. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَصِيبُ الغائِبِ، كذا ههُنا. ولَنا، أنَّها تَرِكَةُ مَيِّتٍ، ثَبَتَتْ ببيِّنةٍ، فوَجَبَ أن يُنْزَعَ نصيبُ الغائبِ، كالمنقولِ (١)، وكما لو كان أخوه صَغِيرًا أو مَجْنُونًا، ولأنَّ [فيما قاله] (٢) ضَرَرًا، لأنَّه قد يَتَعَذَّرُ على الغائِبِ إقامَةُ البينةِ، وقد يموتُ الشّاهِدان أو يَغيبا، أو تَزُولُ عَدالتُهما، ويُعْزَلُ الحاكِمُ، فيَضِيعُ حَقُّه، فوَجَبَ أن يُحْفَظَ بانْتِزاعِه، كالمنقولِ. ويُفارِقُ الشَّرِيكَ للأجْنَبِىِّ إجْمالًا وتفْصِيلًا؛ أما الإِجْمالُ فإنَّ المنقُولَ يُنْتَزَعُ فيه (٣) نصيبُ شريكِه في الميراثِ، ولا يُنزعُ نَصيبُ الأجنبىِّ، وأمَّا التَّفْصِيلُ، فإنَّ البينةَ ثَبَت بها الحَقُّ للمَيِّتِ، بدليلِ أنَّه تُقْضَى منه دُيونُه، وتُنْفَذُ منه وَصاياه، ولأنَّ الأخَ يُشارِكُه فيما أخَذَه، إذا تَعَذَّرَ عليه أخْذُ الباقِى. فأمَّا إن كان دَيْنًا في ذِمَّةِ إنْسانٍ، فهل يَقْبِضُ الحاكمُ نصيبَ الغائِبِ؟ فيه وَجْهان، أحَدُهما، يَقْبِضُه، كما يَقْبِضُ العينَ. والثانى، لا يَقْبِضُه؛ لأنَّه إذا كان في
стр. 14212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذِمَّةِ مَن هو (١) عليه، كان أحْوَطَ مِن أن يكونَ أمانةً في يَدِ الأمينِ؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ عليه التَّلَفُ إذا قَبَضَه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه في الذِّمَّةِ يَعْرِضُ التَّلَفُ بالفَلَسِ، والموتِ، وعَزْلِ الحاكمِ، وتعذُّرِ البينةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّنا إذا دَفَعْنا إلى الحاضِرِ نِصْفَ العَيْنِ أو الدَّيْنِ، لم نُطالِبْه بضَمِينٍ؛ لأنَّا دَفَعْناه بقولِ الشُّهودِ، والمطالَبَةُ بالضَّمِينِ طَعْنٌ عليهم. قال أصْحابُنا: سَواءٌ كان الشَّاهِدان مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ أو لم يَكُونا. ويَحْتَمِلُ أن لا تُقْبَلَ شَهادَتُهما في نَفْىِ وارِثٍ آخَرَ، حتى يكونا مِن أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، والمَعْرِفَةِ المُتَقادِمَةِ؛ [لأنَّ مَن ليس مِن أهْلِ المعرفةِ، ليس (٢) جَهْلُه] (٣) بالوَارِثِ دَليلًا على عَدَمِه، فلا يُكْتَفَى به. وهذا قولُ الشافعىِّ. فعلى هذا، تكونُ الدّارُ مَوْقوفَةً، فلا (٤) يُسَلَّمُ إلى الحاضِرِ نِصْفُها، حتى يَسْألَ الحاكِمُ، ويَكْشِفَ عن المواضِعِ التى كان يَطْرُقُها، ويَأْمُرُ (٥) مُنادِيًا يُنادِى: إنَّ فَلانًا مات، فإن كان له وارِثٌ، فَلْيَأْتِ. فإذا غَلَب على ظَنِّه
стр. 14213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه لو كان له وارِثٌ ظَهَر، دَفَع إلى الحاضِرِ نَصِيبَه. وهل يُطْلَبُ منه ضَمِينٌ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن. وكذلك الحُكْمُ إذا كانا مِن أهْلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، لكنْ لم يقولا: ولا نَعلَمُ له وارِثًا سِواه.
فصل: فإن كان مع الابنِ ذُو فَرْضٍ، فعلى ظاهِرِ المذهبِ، يُعْطَى فَرْضَه كامِلًا. وعلى هذا التَّخْريجِ (١)، يُعْطَى اليَقِينَ. فإن كانت له زَوْجَةٌ، أُعْطِيَتْ رُبْعَ الثُّمْنِ عائِلًا، فيكونُ رُبْعَ التُّسْعِ؛ لجوازِ أن يكونَ له أرْبَعُ زَوْجاتٍ، وإن كانت له جَدَّةٌ، لم يَثْبُتْ مَوْتُ أُمِّه، لم تُعْطَ (٢) شيئًا، وإنْ عُلِم مَوْتُها، اعْطِيَتْ ثُلُثَ السُّدْسِ؛ لجوَازِ أن يكونَ له ثَلاثُ جَدَّاتٍ، وتُعْطاه عائِلًا، فيكونُ ثُلُثَ العُشْرِ، ولا يُعْطَى العَصَبةُ شيئًا. [وإن كان الوارثُ أخًا، لم يُعْطَ شيئًا] (٣)؛ لجَوازِ أنْ يكونَ للمَيِّتِ (٤) وارِثٌ يَحْجُبُه. وإن كان زَوْجًا، أُعْطِىَ الرُّبْعَ عائِلًا، وهو الخُمْسُ؛ لجوازِ أن تكونَ المسْألةُ عائِلَةً، فيُعْطَى اليَقِينَ، فإذا كَشَف الحاكمُ، أعْطَى الزَّوْجَ نَصِيبَه، وكَمَّلَ لذوى الفُرُوضِ فُرُوضَهم.
فصل: إذا اخْتَلَفا في دارٍ في يَدِ أحَدِهما، فأقام المُدَّعِى بينةً أنَّ الدَّارَ كانت أمسِ (٥) مِلْكَه، أو منذُ شَهْرٍ، فهل تُسْمَعُ البينةُ، ويُقْضَى بها؟
стр. 14214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، تُسْمَعُ، ويُحْكَمُ بها؛ لأنَّها تُثْبِتُ المِلْكَ في الماضِى، وإذا ثَبَت اسْتُدِيمَ حتى يُعْلَمَ زوالُه. والثانى، لا تُسْمَعُ. قال القاضى: هو الصحيحُ؛ لأنَّ الدَّعْوَى لا تُسْمَعُ ما لم يَدَّعِ المُدَّعِى المِلْكَ في الحالِ، فلا يُسْمَعُ على (١) ما لم يَدَّعِه، لكنْ إنِ انْضمَّ إلى شَهادَتِها (٢) بَيانُ سَبَبِ يَدِ الثانى، وتعريفُ تَعدِّيها، فقالا: نَشْهَدُ أنَّها كانت مِلْكَه أمسِ، فغَصَبَها هذا منه- أو- سَرَقَها- أو- ضَلَّتْ منه فالْتَقَطَها هذا.
ونحوَ ذلك، سُمِعَتْ، وقُضِىَ بها؛ لأنَّها إذا لم تُبَيِّنِ السَّبَبَ، فاليَدُ دليلُ المِلْكِ، ولا تَنافِىَ بينَ ما شَهِدَتْ به البينةُ وبينَ دَلالَةِ اليَدِ؛ لجوازِ أن يكونَ مِلْكَه أمسِ، ثم يَنْتقِلَ إلى صاحِبِ اليدِ. فإذا ثَبَت أنَّ سَبَبَ اليَدِ عُدْوانٌ، خَرَجَتْ عن كونِها دَليلًا، فوَجَبَ القضاءُ باسْتدامَةِ المِلْكِ السابِقِ. فإن أقَرَّ المُدَّعَى عليه أنَّها كانت للمُدَّعِى أمسِ، أو فيما مَضَى، سُمِعَ إقْرارُه، في الصَّحِيحِ، وحُكِم به؛ لأنَّه حينَئِذٍ يحْتاجُ إلى سَبَبِ انْتِقالِها إليه، فيصيرُ هو المُدَّعِىَ، فيَحْتاجُ إلى بينةٍ. ويُفارِقُ البينةَ مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه
أقْوَى مِن البَيِّنَةِ؛ لكَونِه (٣) شَهادَةَ الإِنسانِ على نفسِه، ويَزُولُ به النزاعُ، بخِلافِ البَيِّنَةِ. الثانى، أنَّ البينةَ لا تُسْمَعُ إلَّا على ما ادَّعاه، والدَّعْوَى يَجِبُ أن تكونَ مُعَلَّقَةً بالحالِ، والإِقْرارُ يُسْمَعُ ابْتِداءً. فإن شَهِدَتِ البينةُ أنَّها كانت في يَدِه أمسِ، ففى سَماعِها وَجْهان. وإن أقَرَّ المُدَّعَى عليه
стр. 14215
وَإذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أنَّ الحَاكِمَ حَكَمَ لَهُ بِحَقٍّ، فَصَدَّقَهُ، قُبِلَ قَوْلُ الْحَاكِمٍ وَحْدَهُ، وَإنْ لَمْ يَذْكُرِ الْحَاكِمُ ذَلِكَ، [٣٣٣ و] فَشَهِدَ
عَدْلَانِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِهِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا، وَأمْضَى القَضَاءَ. وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا شَهِدَا عِنْدَكَ بِكَذَا، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا.
ــ
بذلك، فالصَّحِيحُ أنَّه يُسْمَعُ، ويُقْضَى بها؛ لِما ذَكَرْنا. واللهُ أعلمُ.
٤٩٢٤ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى إنْسانٌ أنَّ الحَاكِمَ حَكَم له بحَقٍّ، فَصَدَّقَه، قُبِل قولُ الحاكمِ وَحدَه، وإن لم يَذْكُرِ الحاكمُ ذلك، فشَهِد عَدلان أنَّه حَكَم له به، قَبِل شَهادَتَهما، وأمْضَى القضاءَ. وكذلك إن شَهِدا أنَّ فُلانًا وفُلانًا شَهِدا عندَك بكذا، قَبِل شَهادَتَهما) إذا ادَّعَى إنسانٌ على الحاكمِ، أنَّك حَكَمْتَ لى بهذا الحَقِّ على خَصْمِى. فذَكَر الحاكمُ حُكْمَه، أمْضاه، وألْزَمَ خَصْمَه ما حَكَم به عليه. وليس هذا حُكْمًا
стр. 14216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالعِلْمِ، إنَّما هو إمْضاءٌ لحُكْمِه السّابِقِ. وإن لم يَذْكُرْه القاضى، وشَهِد عندَه شاهدان على حُكْمِه، لَزِمَه قَبُولُها (١)، وإمْضاءُ القضاءِ. وبه قال ابنُ أبى ليلَى، ومحمدُ بنُ الحسنِ. قال القاضى: هذا قياسُ قولِ أحمدَ؛ لأنَّه قال: يَرْجِعُ الإِمامُ إلى قولِ اثْنَيْن فصاعِدًا مِن المأْمومِين. وقال أبو
стр. 14217
وَإنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ، لكِنْ وَجَدَهُ فِى قِمَطْرِهِ فِى صَحِيفَةٍ تَحْتَ خَتْمِهِ بِخَطِّهِ، فَهَلْ يُنْفِذُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، والشافعىُّ: لا يَقْبَلُ؛ لأنَّه (١) يُمْكِنُه الرُّجوعُ إلى الإِحاطَةِ والعلمِ، فلا يَرْجِعُ إلى الظَّنِّ، كالشاهِدِ إذا نَسِىَ شَهادَتَه، فشهِدَ عندَه شاهدان أنَّه شَهِد، لم يكنْ له أن يَشْهَدَ. ولَنا، أنَّهما لو شَهِدا عندَه بحُكْمِ غيرِه قَبِلَ، فكذلك إذا شَهِدا عندَه بحُكْمِه، فإنَّهما شَهِدا بحُكْمِ حاكم. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذِكْرَ ما نَسيَه ليس إليه، ويُخالِفُ الشّاهِدَ، لأنَّ الحاكمَ يُمْضِى ما حَكَم به إذا ثَبَت عندَه، والشاهِدَ لا يَقْدِرُ على إمْضاءِ شَهادَتِه، وإنَّما يُمْضِيها (٢) الحاكمُ. وكذلك إن شَهِدا أنَّ فُلانًا وفُلانًا شَهِدا عندَك بكذا، قَبِل شَهادَتَهما على الشّاهِدَيْن، كما يَقْبَلُ شَهادَتَهما على الحَقِّ نفسِه.
٤٩٢٥ - مسألة: (وإن لم يَشْهَدْ به أحَدٌ، لكنْ وَجَدَه في قِمَطْرِه، في صَحِيفَةٍ تحتَ خَتْمِه بخطِّهِ، فهل يُنْفِذُه؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، لا يُنْفِذُه إلَّا أن يَذْكُرَه. نَصَّ عليه أحمدُ في الشهادةِ. قالَه بعضُ أصْحابِنا-.
стр. 14218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو قولُ (١) أبى حنيفةَ، والشافعىِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. والثانيةُ، أنَّه يَحْكُمُ به. وبه قال ابنُ أبى ليلَى. قال شيخُنا (٢): وهذا الذى رَأْيتُه عن أحمدَ في الشهادةِ؛ لأنَّه إذا كان في قِمَطْرِه تحتَ خَتْمِه، لم يَحْتَمِلْ أن يكونَ إلَّا صحيحًا. ووَجْهُ الأولَى، أنَّه حُكْمُ حاكِمٍ لم يَعْلَمْه، فلم يَجُزْ إنْفاذُه إلَّا ببينةٍ، كحُكْمِ غيرِه، ولأنَّه يجوزُ أن يُزَوَّرَ عليه وعلى خَطِّه وخَتْمِه، والخَطُّ يُشْبِهُ الخَطَّ. فإن قيل: فلو وَجَد في دَفْتَرِ أبِيه حَقًّا على إنسانٍ، جاز له أن يَدَّعِيَه، ويَحْلِفَ عليه. قُلْنا: هذا يُخالِفُ الحُكْمَ والشَّهادةَ، بدليلِ الإِجْماعِ على أنَّه لو وَجَد خَطَّ أبيه بشهادَةٍ، لم يَجُزْ له (٣) أن يَحْكُمَ بها، ولا يَشْهَدَ بها، ولو وَجَد حُكْمَ أبيه مَكْتُوبًا بخَطِّه، لم يَجُزْ له إنْفاذُه، ولأنَّه يُمْكِنُه الرُّجُوعُ فيما حَكَمَ به (٤) إلى نفسِة؛ لأنَّه فِعْلُه، فرُوعِىَ ذلك. وأمَّا ما كَتَبه أبوه، فلا يُمْكِنُه الرُّجوعُ فيه إلى نفسِه، فكَفَى فيه الظَّنُّ.
стр. 14219
وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ إِذَا رَأَى خَطَّهُ فِى كِتَابٍ بِشَهَادَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا، فَهَلْ لَهُ أنْ يَشْهَدَ بِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
٤٩٢٦ - مسألة: (وكذلك الشّاهِدُ إذا وَجَد خَطَّه بشَهادَةٍ في كِتابٍ، ولم يَذْكُرْها، فهل له أن يَشْهَدَ بها؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، له أن يَشْهَدَ بها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّها خَطُّه. والثانيةُ، لا يَشْهَدُ بها إلَّا أن يَذْكُرَها؛ لأنَّها قد تُزَوَّرُ على خَطِّه، وقد وُجِدَ ذلك.
стр. 14220
فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ حَقٌّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ أخْذُهُ بِالْحَاكِمِ، وَقَدَرَ عَلَى مَالٍ لَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
ــ
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (ومَن كان له على إنْسانٍ حَقٌّ، ولم يُمْكِنْه أخْذُه بالحاكمِ، وقَدَر له على مالٍ، لم يَجُزْ أن يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّه.
نَصَّ عليه. واخْتارَه عامَّةُ شُيوخِنا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا كان لرجلٍ على غيرِه حَقٌّ، وهو مُقِرٌّ به، باذِلٌ له، لم يكنْ له أنْ يَأْخُذَ مِن مالِه إلَّا ما يُعْطِيه. بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ. فإن أخَذَ مِن مالِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، لَزِمَه رَدُّه إليه وإن كان قَدْرَ حَقِّه؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يَمْلِكَ عليه (١) عينًا مِن أعْيانِ مالِه، بغيرِ اخْتِيارِه، لغيرِ ضَرُورَةٍ، وإن كانت مِن جِنْسِ حَقِّه؛ لأنَّه قد يكونُ للإِنْسانِ غَرَضٌ في العَيْنِ. فإن أتْلَفها، أو تَلِفَتْ فصارت دَيْنًا في ذِمَّتِه، وكان الثابِتُ في ذِمَّتِه مِن جِنْسِ حَقِّه، تَقاصّا، في قياسِ المذهبِ، والمَشْهُورِ مِن مَذهبِ الشافعىِّ. وإن كان مانِعًا له لأمْرٍ يُبِيحُ المَنْعَ، كالتَّأْجِيلِ والإِعْسارِ، لم يَجُزْ أخْذُ شئٍ مِن مالِه، بغيرِ خِلافٍ.
стр. 14221
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ مِنَ المُحْدَثِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَى جِنْسِ حَقِّهِ، أَخَذَ قَدْرَ حَقِّهِ، وَإلَّا قَوَّمَهُ وَأَخَذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، مُتَحَرِّيًا
ــ
وإن أخَذَ شيئًا، لَزِمَه رَدُّه ما كان باقِيًا، أو عِوَضُه إن كان تالِفًا، ولا يحْصُلُ التَّقاصُّ ههُنا؛ لأنَّ الدَّيْنَ الذى له لا يَسْتَحِقُّ أخْذَه في الحالِ، بخِلافِ التى قبلَها. وإنْ كان [مانعًا له] (١) بغيرِ حَقٌّ، وقَدَر على اسْتِخْلاصِه بالحاكمِ أو (٢) السُّلْطانِ، لم يَجُزْ له الأخْذُ أيضًا (٣)، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه قَدَر على اسْتِيفاءِ حَقِّه بمَن (٤) يقومُ مَقامَه، فأشْبَهَ ما لو قَدَر على اسْتِيفائِه مِن وكيلِه. وإن لم يَقْدِرْ على ذلك لكونِه جاحِدًا له، ولا بَيِّنَةَ به، أو (٥) لكونِه لا يُجِيبُه إلى المُحاكَمَةِ، ولا يُمْكِنُه إجْبارُه على ذلك، أو نحو هذا، فالمشْهورُ في المذهبِ، أنَّه ليس له أخْذُ قَدْرِ حَقِّه. وهو إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن مالكٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد جَعَل أصْحابُنا المُحْدَثون
стр. 14222
لِلْعَدْلِ فِى ذَلِكَ؛ لحَدِيثِ هِنْدٍ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ». وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ».
ــ
لجوازِ (١) الأخْذِ وَجْهًا في المذهبِ، أخْذًا مِن حديثِ هِنْدٍ، حينَ قال لها النبىُّ ﷺ : «خذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (٢). وقال أبو الخَطَّابِ: ويَتَخَرَّجُ لَنا جوازُ الأخْذِ؛ فإن كان المقدُورُ عليه قَدْرَ حَقِّه مِن جِنْسِه، أخَذَه، وإن كان مِن غيرِ جِنْسِه، تَحَرَّى، واجْتَهَدَ في تَقْويمِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ هِنْدٍ، ومِن قولِه في الرَّهْنِ: يرْكَبُ ويحْلبُ،
стр. 14223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بقَدْرِ ما يُنْفِقُ، والمرْأةُ تَأْخُذُ مُؤْنَتَها، وبائِعُ السِّلْعَةِ يَأْخُذُها مِن مالِ المُفْلِسِ بغيرِ رِضاه. وقال الشافعىُّ: إن لم يَقْدِرْ على اسْتِخْلاصِ حَقِّه ببينةٍ، فله أخْذُ قَدْرِ حَقِّه مِن جِنْسِه أو مِن غيرِ جِنْسِه، وإن كانت له به (١) بينةٌ، وقَدَر على اسْتِخْلاصِه، ففيه وَجْهان. والمشهورُ مِن مذهبِ مالكٍ، أنَّه إن لم يكنْ لغيرِه عليه دَيْنٌ، فله أن يَأْخُذَ بقَدْرِ حَقِّه، وإن كان عليه دَيْنٌ، لم يَجُزْ؛ لأنَّهما يَتحاصَّان في مالِه إذا أفْلَسَ. وقال أبو حنيفةَ: له أن يَأْخُذَ بقَدْرِ حَقِّه إن كان عَيْنًا، أو وَرِقًا، أو مِن جِنْسِ حَقِّه، وإن كان
المالُ عَرْضًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ أخْذَ العَرْضِ عن حَقِّه اعْتِياضٌ، ولا تَجُوزُ المُعاوَضَةُ إلَّا برِضَا (٢) المُتعاوِضَيْن، قال اللهُ تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). واحْتَجَّ مَن أجاز الأخْذَ بحديثِ هِنْدٍ،
стр. 14224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حينَ جاءَتْ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شحيحٌ (١)، وليس يُعْطِينِى مِن النَّفَقَةِ ما يَكْفِينِى ووَلدِى. فقال: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ». مُتَّفَقٌ عليه. وإذا جاز لها أن تَأْخُذَ مِن مالِه (٢) ما يَكْفِيها بغيرِ إذْنِه، جاز للرجلِ الذى له الحَقُّ على الرجلِ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» (٣). رَواه التَّرْمِذِىُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. ومتى أخَذَ منه قَدْرَ حَقِّه مِن مالِه بغيرِ إذْنِه، فقد خانَه (٤)، فيَدْخُلُ في عُمومِ الخبرِ، وِقال ﵊: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئً مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نفْسٍ مِنْهُ» (٥). ولأنَّه إن أخَذَ مِن غيرِ جِنْسِه، كان مُعاوَضةً بغيرِ تَراضٍ، وإن أخَذَ مِن جِنْسِ حَقِّه، فليس له تَعْيِينُ الحَقِّ بغيرِ رِضا صاحِبِه، فإنَّ التَّعْيِينَ إليه، ألا تَرَى أنَّه لا يجوزُ له أن يقولَ: لا آخُذُ حَقِّى
стр. 14225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَّا مِن هذا الكِيسِ دُونَ هذا. ولأنَّ كلَّ ما لا يجوزُ له تَمَلُّكُه إذا لم يكنْ له دَيْنٌ، لا يجوزُ له أخْذُه إذا كان له دَيْنٌ، كما لو كان باذِلًا له. فأمَّا حديث هِنْدٍ، فإنَّ أحمدَ اعْتَذَرَ عنه بأنَّ حَقَّها واجِبٌ عليه في كلِّ وَقْتٍ. وهذا إشارَةٌ منه إلى الفَرْقِ بالمَشَقَّةِ في المُحاكَمَةِ في كُلِّ وَقتٍ، والمُخاصَمَةِ كلَّ يوم تجبُ فيه النَّفَقَةُ، بخِلافِ الدَّيْنِ. وفَرَّقَ أبو بكرٍ بينَهما بفَرْقٍ
стр. 14226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آخرَ، وهو أنَّ قِيامَ الزوجيَّةِ كقيامِ البَيِّنَةِ، فكأنَّ الحقَّ صار معلومًا بعلمِ قيامِ مُقْتَضِيه. وبينَهما فرقان آخَرانِ؛ أحدُهما، أنَّ للمَرْأةِ مِن التَّبَسُّطِ في مالِه بحُكْمِ العادَةِ، ما يُؤَثِّرُ في إباحَةِ أخْذِ الحقِّ، وبَذْلِ اليَدِ فيه بالمعروفِ، بخِلافِ الأجْنَبِىِّ. الثانى، أنَّ النَّفَقَةَ تُرادُ لإِحيْاءِ النَّفْسِ، وإبْقاءِ المُهْجَةِ، وهذا ممّا لا يُصْبَرُ عنه، ولا سبيلَ إلى تَرْكِه، فجاز أخْذُ ما تَنْدَفِعُ به هذه الحاجَةُ، بخِلافِ الدَّيْنِ، حتى نقولَ: لو صارَتِ النَّقَقَةُ ماضِيَة، لم يكنْ لها أخْذُها، ولو وَجَب لها عليه دَيْنٌ آخَرُ، لم يكنْ لها أخْذُه. فعلى هذا، إن أخَذَ شيئًا، لَزِمَه رَدُّه إن كان باقِيًا، وإن كان تالِفًا وَجَب مِثْلُه إن كان مِثْلِيًّا، أو قِيمَتُه إن كان مُتَقَوَّمًا، فإن كان مِن جِنْسِ دَيْنِه، تَقاصّا (١)، وتساقَطا، في قياسِ المذهبِ، وإن كان مِن غيرِ جِنْسِه، غَرِمَه، ومَن جَوَّزَ مِن أصْحابِنا الأخْذَ (٢)، فإنَّه إن وَجَد جِنْسَ حَقِّه، جاز له الأخْذُ بقَدْرِ حَقِّه، مِن غيرِ زِيادَةٍ، وليس له الأخْذُ
стр. 14227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن غيرِ جِنْسِه مع قُدْرَتِه على جِنْسِ حَقِّه. وإنْ لم يَجِدْ إلَّا من غَيرِ جنسِ حَقِّه، فيَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ له تَمَلُّكُه؛ لأنَّه لا يجوزُ له أن يبيعَه مِن نفْسِه، وهذا يبيعُه مِن نفسِه، وتَلْحَقُه فيه تُهْمَة. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ له ذلك، كما قالوا في (١) الرَّهْنِ يُنفَقُ عليه إذا كان مَحْلُوبًا أو مَرْكُوبًا: يُحْلَبُ ويُرْكَبُ بقَدْرِ النَّفَقَةِ. وهى مِن غيرِ الجِنْسِ. واخْتلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ في هذا؛
стр. 14228
وَحُكْمُ الحَاكِمِ لا يُزِيلُ الشَّىْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِى البَاطِنِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِى مُوسَى عَنْهُ رِوَايَةً، أَنَّهُ يُزِيلُ العُقُودَ وَالفُسُوخَ.
ــ
فمنهم مَن جَوَّزَه له، ومنهم مَن قال: يُؤَاطِئُ رجلًا يَدَّعِى عليه عندَ الحاكمِ دَيْنًا، فيُقِرُّ له بملكِ الشَّئِ (١) الذى أخَذَه، فيَمْتَنِعُ مَن عليه الدَّعْوَى مِن قَضاءِ الدَّينِ، ليبيعَ الحاكمُ الشئَ المأْخُوذَ، ويَدْفَعَه إليه.
٤٩٢٧ - مسألة: - (وحُكْمُ الحاكمِ لا يُزِيلُ الشئَ عن صِفَتِه في الباطِنِ. وذَكَر ابنُ أبى موسى عنه رِوايةً) أُخْرَى (أنَّه يُزِيلُ العُقُودَ والفُسُوخَ) ذهَب جُمْهورُ العُلماءِ إلى أنَّ حُكْمَ الحاكمِ لا يُزِيلُ الشئَ عن صِفَتِه في الباطِنِ؛ منهم مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ: إذا حَكَم بعَقْدٍ أو (٢) فَسْخٍ أو طَلاقٍ، نَفَذَ حُكْمُه ظاهِرًا وباطنًا، فلو أنَّ رَجُلَيْن تَعَمَّدا الشَّهادَةَ على رجلٍ أنَّه طَلَّقَ امْرَأتَه، فقَبِلَهما القاضى بظاهرِ عَدالتِهما، ففَرَّقَ بينَ الزَّوْجَيْن، جاز لأحدِ الشاهِدَيْن نِكاحُها بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها، وهو عالمٌ بتَعَمُّدِ الكَذِبِ، ولو أنَّ رجلًا ادَّعَى نِكاحَ امرأةٍ، وهو يعلمُ أنَّه كاذِبٌ، وأقام شاهِدَىْ زُورٍ، فحكَمَ الحاكمُ، حَلَّت له بذلك،
стр. 14229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وصارَتْ زَوْجَتَه. قال ابنُ المُنْذِرِ: وتَفَرَّدَ أبو حنيفةَ، فقال: لو اسْتَأْجَرَتِ امرأةٌ شاهِدَيْن، شَهِدا لها بطَلاقِ زَوْجِها، وهما يَعْلَمان كذِبَها وتَزْويرَهما (١)، فحكَم الحاكمُ بطَلاقِها، يَحِلُّ لها أن تَتَزَوَّجَ، وحَلَّ لأحدِ الشاهِدَيْن نِكاحُها. واحْتَجَّ بما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهُ، أنَّ رجلًا ادَّعَى على امرأةٍ نِكاحَها (٢)، فرَفَعَها إلى علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، فشهِدَ له شاهِدان بذلك، فقَضَى بينَهما (٣) بالزَّوْجيَّةِ. فقالت: واللهِ ما تَزَوَّجَنِى يا أميرَ المؤمنين، اعْقِدْ بينَنا عَقْدًا حتى أحِلًّ له. فقال: شاهِداكِ زَوَّجاكِ.
فدَلَّ على أنَّ النِّكاحَ ثَبَت بحُكْمِه، ولأنَّ اللِّعانَ ينفسِخُ به النِّكاحُ وإن كان أحَدُهما كاذِبًا، فالحُكْمُ أوْلَى. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «إِنَّمَا أنَا بَشَرٌ (٤)، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَىَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُم أن يَكُونَ ألحَنَ بحُجَّتِه مِنْ بَعْضٍ، فأقْضِىَ له على نَحْوِ ما أسْمَعُ منه، فمَنْ قَضَيْتُ له بشَئٍ مِن حَقِّ أخيه، فلا يَأْخُذْ منه شيئًا، فإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ».
стр. 14230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُتَّفَقٌ عليه (١). وهذا يَدْخُلُ فيه ما إذا ادَّعَى أنَّه اشْتَرَى منه شيئًا، فحَكَم له، ولأنَّه حُكْم (٢) بشَهادَةِ زُورٍ، فلا يُحِلُّ له ما كان مُحَرَّمًا عليه، كالمالِ المُطْلَقِ. وأمَّا الخَبَرُ عن علىٍّ، إن صَحَّ، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّه أضاف التَّزْوِيجَ إلى الشَّاهِدَيْن، لا إلى حُكْمِه، ولم يُجِبْها إلى التَّزْويجِ؛ لأنَّ فيه طَعْنًا على الشُّهودِ. فأمَّا اللِّعانُ، فإنَّما حَصَلَتِ الفُرْقَةُ به، لا بصدقِ الزَّوْجِ، ولهذا لو قامَتِ البَيِّنَةُ به، لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ. إذا ثَبَت هذا، فإذا شَهِد على امرأةٍ بنكاحٍ، وحَكَم به الحاكمُ، ولم تكنْ زَوْجَتَه،
стр. 14231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنَّها لا تَحِلُّ له، ويَلْزَمُها في الظّاهِرِ، وعليها أن تَمْتَنِعَ منه ما أمْكَنَها، فإن أكْرَهَها، فالإِثْمُ عليه دُونَها. وإن وَطِئَها الرجلُ، فقال أصحابُنا، وبعضُ الشافعيةِ: عليه الحَدُّ، لأنَّه وَطِئَها وهو يَعْلَمُ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ -. وقيل: لا حَدَّ عليه، لأنَّه وَطْءٌ مُخْتَلَفٌ في (١) حُكْمِه، فيكونُ شُبْهَةً. وليس لها أن تَتَزَوَّجَ غيرَه. وقال أصحابُ الشافعىِّ: تَحِلُّ لزَوْجٍ ثانٍ، غيرَ أنَّها مَمْنُوعَةٌ منه (١) في الحُكْمِ. وقال القاضى: يَصِحُّ النِّكاحُ. ولَنا، أنَّ هذا
стр. 14232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُفْضِى إلى الجَمْعِ بينَ الوَطْءِ للمرأةِ مِن اثْنَيْن، أحدُهما يَطَؤُها بحُكْمِ الظَّاهِرِ، والآخَر بحُكْمِ الباطِنِ، وهذا فَسادٌ، فلا يُشْرَعُ، ولأنَّها مَنْكُوحَةٌ لهذا الذى قامَتْ له (١) البَيِّنَةُ، في قولِ بعضِ الأئمةِ، فلم يَجْزْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شُرَيْحٌ يقول: أنا أَقْضِى ولا أُفْتِى. أمّا الفُتْيَا في الطّهارَةِ وسائرِ ما لا يُحْكَمُ في مِثْلِه، فلا بَأْسَ بالفُتْيَا فيه. واللهُ سبحانَه أعلمُ.
стр. 14237
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م
المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة
تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣
ص. ب: ٦٣ إمبابة
стр. 14238
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
стр. 14239
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[٣٣٣ ظ] بَابُ حُكْمِ كِتَابِ القَاضِى إِلَى القَاضِى
ــ
باب حكمِ كتابِ القاضى إلى القاضى
الأصْلُ في كتابِ القاضى [إلى القاضى] (١)، والأميرِ إلى الأميرِ، الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكتابُ فقولُ الله تِعالى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٢). وأمَّا السُّنَّةُ، فإنَّ النبىَّ ﷺ كَتَب إلى كِسْرَى، وقَيْصَرَ، والنَّجاشِى، وإلى مُلوكِ الأطْرافِ (٣)، وكان يَكْتُبُ إلى وُلاتِه، [ويَكْتُبُ لعُمّالِه] (٤) وسُعاتِه، وكان في كتابِه إلى قَيْصَرَ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحُمَنِ الرَّحِيمِ، مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إلَى قَيْصَرَ عَظِيمِ الرُّومِ، أمَّا بَعْدُ، فَأسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْن، وإن تَوَلَّيْتَ، فَإنَّ عليكَ إِثْمَ الأَريسِيِّينَ (٥)، و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى
стр. 14240
يُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِى إلَى القَاضِى فِى المَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ
ــ
كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآيَة (١). ورَوى الضَّحّاكُ بنُ سُفْيانَ، قال: كَتَب إلَىَّ رسولُ الله ﷺ أن أُوَرِّثَ امْرَأةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِىِّ مِن دِيةِ زَوْجِها (٢). وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على كتابِ القاضى إلى القاضى. ولأنَّ الحاجَةَ إلى قَبُولِه داعِيَةٌ، فإنَّ مَن له حقٌّ في بلَدٍ غيرِ بلدِه، لا يُمْكِنُه إثْباتُه والمُطالَبَةُ به إلَّا بكتابِ القاضى، فوَجَبَ قَبُولُه.
٤٩٢٨ - مسألة: (يُقْبَلُ كِتابُ القاضى إلى القاضى في المالِ، وما
стр. 14241
المَالُ؛ كَالْقَرْضِ، وَالْغَصْبِ، وَالْبَيْعِ، وَالإِجَارَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالصُّلْحِ، وَالوَصِيَّةِ لَهُ، وَالجِنَايَةِ المُوجِبَةِ لِلْمَالِ، وَلَا يُقْبَلُ فِى حَدٍّ للهِ تَعَالَى. وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ؛ مِثْلَ القِصَاصِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالخُلْعِ، وَالعِتْقِ، وَالنَّسَبِ، وَالكِتَابَةِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالوَصِيَّةِ إلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. فَأَمّا حَدُّ القَذْفِ، فَان قُلْنَا: هُوَ لِلهِ تَعَالَى. فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ. وَإنْ قُلْنَا: لِلْآدَمِىِّ. فَهُوَ كَالْقِصَاصَ.
ــ
يُقْصَدُ به المالُ؛ كالقَرْضِ، والغَصْبِ، والإِجارةِ، والبَيْعِ، والرَّهْنِ، والصُّلْحِ، والوصيةِ له، والجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، ولا يُقْبَلُ فِى حَدٍّ للهِ تعالى. وهل يُقْبَلُ فيما عدا ذاك؛ مِثْل القِصاصِ، والنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والخُلْعِ، والعِتْقِ، والنَّسَبِ، والكِتابةِ،: والتَّوْكِيلِ، والوصيةِ إليه؟ على رِوايَتَيْن. فأمَّا حَدُّ القَذْفِ، فإن قُلْنا: هُو) حَقٌّ (١) (للهِ تعالى. فلا يُقْبَلُ فيه. وإن قُلْنْا): هو حَقٌّ (لآدَمِىِّ. فهو كالقِصاصِ) وجملةُ ذلك، أنَّ كتابَ القاضى إلى القاضى يُقْبَلُ في المالِ،
стр. 14242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه، ولا يُقْبَلُ في الحُدُودِ لحَقِّ (١) اللهِ تعالى. وهل يُقْبَلُ فيما عدا هذا؟ على وَجْهَيْن. وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أصْحَابُ (٢) الشافعىِّ: يُقْبَلُ في (٣) كلِّ حَق لآدَمِىِّ، مِن الجِراحِ وغيرِها، وهل يُقْبَلُ في الحُدودِ التى للهِ تعالى؟ على قَوْلَيْن؛ أحَدُهما، يُقْبَلُ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ. وحَدُّ القَذْفِ يَنْبَنِى على الخِلافِ فيه، على ما ذَكَرْنا. ولَنا، على أنَّها لا تُقْبَلُ في الحُدُودِ، أنَّها (٤) مَبْنِيَّةٌ على السَّتْرِ، والدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ، والإِسْقاطِ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ، وكتابُ القاضى [شهادةٌ على شهادةٍ] (٥)، وفيها (٦) شُبْهَةٌ، فإنَّه يَتَطَرَّقُ إليها (٧) احْتِمالُ الغَلَطِ و (٨) السَّهْوِ في شُهودِ الفَرْعِ (٩)، مع احْتمالِ ذلك في شُهودِ الأصْلِ، وهذا احْتمالٌ زائدٌ، لا يُوجَدُ في شَهادةِ الأصْلِ، وهو مُعْتَبَرٌ،
стр. 14243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بدليلِ أنَّها لا تُقْبَلُ مع القُدْرَةِ على شُهودِ الأصْلِ، فوَجَبَ أن لا تُقْبَلَ فيما يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ كتابَ القاضى إلى القاضى إنَّما يُقْبَلُ للحاجَةِ، ولا حاجةَ إلى ذلك في الحَدِّ؛ لأنَّ سَتْرَ صاحِبِه أوْلَى مِن الشَّهادةِ عليه، ولأنَّه لا نَصَّ في ذلك، ولا يَصحُّ قِياسُه على الأمْوالِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ [في الحاجةِ والتَّساهُلِ فيها] (١). وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ﵀، أنَّ كتابَ القاضى إلى القاضى لا يُقْبَلُ في القِصاصِ أيضًا، ولا حَدِّ القَذْفِ؛ لأنَّه قال: إنَّما يجوزُ في الحُقوقِ، أمَّا الدِّماءُ والحَدُّ فلا. وهذا قولُ أبى
حنيفةَ (٢). وظاهِرُ كلام الخِرَقِىِّ، أنَّه يُقْبَلُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ. ولَأنَّه حَقُّ آدمىِّ، لا يَسْقُطُ بالرُّجوعِ عن الإقْرارِ به، أشْبَهَ الأمْوالَ. وذَكَر أصْحابُنا هذا عن أحمدَ رِوايَة؛ [لأنَّ سُفْيانَ] (٣) قال: شَهادةُ رجل (٤) في الطَّلاقِ جائِزَةٌ. قال أحمدُ: ما أحْسَنَ ما قال.
стр. 14244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فجعَلَه أصْحابُنا رِوايَةً في القِصاصِ. قال شيْخُنا (١): وليس هذا برِوايَةٍ؛ فإنَّ الطَّلاقَ لا يُشْبِهُ القِصاصَ، والمذهبُ أنَّها لا تُقْبَلُ فيه؛ لأنَّه (٢) عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وتُبْنَى على الإِسْقاطِ، فأشْبَهَتِ (٣) الحُدودَ (٤).
فأمَّا ما عَدا الحُدودَ [والقِصاصَ] (٥) والأمْوالَ؛ كالنِّكاحِ والطَّلاقِ، وسائرِ ما لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، فنَصَّ أحمدُ على قَبُولِها في الطَّلاقِ والحُقُوقِ، فدَلَّ على [قَبُولِها في جَميعِ هذه الحُقوقِ] (٦). وهو قولُ الخِرَقِىِّ. وقال ابنُ حامدٍ: لا تُقْبَلُ في النِّكاحِ. ونحوُه قولُ أبى بكرٍ.
فعلَى قولِهما، لا تُقْبَلُ الشَّهادَةُ على الشهادةِ إلَّا في المالِ، وما يُقْصَدُ به. وهو قولُ أبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّه حَقٌّ لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه حَقُّ لا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ، وبهذا فارقَ الحُدُودَ. وكتابُ القاضى إلى القاضى
стр. 14245
وَيَجُوزُ كِتَابُ القَاضِى فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنْفِذَهُ فِى المَسَافَةِ القَرِيبَةِ وَمَسَافَةِ القَصْرِ، وَيَجُوزُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ليَحْكُمَ بِهِ فِى الْمَسَافَةِ
ــ
حُكْمُه حُكْمُ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ؛ لأنَّه شَهادةٌ على شهادةٍ.
٤٩٢٩ - مسألة: (ويَجُوزُ كِتابُ القاضى فيما حَكَم به ليُنْفِذَه في المسافَةِ القريبَةِ ومَسافَةِ القَصْرِ، ويَجُوزُ فيما ثَبَت عندَه ليَحْكُمَ به في المسافَةِ
стр. 14246
البَعِيدَةِ دُونَ الْقَرِيبَةِ.
ــ
البَعِيدَةِ دُونَ القريبةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ كتابَ القاضى على ضَرْبَيْن؛ أحدُهما، أن يَكْتُبَ بما حَكَم به، وذلك مثلُ أن يَحْكُمَ على رجلٍ بحَقٍّ، [فيتَغَيَّبَ قبلَ وَفائِه] (١)، أو يَدَّعِىَ حَقُّا على غائِبٍ، ويُقِيمَ به بَيِّنَةً، ويَسْألَ الحاكِمَ الحُكْمَ عليه، فيَحْكُمَ عليه، ويسْألَه أن يَكْتُبَ له كِتابًا بحُكْمِه إلى قاضى البلدِ الذى فيه الغائِبُ، فيكتبَ له (٢) إليه، أو تقومَ البَيِّنَةُ على حاضِرٍ (٣)، فيَهْرُبَ قبلَ الحُكْمِ عليه، فيسْألَ صاحِبُ الحقِّ (٤) الحُكْمَ عليه، وأنْ يَكْتُبَ له كتابًا بحُكْمِه. ففى هذه الصُّوَرِ الثَّلاثِ، يَلْزَمُ الحاكمَ إجابَتُه إلى الكتابَةِ، ويَلْزَمُ المكتوبَ إليه قبولُه (٥)، سَواءٌ كانت بينهما مَسافةٌ قريبةٌ أو بعيدَةٌ، حتى لو كانا في جَانِبَىِ البلدِ أو مجلسِ الحاكمِ، لَزِمَه قَبولُه وإمْضاؤُه، وسواءٌ كان حُكْمًا على حاضرٍ أو غائبٍ. لا نعلمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّ حُكْمَ الحاكمِ يجبُ إمْضاؤُه على كلِّ حاكمٍ. الضَّرْبُ الثانى، أن يَكْتُبَ [يُعْلِمُه بشَهادَةِ] (٦) شاهِدَيْن عندَه بحقٍّ لفُلانٍ، مثلَ أن
تقومَ البَيِّنَةُ عندَه بحَقٍّ لرجلٍ على آخَرَ، ولم يَحْكُمْ به، فيَسْألَ صاحِبُ الحَقِّ أن يَكْتُبَ له كتابًا بما حَصَل عندَه، فإنَّه يَكْتُبُ له أيضًا. قال القاضى:
стр. 14247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويكونُ في كِتابِه: شَهِد عندى فُلانٌ وفُلانٌ بكذا؛ ليكونَ المكْتوبُ إليه هو الذى يَقْضِى به، ولا يَكْتُبُ: ثَبَت عندى؛ لأنَّ قوْلَه: ثَبَت عندى.
حُكْمٌ بشَهادَتِهما، فهذا لا يَقْبَلُه المكتوبُ إليه إلَّا في المسافةِ البَعيدةِ، التى هى مَسافَةُ القَصْرِ، ولا يَقْبَلُه فيما دُونَها؛ لأنَّه نَقْلُ شَهادةٍ، فاعْتُبِرَ فيه ما يُعْتَبَرُ في الشَّهادةِ على الشهادةِ. ونحوُ هذا قولُ الشافعىِّ. وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يجوزُ أن يَقْبَلَه في بَلَدِه. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ مثلُ هذا.
وقال بعضُ المتأخِّرين مِن أصحابه: الذى يَقْتَضِيه مَذْهَبُه أنه لا يجوزُ، كما لا يجوزُ ذلك في الشهادة على الشهادة. واحْتَجَّ مَن أجازَه بأنَّه كتابُ الحاكمِ بما ثَبَت عندَه، فجاز قبولُه مع القُرْبِ، ككتابِ (١) حُكْمِه. ولَنا، أنَّ ذلك نَقْلُ الشهادةِ إلى المَكْتُوبِ إليه، فلم يَجُزْ مع القُرْب، كالشَّهادةِ على الشهادةِ، ويُفارِقُ كتابَة بالحُكْمِ، فليس هو نَقْلًا، إنَّما هو خَبَرٌ.
فضل: ويُقْبَلُ [الكتابُ مِن قاضى مِصرٍ] (٢) إلى قاضى مِصرٍ، وإلى قاضى قريةٍ، ومِن قاضى قَرْيةٍ إلى قاضى قريةٍ، وإلى قاضى مِصرٍ.
стр. 14248
وَيَجُوزُ أنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ كِتَابِى هَذَا مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ.
وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ، يُحْضِرُهُمَا القَاضِى الكَاتِبُ فَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَقُولُ: أُشْهِدُكُمَا أن هَذَا كِتَابِى إِلَى
ــ
٤٩٣٠ - مسألة: (ويجوزُ أن يَكْتُبَ إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى مَن يَصِلُ إليه كِتابى هذا مِن قُضاةِ المسلمين وحكّامِهم) مِن غيْرِ تَعْيِينٍ، ويَلْزَمُ مَن وَصَلَه قَبُولُه. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ. واسْتَحْسَنَه أبو يُوسُفَ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ أن يَكْتُبَ إلى غيرِ مُعَيَّنٍ. ولَنا، أنَّه كتابُ حاكمٍ مِن وِلايتِه، وَصَل إلى حاكمٍ، فلَزِمَه قَبُولُه، كما لو كان الكتابُ إليه بعَيْنِه.
٤٩٣١ - مسألة: (ولا يُقْبَلُ الكِتابُ إلَّا أن يَشْهَدَ به شاهِدانِ، يُحْضِرُهما القاضى الكاتبُ، فيَقْرَؤُه عليهما، ثم يقولُ: اشْهِدُ كما أنَّ هذا
стр. 14249
فُلانِ بْنِ فُلانٍ. وَيَدْفَعُهُ [٣٣٤ و] إلَيْهِمَا، فَإذَا وَصَلَا إلَى المَكْتُوبِ إلَيْهِ، دَفَعَا إِلَيْهِ الكِتَابَ وَقَالَا: نَشْهَدُ أنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إلَيْكَ، كَتَبَهُ مِنْ عَمَلِهِ، وَأشْهَدَنَا عَلَيْهِ. وَالاحْتِيَاطُ أَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ، وَيَخْتِمَهُ. وَلَا يُشْتَرَطُ خَتْمُهُ.
ــ
كتابى إلى فُلانِ بنِ فُلانٍ. ويَدْفَغه إليهما، فإذا وَصَلا إلى المكْتُوبِ إليه، دَفَعا إليه الكتابَ وقالا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كِتابُ فُلانٍ إليك، كَتَبَه مِن عَمَلِه، وأشْهَدَنا عليه. والاحْتِياطُ أن يَشْهَدا عليه بما فيه، ويَخْتِمَه. ولا
стр. 14250
وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا وَأَدْرَجَهُ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابِى إِلَى
ــ
يُشْتَرَطُ خَتْمُه. وإن كَتَب كِتابًا وأدْرَجَه وخَتَمَه، وقال: هذا كِتابى إلى