← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 14176–14215 · переход к 14181.

стр. 14176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شُهُودًا يُشْهِدُهم الناسُ فيَسْتَغْنُون بإشْهادِهم عن تَعْديلهم، ويَسْتَغْنِى الحاكمُ عن الكَشْفِ عن أحْوالِهم، فيكونُ فيه تخْفِيفٌ [مِن وَجْهٍ] (١)، ويكونون أيضًا يُزَكُّون (٢) مَن عَرَفوا عَدالتَه مِن غيرِهم إذا شَهِد. ٤٩٠٦ - مسألة: (فإن ثَبَتا، حَكَم) بشَهادَتِهما؛ لأنَّ الظاهِرَ صِدْقُهما. ولا يَحْكُمُ حتى يَسْألَه المُدَّعِى؛ لأنَّ الحَقَّ له. وقد ذَكَرْناه. فصل: إذا اتَّصَلَتْ به الحادِثَةُ، واسْتَنارَتِ (٣) الحُجَّةُ لأحَدِ الخَصْمَيْن، حَكَم إذا سَألَه؛ لِما بَيَّنا. وإن كان فيها لَبْسٌ، أمَرَهما بالصُّلْحِ، فإن أبَيا أخَّرَهما إلى البَيانِ، فإن عَجَّلها قبلَ البَيانِ، لم يَصِحَّ حُكْمُه. وممَّن رأى الِإصْلاحَ بينَ الخُصُومِ؛ شُرَيْحٌ، وعبدُ الله بِنُ عُتْبَةَ، وأبو حنيفةَ، والشَّعْبِىُّ، والعَنْبَرِىُّ. ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: رُدُّوا الخُصُومَ حتى يَصْطَلِحُوا، فإنَّ فَصْلَ القَضاءِ يُحْدِثُ بينَ القَوْمِ الضَّغائِنَ (٤). قال أبو عُبَيْدٍ: إنَّما يَسَعُه الصُّلْحُ في الأمُورِ المُشْكِلَةِ، أمَّا إذا اسْتَنارَتِ الحُجَّةُ لأحَدِ الخَصمَيْن، وتَبَيَّنَ له مَوْضِعُ الظَّالِمِ (٥)، فليس

стр. 14177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له أنْ يَحْمِلَه على الصُّلْحِ. ونحوُه قولُ عَطاء. واسْتَحْسَنَه ابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ أنَّه ما أصْلَحَ بين مُتحاكِمَيْن إلَّا مَرَّةً واحدةً. فصل: وإن حَدَثَتْ حادِثَةٌ، نَظَرَ في كتابِ اللهِ، [فإن وَجَدها] (١)، وإلَّا نَظَر في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فإن لم يَجِدْها، نَظَر في القِياسِ، فألْحَقَها بأشْبَهِ الأصُولِ (٢) بها؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ الحارِثِ ابنُ أخى المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، عن رجالٍ (٣) مِن أصْحابِ مُعاذٍ مِن أهلِ حِمْصَ، عن مُعاذٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «بِمَ تَحْكُمُ؟». قال: بكتابِ اللهِ. قال: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟». قال: بسُنَّةِ رسولِ اللهَ. قال: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟». قال: أجْتَهِدُ رَأْيىِ، ولا آلو. قال: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِما يُرْضِى رَسُولَ اللهِ» (٤). فإن قيلَ: عمرُو ابنُ أخى المُغيرةِ والرِّجالُ مَجْهولون. قُلنا: قد رَواه عُبادَةُ بنُ نُسَىٍّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْمٍ، عن مُعاذٍ. ثم إنَّه حديثٌ مشهورٌ في كُتُبِ أهلِ العلمِ؛ رَواه سعيدُ بنُ مَنْصورٍ، والِإمامُ أحمدُ، وغيرُهما، وتَلَقَّاه العُلَماءُ بالقَبُولِ، وجاءَ عن الصَّحابةِ مِن قَوْلِهم ما يُوافِقُه، فرَوَى سعيدٌ، أنَّ عمرَ قال لشُرَيْحٍ: انْظُرْ ما تَبَيَّنَ لك في كتابِ اللهِ، [ولا تَسْألْ عنه أحدًا، وما لا يَتَبَيَّنُ لك في كتابِ الله] (١)، فاتَّبعْ فيه

стр. 14178

وَإِنْ جَرَحَهُمَا المَشْهُودُ عَلَيْهِ، كُلِّفَ البَيَّنَةَ بِالْجَرْحِ، فَإنْ سَأَلَ الْإنْظَارَ، أُنْظِرَ ثَلَاثًا. وَلِلْمُدَّعِى مُلَازَمَتُهُ، فَان لَمْ يُقِمْ بَينّةَ، حُكِمَ عَلَيْهِ. ــ السُّنَّةَ، وما لم يتَبَيَّنْ لك (١) في السُّنَّةِ، فاجْتَهِدْ فيه رَأيَك. وعن ابنِ مسعودٍ مثلُ ذلك (٢). ٤٩٠٧ - مسألة: (وإن جَرَحَهما المَشْهُودُ عليه، كُلِّفَ البَيِّنَةَ بالجَرْحِ، فإن سألَ الِإنْظارَ، أنْظِرَ ثَلاثًا) ليَجْرَحَهما؛ لِما رُوِىَ عن عمرَ (٣)، رَضِىَ الله عنه، أنَّه قال في كتابِه إلى أبي موسى: واجْعَلْ لمَن ادَّعَى حَقًّا غائِبًا أمدًا يَنْتَهِى إليه، فإن أحْضَرَ بينتَه، أخَذْتَ له حقَّه، وإلا اسْتَحْلَلْتَ القَضِيَّةَ عليه، فإنَّه أنْفَى للشَّك، وأجْلَى للعَمَى (٤). ٤٩٠٨ - مسألة: (وللمُدَّعِى مُلازَمَتُه) إلَّا أن يُقِيمَ بَيِّنَةً بالجَرْحِ؛ لأنَّ الحقَّ قد ثَبَت في الظَّاهِرِ (فإذا لم يُقِمْ بَيِّنَةً) بالجَرْحِ (حُكِمَ عليه)

стр. 14179

وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِى العَدَالَةِ، إِمَّا أَنْ يَرَاهُ، أَوْ يَسْتَفِيضَ عَنْهُ. وعنه، [٣٣٢ و] أَنَّهُ يَكْفِى أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ، وَلَيْسَ بِعَدْلٍ. ــ لظُهورِ الحَقِّ. ٤٩٠٩ - مسألة: (ولا يُسْمَعُ الجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا بما يَقْدَحُ في العَدالَةِ) ويُعْتَبَرُ فيه اللَّفْظُ، فيقولُ: أشْهَدُ أنِّى رَأيْتُه يَشْرَبُ الخَمْرَ، أو- سَمِعْتُه يَقْذِفُ- أو- رَأيْتُه يَظْلِمُ الناسَ بأخْذِ أمْوالِهم، أو ضَرْبِهم (١) - أو- يُعَامِلُ بِالرِّبا. أو يُعْلَمُ ذلك بالاسْتِفاضَةِ في الناسِ. ولابدَّ مِن ذِكْرِ السَّبَبِ وتَعْيِينه. وبهذا قال الشافعىُّ، وسَوّارٌ. وعنه، يَكْفِى أن يَشْهَدَ أنَّه فاسِقٌ، وليس بعَدْلٍ. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ التَّعْديلَ يُسْمَعُ (٢) مُطْلَقًا، فكذلك الجَرْحُ؛ لأنَّ التَّصْريحَ بالسَّبَبِ يَجْعَلُ الجارحَ فاسِقًا، يُوجِبُ عليه الحَدَّ في بعضِ الحالاتِ، وهو أن يَشْهَدَ عليه بالزِّنَى، فيُفْضِى الجَرْحُ إلى جَرْحِ الجارحِ، وتَبْطُلُ شَهادَتُه، ولا يَتَجَرَّحُ بها المَجْرُوحُ.

стр. 14180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولَنا، أنَّ الناسَ يَخْتلفون في أسْبابِ الجَرْحِ، كاخْتِلافِهم في شاربِ يَسِيرِ النَّبِيذِ، فوَجَبَ أن لا يُقْبَلَ بمُجَرَّدِ الجَرْحِ، لئَلَّا يَجْرَحَه بما لا يَراه القاضى جَرْحًا، ولأنَّ الجَرْحَ يَنْقُلُ عن الأصْلِ، فإنَّ الأصْلَ في المسلمين العَدالَةُ، والجرحُ يَنْقُلُ عنها، فلابدَّ أن يُعْرَفَ النَّاقلُ؛ لئلَّا يُعْتَقَدَ نَقْلُه بما لا يَراه الحاكمُ ناقِلًا. وقولُهم: إنَّه يُفْضِى إلى جَرْحِ الجارحِ، وإيجابِ الحَدِّ عليه. قُلْنا: ليس كذلك؛ لأنَّه يُمْكِنُه التَّعْرِيضُ مِن غيرِ تَصْريحٍ. فإن قيل: ففى بَيانِ السَّبَبِ هَتْكُ المَجْروحِ. قُلْنا: لا بُدَّ مِن هَتْكِه؛ فإنَّ الشَّهادَةَ عليه [بالفِسْقِ هَتْكٌ، ولكن جاز ذلك للحاجةِ الدَّاعِيَةِ إليه، كما جازَتِ الشَّهادةُ عليه] (١) به لِإقامَةِ الحَدِّ عليه، بل ههُنا أوْلَى، فإنَّ فيه دَفْعَ الظّلْمِ عن المشْهودِ عليه، وهو حَقُّ آدَمِى، فكان أوْلَى بالجَوازِ، ولأنَّ هَتْكَ عِرْضِه بسَبَبِه، لأنَّه تعَرَّضَ للشَّهادةِ مع ارْتِكابِه ما يُوجِبُ جَرْحَه، فكان هو الهاتِكَ لنَفْسِه، إذ كان فِعْلُه المُحْوِج للناسِ إلى جَرْحِه. فإن صَرَّحَ الجارِحُ بقَذْفِه بالزِّنَى، فعليه الحَدُّ إن لم يَأْتِ بتَمامِ أرْبَعَةِ شُهَداءَ.

стр. 14181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: لا حَدَّ عليه إذا كان بلَفْظِ الشَّهادَةِ، لأنَّه لم يَقْصِدْ إدْخالَ المَعَرَّةِ عليه. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١). ولأنَّ أبا بَكْرَةَ ورَفِيقَه شَهِدُوا على المُغِيرةِ بالزِّنَى، ولم يُكْمِلْ زيادٌ شَهادَتَه، فجَلَدهم عمرُ حَدَّ القَذْفِ بمَحْضَرٍ مِن الصَّحابةِ (٢)، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا. ويَبْطُلُ ما ذَكَرُوه بما إذا (٣) شَهِدُوا عليه لِإقامَةِ الحَدِّ عليه. فصل: فإنْ أقامَ [المُدَّعَى عليه] (٤) بينةً، أنَّ هَذَيْن الشاهِدَيْن شَهِدا بهذا الحَقِّ عندَ حاكمٍ، فرَدَّ شَهادَتَهما لفِسْقِهما، بَطَلَتْ شَهادَتُهما، لأنَّ الشَّهادةَ إذا رُدَّتْ لفِسْقٍ، لم تُقْبَلْ مَرَّةً ثانيةً.

стр. 14182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يُقْبَلُ الجَرْحُ والتَّعْديلُ مِن النِّساءِ. وقال أبو حنيفةَ: يُقْبَلُ؛ لأنَّه لا (١) يُعْتَبَرُ فيه لَفْظُ الشَّهادَةِ، فأشْبَهَ الرِّوايَةَ، وأخْبارَ الدِّياناتِ (٢). ولَنا، أنَّها شَهادَةٌ فيما ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ منه (٣) المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالبِ الأحْوالِ، فأشْبَهَ الشَّهادَةَ في القِصاصِ. وما ذَكَرُوه مَمْنُوعٌ. فصل: ولا يُقْبَلُ الجَرْحُ مِن الخَصْمِ، بلا خِلافٍ بينَ العُلَماءِ. فلو قال المشْهودُ عليه: هذان فاسِقان- أو- عَدُوَّان- أو- آباءُ (٤) المشْهودِ له. لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّه مُتَّهَم في قَوْلِه، ويَشْهَدُ بما يَجُرُّ إلى نفْسِه نَفْعًا، فأشْبَهَ الشَّهادةَ لنَفْسِه. ولأنَّنا (٥) لو قَبِلْنا قولَه، لم يَشَأْ أحَدٌ أنْ يُبْطِلَ شَهادةَ مَن شَهِد عليه إلَّا أبْطَلَها، فتَضِيعَ الحقوقُ، وتَذْهَبَ حِكمَةُ شَرْعِ (٦) البَيِّنةِ. فصل: ولا تُقْبَلُ شهادةُ المُتَوَسّمِينَ، وذلك إذا حَضَر مُسافِران،

стр. 14183

وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ يَعْرِفُ حَالَهُ، قَالَ لِلْمُدَّعِى: زِدْنِى شُهُودًا. ــ فشهِدا عندَ حاكمٍ لا يَعْرِفُهما، لم يَقْبَلْ شَهادَتَهما. وقال مالكٌ: يَقْبَلُهما إذا رأى منهما (١) سِيما الخَيْرِ؛ لأنَّه لا سَبِيلَ إلى معرفةِ عدالَتِهما، ففى التَّوَقُّفِ عن قَوْلِهما تَضْيِيعُ الحُقوقِ، فوجَبَ الرُّجوعُ فيهما إلى السِّيماءِ (٢) الجميلةِ. ولَنا، أنَّ عَدالَتَهما مجهولةٌ، فلم يَجُزِ الحُكْمُ بشَهادَتِهما، كشاهِدَىِ الحَضَرِ. وما ذكرُوه مُعارَضٌ بأنَّ (٣) قَبُولَ شَهادَتِهما يُفْضِى إلى القَضاءِ بشَهادتِهما في دَفْعِ الحَقِّ إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه. ٤٩١٠ - مسألة: (وإن شَهِد عندَه فاسِقٌ يَعْرِفُ حالَه، قال للمُدَّعِى: زِدْنِى شُهُودًا) ولا يَقْبَلُ قولَه؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤). ويقولُ للمُدَّعِى: زِدْنِى شُهُودًا. لئلَّا يَفْضَحَه.

стр. 14184

وَإِنْ جَهِلَ حَالَهُ، طَالَبَ المُدَّعِىَ بِتَزْكِيَتَهِ. وَيَكْفِى فِى التَّزْكِيَةِ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا، وَلَا يَحْتَاجُ أنْ يَقُولَ: عَلَىَّ وَلِىَ. ــ ٤٩١١ - مسألة: (وإن جَهِل حالَه، طالَبَ المُدَّعِىَ بتَزْكِيَتِه) لأنَّه رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه أُتِىَ بشاهِدَيْن، فقال لهما: إنِّى لا أعْرِفُكما، ولا يَضُرُّكما أن لم أعْرِفْكما، جِيئا بمَن يَعْرِفُكما (١). ولأنَّ العدَالَةَ شَرْطٌ في قَبولِ الشهادةِ، على ما ذَكَرْنا، فإذا شَكَّ في وُجودِها، كانت كعَدَمِها، كشُروطِ الصلاةِ. ٤٩١٢ - مسألة: (ويَكْفِى في التَّزْكِيةِ شاهِدانِ يَشْهَدان أنَّه عَدْلٌ رِضًا، ولا يَحْتاجُ أن يقولَ) في التزكيةِ: (عَلَىَّ وَلِىَ) وهذا قولُ أكثرِ

стр. 14185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أهلِ العلمِ. وبه يقولُ شُرَيْحٌ، وأهلُ العراقِ، ومالكٌ، وبعضُ الشافعيةِ. وقال أكْثَرُهم: لا يَكْفِيه إلَّا أن يقولَ: علىَّ ولِىَ. واخْتَلَفُوا في تَعْلييه، فقال بعضُهم: لئلَّا تكونَ بينَهما عَداوةٌ أو قَرابَةٌ. وقال بعضُهم: لئلَّا يكونَ عَدْلًا في شئٍ دونَ شئٍ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). فإن شَهِدا أنَّه عَدْلٌ، ثَبَت ذلك بشَهادَتِهما، فيَدْخُلُ في عُمومِ الآيةِ، ولأنَّه إذا كان عَدْلًا، لَزِم أن يكونَ له وعليه، وفى حقِّ سائرِ الناسِ، وفى كلِّ شئٍ، فلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه. ولا يَصِحُّ ما ذَكَرُوه، فإنَّ الإنسانَ لا يكونُ عَدْلًا في شئ دُونَ شئٍ، ولا في حَقِّ شَخْصٍ دونَ شَخْصٍ، فإنَّها لا تُوصَفُ بهذا، ولا تَنْتَفِى أيضًا بقَوْلِه: علىَّ ولِىَ. فإنَّ مَن ثَبَتَتْ عَدالَتُه، لم تَزُلْ بقَرابَةٍ ولا عَداوَةٍ، وإنَّما تُرَدُّ شَهادَتُه للتُّهْمَةِ مع كونِه عَدْلًا، ثم إنَّ هذا إذا كان مَعْلُومًا انْتِفاؤْه بينَهما، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِه ولا نَفيِه عن نفسِه، [كما لو شَهدِ بالحقِّ مَن عرَف الحاكمُ عدالتَه، لم يَحْتَجْ إلى أن يَنْفِىَ عن نفسِه ذلك] (٢)، ولأنَّ العداوةَ لا تَمْنَعُ مِن شَهادَتِه له بالتَّزْكِيَةِ، وإنَّما تَمْنَعُ الشَّهادةَ عليه، وهذا شاهِدٌ له بالتَّزْكِيَةِ والعَدالةِ، فلا حاجَةَ به (٣) إلى نَفْىِ العَداوةِ.

стр. 14186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَكْفِى أن يقولَ: ما أعلمُ منه إلَّا الخَيْرَ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وقال أبو يوسُفَ: يَكْفِى؛ لأنَّه إذا كان مِن أهلِ الخِبْرَةِ به، ولا يَعْلَمُ منه إلَّا الخَيْرَ، فهو عَدْلٌ. [ولَنا] (١)، أنَّه لم يُصَرِّحْ بالتَّعْديلِ، فلم يكنْ تَعْديلًا، كما لو قال: أعْلَمُ منه خَيْرًا. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الجاهِلَ بحالِ أهلِ الفِسْقِ، لا يَعْلَمُ منهم إلَّا الخَيْرَ؛ لأنَّه يَعْلَمُ إسلامَهم، وهو لا يَعْلَمُ منهم (٢) غيرَ ذلك، وهم غيرُ عُدولٍ. قال أصْحابُنا: ولا يُقْبَلُ التَّعْديلُ إلَّا مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، والمعرفةِ المُتَقادِمَةِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لخَبَرِ. عمرَ الذى قَدَّمْناه، ولأنَّ عادةَ الناسِ إظْهارُ الطَّاعاتِ وإسْرارُ المَعاصِى، فإذا لم يكنْ ذا خِبْرَةٍ باطنةٍ، فرُبَّما اغْتَرَّ (٣) بحُسْنِ ظاهِرِه، وهو فاسِقٌ في الباطِنِ. وهذا يَحْتَمِلُ أن

стр. 14187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُرِيدَ الأصْحابُ بما ذَكَرُوه أنَّ الحاكمَ إذا عَلِمَ أنَّ المُعَدِّلَ لا خِبْرَةَ له، لم يَقْبَلْ شهادتَه بالتَّعْديلِ، كما فعَل عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه. ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادوا أنَّه (١) لا يجوزُ للمُعَدِّلِ الشَّهادةُ بالعَدالةِ، إلَّا أن تكونَ له خِبْرَةٌ باطِنَةٌ. فأمَّا الحاكمُ (٢) إذا شَهِد عندَه العَدْلُ بالتَّعديلِ، ولم يَعْرِفْ حقيقةَ الحالِ، فله أن يَقْبَلَ الشَّهادَةَ مِن غيرِ كَشْفٍ، وإنِ اسْتَكْشَفَ الحالَ، كما فعَل عمرُ، رَضِىَ الله عنه، فحسَنٌ.

стр. 14188

وَإنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ وَجَرَحَهُ اثْنَانِ، فَالجَرْحُ أوْلَى. ــ ٤٩١٣ - مسألة: (وإن عَدَّلَه اثْنان، وجَرَحَه اثْنانِ، فالجَرْحُ أوْلَى) وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال مالكٌ: يُنْظَرُ أيُّهما أعْدَلُ؛ اللَّذان جَرَحاه، أو اللَّذان عَدَّلاه، فيُؤْخَذُ بقولِ أعْدَلِهما. ولَنا، أنَّ الجارحَ معه زِيادَةُ عِلْم خَفِيَتْ على المُعَدِّلِ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه؛ لأنَّ التَّعْديلَ مُتَضَمِّنٌ تَرْكَ الرِّيَبِ [والمحارم] (١)، والجارِحَ مُثْبِتٌ لوُجودِ ذلك، والإِثْباتُ مُقَدَّمٌ على النَّفْىِ، ولأنَّ الجارِحَ يقولُ: رأيتُه يَفْعَلُ كذا (٢). والمُعَدِّلَ مُسْتَنَدُه أنَّه لم يَرَه يفْعَلُ، ويُمْكِنُ صِدْقُهما والجمعُ بينَ

стр. 14189

وَإنْ سَأَلَ المُدَّعِى حَبْسَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ حَتَّى يُزَكِّىَ شُهُودَهُ، فَهَلْ يُحْبَس؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ قَوْلَيْهما بأن يَراه الجارِحُ يَفْعَلُ المعصيةَ، ولا يَراه المُعَدِّلُ، فيكونُ مَجْروحًا. ٤٩١٤ - مسألة: (وإن سَأَل المُدَّعِى حَبْسَ المَشْهُودِ عليه حتى يُزَكِّىَ شُهُودَه، فهل يُحْبَسُ؟ على وَجْهَيْن) أحَدُهما، يُحْبَسُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ العدالَةُ وعَدَمُ الفِسْقِ، ولأنَّ الذى على الغَريمِ قد أتَى به، وإنَّما

стр. 14190

وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَسَأَلَ حَبْسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الآخَرَ، حَبَسَهُ إِنْ كَانَ فِى المَالِ، وَإنْ كَانَ فِى غَيْرِهِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ــ بَقِىَ ما (١) على الحاكِمِ، وهو الكَشْفُ عن عَدالةِ الشُّهودِ. والثانى، لا يُحْبَسُ؛ لأنَّ الأصْلَ براءَةُ الذِّمَّةِ. وقيل (٢): يُحْبَسُ في المالِ فقط. ٤٩١٥ - مسألة: (وإن أقام شاهِدًا، وسأل حَبْسَه حتى يُقِيمَ الآخَر، حَبَسَه إن كان في المالِ) لأنَّ الشَّاهِدَ حُجَّةٌ فيه، وإنَّما اليَمِينُ مُقوِّيَةٌ (٣) له. وإن كان في غيرِه، لم يُحْبَسْ؛ لأنَّه لا يكونُ حُجَّةً في إثْباتِه، أشْبَهَ ما لو لم يُقِمْ شاهِدًا. وفيه وَجْة آخَرُ، أنَّه يُحْبَسُ، كالتى قبلَها. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه إن حُبِس ليُقِيمَ شاهِدًا آخَرَ يُتِمُّ بهما البَيِّنَةَ، فهو

стр. 14191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالحَقِّ الذى لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، وإن حُبِسَ ليَحْلِفَ معه، فلا حاجَةَ إليه؛ لأنَّ الحَلِفَ مُمْكِنٌ في الحالِ، فإن حَلَفَ، ثَبَت حَقُّه، وإلَّا لم يَجِبْ شئٌ. ويَحْتَمِلُ أن يقالَ: إن كان المُدَّعِى باذِلًا لليَمِينِ، والتَّوَقُّفُ لإِثْباتِ عدالَةِ الشَّاهِدِ (١)، حُبِس؛ لِما (٢) ذَكَرْنا في التى قبلَها. وإن كان التَّوَقُّفُ عن الحُكْمِ لغيرِ ذلك، لم يُحْبَسْ؛ لِما ذَكَرْنا. قال القاضى: وكُلُّ مَوْضِعٍ حُبِس فيه بشاهِدَيْن، دام الحَبْسُ حتى تَثْبُتَ عدَالةُ الشُّهودِ أو فِسْقُهمِ، وكلُّ مَوْضِعٍ حُبِسَ بشاهِدٍ واحدٍ، فإنَّه يُقالُ للمَشْهُودِ له: إن جِئْتَ بشاهِدٍ آخَرَ إلى ثلاثٍ وإلَّا أطْلَقْناه. وإن أقام شاهِدَيْن، فحُبِسَ حتى يُزَكِّىَ شُهودَه، فقيلْ: يُمْهَلُ ثلاثةَ أيامٍ أيضًا، كالتى قبلَها.

стр. 14192

وَإِنْ حَاكَمَ إلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُ، تَرْجَمَ لَهُ مَنْ يَعْرِفُ لِسَانَهُ. ــ [وهو أوْلَى، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّ الحَبْسَ عُقُوبَةٌ، فإذا قُلْنا: يُحْبَسُ حتى يُزَكِّىَ شُهودَه. فكُلُّ مَنِ أراد حَبْسَ خَصْمِه، أقام شاهِدَيْن مَجْهُولَيْن لا يَعْرفُهما الحاكمُ، ويَبْقَى خصْمُه في الحَبْسِ دائمًا، وهذا ضَرَرٌ كثيرٌ، مع أنَّ الأصْلَ براءَةُ الذمَّةِ، فأمَّا الثَّلاثةُ أيامٍ، فهى يَسِيرَةٌ] (١). فصل: إذا ادَّعَى العَبْدُ أنَّ سيِّدَه أعْتَقَه، وأقام شاهِدَيْن لم يُعَدَّلَا (٢)، فسأل الحاكمَ أن يَحُولَ بينَه وبينَ سيِّدِه، إلى أن يَبْحَثَ الحاكِمُ عن عَدالَةِ الشُّهودِ، [فعلى الحاكمِ فعلُ] (٣) ذلك، ويُؤجِرُه من ثِقَةٍ، يُنْفِقُ عليه مِن كَسْبِه، ويَحْبِسُ الباقِىَ، فإن عُدِّلَ الشاهِدان، أسْلَمَ إليه الباقىَ مِن كَسْبِه، وإن فُسِّقَا، رُدَّ إلى سَيِّدِه. وإنَّما حُلْنا بينَهما؛ لِما ذَكَرْناه في الفَصْلِ الذى قبلَ هذا، ولأنَّنا لو لم نَحُلْ بينَهما، أفْضَى إلى أن تكونَ أمَةً فيَطَأَها. وإن أقام شاهِدًا واحِدًا، وسألَ أن يُحالَ بينَهما، ففيه وَجْهان. فصل: وإن أقامَتِ المرأةُ شاهِدَيْن يَشْهدان بطَلاقِها، ولم تُعْرَفْ عَدالَةُ الشُّهودِ، حِيلَ بينَه وبينَها، وإن أقامَتْ شاهِدًا واحِدًا، لم يُحَلْ بينَهما؛ لأنَّ البَيِّنةَ لم تَتِمَّ، وهذا ممّا لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن. ٤٩١٦ - مسألة: (وإن حاكَمَ إليه مَن لا يَعْرِفُ لِسانَه، تَرْجَمَ

стр. 14193

وَلَا يَقْبَلُ فِى التَّرْجَمَةِ، وَالجَرْحِ، وَالتَّعْدِيلِ، وَالتَّعْرِيفِ، وَالرِّسَالَةِ، إِلَّا قَوْلَ عَدْلَيْنِ. وعنه، يَقْبَلُ قَوْلَ وَاحِدٍ. ــ له مَن يَعْرِفُ لِسانَه) إذا تحاكمَ إلى القاضى العَرَبِىِّ أعْجَمِيَّانِ، أو أعْجَمِىٌّ وعَرَبِىٌّ، فلا بُدَّ مِن مُتَرْجِمٍ عنهما. ٤٩١٧ - مسألة: (ولا يَقْبَلُ في التَّرْجَمَةِ، والجَرْحِ، والتَّعْدِيلِ، والتَّعْرِيفِ، والرِّسالَةِ، إلَّا قولَ عَدْلَيْن. [وعنه، يَقْبَلُ قولَ) عدلٍ (واحدٍ) لا تُقْبَلُ التَّرجمةُ إلَّا مِن اثْنَيْن عَدْلَيْن] (١). وبهذا قال الشافعىُّ. وعن أحمدَ [روايةٌ أُخْرَى، أنها تُقْبَلُ مِن] (٢) واحدٍ. وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ عبدِ العزيزِ، وابنِ المُنْذِرِ، وقولُ أبى حنيفةَ. قال ابنُ المُنْذِرِ، في حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ أمرَه أن يتَعَلَّمَ كتابَ يَهودَ. قال: فكنتُ أكْتُبُ له إذا كَتَب إليهم، وأقْرأ له إذا كَتَبُوا إليه (٣).

стр. 14194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّه ممَّا لا يَفْتَقِرُ إلى لَفْظِ الشَّهادَةِ، فأجْزَأ فيه الواحدُ، كأخْبارِ الدِّياناتِ. [ولنا، أنَّه] (١) نَقْلُ ما خَفِىَ عن الحاكمِ إليه، فيما يتَعَلَّقُ بالمُتَحاكِمَيْن، فوَجَبَ فيه العَدَدُ، كالشَّهادةِ، ولأنَّ ما لا يَفْهَمُه الحاكمُ وُجودُه عندَه كغَيْبَتِه، فإذا تُرْجِمَ له، كان كنَقْلِ الإِقْرارِ إليه مِن غيرِ مَجْلِسِه، ولا يُقْبَلُ ذلك إلَّا مِن شاهِدَيْن، كذا ههُنا. فعلى هذه الرِّوايةِ، تكونُ التَّرْجَمَةُ شَهادةً تَفْتَقِرُ إلى العَدَدِ والعدَالةِ، ويُعْتَبَرُ فيها مِن الشُّروطِ ما يُعْتَبَرُ في الشَّهادةِ على الِإقْرارِ بذلك الحقِّ، فإن كان ممّا يَتَعَلَّقُ بالحُدودِ والقِصاصِ، اعتُبِرَ فيه الحُرِّيَّةُ، ولم يَكْفِ إلَّا شاهِدانِ ذَكَرانِ. وإن كان [مالَا، كَفَى] (٢) فيه تَرْجَمةُ رجل وامْرَأتَيْن، ولم تُعْتَبَرْ فيه الحُرِّيَّةُ. وإن كان في حَدِّ زِنًى، خُرِّجَ في التَّرْجَمَةِ فيه (٣) وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَكْفِى فيه أقَلُّ مِن أربعةِ رجالٍ أحْرارٍ عُدُولٍ. والثانى، يَكْفِى فيه اثْنان، بِناءً (٤)

стр. 14195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على الرِّوايَتَيْن في الشَّهادَةِ على الإِقْرارِ بالزِّنى. ويُعْتَبَرُ فيه لَفْظُ الشَّهادةِ؛ لأنَّه شهادَةٌ. وإن قُلْنا: يَكْفِى فيه واحِدٌ. فلا بُدَّ مِن عَدالَتِه، ولا تُقْبَلُ مِن كافِرٍ ولا فاسِقٍ. وتُقْبَلُ مِن العَبْدِ؛ لأنَّه مِن أهلِ الشَّهادةِ والرِّوايةِ. وقال أبو حنيفةَ: لا تُقْبَلُ مِن العَبْدِ؛ لأنَّه (١) ليس مِن أهلِ الشَّهادَةِ. ولَنا، أنَّه خَبَرٌ يَكْفِى فيه قولُ الواحدِ، فيُقْبَلُ فيه خَبَرُ العَبْدِ، كأخْبارِ الدِّياناتِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ هذه شَهادَةٌ، [ولا أنَّ] (٢) العبدَ ليس مِن أهلِ الشَّهادةِ، ولا يُعْتَبَرُ فيه لَفْظُ الشَّهادةِ، كالرِّوايةِ. وعلى هذا الأصْلِ ينبغِى أن تُقْبَلَ فيه تَرْجَمَةُ المرأةِ إذا كانت مِن أهلِ العدالةِ؛ لأنَّ رِوايَتَها مَقْبولةٌ. فأمَّا الجَرْحُ والتَّعْديلُ، فلا يُقْبَلُ (٣) إلَّا مِن اثْنَيْن. وبهذا قال مالكٌ،

стр. 14196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، يُقْبَلُ ذلك مِن واحدٍ. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وقولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه خَبَرٌ لا يُعْتَبَرُ فيه لفظُ الشَّهادةِ، فيُقْبَلُ مِن واحدٍ، كالرِّوايةِ. ولَنا، أنَّه إثْباتُ صِفَةِ مَن يَبْنِى الحاكمُ حُكْمَه على صِفَتِه، فاعْتُبِرَ فيه (١) العَدَدُ، كالحَضانَةِ. وفارَقَ الرِّوايةَ، فإنَّها على المُساهَلَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى لفْظِ الشَّهادةِ. فصل: والحُكْمُ في التَّعْريفِ والرِّسالةِ، كالحُكْمِ في التَّرجمةِ، وفيها مِن الخِلافِ ما فيها. ذَكَره شيْخُنا في الكتابِ المشروحِ. وذَكَرَه الشَّريفُ أبو جعفرٍ، وأبو الخَطَّابِ. [وقد ذَكَرْنا الجرْحَ والتعْديلَ فيما قبلَ هذا الفصلِ] (٢).

стр. 14197

وَمَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ مَرَّةً، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَي تَجْدِيدِ البَحْثِ عَنْ عَدَالَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ ٤٩١٨ - مسألة: (ومَن ثَبَتَتْ عَدالَتُه مَرَّةً، فهل يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ البَحْثِ عن عَدالَتِه مَرَّةً أُخْرَى؟ على وَجْهَيْن) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن ثَبَتَتْ عدالَتُه، ثم شَهِد عندَ الحاكمِ بعدَ ذلك بزَمَنٍ قريبٍ، حَكَمَ بشَهادتِه وعَدالَتِه؛ لأنَّ عَدالَتَه ثَبَتَتْ. وإن كان بعدَه بزَمَنٍ طويلٍ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يحْتاجُ إلى ذلك. والثاني، يحْتاجُ؛ لأنَّ مع (١) طُولِ الزَّمانِ تَتَغَيَّرُ الأحْوالُ.

стр. 14198

فَصْلٌ: وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غائِبٍ، أَوْ مُسْتَتِرٍ فِى البَلَدِ، أَوْ مَيِّتٍ، أوْ صَبِىٍّ، [٣٣٢ ظ] أَوْ مَجْنُونٍ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِهَا. ــ فصل: قال الشيخُ، ﵀: (وإنِ ادَّعَى علي غائِبٍ، أو مُسْتتِرٍ في البلدِ، أو مَيِّتٍ، أو صَبِىٍّ، أو مَجْنُونٍ، وله بَيِّنَةٌ، سَمِعَها الحاكِمُ وحَكَم بها) مَن ادَّعَى حقًّا على غائبٍ في بلدٍ آخرَ، وطَلَب مِن الحاكِمِ

стр. 14199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سماعَ البينةِ، والحُكْمَ بها عليه، فعلى الحاكِمَ إجابَتُه، إذا كَمَلَتِ الشُّروطُ. وبهذا قال ابنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، وسَوَّارٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ-، وابنُ المُنْذِرِ. وكان شُرَيْحٌ لا يَرَى القضاءَ على الغائِبِ. وعن أحمدَ مِثْلُه. وبه قال ابنُ أبى ليلَى، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه. ورُوىَ ذلك عن القاسمِ، والشَّعْبِىِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: إذا كان له خصْمٌ حاضِرٌ، مِن وَكِيلٍ أو شَفِيعٍ، جازَ الحُكْمُ عليه. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال لعليٍّ: «إذَا تَقَاضَى إلَيْكَ رَجُلانِ، فَلَا تَقْضِ لِلْأوَّلِ حتى تَسْمَعَ كَلامَ الآخَرِ، فَإنَّكَ (١) تَدْرِى بما تَقْضِى». قال التِّرْمِذِيُّ (٢): هذا حديثٌ حسنٌ (٣). ولأنَّه قضاءٌ لأحَدِ الخَصْمَيْن وحدَه، فلم يَجُزْ، كما لو كان الآخَرُ في البَلَدِ، ولأنَّه يجوزُ أن يكونَ للغائِبِ ما يُبْطِلُ البينةَ، ويَقدَحُ فيها،

стр. 14200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلم يَجُزِ الحُكْمُ عليه. ولَنا، أنَّ هِنْدًا قالت: يا رسولَ اللهِ، إن أبا سُفْيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطِينِى ما يَكْفِينى ووَلَدِى؟ قال: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ». مُتَّفَقٌ عليه (١). فقَضَى عليه لها، ولم يكنْ حاضِرًا. ولأنَّ هذا له (٢) بَيِّنَةٌ مَسْمُوعَةٌ عادِلَةٌ (٣)، فجاز الحُكْمُ بها، كما لو كان الخَصْمُ حاضِرًا، [وقد وافَقَ أبو حنيفةَ في سماعِ البينةِ؛ لأنَّ ما تأخَّرَ عن سُؤالِ المُدَّعِى إذا كان حاضِرً] (٤)، يُقَدَّمُ عليه إذا كان غائِبًا، كسَماعِ البينةِ. وأمَّا حديثُهم، فنقولُ به إذا تَقاضَى إليه رَجُلان، لم يَجُزِ الحُكْمُ قبلَ سَماعِ كلامِهما، وهذا يَقْتَضِى أن يكونا حاضِرَيْن، ويُفارِقُ الحاضِرُ الغائِبَ؛ فإنَّ البينةَ لا تُسْمَعُ على حاضِر إلَّا بحَضْرَتِه، والغائبُ بخِلافِه. وقد ناقَضَ أبو حنيفةَ أصْلَه، فقال: إذا جاءتِ امرأةٌ فادَّعَتْ أنَّ

стр. 14201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لها زَوْجًا غائِبًا، وله مالٌ في يَدِ رجلٍ، وتحْتاجُ إلى النَّفَقَةِ، فاعْتَرَفَ لها بذلك، فإنَّ الحاكمَ يَقْضِى عليه بالنَّفَقَةِ، ولو ادَّعَى على حاضِرٍ أنَّه اشْتَرَى مِن غائبٍ ما فيه شُفْعَةٌ، وأقام بينةً بذلك، حَكَم بالبَيْعِ والأخْذِ بالشُّفْعَةِ، ولو مات المُدَّعَىٍ عليه، فحضَرَ بعضُ ورثتِه، أو حضَرَ وكيلُ الغائِبِ، وأقامَ المُدَّعِى بينةً، حَكَم له بما ادَّعاه. فصل: وكذلك الحُكْمُ في المُسْتتِرِ في البلدِ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ حُضُورُه، أشْبَهَ الغائِبَ، بل أوْلَى، فإن الغائِبَ مَعْذُورٌ، ولا عُذْرَ للمُسْتَتِرِ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ حَرْبٍ. وروَى حَرْبٌ، بإسْنادِه، عن أبى موسى، قال: كان الخَصْمان إذا اخْتَصَما إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فاتَّعَدا الموْعِدَ، فوَفَّى (١) أحدُهما، ولم يُوَفِّ الآخَرُ، قَضَى للذى وَفَّى (٢). ولأنَّه لو لم يحْكُمْ عليه، لجعَلَ الاسْتِتارَ وسيلَةً إلى تَضْيِيعِ الحُقوقِ.

стр. 14202

وَهَلْ يَحْلِفُ المُدَّعِى أَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلَا مِنْ شَىْءٍ مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ ٤٩١٩ - مسألة: والمَيِّتُ المُدَّعَى عليه كالغائِبِ، بل أوْلَى؛ لأنَّ الغائِبَ قد يَحْضُرُ، بخِلافِ المَيِّتِ. قال الشاعرُ (١): وكلُّ ذِى غَيْبَةٍ يَئُوبُ ... وغائِبُ الموْتِ لا يَئُوبُ وكذلك الصَّبِىُّ والمجنونُ المُدَّعَى عليهما، يجوزُ سَماعُ البينةِ عليهما، والحُكْمُ عليهما بها (٢)؛ لأنَّه لا يُعَبِّرُ عن نفسِه، فهو كالغائِبِ. وفى المستتِرِ قول آخَرُ، يَأْتِى ذِكْرُه. والغَيْبَةُ المُعْتبرةُ إلى مسافةِ القَصْرِ؛ لأنُّها التى تُبْنَى عليها الأحْكامُ. ٤٩٢٠ - مسألة: (وهل يَحْلِفُ المُدَّعِى أنَّه لم يَبْرَأْ إليه منه، ولا مِن شئٍ منه؟ على رِوايَتَيْن) وجملةُ ذلك، أنَّ البينةَ إذا قامت على غائبٍ، أو غيرِ مُكَلَّفٍ كالصَّبِىِّ والمجنونِ، لم يُسْتَحْلَفِ المُدَّعِى مع بينتِه (٣)، في

стр. 14203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أشْهَرِ الرِّوايَتَيْن؛ لقولِ رسول اللهِ ﷺ : «البَيِّنَةُ على المُدَّعِى، والْيَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» (١). ولأنَّها بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، فلم تَجِبِ اليمينُ معها، كما لو كانتْ على حاضرٍ. والثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ معها. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ اسْتَوْفَى ما قامَتْ به البينةُ، أو مَلَّكَه العَيْنَ التى قامتْ بها البينةُ، ولو كان حاضرًا فادَّعَى ذلك، لوَجَبَتِ اليمينُ، فإذا تَعَذَّرَ ذلك منه لغَيْبَتِه، أو عَدَم. تَكْلِيفِه، يجبُ أن يقومَ الحاكمُ مَقامَه فيما يُمْكِنُ دَعْواه، ولأنَّ الحاكمَ مَأْمُورٌ بالاحْتِياطِ [في حَقِّ الصَّبِىِّ والمجنونِ والغائبِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم لا يُعَبِّرُ عن نفسِه، وهذا مِن الاحْتياطِ] (٢). والأُولَى ظاهِرُ المذهبِ.

стр. 14204

ثُمَّ إِذَا قَدِمَ الغَائِبُ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِىُّ، أوْ أفَاقَ المَجْنُونُ، فَهُوَ عَلَى حُجَّتِه. ــ ٤٩٢١ - مسألة: (ثم إذا قَدِم الغائِبُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ، أو أفاق المَجْنُونُ، فهو على حُجَّتِه) أمَّا إذا قَدِم الغائبُ قبلَ (١) الحُكمِ، فإنَّ الحُكْمَ يَقِفُ على حُضورِه، فإن جَرَحَ الشُّهودَ، لم يَحْكُمْ علية، وإنِ اسْتَنْظَرَ الحاكمَ، أجَّلَه ثلاثًا، فإن أقام البَيِّنَةَ بجَرْحِهم، وإلَّا حَكَم عليه. وإنِ ادَّعَى القَضاءَ أو الإِبراءَ، وكانت له بينةٌ به بَرِئَ، وإلَّا حَلَف المُدَّعِى، وحَكَمَ له. وإن قَدِم بعدَ الحُكْمِ، فجَرَحَ الشُّهودَ بأمرٍ كان قبلَ الشَّهادةِ، بَطَل الحُكْمُ؛ لفَواتِ شَرْطِه، وإن جَرَحَهم- بأمرٍ بعدَ أداءِ الشَّهادةِ أو مُطْلقًا، لم يَبْطُلِ الحُكْمُ، ولم يَقْبَلْه الحاكمُ؛ لجوازِ أن يكونَ بعدَ الحُكْمِ، فلا يَقدَحُ فيه. فصل: ولا يُقْضَى على الغائبِ إلَّا في حُقُوقِ الآدميِّين، فأمَّا في الحُدودِ التى لله تِعالى، فلا يُقْضَى بها عليه؛ لأنَّ مَبْناها على المُساهَلَةِ، والإِسْقاطِ، فإن قامَتْ بينةٌ على غائبٍ بسرقةِ مالٍ، حُكِمَ بالمالِ دُونَ القَطْعِ. فصل: ظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه إذا قُضىَ على الغائبِ بعَيْنٍ، سُلِّمَتْ

стр. 14205

وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ فِى البَلَد غَائِبًا عَنِ المَجْلِسِ، لَمْ تُسْمَعِ الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَحْضُرَ، فَإنِ امْتَنَعَ عَنِ الحُضُورِ، سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ وَحُكِمَ بِهَا، ــ إلى المُدَّعِى، وإن قُضِىَ عليه بدَينٍ، ووُجدَ له مالٌ، وُفِّىَ (١) منه، فإنَّه قال في رِوايةِ حَرْبٍ، في رجل أقام بينةً أنًّ له سَهْمًا مِن ضَيْعَةٍ في أيْدِى قومٍ، فتَوارَوْا عنه: يُقْسَمُ عليهم، شَهِدُوا أو غابوا، ويُدْفَعُ إلى هذا حقُّه. ولأنَّه ثَبَت حَقُّه بالبينةِ، فيُسَلَّمُ إليه، كما لو كان خَصْمُه حاضِرًا. ويَحْتَمِلُ أن لا يُدْفَعَ إليه شئٌ حتى يُقِيمَ كَفِيلًا أنَّه متى حَضَر خَصْمُه، وأبْطَلَ دَعْواه، فعليه ضَمانُ ما أخَذَه؛ لئلَّا يَأْخُذَ المُدَّعِى ما حُكِم له به، ثم يَأْتِىَ خصْمُه، فيُبْطِلَ حُجَّتَه، أو يُقِيمَ بينةً بالقضاءِ أو (٢) الِإبراءِ، أو (٣) يَمْلِكَ العَيْنَ التى قامت بها البينةُ بعدَ ذَهابِ المُدَّعِى [وغَيبتِه] (٤) أو مَوتِه، فيَضِيعَ مالُ المُدَّعَى عليه. وظاهرُ كلامِ أحمدَ الأوَّلُ، فإنَّه قال، في رجلٍ عندَه دابَّةٌ مسروقةٌ، فقال: هى عندِى وَدِيعَةٌ: إذا أقِيمَتِ البينةُ أنَّها له، تُدْفَعُ إلى الذى أقامَ البينةَ، حتى يَجِئَ صاحِبُ الوديعةِ فيُثْبِتَ. ٤٩٢٢ - مسألة: (وإن كِان الخَصْمُ في البلدِ غائبًا عن المجْلِسِ، لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ حتى يَحْضُرَ، فإنِ امْتَنَعَ مِن الحُضُورِ، سُمِعَتِ البَيِّنَةُ

стр. 14206

فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن. وَفِي الأُخْرَى، لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَحْضُرَ، فَإِنْ أَبَى، بَعَثَ إِلَى صَاجِبِ الشُّرَطَةِ لِيُحْضِرَهُ، فَإِن تَكَرَّرَ مِنْهُ الاسْتِتَارُ، أَقْعَدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِى دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ حَتَّى يَحْضُرَ. ــ وحُكِمَ بها، في إِحْدَى الرِّوايَتَيْن. وفى الأُخْرَى، لا تُسْمَعُ حتى يَحْضُرَ، فإن أبَى، بَعَث إلى صاحِبِ الشُّرَطَةِ ليُحْضِرَه، فإن تَكَرَّرَ منه الاسْتتارُ، أقْعَدَ على بابِه مَن يُضَيِّقُ عليه في دُخُولِه وخُرُوجِه حتى يَحْضُرَ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحاضِرَ في البلدِ، أو قريبٍ منه، إذا لم يَمْتنعْ مِن الحُضورِ، لم يُحْكَمْ عليه قبلَ حُضورِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهٌ، أنَّه يُقْضَى عليه في غَيْبَتِه؛ لأنَّه غائِبٌ، أشْبَهَ الغائِبَ البعيدَ. ولَنا، أنَّه أمْكَنَ سُؤالُه، [فلم يَجُزِ الحُكمُ عليه قبلَ سؤالِه، كحاضرِ المجلسِ، ويُفارِقُ الغائبَ البعيدَ، فإنَّه لا يُمْكِنُ سؤالُه] (١). فإنِ امْتَنَعَ مِن

стр. 14207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحُضورِ أو (١) تَوارَى، فظاهِرُ كلام أحمدَ جوازُ القضاءِ عليه؛ لِما ذَكَرْنا عنه في روايةِ حَرْبٍ. وروَى عنهَ أبو طالبٍ, في رجلٍ وَجَد غُلامَه عندَ رجلٍ، فأقام البينةَ أنَّه غُلامُه، فقال الذى عندَه الغُلامُ: أوْدَعَنى هذا رجلٌ. فقال أحمدُ: أهلُ المدينةِ يَقْضُون على الغائبِ، ويقولون: إنَّه لِهذا الذى أقام البينةَ. وهو مذهبٌ حسنٌ، وأهلُ البصرةِ يَقْضُون على غائبٍ، يَسمُّونَه الإِعْذارَ. وهو إذا ادَّعَى على رجل ألفًا، وأقام البينةَ، فاخْتَفَى المُدَّعَى عليه، يُرْسَلُ إلى بابِه، فيُنادِى الرسولُ ثلَاثًا، فإن جاء، وإلَّا قد أعْذَرُوا إليه. فهذا يُقَوِّى قولَ أهلِ المدينةِ، وهو مذهبٌ حسنٌ. وقد ذَكَر الشَّريفُ أبو جَعْفرٍ، وأبو الخَطَّابِ، أنَّه يُقْضَى على الغائبِ

стр. 14208

وَإِنَ ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَنْهُ وَعَنْ أَخٍ لَهُ غَائِبٍ، وَلَهُ مَالٌ فِى يَدِ ــ المُمْتَنِعِ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ حُضورُه وسُؤالُه، فجاز القضاءُ عليه، كالغائبِ البعيدِ، بل هذا أوْلَى؛ لأنَّ البعيدَ معْذورٌ، وهذا لا عُذْرَ له. وعلى القولِ الآخَرِ، إذا امْتَنَعَ مِن الحُضورِ، بَعَث إلى صاحِبِ الشُّرَطَةِ ليُحْضِرَه، فإن تَكَرَّر منه الاسْتِتارُ، أقْعَدَ على بابِه مَن يُضَيِّقُ عليه في دُخولِه وخُروجِه حتى يَحْضُرَ؛ لأنَّ ذلك طريقٌ إلى حُضورِه وتَخْليصِ الحقِّ منه. ٤٩٢٣ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّ أباه مات عنه وعن أخٍ له غائِبٍ ،

стр. 14209

فُلَانٍ، أَوْ دَيْنٌ عَلَيْهِ، فَأَقَرَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، سُلِّمَ إِلَى المُدَّعِى نَصِيبُهُ، وَأَخَذَ الحَاكِمُ نَصِيبَ الغَائِبِ فَيَحْفَظُهُ لَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ المَالُ دَيْنًا، أَنْ يُتْرَكَ نَصِيبُ الغَائِبِ فِى ذِمَّةِ ــ وله مالٌ في يدِ فُلانٍ، أو دَيْنٌ عليه، فأقَرَّ المُدَّعَى عليه، أو ثَبَتَ ببينةٍ، سُلِّمَ إلَى المُدَّعِى نَصِيبُه، وأخَذَ الحاكمُ نَصِيبَ الغائِبِ فحُفِظَ له) [حتى يَحْضُرَ] (١) (ويَحْتَمِلُ أَّنه إذا كان المالُ دَيْنًا، أن يُتْرَكَ نَصيبُ الغائِبِ

стр. 14210

الغَرِيمَ حَتَّى يَقْدَمَ. ــ في ذِمَّةِ الغريمَ حتى يَقدَمَ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن ادَّعَى أنَّ أباه مات، وخَلَّفَه وأخًا له (١) غائِبًا، لا وارِثَ له سِواهما، وتَرَك في يَدِ إنْسانٍ دارًا أو عَيْنًا مَنْقُولَةً، فأقَرَّ له صاحِبُ اليَدِ، أو أنْكَرَ فثَبَتَ ببينةٍ ما ادَّعاه، ثَبَت ما في يَدِ المُدَّعَى عليه (١) للمَيِّتِ، وانْتُزِعَ مِن يدِ (٢) المُنْكِرِ، فدُفِعَ نِصْفُها إلى المُدَّعِى، وجُعِل النِّصْفُ الآخَرُ في يَدِ أمِينٍ للغائِبِ، يَكْرِيه (٣) له، إن كان يُمْكِنُ كِراؤْه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان ممّا لا يُنْقَلُ ولا يُحوَّلُ، أو (٤) ممّا يَنْحَفِظُ ولا يُخافُ هَلاكُه، لم يُنْزَعْ نَصِيبُ الغائِبِ مِن يَدِ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ الغائِبَ لم يَدَّعِه هو ولا وكيلُه، فلم يُنْزَعْ مِن يَدِ مَن هو [في يدِه] (٥)، كما لو ادَّعَىِ أحَدُ الشَّرِيكَيْن دارًا مُشْتَرَكَةً بينَه وبينَ أجْنَبِىٍّ، فإنَّه يُسَلَّمُ إلى المدَّعِى نصِيبُه، ولا يُنْزَعُ

стр. 14211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَصِيبُ الغائِبِ، كذا ههُنا. ولَنا، أنَّها تَرِكَةُ مَيِّتٍ، ثَبَتَتْ ببيِّنةٍ، فوَجَبَ أن يُنْزَعَ نصيبُ الغائبِ، كالمنقولِ (١)، وكما لو كان أخوه صَغِيرًا أو مَجْنُونًا، ولأنَّ [فيما قاله] (٢) ضَرَرًا، لأنَّه قد يَتَعَذَّرُ على الغائِبِ إقامَةُ البينةِ، وقد يموتُ الشّاهِدان أو يَغيبا، أو تَزُولُ عَدالتُهما، ويُعْزَلُ الحاكِمُ، فيَضِيعُ حَقُّه، فوَجَبَ أن يُحْفَظَ بانْتِزاعِه، كالمنقولِ. ويُفارِقُ الشَّرِيكَ للأجْنَبِىِّ إجْمالًا وتفْصِيلًا؛ أما الإِجْمالُ فإنَّ المنقُولَ يُنْتَزَعُ فيه (٣) نصيبُ شريكِه في الميراثِ، ولا يُنزعُ نَصيبُ الأجنبىِّ، وأمَّا التَّفْصِيلُ، فإنَّ البينةَ ثَبَت بها الحَقُّ للمَيِّتِ، بدليلِ أنَّه تُقْضَى منه دُيونُه، وتُنْفَذُ منه وَصاياه، ولأنَّ الأخَ يُشارِكُه فيما أخَذَه، إذا تَعَذَّرَ عليه أخْذُ الباقِى. فأمَّا إن كان دَيْنًا في ذِمَّةِ إنْسانٍ، فهل يَقْبِضُ الحاكمُ نصيبَ الغائِبِ؟ فيه وَجْهان، أحَدُهما، يَقْبِضُه، كما يَقْبِضُ العينَ. والثانى، لا يَقْبِضُه؛ لأنَّه إذا كان في

стр. 14212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذِمَّةِ مَن هو (١) عليه، كان أحْوَطَ مِن أن يكونَ أمانةً في يَدِ الأمينِ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ عليه التَّلَفُ إذا قَبَضَه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه في الذِّمَّةِ يَعْرِضُ التَّلَفُ بالفَلَسِ، والموتِ، وعَزْلِ الحاكمِ، وتعذُّرِ البينةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّنا إذا دَفَعْنا إلى الحاضِرِ نِصْفَ العَيْنِ أو الدَّيْنِ، لم نُطالِبْه بضَمِينٍ؛ لأنَّا دَفَعْناه بقولِ الشُّهودِ، والمطالَبَةُ بالضَّمِينِ طَعْنٌ عليهم. قال أصْحابُنا: سَواءٌ كان الشَّاهِدان مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ أو لم يَكُونا. ويَحْتَمِلُ أن لا تُقْبَلَ شَهادَتُهما في نَفْىِ وارِثٍ آخَرَ، حتى يكونا مِن أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، والمَعْرِفَةِ المُتَقادِمَةِ؛ [لأنَّ مَن ليس مِن أهْلِ المعرفةِ، ليس (٢) جَهْلُه] (٣) بالوَارِثِ دَليلًا على عَدَمِه، فلا يُكْتَفَى به. وهذا قولُ الشافعىِّ. فعلى هذا، تكونُ الدّارُ مَوْقوفَةً، فلا (٤) يُسَلَّمُ إلى الحاضِرِ نِصْفُها، حتى يَسْألَ الحاكِمُ، ويَكْشِفَ عن المواضِعِ التى كان يَطْرُقُها، ويَأْمُرُ (٥) مُنادِيًا يُنادِى: إنَّ فَلانًا مات، فإن كان له وارِثٌ، فَلْيَأْتِ. فإذا غَلَب على ظَنِّه

стр. 14213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّه لو كان له وارِثٌ ظَهَر، دَفَع إلى الحاضِرِ نَصِيبَه. وهل يُطْلَبُ منه ضَمِينٌ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن. وكذلك الحُكْمُ إذا كانا مِن أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، لكنْ لم يقولا: ولا نَعلَمُ له وارِثًا سِواه. فصل: فإن كان مع الابنِ ذُو فَرْضٍ، فعلى ظاهِرِ المذهبِ، يُعْطَى فَرْضَه كامِلًا. وعلى هذا التَّخْريجِ (١)، يُعْطَى اليَقِينَ. فإن كانت له زَوْجَةٌ، أُعْطِيَتْ رُبْعَ الثُّمْنِ عائِلًا، فيكونُ رُبْعَ التُّسْعِ؛ لجوازِ أن يكونَ له أرْبَعُ زَوْجاتٍ، وإن كانت له جَدَّةٌ، لم يَثْبُتْ مَوْتُ أُمِّه، لم تُعْطَ (٢) شيئًا، وإنْ عُلِم مَوْتُها، اعْطِيَتْ ثُلُثَ السُّدْسِ؛ لجوَازِ أن يكونَ له ثَلاثُ جَدَّاتٍ، وتُعْطاه عائِلًا، فيكونُ ثُلُثَ العُشْرِ، ولا يُعْطَى العَصَبةُ شيئًا. [وإن كان الوارثُ أخًا، لم يُعْطَ شيئًا] (٣)؛ لجَوازِ أنْ يكونَ للمَيِّتِ (٤) وارِثٌ يَحْجُبُه. وإن كان زَوْجًا، أُعْطِىَ الرُّبْعَ عائِلًا، وهو الخُمْسُ؛ لجوازِ أن تكونَ المسْألةُ عائِلَةً، فيُعْطَى اليَقِينَ، فإذا كَشَف الحاكمُ، أعْطَى الزَّوْجَ نَصِيبَه، وكَمَّلَ لذوى الفُرُوضِ فُرُوضَهم. فصل: إذا اخْتَلَفا في دارٍ في يَدِ أحَدِهما، فأقام المُدَّعِى بينةً أنَّ الدَّارَ كانت أمسِ (٥) مِلْكَه، أو منذُ شَهْرٍ، فهل تُسْمَعُ البينةُ، ويُقْضَى بها؟

стр. 14214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، تُسْمَعُ، ويُحْكَمُ بها؛ لأنَّها تُثْبِتُ المِلْكَ في الماضِى، وإذا ثَبَت اسْتُدِيمَ حتى يُعْلَمَ زوالُه. والثانى، لا تُسْمَعُ. قال القاضى: هو الصحيحُ؛ لأنَّ الدَّعْوَى لا تُسْمَعُ ما لم يَدَّعِ المُدَّعِى المِلْكَ في الحالِ، فلا يُسْمَعُ على (١) ما لم يَدَّعِه، لكنْ إنِ انْضمَّ إلى شَهادَتِها (٢) بَيانُ سَبَبِ يَدِ الثانى، وتعريفُ تَعدِّيها، فقالا: نَشْهَدُ أنَّها كانت مِلْكَه أمسِ، فغَصَبَها هذا منه- أو- سَرَقَها- أو- ضَلَّتْ منه فالْتَقَطَها هذا. ونحوَ ذلك، سُمِعَتْ، وقُضِىَ بها؛ لأنَّها إذا لم تُبَيِّنِ السَّبَبَ، فاليَدُ دليلُ المِلْكِ، ولا تَنافِىَ بينَ ما شَهِدَتْ به البينةُ وبينَ دَلالَةِ اليَدِ؛ لجوازِ أن يكونَ مِلْكَه أمسِ، ثم يَنْتقِلَ إلى صاحِبِ اليدِ. فإذا ثَبَت أنَّ سَبَبَ اليَدِ عُدْوانٌ، خَرَجَتْ عن كونِها دَليلًا، فوَجَبَ القضاءُ باسْتدامَةِ المِلْكِ السابِقِ. فإن أقَرَّ المُدَّعَى عليه أنَّها كانت للمُدَّعِى أمسِ، أو فيما مَضَى، سُمِعَ إقْرارُه، في الصَّحِيحِ، وحُكِم به؛ لأنَّه حينَئِذٍ يحْتاجُ إلى سَبَبِ انْتِقالِها إليه، فيصيرُ هو المُدَّعِىَ، فيَحْتاجُ إلى بينةٍ. ويُفارِقُ البينةَ مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه أقْوَى مِن البَيِّنَةِ؛ لكَونِه (٣) شَهادَةَ الإِنسانِ على نفسِه، ويَزُولُ به النزاعُ، بخِلافِ البَيِّنَةِ. الثانى، أنَّ البينةَ لا تُسْمَعُ إلَّا على ما ادَّعاه، والدَّعْوَى يَجِبُ أن تكونَ مُعَلَّقَةً بالحالِ، والإِقْرارُ يُسْمَعُ ابْتِداءً. فإن شَهِدَتِ البينةُ أنَّها كانت في يَدِه أمسِ، ففى سَماعِها وَجْهان. وإن أقَرَّ المُدَّعَى عليه

стр. 14215

وَإذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أنَّ الحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ، فَصَدَّقَهُ، قُبِلَ قَوْلُ الْحَاكِمٍ وَحْدَهُ، وَإنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَاكِمُ ذَلِكَ، [٣٣٣ و] فَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا، وَأمْضَى القَضَاءَ. وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَكَ بِكَذَا، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا. ــ بذلك، فالصَّحِيحُ أنَّه يُسْمَعُ، ويُقْضَى بها؛ لِما ذَكَرْنا. واللهُ أعلمُ. ٤٩٢٤ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى إنْسانٌ أنَّ الحَاكِمَ حَكَم له بحَقٍّ، فَصَدَّقَه، قُبِل قولُ الحاكمِ وَحدَه، وإن لم يَذْكُرِ الحاكمُ ذلك، فشَهِد عَدلان أنَّه حَكَم له به، قَبِل شَهادَتَهما، وأمْضَى القضاءَ. وكذلك إن شَهِدا أنَّ فُلانًا وفُلانًا شَهِدا عندَك بكذا، قَبِل شَهادَتَهما) إذا ادَّعَى إنسانٌ على الحاكمِ، أنَّك حَكَمْتَ لى بهذا الحَقِّ على خَصْمِى. فذَكَر الحاكمُ حُكْمَه، أمْضاه، وألْزَمَ خَصْمَه ما حَكَم به عليه. وليس هذا حُكْمًا
следующие страницы →