْشِيَ ابْنَتُها عنها (٣). وروَى سعيد (٤)، عن سُفيانَ، عن عبدِ الكريمِ بنِ أبي أُمَيَّةَ، [عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله] (٥)، أنَّه سألَ ابنَ عباس عن نَذْر كان على أُمِّه مِن اعْتِكافٍ، قال: صُمْ عنها، واعْتَكِفْ عنها. وقال (٦): حَدَّثَنا أبو الأحْوَصِ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ، عن عامرِ بنِ مُصْعبٍ (٧)، أنَّ

стр. 13962

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عائشةَ اعْتَكَفَتْ عن أخِيها عبدِ الرحمنِ بعدَ ما ماتَ. وقال مالكٌ: لا يَمْشِي أحدٌ من أحَدٍ، ولا يصومُ عنه، ولا يُصَلِّي، وكذلك سائِرُ أعْمالِ البَدَنِ، قياسًا على الصلاةِ. وقال الشَّافعي: يَقْضِي عنه الحَجَّ، ولا يَقْضِي الصلاةَ، قولًا واحدًا، ولا يَقْضِي الصومَ، في أحَدِ القولَين، ويُطْعَمُ عنه في كلِّ يوم مِسْكين؛ لأنَّ ابنَ عمرَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَليُطْعَمْ عَنْهُ عَنْ كُلِّ يَوْم مِسْكِينٌ». أخْرَجه ابنُ ماجَه (١). وقال أهلُ الظَّاهِرِ: يَجِبُ القَضاءُ على وَلِيِّه، لظاهِرِ الأخْبارِ الوارِدَةِ فيه. وجُمْهورُ أهلِ العلمٍ على أنَّ القَضاءَ ليس بواجِب على الوَلِيِّ، إلَّا أن يكونَ حَقَّا في المالِ، ويكون للمَيِّتِ تَرِكَة، فأمْرُ النبيِّ ﷺ في هذا مَحمُولٌ على النَّدْبِ والاسْتِحْبابِ، بدليلِ قَرائِنَ في الخَبَرِ؛ منها أنَّ النبيَّ ﷺ شَبَّهَه بالدَّينِ، وقَضاءُ الدَّينِ عن المَيِّتِ لا يَجِبُ على الوارِثِ ما لم يُخَلِّفْ تَرِكَةً يُقْضَى منها. ومنها أنَّ السائِلَ سألَ النبيَّ ﷺ : هل يَفْعَلُ ذلك أولًا؟ وجَوابُه يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ مُقْتَضَى سُؤالِه، فإن كان مُقْتَضاهُ السُّؤال عن الإباحَةِ، فالأمْرُ في جَوابِه يَقْتَضِي الإباحَةَ، وإن كان السُّؤالُ عن الأجْزاءِ، فأمْرُه يَقْتَضِي الإِجْزَاءَ، كقَوْلِهم: أنصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ؟ قال: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ» (٢). وإن كان السُّؤالُ عن الوُجوبِ، فأمْرُه يَقْتَضِي الوُجوبَ،

стр. 13963

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كقولِهم: أنتَوَضَّأ مِن لُحُومِ الإِبِلِ؟ قال: «نَعَمْ، تَوَضَّئوا مِنْهَا» (١). وسؤالُ السَّائلِ في مسألَتِنا كان عن الإِجْزاءِ، فأمْرُ النبيِّ ﷺ له (٢) بالفِعْلِ يَقْتَضِيه لا غيرُ. ولَنا، على جَوازِ الصِّيامِ عن المَيِّتِ، ما رَوَت عائشةُ، ﵂، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ، وَعَلَيهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». وعن ابنَ عباسٍ، قال: جاءَ رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمِّي ماتَت وعليها صومُ شَهْرٍ، أفأصُومُ عنها؟ قال: «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَين، أكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟» قالْ نعم. قال: «فَدَينُ اللهِ أحَقُّ أن يُقْضَى». وفي روايَةٍ قال: جاءَتِ امْرأة إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمِّي ماتت وعليها صومٌ، أفَأصُومُ عنها؟ قال: «أرَأيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَين فَقَضَيتهِ، أكَانَ يُؤدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟». قالتْ: نعم. قال: «فَصُومِي عَنْ أمِّكِ». مُتَّفَقٌ عليهِنَّ (٣). وعن ابنِ عباس، أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ، اسْتَفْتَى النبيَّ ﷺ في نَذْرٍ كان على أُمِّه، فتُوُفِّيَتْ قبلَ أن تَقْضِيَه، فأفْتاه أن يَقْضيَه، فكانت سُنَّةً

стр. 13964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعدُ (١). وعنه أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ ﷺ ، فقال: إنَّ أمِّي نَذَرَتْ أن تَحُجَّ، وإنَّها ماتتْ. فقال النبيُّ ﷺ : «لَوْ كَانَ عَلَيهَا دَينٌ، أكنْتَ قَاضِيَهُ؟». قال: نعم. قال: «فَاقْضِ اللهَ، فَهُوَ أحقُّ بِالْقَضَاءِ». رَواه البخارِيُّ (٢). وهذا صريحٌ في الصَّومِ والحَجِّ، ومُطْلَقٌ في النَّذْرِ، وما عدا المذكورَ في الحديثِ (٣) فمُقاسٌ عليه، وحديثُ ابنِ عمرَ في الصومِ (٤) الواجِبِ بأصْلِ الشَّرْعِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه عليه جمعًا بينَ الحديثَين، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ، لَكانتْ أحادِيثُنا أصَحَّ، وأكثَرَ، وأوْلَى بالتَّقْديمِ. إذا ثَبَت هذا، فإن الأوْلَى أن يَقْضِيَ النَّذْرَ عنه وارِثُه، وإن قَضاه غيرُه، أجْزَأ عنه، كما لو قَضَى عنه دَينَه؛ فإن النبيَّ ﷺ شَبَّهَه بالدَّينِ، وقاسَه عليه، ولأنَّ ما يَقْضيه الوارِثُ إنَّما هو تَبَرُّع منه، وغيرُه مثلُه في التَّبَرُّعِ. وإن كان النَّذْرُ في مالٍ، تَعَلَّق بِتَرِكَتِه.

стр. 13965

وَإنْ نَذَرَ الطَّوافَ عَلَى أرْبَع، طَافَ طَوَافَينِ. نَصَّ عَلَيهِ. ــ ٤٨١٨ - مسألة: (وإن نَذَر أن يَطُوفَ على أرْبَع، طافَ طَوافَين. نصَّ عليه) قال ذلك ابنُ عباس؛ لِمَا رَوَى مُعاويةُ بنُ حُدَيجٍ (١) الكِنْدِيُّ، أنَّه قَدِمَ على رسولِ اللهِ ﷺ ، معه أُمُّه كَبْشةُ بنتُ مَعْدِي كَرِبَ، عَمَّةُ الأشْعَثِ بنِ قَيس، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي آليتُ أن أطُوفَ بالبيتِ حَبْوًا. فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ : «طُوفِي عَلَى رِجْلَيكِ سَبْعَينِ؛ سَبْعًا عَنْ يَدَيكِ، وسَبْعًا عَنْ رِجلَيكِ». أخْرجَه الدَّارَقُطْنِيُّ (٢) بإسْنادِه. وقال ابنُ عباس، في امرأةٍ نَذَرَتْ أن تَطُوفَ بالبيتِ على أربع، قال: تَطوفُ عن يَدَيها سَبْعًا، وعن رِجْلَيها سبعًا. رَواه سعيد (٣).

стр. 13966

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والقياسُ أن يَلْزَمَه طَوافٌ واحدٌ على رِجْلَيه، ولا يَلْزَمُه على يَدَيه؛ لأنَّه غيرُ مَشْروع، فيَسْقُطُ، كما أنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر نَذَرَتْ أن تحُجَّ غيرَ مُخْتَمِرَةٍ، فأمَرَها النبيُّ ﷺ أن تَحُجَّ وتَخْتَمِرَ (١). وروَى عِكْرِمَةُ أنَّ النبيَّ ﷺ كان في سَفَرٍ، فحانَتْ منه نَظْرة، فإذا امرأة ناشِرَة شَعَرَها، قال: «مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ» (٢). ومَرَّ برجلَين مَقْرونَين، فقال: «أطْلِقَا قِرَانَكُما» (٣). وقد ذَكَرْنا حديثَ أبي إسْرَئِيلَ الذي نَذَر أن يصومَ، ويفعلَ أشياءَ، فأمَرَه رسولُ اللهِ ﷺ بالصَّومِ وَحْدَه، ونَهاه عن سائرِ نُذُورِه (٤). وهل تَلْزَمُه كفَّارَة؟ يُخرَّجُ فيه وَجْهان؛ بِناءً على ما تَقَدَّمَ.

стр. 13967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقياسُ المذهبِ لُزومُ الكفَّارةِ؛ لإِخْلالِه بِصفةِ نَذْرِه وإن كان غيرَ مَشْروع، كما لو كانَ أصلُ النَّذْرِ غيرَ مَشْروع. وأمَّا وَجْهُ الأوَّلِ، فإن مَن نَذَر الطَّوافَ على أرْبَع، فقد نَذَر الطَّوافَ على يَدَيه ورِجْلَيه، فأُقيمَ الطَّواف الثَّانِي مُقامَ طَوافِه على يَدَيه.

стр. 13968

كتاب القضَاءِ ــ كتابُ القَضاءِ الأصلُ في القَضاءِ ومَشْرُوعِيَّته الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللهِ تعالى: [﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقَوْلُه تعالى] (١): ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢). وقولُه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ﴾ (٤). وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، ﵄، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «إذا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأصابَ، فَلَهُ أجرَانِ، وَإذَا اجْتَهَدَ فَأخطَأ فَلَهُ أجر». مُتَّفَقٌ عليه (٥). في آيٍ

стр. 13969

وَهُوَ فَرْضُ كِفَايةٍ. قَال أحْمَدُ، ﵀: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِم، أتذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ! ــ وأخْبارٍ سِوَى ذلك كثيرةٍ. وأجْمَعَ المسلمون على مَشْروعِيَّةِ نَصْبِ القَضاءِ (١)، والحكْمِ بينَ النَّاسِ. ٤٨١٩ - مسألة: (وهو فَرْضٌ كِفايَةٍ) لأنَّ أمْرَ النَّاسِ لا يَسْتَقِيمُ بدُونِه، فكان واجِبًا عليهم، كالجِهادِ والإمامَةِ (قال أحمدُ، ﵀: لا بُدَّ للنَّاسِ مِن حاكِم، أتَذْهَب حقوقُ النَّاسِ!) وفيه فَضْلٌ عظيمٌ لمَن قَوِيَ على القِيامِ به، وأداء الحقِّ فيه، ولذلك جعلَ الله فيه أجْرًا على الخَطَأ، وأسْقَطَ عنه حُكْمَه، ولأنَّ فيه أمْرًا بالمَعْروفِ، ونُصْرة للمَظْلُومِ، وأداءَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، ورَدَّ الظَّالِمِ عن ظُلْمِه، وإصْلاحًا بينَ النَّاسِ، وتَخْلِيصًا لبعضِهم مِن بعض، وذلك مِن أبوابِ القُرَبِ؛

стр. 13970

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولذلك تَوَلَّاه النَّبيُّ ﷺ ، والأنْبِياءُ قبلَه، فكانوا يَحْكُمُون لأمَمِهم، وبَعَث عليًّا إلى اليمنِ قاضِيًا (١)، وبَعَث مُعاذًا قاضِيًا (٢). وعن عُقْبَةَ بنِ عامر، قال: جاء خَصْمانِ يَخْتَصِمان إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال لي (٣): «اقْضِ بَينَهُما». قلتُ: أنت أوْلَى بذلك. قال (٤): «وَإنْ كَانَ». قلتُ: علامَ أقْضِي؟ قال: «اقْضِ، فَإنْ أصَبْتَ فَلَكَ عَشرَةُ أُجُور، وَإنْ أخْطَأتَ فَلَكَ أجْر وَاحِدٌ». رَواه سعيد في «سُنَنِه» (٥). ووَلَّى عمرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكعبَ بنَ سُورٍ (٦) قَضاءَ البَصْرَةِ.
следующие страницы →