وَإِنْ أَنْكَرَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ المُدَّعِي: أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا. أَوْ: بِعْتُهُ. فَيَقُولَ: مَا أَقْرَضَنِي وَلَا بَاعَنِي. أَوْ: مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ،
ــ
مسْألَتِه. وعلى القولِ الأوَّلِ، إن سأله الخَصْمُ الحُكْمَ، حَكَم له على المُقِرِّ. والحُكْمُ أن يقولَ: قد ألْزَمْتُك ذلك. أو: قَضَيتُ عليك له. أو يقولَ: اخْرُجْ إليه منه. فمتى قال له أحدَ هذه الثَّلاثةِ، كان حُكْمًا بالحَقِّ.
٤٨٧٣ - مسألة: (وإن أنْكَرَ، مثلَ أن يَقُولَ المُدَّعِي: أقْرَضْتُه ألْفًا. أو: بِعْتُه. فيَقُولَ: مَا أقْرَضَنِي ولا باعَنِي. أو: ما يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ
стр. 14107
وَلَا شَيئًا مِنْهُ. أَوْ: لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ. صَحَّ الجَوَابُ.
ــ
ما ادَّعاه، ولا شَيئًا منه. أو: لا حَقَّ له عَلَيَّ. صَحَّ الجَوابُ).
стр. 14108
وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ. فَإِنْ لَمْ يَقُلْ، قَال الْحَاكِمُ: أَلَكَ
ــ
٤٨٧٤ - مسألة: (وللمُدَّعِي أن يقولَ: لي بَيِّنَةٌ) وهذا مَوْضِعُ
стр. 14109
بَيِّنَةٌ؟ فَإِنْ قَال: لِي بَيِّنَةٌ. أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا.
ــ
البينةِ (فإن لم يَقُلْ، قال الحاكمُ: ألكَ بينَةٌ؟) لِما رُوِيَ أنَّ رَجُلَين اخْتَصما إلى النبيِّ ﷺ ؛ حَضْرَمِيٌّ وكِنْدِيٌّ، فقال الحَضْرَمِيُّ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا غَلَبَنِي على أرضٍ لي. فقال الكِنْدِيُّ: هي أرْضِي، وفي يَدِي، وليس له فيها حَقٌّ. فقال النبيُّ ﷺ للحَضْرَمِيِّ: «ألَكَ بَيِّنَةٌ؟». قال: لا. قال: «فَلَكَ يَمِينُهُ» (١). وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وإن كان المُدَّعِي عارِفًا بأنَّه مَوْضِعُ البيِّنةِ، فالحاكمُ مُخَيَّرٌ بينَ أن يقولَ: ألك بَينةٌ؟ وبينَ أن يَسْكُتَ (فإذا قال: لي بَيِّنَةٌ) حاضِرَةٌ. (أمَرَه بإحْضارِها) ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ. وذَكَر في كتابِ «المُغْنِي» (٢) أنَّ المُدَّعِيَ
стр. 14110
فَإِنْ أَحْضَرَهَا، سَمِعَهَا الحَاكِمُ، وَحَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ المُدَّعِي.
ــ
إذا قال: لي بينةٌ. لم يَقُلْ له الحاكمُ: أحْضِرْها. لأنَّ ذلك حَقٌّ له، فله أنْ يَفْعَلَ ما يَرَى. فإذا أحْضَرَها لم يَسْألْها الحاكمُ عمّا عندَها حتى يَسْألَه المُدَّعِي ذلك؛ لأنَّه حَقٌّ له، فلا يتَصَرَّفُ فيه مِن غيرِ إذْنِه، فإذا سألَه المُدَّعِي سُؤَالها، قال: مَن كانت عندَه شَهادةٌ فَلْيَذْكُرْ، إنْ شاء. ولا يقولُ لهما: اشْهَدا. لأنَّه أمْرٌ. وكان شُرَيحٌ يقولُ للشّاهِدَين: ما أنا دَعَوْتُكما، ولا أنْها كُما أنْ تَرْجِعا، وما يَقْضِي على هذا المسلمِ غيرُكما، وإنِّي بكما أقْضِي اليومَ، وبكما أتَّقِي يومَ القيامةِ (١).
٤٨٧٥ - مسألة: فإذَا سَمِع الحاكِمُ الشَّهادَةَ، وكانت صَحِيحَةً (حَكَم بها إذا سَألَه المُدَّعِي) فيقولُ للمُدَّعَى عليه: قد شَهِدا عليك، فإن كان عندَك ما يَقْدَحُ في شَهادَتِهما فبَيِّنْه عندِي. فإنْ لم يَظْهَرْ
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فِي مَجْلِسِهِ، إِذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ، أَوْ سَمِعَهُ معه شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَلَهُ الْحُكْمُ بِهِ، نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال القَاضِي: لَا يَحْكُمُ بِهِ.
ــ
٤٨٧٦ - مسألة: (ولا خلافَ في أنَّه يَجُوزُ له الحُكْمُ بالإِقْرارِ والبينةِ في مَجْلِسِه، إذا سَمِعَه معه شاهِدانِ، فإن لم يَسْمَعْه معه أحَدٌ، أو سَمِعَه معه شاهِدٌ واحِدٌ، فله الحُكْمُ. نَصَّ عليه) لأنَّ الإِقْرارَ أحَدُ البَيِّنَتَين، فجاز الحكمُ به في مجْلِسِه، كالشَّهادَةِ (وقال القاضي: لا يَحْكُمُ به) حتى يَسْمَعَه معه شاهِدان؛ لأنَّه إذا لم يَسْمَعْه
стр. 14113
وَلَيسَ لَهُ الحُكْمُ بِعِلْمِهِ، مِمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ. نَصَّ عَلَيهِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الأَصْحَابِ. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ غَيرِهِ.
ــ
معه أحَدٌ، كان حُكْمًا بعِلْمِه.
٤٨٧٧ - مسألة: (وليس له الحُكْمُ بعِلْمِه فيما رَآه أو سَمِعَه) في غيرِ مَجْلِسِه (نَصَّ عليه. وهو اخْتِيارُ الأصْحابِ. وعَنْهُ مَا يَدُلُّ على جوازِ ذلك، سواءٌ كان في حَدٍّ أوْ غَيرِه) ظاهِرُ المذهبِ أَنَّ الحاكمَ لا يَحْكُمُ بعِلْمِه في حَدٍّ ولا غيرِه، وسواءٌ في ذلك ما عَلِمَه قبلَ الولايَةِ أو بعدَها. هذا قولُ شُرَيحٍ، والشَّعْبِيِّ، ومالكٍ، [وإسْحاقَ] (١)، وأبي عُبَيدٍ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، يجوزُ له ذلك. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، وأبي ثَوْرٍ، والقولُ الثاني للشافعيِّ، واخْتِيارُ المُزَنِيِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لَمّا قالتْ له هندٌ: إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِن النَّفَقةِ ما يَكْفِيني ووَلَدِي. قال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (٢). فحَكَم لها مِن غيرِ بينةٍ ولا إقْرارٍ،
стр. 14114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لعلمِه بصِدْقِها. ورَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ (١)، في «كتابِه» أنَّ عُرْوَةَ ومُجاهِدًا رَوَيا، أنَّ رجلًا مِن بني مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عمرَ بنَ الخَطَّابِ على أبي سُفْيانَ بنِ حَرْبٍ، أنَّه ظَلَمَه حَدًّا في موضِعِ كذا وكذا. فقال عمرُ: إنِّي لأعْلَمُ الناسِ بذلك، ورُبَّما لَعِبْتُ أنا (٢) وأنتَ فيه، ونحنُ غِلمانٌ، فائْتِنِي بأبي سُفْيانَ. فأتاه به، فقال عمرُ: يا أبا سُفْيانَ، انْهَضْ بنا إلى موضعِ كذا وكذا. فنَهَضُوا، ونَظَر عُمَرُ، فقال: يا أبا سُفْيانَ، خُذْ هذا الحَجَرَ مِن ههُنا فَضَعْه ههُنا. فقال: واللهِ لا أفْعَلُ. فقال: واللهِ لتَفْعَلَنَّ. فقال: واللهِ لا أفْعَلُ. فَعَلاه بالدِّرَّةِ، وقال: خُذْه لا أُمَّ لك، فضَعْه ههُنا، فإنَّك ما عَلِمْتُ قَدِيمُ الظُّلْمِ. فأخَذَ أبو سُفْيانَ الحَجَرَ، ووَضَعَه حيثُ قال عمرُ، ثم إنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فقال: اللهمَّ لك الحَمْدُ حيثُ لم تُمِتْنِي حتى غَلَبْتُ أبا سفيانَ على رَأْيه، وأذْلَلْتَه لي بالإِسْلامِ. قال (٣): فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ أبو سُفْيانَ، وقال: اللَّهُم لك الحمدُ، إذ (٤) لم تُمِتْنِي حتى جَعَلْتَ
стр. 14115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في قلبِي مِن الإِسْلامِ ما أذِلُّ بِه لعُمَرَ. قال: فحَكَمَ بعلمِه. ولأنَّ الحاكمَ يَحْكُمُ بالشّاهِدَين؛ لأنَّهما يَغْلِبان على الظَّنِّ، فما تَحَقَّقَه وقَطَع به كان أَوْلَى، ولأنَّه يَحْكُمُ بعِلْمِه (١) في تَعْديلِ الشُّهودِ وجَرْحِهم، فكذلك في ثُبُوتِ الحَقِّ، قياسًا عليه. وقال أبو حنيفةَ: ما كان مِن حُقوقِ اللهِ تعالى، لا يَحْكُمُ فيه بعِلْمِه؛ لأنَّ حُقوقَ اللهِ تعالى مَبْنِيَّةٌ على المُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ، وأمَّا حُقوقُ الآدَمِيِّين فما عَلِمَه قبلَ ولايَتِه، [لم يَحْكُمْ به، وما عَلِمه في ولايتِه، حَكَم به؛ لأنَّ ما عَلِمَه قَبْلَ ولايتِه بمنْزِلَةِ ما سَمِعه مِن الشُّهودِ قَبْلَ ولايتِه] (٢)، وما عَلِمَه في ولايتِه بمنزلةِ ما سَمِعَه مِن الشُّهودِ في ولايتِه. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّمَا أنَا بَشَرٌ، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِه مِن بعضٍ، فَأقْضِيَ لَهُ عَلَى (٣) نَحْو مَا أسْمَعُ مِنْهُ» (٤). فدَلَّ على أنَّه إنَّما يَقْضِي بما يَسْمَعُ، لا بما يَعْلَمُ. وقال
стр. 14116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبيُّ ﷺ ، في قَضِيَّةِ (١) الحَضْرَمِيِّ والكِنْدِيِّ: «شَاهِدَاك أوْ يَمينُهُ، لَيسَ لَكَ مِنْه إلَّا ذاك» (٢). ورُوِيَ عن عمرَ، ﵁، أنَّه تَداعَى عندَه رجُلانِ، فقال له أحَدُهما: أنتَ شاهِدِي. فقال: إنْ شِئْتما شَهِدْتُ ولم أحْكُمْ، أو أحْكُمُ ولا أشْهَدُ (٣). وذَكَر ابنُ عبدِ البَرِّ (٤)، عن عائشةَ، ﵂، أنَّ النبيَّ ﷺ بَعَث أبا جَهْمٍ على الصَّدَقَةِ، فَلَاحَاه رجلٌ في فَرِيضةٍ، فوَقَعَ بينَهما شِجَاجٌ، فأتَوُا النبيَّ ﷺ ، فأعْطاهم الأَرْشَ، ثم قال: «إنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ، وَمُخْبِرَهُمْ أنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُم، أرَضِيتُم؟» قالوا: نعم. فصَعِدَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وذَكَر القِصَّةَ، وقال: «أرَضِيتُم؟» قالوا: لا. وهَمَّ بهم المُهاجِرُون، فنَزَلَ النبيُّ ﷺ فأعْطاهم، ثم صَعِد، فخَطَبَ الناسَ، فقال: «أرَضِيتُم؟» قالوا: نعم. وهذا (٥) يُبَيِّنُ أنَّه لم يَأْخُذْ بعِلْمِه. ورُوِيَ عن أبي بكرٍ،
стр. 14117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵁، قال: لو رَأيتُ [حَدًّا على رجلٍ] (١)، لم أحُدَّه (٢) حتى تقومَ البَيِّنَةُ (٣). ولأنَّ تَجْويزَ القضاءِ بعِلْمِه يُفْضِي إلى تُهْمَتِه والحُكْمِ بما اشْتَهَى، ويُحِيلُه على عِلْمِه. فأمَّا حديثُ أبي سُفْيانَ، فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه فُتْيا لا حُكْمٌ، بدليلِ أنَّ النبيَّ ﷺ أفْتَى في حَقِّ (٣) أبي سُفْيانَ مِن غيرِ حُضورِه، ولو كان حُكْمًا عليه لم يَحْكُمْ عليه في غَيبَتِه. وحديثُ عمرَ الذي رَوَوْه، كان إنْكارًا لمُنْكَرٍ رَآه، لا حُكْم (٤)، بدليلِ أنَّه ما وُجِدَتْ منهم دَعْوَى ولا إنْكارٌ بشُرُوطِهما، ودليلُ ذلك ما رَوَيناه عنه، ثم لو كان حُكْمًا، كان مُعارَضًا بما رَوَيناه عنه. ويُفارِقُ الحُكْمَ بالشَّهادةِ؛ فإنَّه لا يُفْضِي إلى تُهْمَةٍ، بخلافِ مسألتِنا. وأمَّا الجَرْحُ والتَّعْديلُ، فإنَّه يَحْكُمُ فيه بعِلْمِه، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه لو لم يَحْكُمْ فيه (٥) بعِلْمِه، لتَسَلْسَلَ، فإنَّ المُزَكِّيَين يَحْتاجُ إلى مَعْرفَةِ عَدالتِهما وجَرْحِهما، فإذا لم يَعْمَلْ بعِلْمِه، احْتاجَ كلُّ واحدٍ منهما إلى مُزَكِّيَين، ثم كلُّ واحدٍ منهما يَحْتاجُ إلى مُزكِّيَين، فيَتَسَلْسَلُ، وما نَحْنُ فيه بخلافِه.
стр. 14118
وَإِنْ قَال المُدَّعِي: مَا لِي بَيِّنَةٌ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ اليَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ، وإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَهُ، أَحْلَفَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
ــ
٤٨٧٨ - مسألة: (وإن قال المُدَّعِي: ما لي بَيِّنَةٌ. فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يمينِه، فيُعْلِمُه أنَّ له اليمينَ على خَصْمِه، فإن سأله إحْلافَه، أحْلَفَه) لأنَّ الحَقَّ له، فإذا أحْلَفَه خَلَّى سَبِيلَه. وليس له اسْتِحْلافُه قبلَ مسألةِ المُدَّعِي؛ لأنَّ اليمينَ حقٌّ له، فلم يَجُزِ اسْتِيفاؤُها قبلَ مُطالبَةِ مُسْتَحِقِّها، كنفسِ الحقِّ، وسَقَطَتِ الدَّعْوى؛ لِما رَوَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ رجلًا مِن حَضْرَ مَوْتَ، ورجلًا مِن كِنْدَةَ، أتَيا رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال الحَضْرَمِيُّ: إنَّ هذا غَلَبَنِي على أرْضٍ لي، وَرِثْتُها مِن أبي. وقال الكِنْدِيُّ: أرْضِى، وفي يَدِي، لا حقَّ له فيها. فقال النبيُّ ﷺ : «شَاهِدَاكَ أوْ يمينُه». قال: إنَّه لا يَتَوَرَّعُ مِن شيءٍ. قال: «لَيسَ لَكَ إلَّا ذلك». رَواه
وَإِنْ أَحْلَفَهُ، أَوْ حَلَفَ هُوَ مِنْ غَيرِ سُؤَالِ المُدَّعِي، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ.
ــ
٤٨٧٩ - مسألة: (وإن أحْلَفَه، أو حَلَف مِن غيرِ سُؤَالِ المُدَّعِي، لم يُعْتَدَّ بيمينِه) لأنَّه أتَى بها في غيرِ وَقْتِها. فإن سألها المُدَّعِي، أعادها له؛ لأنَّ الأُولَى لم تكنْ يمينَه. وإن أمْسَكَ المُدَّعِي (١) عن إحْلافِ خَصْمِه المُدَّعَى عليه، ثم أراد إحْلافَه بالدَّعْوَى المُتقدِّمةِ، جاز؛ لأنَّه لم يُسْقِطْ حقَّه منها، وإنَّما أخَّرَها. وإن قال: أبْرَأْتُكَ مِن هذه اليمينِ. سَقَط حقُّه
стр. 14121
وَإِنْ نَكَلَ، قَضَى عَلَيهِ بِالنُّكُولِ. نَصَّ عَلَيهِ. وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا. فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ حَلَفْتَ، وَإِلَّا قَضَيتُ عَلَيكَ. ثَلَاثًا، فَإِنْ
ــ
منها في هذه الدَّعْوَى، وله أن يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى؛ لأنَّ حقَّه لا يَسْقُطُ بالإِبْراءِ مِن اليمينِ. فإنِ اسْتَأْنفَ الدَّعْوَى، وأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فله أن يُحْلِفَه؛ لأنَّ هذه الدَّعْوَى غيرُ الدَّعْوَى التي أبْرأه فيها (١) مِن اليمين، فإن حَلَف سَقَطَتِ الدَّعْوَى، ولم يكنْ للمُدَّعِي أنْ يُحْلِفَه يمينًا أُخْرَى، لا في هذا المجلسِ ولا في غيرِه.
٤٨٨٠ - مسألة: (وإن نَكَل، قَضَى عليه بالنُّكُولِ. نصَّ عليه. واخْتارَه عامَّةُ شُيوخِنا. فيقولُ له: إنْ حَلَفْتَ، وإلَّا قَضَيتُ عليك .
стр. 14122
لَمْ يَحْلِفْ، قَضَى عَلَيهِ إِذَا سَأَلَ المُدَّعِي ذَلِكَ.
ــ
ثلاثًا، فإن لم يَحْلِفْ، قَضَى عليه إذا سألَ المُدَّعِي ذلك) لِما روَى أحمدُ (١)، أنَّ ابنَ عمرَ باع زيدَ بنَ ثابتٍ عبدًا، فادَّعَى عليه زيدٌ أنَّه باعَه إيَّاه عالِمًا بعَيبِه، فأنْكَرَه ابنُ عمرَ، فتَحاكَما إلى عثمانَ، ﵁، فقال عُثْمانُ: احْلِفْ بأنَّك ما عَلِمْتَ به عَيبًا. فأبَي ابنُ عُمَرَ أن يَحْلِفَ،
وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، تُرَدُّ اليَمِينُ عَلَى المُدَّعِي. وَقَال: قَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ، وَقَال: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ. فَيُقَالُ لِلنَّاكِلِ: لَكَ رَدُّ اليَمِينِ عَلَى المُدَّعِي. فَإِنْ رَدَّهَا، حَلَفَ المُدَّعِي، وَحَكَمَ لَهُ.
ــ
حنيفةَ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه لا يَحْكُمُ بالنُّكُولِ، ولكنْ يَرُدُّ اليمينَ على خَصْمِه (وقال: قد صَوَّبَه أحمدُ، وقال: ما هو ببعيدٍ، يَحْلِفُ) ويَسْتَحِقُّ. فيقولُ الحاكِمُ لخَصْمِه: (لك رَدُّ اليَمينِ على المُدَّعِي. فإن رَدَّها، حَلَف المُدَّعِي، وحكَمَ له) لِما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ رَدَّ اليمينَ على صاحِب الحقِّ. رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ (١). ورُوِيَ أنَّ المِقْدادَ اقْتَرَض مِن عثمانَ مالًا، فقال عثمانُ: هو سبْعَةُ آلافٍ. وقال المقدادُ: هو أرْبَعةُ آلافٍ. فقال المقْدادُ لعثمانَ: احْلِفْ أنَّه سَبْعَةُ آلافٍ. فقال (٢)
стр. 14126
وَإِنْ نَكَلَ أَيضًا صَرَفَهُمَا، فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَبَذَلَ الْيَمِينَ، لَمْ يَسْمَعْهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حَتَّى يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ.
ــ
عمرُ: أنْصَفَك (١). فإن حَلَف، حَكَم له.
٤٨٨١ - مسألة: (وإن نَكَل أيضًا صَرَفَهما) إذا نَكَل المُدَّعِي، سُئِل عن سببِ نُكُولِه؛ لأنَّه لا يَجِبُ بنُكُولِه لغيرِه حقٌّ، بخِلافِ المُدَّعَى عليه، فإن قال: امْتَنَعْتُ لأنَّ لي بَيِّنَةً أُقِيمُها -أو- حِسابًا أنْظُرُ فيه. فهو على حقِّه مِن اليمينِ، ولا يُضَيَّقُ عليه في اليمينِ؛ لأنَّه لا يتَأخَّرُ بتَرْكِه إلَّا حقُّه، بخلافِ المُدَّعَى عليه. وإن قال: لا أُريدُ أن أحْلِفَ. فهو ناكِلٌ (فإن عاد أحدُهما فبذَلَ اليمينَ، لم يَسْمَعْها في ذلك المجلسِ) لأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها (حتى يَحْتَكِما في مجلسٍ آخَرَ) فإذا اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى، أُعِيدَ
وَإنْ قَال المُدَّعِي: لِي بَيَنةٌ. بَعدَ قَوْلِهِ: مَا لِي بَيَنةٌ. لَمْ تُسْمَعْ. ذَكَرَهُ الخِرَقِيّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُسْمَعَ.
ــ
٤٨٨٢ - مسألة: (وإن قال المُدَّعِي: لي بَينة. بعد قولِه: ما لي بينة. لم تُسْمَعْ. ذَكَرَه الخِرَقي) لأنَّه أكْذَبَ بَيِّنتَه، لكونِه أقَرَّ أنَّه لا يَشْهَدُ له أحدٌ، فإن شَهِد له إنْسان، كان تَكْذِيبًا له (ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ) لأنَّه
وَإنْ قَال: مَا أعْلَمُ لِي بَينةً. ثُمَّ قَال: قَدْ عَلِمتُ لِي بَيَنةً. سُمِعَتْ. وإنْ قَال شَاهِدَانِ: نَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ. فَقَال: هَذَانِ بَيِّنتِي. سُمِعَتْ. وَإنْ قَال: مَا أرِيدُ أن تَشْهَدَا لِي. لَمْ يُكَلَّفْ إِقَامَةَ البَينةِ.
ــ
٤٨٨٣ - مسألة: (وإن قال: لا أعْلَمُ لي بَينةً. ثم قال: قد عَلِمْتُ لي بَينةً. سُمِعَتْ) لأنه يجوزُ أن تكونَ له بَينة لم يَعْلَمْها، ثم عَلِمَها.
٤٨٨٤ - مسألة: (وإن قال شاهدان: نحن نَشْهَدُ لكَ. فقال: هذان بَينتِي. سُمِعَتْ) قاله أبو الخَطَّابِ؛ لِما ذَكَرْنا.
٤٨٨٥ - مسألة: (وإن قال: ما أرِيدُ أن تَشْهَدَا لي. لم يُكَلَّفْ إقامَةَ البَيِّنةِ) لأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها.
стр. 14131
وَإنْ قَال: لِي بَيَنةٌ وَأرِيدُ يَمِينَهُ. فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، فَلَهُ إحْلَافُهُ. وَإنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَينِ. فَإن حَلَفَ المُنْكِرُ ثُمَّ أحْضَرَ المُدَّعِي بَيَنةً، حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنِ اليَمِينُ مُزيلَةً لِلْحَقِّ.
ــ
٤٨٨٦ - مسألة: (وإن قال: لي بَيِّنة وأرِيدُ يمينَه. فإن كانت غائِبَةً، فله إحلافُه، وإن كانت حاضِرَةً، فهل له ذلك؟ على وَجْهَين) إذا قال المُدَّعِي: لي بَيِّنة غائبة. قال له (١) الحاكمُ: لكَ يمينُه، فإن شِئْتَ فاسْتَحْلِفْه، وإن شِئْتَ أخَّرْتُه إلى أن تُحْضِرَ بَينتَكَ، وليس لكَ مُطالبَتُه بكفيل، ولا مُلازَمَتُه حتى تُحْضِرَ البَينةَ. نصَّ عليه أحمدُ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ، لَيسَ لَكَ إلَّا ذَلِكَ» (٢) (فإن أحْلَفَه، ثم [حَضَرَتْ بَيِّنتُه] (٣)، حَكَم بها، ولم تكنِ اليمينُ مُزِيلَةً للحَقِّ) لأنَّ اليمينَ إنَّما يُصارُ إليها عندَ عَدَمِ البَيِّنةِ،
стр. 14132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإذا وُجِدَتِ البَيِّنةُ بَطَلَتِ اليمينُ وتَبيَّنَ كَذِيها. فإن قال: لي بَيِّنة حاضِرَة، وأرِيدُ يمينَه ثم أقِيمُ بَينتِي. لم يَمْلِكْ ذلك، في أحَدِ الوَجْهَينٍ. وفي الآخَرِ، له إحْلاقُ. وهو قولُ أبي يُوسُفَ، كما لو كانتِ البَينةُ غائبة. ولَنا، قوله، ﵊: «شَاهِدَاكَ أوْ يَمينُهُ، لَيسَ لَكَ إلَّا ذلِكَ». [و «أو» للتَّخْيِيرِ] (١) بينَ شَيئَين، فلا يكونُ له (٢) الجَمْعُ بينَهما، ولأنَّه أمْكَنَ فَصْلُ الخُصومَةِ بالبينةِ، فلم يُشْرَعْ غيرُها معها مع إرادةِ المُدَّعِي إقامَتَها وحُضُورَها، كما لو لم (٢) يَطْلُبْ يمينَه، ولأنَّ اليمينَ بَدَل، فلم يَجِبِ الجَمْعُ بينَها وبينَ مُبْدَلِها، كسائِرِ الأبدالِ مع مُبْدَلاتِها. وإن قال المُدَّعِي: لا أرِيدُ إقامَتَها، وإنَّما أرِيدُ يمينَه أكْتَفِي بها. اسْتُحْلِفَ؛ لأنَّ البينةَ حَقُّه، فإذا رَضِيَ بإسْقاطِها، وتَرْكِ إقامَتِها، فله ذلك، كنفسِ الحق. فإن حَلَف المُدَّعَى عليه، ثم أراد المُدَّعِي إقامَةَ بَينتِه، لم يَمْلِكْ ذلك، في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه قد أسْقَطَ حقَّه مِن إقامَتِها، ولأنَّ تَجْويزَ إقامَتِها يَفْتَحُ بابَ الحِيلةِ؛ لأنَّه يقولُ: لا أرِيدُ إقامَتَها. ليَحْلِفَ خَصْمُه، ثم يُقِيمَها.
стр. 14133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني، له ذلك، لأنَّ البينةَ لا تَبْطل بالاسْتِحْلافِ، كما لو كانت غائبةً. فإن كان له شاهدٌ واحد في المالِ، عَرَّفَه الحاكمُ أنَّ له أن يَحْلِفَ مع شاهِدِه، ويَسْتَحِقَّ. فإن قال: لا أحْلِفُ أنا، وأرْضَى بيمينه. اسْتُحْلِفَ له (١)، فإذا حَلَف، سَقَط الحقُّ عنه. فإن عاد المُدَّعِي بعدَها وقال: أنا أحْلِفُ مع شاهِدِى. [لم يُسْتَحْلَف] (٢)، ولم يسْمَعْ مِنه. ذَكَره القاضِي. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعيِّ، لأنَّ اليَمِينَ فِعْلُه وهو قادرٌ عليها، فأمْكَنَه أن يُسْقِطَها، بخِلافِ البينةِ. وإن عاد قبلَ أن يَحْلِفَ المُدَّعَى عليه، فبَذَلَ اليمينَ، لم يكنْ له ذلك في هذا المَجْلسِ. وكلُّ موضعٍ قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه. فإنَّ الحاكمَ يقولُ له: إن حَلَفْتَ، وإلَّا جَعَلْتُك ناكِلًا، وقَضَيت عَلَيكَ. ثلاثًا، فإن حَلَف، وإلَّا حَكَم عليه بنُكُولِه إذا سألَه المُدَّعِي ذلك.
стр. 14134
وَإنْ سَكَتَ المُدَّعَى عَلَيهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، قَال لَهُ الْقَاضِي: إِنْ أَجَبْتَ، وَإلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيتُ عَلَيكَ. وَقِيلَ: يَحْبِسُه حَتَّى يُجِيبَ.
ــ
٤٨٨٧ - مسألة: (فإن سَكَت) عن جَوابِ المُدَّعِي (فلم يُقِرَّ ولم يُنْكِرْ) حَبَسَه الحاكِمُ حتى يُجِيبَ، ولا يَجْعَلُه بذلك ناكِلًا. ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ» (١). وقال أبو الخَطَّابِ: يقولُ له الحاكمُ: (إن أجَبْتَ، وإلَّا جَعَلْتُك ناكِلًا، وحَكَمْتُ عليك) ويُكَرِّرُ ذلك ثلاثًا، فإن
стр. 14135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجاب، وإلَّا جَعَلَه ناكِلًا، وحَكَم عليه؛ لأنَّه ناكِل عمّا تَوَجَّهَ عليه (١) الجوابُ فيه، فيُحْكَمُ عليه بالنُّكُولِ عنه، كاليمينِ (٢).
٤٨٨٨ - مسألة: (وإن حَلَف المُنْكِرُ، ثم أحْضَرَ المُدَّعِي بَينتَه، حُكِم بها، ولم تكنِ اليمينُ مُزِيلَةً للحَق) وجملةُ ذلك، أنَّ المُدَّعِيَ إذا ذَكَر أنَّ بيِّنتَه (٣) بعيدة، ولا يُمْكِنُه إحْضارُها، أو لا يُرِيدُ إقامَتَها، فطَلَبَ اليمينَ مِن المُدَّعَى عليه، أُحْلِفَ له، فإذا حلف، ثم أحْضَرَ المُدَّعِي بينتَه، حُكِم له. وبهذا قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، ومالك، والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسُف، وإسْحاقُ. وحُكِيَ عن ابنِ أبي ليلَى، وداودَ، أنَّ بينتَه لا تُسْمَعُ؛ لأنَّ اليمينَ حُجَّةُ المُدَّعَى عليه، فلا تُسْمَعُ بعدَها حُجَّةُ المُدَّعِي، كما لا تُسْمَعُ يمينُ المُدَّعَى عليه بعدَ بينةِ المُدَّعِي. ولَنا، قولُ عمرَ، ﵁: البينةُ الصادِقةُ
стр. 14136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَبُّ إلَيَّ مِن اليمينِ الفاجِرَةِ (١). وظاهِرُ هذه البينةِ الصِّدْقُ، ويَلْزَمُ مِن صِدْقِها فُجُورُ اليمينِ المُتَقَدِّمَةِ، فتكونُ أولَى، ولأنَّ كلَّ حالةٍ يَجِبُ عليه الحقُّ فيها بإقْرارِه، يَجِبُ عليه بالبينةِ، كما قَبْلَ اليمينِ. وما ذَكَرَاه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ البينةَ الأصْلُ، واليمينَ بدَلٌ عنها، ولهذا لا تُشْرَعُ إلَّا عندَ تَعَذرها، والبَدَلُ يَبْطُلُ بالقُدْرَةِ على المُبْدَلِ، كبُطْلانِ التَّيَمُّمِ بالقُدْرةِ على الماءِ، ولا يَبْطُلُ الأصْلُ بالقُدْرةِ على البَدَلِ. ويدُلّ على الفَرْقِ بينَهما، أنَّهما حال اجْتِماعِهما، وإمْكانِ سَماعِهما، تسْمَعُ البَيِّنَةُ، ويُحْكَمُ بها، ولا تُسْمَعُ اليمينُ، ولا يُسْألُ عنها.
فصل: فإن طَلَب المُدَّعِي حَبْسَ المُدَّعَى عليه، أو (٢) إقامةَ كَفيلٍ به إلى إقامَةِ بينتِه البعيدَةِ، لم يُقْبَلْ منه، ولم تكنْ له ملازَمَة خَصمِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له قِبَلَه حَق يُحْبَسُ به، ولا يُقِيمُ به كَفِيلًا، ولأن الحَبْس عذاب، فلا يَلْزَمُ مَعْصُومًا لم يتَوَجَّهْ عليه حَق، ولو جازَ ذلك، لتَمَكَّنَ كلُّ ظالم مِن حَبْسِ مَن شاء مِن الناسِ بغيرِ حق. وإنْ كانت بينتُه قريبةً، فلَه مُلازَمَتُه حتى يُحْضِرَها؛ لأنَّ ذلك مِن ضَرُورَةِ إقامَتِها، فإنَّه لو لم يَتَمَكَّنْ مِن مُلازَمَتِه، لذَهَبَ مِن مجْلِسِ الحكمِ (٣)، ولا تُمْكِنُ إقامَتُها إلَّا بحَضْرَتِه. ولأنَّه لَمّا تَمَكَّنَ مِن إحْضارِه مَجْلِسَ الحكمِ
стр. 14137
وَإنْ قَال: لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ. لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا.
وَإنْ قَال: لِي حِسَابٌ أرِيدُ أن أنْظُرَ فِيهِ. لَمْ يَلْزَمِ المُدَّعِيَ إِنْظَارُهُ.
ــ
حتى يُقِيمَ عليه (١) البينةَ، تَمَكَّنَ مِن مُلازَمَتِه فيه حتى تَحْضُرَ البينةُ. وتُفارِق البينةَ البعيدَةَ، ومَن لا يُمْكِنُ حُضُورُها، فإنَّ إلْزامَه الإِقامةَ إلى حينِ حُضورِها يَحْتاجُ إِلى حَبْس، أو ما يقومُ مَقامَه، ولا سَبِيلَ إليه.
فصل: ولو أقام المُدَّعِي شاهِدًا واحدًا، [ولم] (٢) يَحْلِف معه، وطَلَب يمينَ المُدَّعَى عليه، أحْلِفَ له، ثم إن (٣) أحْضَرَ شاهدًا آخَرَ بعدَ ذلك، كَمَلَتْ بَينتُه، وقُضِيَ بها؛ لِما ذَكَرْنا في التي قبلَها. واللهُ أعلمُ.
٤٨٨٩ - مسألة: (فإن قال: لي مَخْرَجٌ ممّا ادَّعاه. لم يكنْ مُجِيبًا) لأنَّ الجوابَ أحدُ أمْرَين، إقْرارٍ أو إنْكارٍ، وليس هذا واحدًا منهما.
٤٨٩٠ - مسألة: (وإن قال: لي حِسابٌ أرِيدُ أن أنْظُرَ فيه. لم يَلْزَمِ المُدَّعِيَ إنْظارُه) لأنَّ حقَّ الجوابِ ثَبَت له حالًّا، فلم يَلْزَمْه إنْظارُه،
стр. 14138
وَإنْ قَال: قَدْ قَضَيتُهُ. أوْ: أبْرَأَنِي، وَلِي بَيَنةٌ بِالقَضَاءِ. أَو: الإبْرَاءِ. وَسَألَ الإِنْظَارَ، أنْظِرَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُه،
ــ
كما لو ثَبَت عليه الدَّينُ. وذَكَر شيخُنا، في كتابِ «الكَافِي» (١) أنَّه يُنْظَرُ ثلاثًا، ولا يُمْهَلُ (٢) أكْثَرَ منها؛ لأنَّه كثير. وهو الصحيحُ، إن شاء الله تعالى؛ لأنه يَحْتاج إلى ذلك لمعرفةِ قَدْرِ دَينه، أو يَعْلَمُ هل عليه شيء أو لا، والثَّلاثُ مُدَّة يسيرةٌ.
٤٨٩١ - مسألة: (وإن قال: قَضيتُه. أو: أبرَأني، ولي بَينة بالقَضاءِ. أو: الإِبراءِ. وسأل الإِنْظارَ، أنْظِرَ ثَلاثًا) لأنَّها قريبة (وللمُدَّعِي مُلازمَتُه) لئلَّا يَهْرُبَ أو يتَغَيَّبَ، ولا يُؤَخَّرُ الحق
стр. 14139
فَإِنْ عَجَزَ، حَلَفَ المُدَّعِي عَلَى نَفْي مَا ادَّعَاهُ، وَاسْتَحَقَّ.
ــ
عن المُدَّةِ التي أُنْظِرَ فيها (فإن عَجَز) عن إقامةِ البَينةِ (حَلَف المُدَّعِي على نَفْي ما ادَّعاه، واسْتَحَقَّ) لأنَّه يصيرُ مُنْكِرًا، واليمينُ على المُنْكِرِ.
فصل: فإنْ شَهِدَتِ البينة للمُدَّعِي، فقال المُدَّعَى عليه: أحْلِفُوه أنه يسْتَحِقُّ ما شَهِدَتْ به البَيَنةُ. لم يُحْلَفْ؛ لأنَّ في ذلك طعْنًا على البَينةِ.
стр. 14140
فَإِن ادَّعَى عَلَيهِ عَينًا فِي يَدِهِ، فَأقَرَّ بِهَا لِغَيرِهِ، جُعِلَ الخَصْمَ فِيهَا، وَهَلْ يَحْلِفُ المُدَّعَى عَلَيهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ. فَإِنْ كَانَ المُقَرّ لَهُ وَأخَذَهَا، وَإنْ أقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي، سُلِّمَتْ إِلَيهِ، وَإنْ قَال: لَيسَتْ لِي، وَلَا أعْلَمُ لِمَنْ هِيَ. سُلمَتْ إِلَى المُدَّعِي، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ. وَفِي الآخَرِ، لَا تُسَلَّمُ إِلَيهِ إلا بِبَيِّنَةٍ، وَيَجْعَلُهَا الحَاكِمُ عِنْدَ أمين. وَإنْ أقرَّ بِهَا لِغَائِبٍ، أو صَبِيٍّ، أوْ مَجْنُونٍ، سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى، ثُمَّ إِنْ كَإنَ لِلْمُدَّعِي بَيَنةٌ، سُلِّمتْ إِلَيهِ، وَهَلْ
ــ
٤٨٩٢ - مسألة: (فإنِ ادَّعَى عليه عَينًا في يَدِهِ، فأقَرَّ بها لغيرِه، خعِلَ الخَصْمَ فيها، وهل يَحْلِفُ المُدَّعَى عليه؟ على وَجْهَين. فإن كان المُقَرّ له حاضِرًا مُكَلَّفًا، سُئِل، فإنِ ادَّعاها لنَفْسِه ولم تكنْ بَينة، حَلَف وأخَذَها، وإن أقَرَّ بها للمُدَّعِي، سلِّمَتْ إليه، وإن قال: ليست لي، ولا أعْلَمُ لِمَن هي. سُلِّمَتْ إلى المُدَّعِي، فِي أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخَرِ، لا تُسَلَّمُ إليه إلَّا ببينةٍ. ويَجْعَلُها الحاكِمُ عندَ أمِين. وإن أقَرَّ بها لغائِبٍ، أو صبيٍّ، أو مَجْنُونٍ، سَقَطَتْ عنه الدَّعْوَى. ثم إن كان للمُدَّعِي بينة ،
стр. 14141
يَحْلِفُ؟ عَلَى وَجْهَينِ. وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيَنةٌ، حَلَفَ المُدَّعَى عَلَيهِ أنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيهِ، وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ، إلا أنْ يُقِيمَ بَيِّنةً أنَّهَا لِمَنْ سَمَّى، فَلَا يَحْلِفُ.
ــ
سُلِّمَتْ إليه. وهل يَحْلِف؟ على وَجْهَين. وإن لم يكنْ له بينة، حَلَف المُدَّعَى عليه أنَّه لا يَلْزَمُه تَسْلِيمُها إليه، وأقِرَّتْ في يَدِه، إلَّا أن يُقِيمَ بَينةً أنَّها لمَنْ سَمَّى، فلا يَحْلِفُ) وجملةُ ذلك، أنَّ الإِنسانَ إذا ادَّعَى دارًا في يدِ غيرِه، فقال الذي هي في يَدِه: ليستْ لي، إنَّما هي لفُلانٍ. وكان المُقَرُّ له بها حاضِرًا، سُئِل عن ذلك، فإن صَدَّقَه، صار الخَصْمَ فيها، وكان صاحِبَ اليَدِ؛ لأنَّ مَن هي في يَدِه اعْتَرَفَ أنَّ يدَه نائِبَةٌ (١) عن يَدِه، وإقْرارُ الإِنسانِ بما في يَدِه إقْرارٌ صحيحٌ، فيصيرُ خَصْمًا للمُدَّعِي، فإن كانت للمُدَّعِي بينةٌ، حُكِم له بها، وإن لم تكنْ له بينة، فالقولُ قولُ المُدَّعَى عليه مع يمينه. وإن قال المُدَّعِي: أحْلِفُوا المُقِرَّ الذي كانتِ العَينُ في يَدِه، أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّها لي. فعليه اليمينُ؛ لأنَّه لو أقَرَّ له (٢) بها، لَزِمَه الغُرْمُ، كما لو قال: هذه العَينُ لزيدٍ. ثم قال: هي لعمرو. فإنَّها تُدْفَعُ إلى زيدٍ،
стр. 14142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَغْرَمُ قِيمتَها لعمرو. ومَن لَزِمَه الغُرْمُ مع الإِقْرارِ، لَزِمَتْه اليمينُ مع الإنْكارِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ (١)، أنَّه لا يَحْلِفُ؛ لأنه أقام المُقَرَّ له [مُقامَ نفْسِه] (٢)، فيقومُ مَقامَه في اليمينِ، وتُجْزِيء اليمينُ عنهما. فإن رَدَّ المُقَرُّ له الإِقْرارَ، وقال: ليستْ لي، وإنَّما هي للمُدَّعِي. حُكِم له بها. وإنْ لم [يَقلْ: هي للمُدَّعِي. ولكنْ قال: ليستْ لي، ولا أعْلَمُ لمَن هي. فإن كان للمُدَّعِي بينة، حُكِم له بها، وإن لم] (٣) تكنْ له بينة، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تُدْفَعُ إلى المُدَّعِي؛ لأنَّه يَدَّعِيها، ولا مُنازِعَ له فيها، ولأن مَن هي في يَدِه لو ادَّعاها ثم نَكَل، قَضَينا له بها، فمع عَدَمِ ادِّعائِه لها أوْلَى.
стр. 14143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثاني، لا تُدْفَعُ إليه؛ لأنه لم يَثْبُتْ لها مُسْتَحِق؛ لأنَّ المُدَّعِيَ لا يَدَ له، ولا بينةَ، وصاحِبَ اليَدِ مُعْتَرِف أنَّها ليست له، فيَأخُذُها الإمامُ فيَحْفَظُها لصاحِبِها. وهذا الوَجْهُ الذي ذَكَرَه القاضي. والأوَّلُ أوْلَى (١)؛ لِما ذَكَرْنا مِن دَلِيله. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَين، ووَجْة ثالث، أنَّ المُدَّعِيَ يَحْلِفُ أنَّها له، وتُسَلَّمُ إليه. ويتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُه، بِناءً على القولِ بردِّ اليمينِ إذا نَكَل المُدَّعَى عليه. وإن قال المُقَر له: هي لثالثٍ. انْتَقَلَتِ الخُصُومَةُ إليه، وصار بمنزلَةِ صاحِبِ اليَدِ؛ لأنَّه أقَرَّ له بها مَن اليدُ له حُكْمًا.
стр. 14144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٤٨٩٣ - مسألة: وإنْ أقَرَّ بها لغائب، أو لغيرِ مكَلَّفٍ معَيَّن، كالصَّبِيِّ والمجْنونِ، صارتِ الدَّعْوَى عليه. فإن لم تكنْ للمدَّعِي بينةٌ، لم يُقْضَ له بها؛ لأنَّ الحاضِرَ يَعْتَرِفُ أنَّها ليست له، ولايقضَى على الغائِبِ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، ويَقِفُ الأمْرُ حتى يَقْدَمَ الغائِبُ، ويصيرَ غيرُ المُكَلَّفِ مُكَلَّفًا (١)، وتكونُ الخُصومَةُ معه. فإن قال المُدَّعِي: أحْلِفُوا لي المُدَّعَى عليه. أحْلَفْناه؛ لِما تَقَدَّمَ. وإن أقَرَّ بها للمُدَّعِيِ، لم تُسَلَّمْ إليه؛ لأنَّه اعْتَرَفَ أنَّها لغيرِه، ويَلْزَمُه أن يَغْرَمَ له قِيمَتَها؛ لأنَّه فوَّتَها عليه بإقْرارِه
стр. 14145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بها لغيرِه. وإن كان مع المدَّعِي بينة، سَمِعَها الحاكمُ، وقَضَى بها، وكان الغائِبُ على خُصومَتِه، متى حَضَر (١)، له أن يَقْدَحَ في بينةِ المُدَّعِي، وأن يُقِيمَ بينةً تَشْهَدُ بانْتِقالِ المِلْكِ إليه مِن المُدَّعِي. وإن أقام بينةً أنَّها مِلْكُه، فهل يُقْضَى بها؟ على وَجْهَين، بِناءً على تَقْدِيمِ بينةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ؛ فإن قُلْنا: تُقدَّمُ بينةُ الخارِجِ. فأقام الغائِبُ بَيَنةً تَشْهَدُ له بالملْكِ والنِّتاجِ، أو سببٍ مِن أسْبابِ المِلْكِ، فهل تُسْمَعُ بينتُه ويُقْضَى بها؟ على وَجْهَين. فإن كان مع المُقِرِّ بينة تَشْهَدُ بها للغائِبِ، سَمِعها الحاكمُ، ولم يَقضِ بها؛ لأنَّ البينةَ للغَائِبِ، [والغائِبُ] (٢) لم يَدَّعِها هو ولا وكيلُه، وإنَّما سَمِعَها الحاكمُ لِما فيها مِن الفائِدَةِ، وهو زَوالُ التُّهْمَةِ عن الحاضِرِ، وسُقُوطُ اليمينِ عنه، إذا ادَّعَى عليه أنَّك تَعْلَمُ أنَّها لي. ويَتَخَرَّجُ أن يُقضَى بها، إذا قلنا بتَقْدِيمِ بينةِ الدَّاخِلِ، وإنَّ للمُودَعِ المُحاكَمَةَ في الودِيعةِ إذا غُصِبَتْ،