← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 14561–14600 · переход к 14566.

стр. 14561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَالِدَيْن». وكان مُتَّكِئًا فَجَلَس، فقال: «ألَاوَقَوْلُ الزُّورِ، وشَهَادَةُ الزُّورِ». فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى قُلْنا: لَيْتَه سَكَت. مُتَّفَقٌ عليه (١). قال أحمدُ: لا تجوزُ شَهادَةُ آكلِ الرِّبَا، والعَاقِّ، وقَاطِعِ الرَّحِمِ، [ولا مَنْ] (٢) لا يُؤدِّى زَكاةَ مالِه، وإذا أخْرجَ في طريقِ المُسلمينَ الأُصْطُوانةَ (٣) والكَنِيفَ لا يكونُ عَدْلًا، ولا يكونُ ابْنُه عَدْلًا إذا وَرِثَ أباه، حتى يَرُدَّ ما أخَذَ مِن طريقِ المسلمين، ولا يكونُ عَدْلًا إذا كذَبَ الكَذِبَ الشَّديدَ؛

стр. 14562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّ النَبِىَّ ﷺ رَدَّ شَهادةَ رجلٍ في كِذْبَةٍ (١). وقال: عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوةَ، عن عائِشَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ : «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، ولَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ فِى حَدٍّ، وَلَا ذِى غِمْرٍ (٢) عَلَى أخِيه في عَدَاوَةٍ، ولَا القَانِعِ (٣) لأهْلِ البَيْتِ، وَلَا مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، ولَا ظَنِينٍ (٤) في قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ» (٥). وقد روَاه أبو داود (٦)، وفيه (٧): «لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِن وَلَا خَائِنَةٍ، ولَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، ولَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أخِيهِ». فأمَّا

стр. 14563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصَّغائِرُ، فإن كان مُصِرًّا عليها، رُدَّتْ شَهادتُه، وإن كان الغالِبُ مِن أمْرِه

стр. 14564

وَقِيلَ: أنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ إِلَّا الْخَيْرُ. ــ الطَّاعاتِ، لم تُرَدَّ؛ لِما ذكَرْنا مِن عَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه (وقيل): هو (أن لا يَظْهَرَ منه إلَّا الخيرُ).

стр. 14565

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ، ــ ٥٠٤٢ - مسألة: (ولا تُقْبَلُ شهادَةُ فاسِقٍ) لقوْلِه : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (٢). والشَّهادَةُ نَبَأٌ، فيَجِبُ التَّوَقُّفُ عنه. وقد رُوِىَ في الحديثِ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ

стр. 14566

سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الأفْعَالِ، أَوْ الِاعْتِقَادِ. ــ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِى الإسْلامِ، وَلَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ». رواه أبو عُبَيْدٍ (١). وكان أبو عُبَيْدٍ لا يَرَىَ الخائِنَ والخائِنَةَ مُخْتَصًّا بأمانَاتِ الناسِ، بل جَميعَ ما فَرَضَ اللهُ تعالى على العِبَادِ القيامَ به، واجْتِنابَه، مِن كبيرِ ذلك وصغيرِه، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ الَاية (٢). ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: لا يُؤْسَرُ (٣) رَجلٌ بغيرِ العُدولِ (٤). ولأنَّ دِينَ الفاسِقِ لا يَزَعُه عن ارْتِكابِ مَحْظُوراتِ الدِّينِ، فلا يُؤْمَنُ أنْ لا (٥) يَزَعَه عن الكَذِبِ، فلا تحْصُلُ الثِّقَةُ بخَبَرِه. إذا تَقَرَّرَ هذا، فالفِسْقُ نَوْعان؛ أحدُهما، مِن جِهَةِ الأفْعالِ، فلا خِلافَ في رَدِّ شَهادَتِه. الثانى، مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ، وهو اعْتِقادُ البِدْعَةِ، فيُوجِبُ رَدَّ الشَّهادَةِ أيضًا. وبه قال مالكٌ، وشَرِيكٌ، وإسْحاقُ، وأبوعُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. قال شَرِيكٌ: أرْبعةٌ لا تجوزُ شَهادتهم؛ رَافِضِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ (٦) له إمامًا مُفْتَرَضَةٌ طاعَتُه، وخارِجِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ الدُّنْيا دارُ

стр. 14567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَرْبٍ، وقَدَرِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ المَشِيئَةَ إليه، ومُرْجئٌ. ورَدَّ شَهادةَ يعْقوبَ (١)، وقال: ألا أردُّ شَهادةَ قومٍ يَزْعُمونَ أنًّ الصَّلاةَ ليستْ مِن الإيمانِ؟ وقال أبو حامدٍ، مِن أصْحابِ الشافعىِّ: المُخْتَلِفُون على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ ضَرْبٌ اخْتلَفُوا في الفُرُوعِ، فهؤلاء لا يُفَسَّقُون بذلك (٢)، ولا تُرَدُّ شَهادَتُهم، وقد اخْتَلَفَ الصحابةُ في الفُرُوعِ ومَن بعدَهم مِن التّابِعينَ. الثانى، مَن نُفَسِّقُه ولا نُكَفِّرُه، وهو مَن يسبَّ الْقَرابَةَ، كالخَوَارِجِ، أو مَن يسبَّ الصَّحابةَ، كالرَّوافِضِ، فلا تُقْبَلُ لهم شَهادَة لذلك. الثالثُ، مَن نُكَفِّرُه، وهو مَن قال بخَلْقِ القُرْآنِ، ونَفْىِ الرُّؤْيَةِ، وأضافَ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِه، فلا تُقْبَلُ له شَهادةٌ. وذكرَ القاضى أبو يَعْلَى مِثْلَ هذا سواءً. قال: وقال أحمدُ: ما تُعْجِبُنى شَهادةُ الجَهْمِيَّةِ، والرّافِضَةِ، والقَدَرِيَّةِ المُغْلِيَةِ (٣). وظاهرُ قولِ الشافعىِّ، وابنِ أبى ليلَى، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، وأصحابِه، قَبولُ شَهادةِ أهلِ الأهْواءِ. وأجازَ سَوَّارٌ شَهادةَ ناس مِن بنى العَنْبَرِ، ممَّن يَرَى الاعْتِزَالَ. قال الشافعىُّ: إلَّا أن يكونَ ممَّن يَرَى الشَّهادةَ بالكَذِبِ، [بعضُهم لبعض] (٤)، كالخَطَّابِيَّةِ، وهم أصْحابُ أبى الخَطَّابِ (٥)، يَشْهَدُ بعْضُهم

стр. 14568

وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَبُولُ شَهادَةِ الفَاسِقِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ المُتَدَيِّنِ بِهِ، إِذَا لَمْ يَتَدَيَّنْ بِالشَّهَادَةِ لمُوَافِقِهِ عَلَى مُخَالِفِهِ. ــ لبعضٍ بتَصْديقِه. ووَجْهُ قولِ مَن أجازَ شَهادَتَهم، أنّه اخْتِلافٌ لم يُخْرِجْهم عن الإسْلامِ، أشْبَهَ الاخْتِلافَ في الفُروعِ، ولأنَّ فِسْقَهم لا يدُلُّ على كَذِبِهم؛ لكَوْنِهم ذَهبُوا إلى ذلك تَدَيُّناً واعْتِقادًا أنَّه الحقُّ، ولم يَرْتَكِبُوه عالِمينَ بتَحْريمِه، بخِلافِ فِسقِ الأفْعالِ. ٥٠٤٣ - مسألة: (ويَتَخَرَّجُ على قَبُولِ شَهَادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ، قَبُولُ شهادةِ الفاسِقِ مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ المُتَدَيِّنِ به، إذا لم يَتَدَيَّنْ بالشهادَةِ لمُوافِقِيهِ على مُخالِفِيهِ) كالخَطَّابِيَّةِ. وكذلك قال أبو الخَطَّابِ. ورُوِىَ عن أحمدَ جوازُ الرِّوايَةِ عن القَدَرِىِّ، إذا لم يكُنْ داعِيَةً، فكذلك الشَّهادةُ. ولَنا، أنَّه أحدُ نَوْعَىِ الفِسْقِ، فتُرَدُّ به الشَّهادةُ، كالنَّوعِ الآخَرِ؛ ولأنَّه فاسِقٌ، فتُرَدُّ شَهادَتُه، للآيَةِ.

стр. 14569

وَأمَّا مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، فَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِىٍّ، أوْ شَرِبَ مِنَ النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أوْ أخَّرَ الْحَجَّ الوَاجِبَ مَعَ ــ ٥٠٤٤ - مسألة: (فأمّا مَن فَعَل شَيْئًا مِن الفُرُوعِ المُخْتَلَفِ فيها، فتَزَوَّجَ بغيرِ وَلِىٍّ، أو شَرِبَ مِن النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أو أخَّرَ الحَجَّ الواجِبَ

стр. 14570

إِمْكَانِهِ، وَنَحْوَهُ، متَأوِّلًا، فَلَا ترَدُّ شَهَادَتُةُ، وَإنْ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ. وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا تُرَدَّ. ــ مَعَ إمْكَانِهِ، ونَحْوَه، مُتَأَوِّلًا، فَلَا تُرَدُّ شهِادَتُهُ، وإن فعلَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه، رُدَّتْ شَهادتُه. ويَحْتَمِلُ أن لا تُرَدَّ) نصَّ عليه أحمدُ، في شارِبِ النَّبِيذِ (١): يُحَدُّ، ولا تُرَدُّ شَهادتُه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: تُرَدُّ شَهادتُه، لأنَّه فَعلَ ما يَعْتقِدُ الحاكمُ تحْرِيمَه، فأشْبَهَ المُتَّفَقَ على تحْرِيمِه. ولَنا، أنَّ الصَّحابةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، كانوا يخْتَلِفُون في الفُروعِ، فلم يكُنْ بعْضُهم يَعِيبُ مَن خالَفَه، ولا يُفَسِّقُه، ولأنَّه فَرْعٌ مُخْتَلَفٌ فيه، فلم تُرَدَّ شهادةُ فاعِلِه، كالذى يُوافِقُه عليه الحاكمُ. فأمَّا إن فعلَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه، رُدَّتْ شهادتُه إذا تكَرَّرَ. ويَحْتَمِلُ أن لا تُرَدَّ. وبه قال أصْحابُ الشافعىِّ، لأنَّه فِعْلٌ لا تُرَدُّ شَهادَةُ بعضِ الناسِ به (٢)،

стр. 14571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلا تُرَدُّ شَهادةُ البعضِ الَاخَرِ، كالمُتَّفَقِ على حِلِّه. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ على فاعلِه، ويَأْثَمُ به، فأشْبَهَ المُتَّفَقَ على تحْرِيمِه، وبهذا فارَقَ مُعْتَقِدَ حِلِّه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في مَن يجبُ عليه الحَجُّ فلا يَحُجُّ: تُرَدُّ شَهادتُه. وهذا يُحْمَلُ على مَن اعْتقَدَ وُجوِبَه على الفَوْرِ. فأمّا مَن يعْتَقِدُ أنَّه على التَّراخِى، ويَتْرُكُه بنِيَّةِ فِعْلِه، فلا تُرَدُّ شَهادته، كسائرِ ما (١)

стр. 14572

الثَّانِى، اسْتِعْمَالُ المُرُوءَةِ، وَهُوَ فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَافِعِ، وَالْمُتَمَسْخِرِ، ــ ذَكَرْنا. وقيل: تُرَدُّ؛ لأَّنه قد رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لقد هَمَمْتُ أن أنظُرَ في الناسِ، فمَن وَجَدْتُه يَقْدِرُ على الحَجِّ ولا يَحُجُّ، ضَرَبْتُ عليه الجِزْيَةَ. ثم قال: ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين. ٥٠٤٥ - مسألة: (الثانى، استِعْمَالُ المُرُوءَةِ، وهو فِعْلُ ما يُجَمِّلُهُ ويُزَيِّنُهُ، وتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ ويَشِينُهُ، فلا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُصَافِعِ (١)،

стр. 14573

وَالمُغَنىِّ، وَالرَّقَّاصِ، واللَّاعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ، وَالنَّرْدِ، والْحَمَامِ، وَالَّذِى يَتَغَدَّى فِى السُّوقِ، وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِى مَجْمَعِ النَّاسِ، وَيُحَدِّثُ بِمُبَاضَعَتِهِ أهْلَهُ أوْ أمَتَهُ، وَيَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. ــ والمُتَمَسْخِرِ، والمُغَنِّى، والرَّقَّاصِ، واللَّاعِبِ بالشِّطْرَنْجِ، والنَّرْدِ، والحَمَامِ، والذى يَتَغَدَّى فِى السُّوقِ، ويَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِى مَجْمَعِ الناسِ، ويُحَدِّثُ بمُبَاضَعَةِ أهْلِه وأمَتِه، ويَدْخُلُ الحَمَّامَ بغَيْرِ مِئْزَرٍ، ونَحوِ ذلك) لأنًّ المُرُوءَةَ (١) اجْتِنابُ الأُمورِ الدَّنِيئَةِ المُزْرِيَةِ به، وذلك نَوْعانِ؛ أحدُهما، في الأفْعالِ، كالأكْلِ في السُّوقِ، وهو الذى يَنْصِبُ مائدةً في السُّوقِ، ويأْكُلُ والناسُ يَنْظُرونَ إليه، ولا يَعنى أكْلَ شئٍ يَسِيرٍ، كالكِسْرَةِ ونحوِها. وإنْ كان يَكْشِفُ ما جرَتِ العادةُ بتَغْطِيَته مِن بَدَنِه، أو يَمُدُّ رِجْلَيْه في مَجْمَعِ النَّاسِ (٢)، أو يتَمَسْخَرُ بما يُضْحِكُ الناسَ به، أو يُخاطِبُ امْرَأتَه أو أمَتَه أو غيرَهما بحَضرةِ الناسِ بالخِطابِ الفاحِشِ، أو يُحَدِّثُ الناسَ بمُباضَعَتِه أهْلَه، أو نحوِ هذا مِن الأفْعالِ الدَّنِيئَةِ، فلا تُقْبَلُ شَهادَتُه، لأنَّ هذا سُخْفٌ ودَناءَةٌ، فمَن رَضيَه

стр. 14574

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لنَفْسِه واسْتحسَنَه، فليستْ له مُروءةٌ، ولا تَحْصُلُ الثقَةُ بقَوْلِه. قال أحمدُ في رجلٍ شَتَمَ بَهِيمَةً: قال الصَّالحُونَ: لا تُقْبَلُ شَهادَتُه حتى يَتُوبَ. وقد روَى أبو (١) مسعودٍ البَدْرِىُّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى، إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَع مَا شِئتَ» (٢). يَعنى مَن لمَ يَسْتَحِ (٣) صَنَع ما شاءَ. ولأنَّ المُروءةَ تمْنعُ الكَذِبَ، وتَزْجُرُ عنه، ولهذا يَمْتَنِعُ منه ذُو المُروءَةِ وإن لم يكُنْ ذا دِينٍ، فقد رُوِىَ عن أبى سُفيانَ، أنَّه حينَ سَأله قَيْصَرُ عن النبىِّ ﷺ وصِفَتِه، قال: واللهِ لولا أنِّى كَرِهْتُ أن يُؤْثَرَ عنِّىَ الكَذِبُ، لَكَذَبْتُه (٤). ولم يكُنْ

стр. 14575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يومَئذٍ ذا دِينٍ. ولأنَّ الكَذِبَ دَناءةٌ، والمُروءةُ تَمْنَعُ مِن الدَّناءَةِ. وإذا كانتِ المُروءةُ مانعةً مِن الكَذِبِ، اعْتُبِرَتْ في العَدالةِ، كالدِّينِ، ومَن فعلَ شيئًا مِن هذا مُخْتَفِيًا به، لم يَمْنَعْ مِن قَبُولِ شَهادَتِه؛ لأنَّ مُروءَتَه لا تَسْفُطُ به. وكذلك إن فعلَه مَرَّةً، أو شيئًا قليلًا، لم تُرَدَّ شَهادتُه؛ لأنَّ صغيرَ المعاصِى لا يَمْنَعُ الشَّهادةَ إذا قَلَّ، فهذا أوْلَى، ولأنَّ المُروءةَ لا تَخْتَلُّ بقليلِ هذا، ما لم يكُنْ عادةً. فصلٌ في اللَّعِبِ: كلُّ لَعِبٍ فيه قِمارٌ، فهو مُحَرَّمٌ، أىَّ لَعِبٍ كان، وهو مِن المَيْسِرِ الذى أمرَ الله تعالى باجْتِنَابِه، ومَن تَكَرَّرَ منه ذلك رُدَّتْ شَهادَتُه. وما خَلا مِن (١) الْقِمارِ، وهو اللَّعِبُ الذى لا عِوَضَ فيه مِن

стр. 14576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجانِبَيْن، ولا مِن أحَدِهما، فمنه ما هو مُحَرَّمٌ، ومنه ما هو مُباحٌ؛ فالمُحَرَّمُ اللَّعِبُ بالنَّرْدِ، وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأكْثَرِ أصْحاب الشافعىِّ. وقال بعْضُهم: هو مَكْرُوهٌ، غيرُ مُحَرَّمٍ. ولَنا، ما رَوَى أبَو موسى، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ (١): «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ». ورَوَى بُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِى لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِه». روَاهما أبو داودَ (٢). وكان سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ إذا مَرَّ على أصْحابِ النَّرْدَشِيرِ، لم يُسَلِّمْ عليهم. إذا ثَبَت هذا، فمَن تكَرَّرَ منه اللَّعِبُ به، لم تُقْبَلْ شَهادتُه، سواءٌ لَعِبَ به قِمارًا أو غيرَ قِمارٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، وظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ. وقال مالكٌ: مَن لَعِبَ بالشِّطْرَنْجِ والنَّرْدِ، فلا أرَى شَهادَتَه إلَّا باطِلَةً (٣)؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٤).

стр. 14577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا ليس مِن الحقِّ، فيكونُ مِن الضَّلالِ. فصل: والشِّطْرَنْجُ كالنَّرْدِ في التَّحْريمِ، إلَّا (١) أنَّ تَحْرِيمَ النَّرْدِ آكَدُ؛ لوُرُودِ النَّصِّ في تَحْرِيمِه، وهذا في مَعْناه، فيَثْبُتُ فيه حُكْمُه قياسًا عليه. وذكَر القاضى أبو الحُسينِ ممَّن ذهبَ إلى تَحْرِيمِه؛ علىَّ بنَ أبى طالِبٍ، وابنَ عمرَ، وابنَ عباسٍ، وسعيدَ بنَ المُسَيَّبِ، والقاسِمَ، وسالِمًا، وعُرْوَةَ، ومحمدَ بنَ علىِّ بنِ الحُسينِ، ومَطرًا الوَرَّاقَ (٢)، ومالِكًا. وبه قال أبو (٣) حنيفةَ. وذهبَ الشافعىُّ إلى إباحَتِه. وحَكَى ذلك أصْحابُه عن أبى هُرَيْرَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّب، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ. واحْتَجُّوا بأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ، ولم يَرِدْ بتَحْرِيمِه نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى المنْصوصِ عليه، فيَبْقَى على الِإباحَةِ. ويُفارِقُ الشِّطْرَنْجُ النَّرْدَ من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ في الشِّطْرَنْجِ تَدْبِيرَ الحَرْبِ، فأشْبَهَ اللَّعِبَ بالحِرابِ، والرَّمْىَ بالنُّشَّابِ، والمُسابقَةَ بالخَيْلِ. والثانى، أنَّ المُعَوَّلَ في النَّرْدِ على ما تُخْرِجُه الكَعْبَتانِ (٤)، فأشْبَهَ الأزْلَامَ، والمُعَوَّلَ في

стр. 14578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشِّطْرَنْجِ على حِذْقِه وتَدْبيرِه، فأشْبَهَ المُسابقَةَ بالسِّهام. ولَنا، قولُ اللهِ : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (١). قال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: الشِّطْرَنْجُ مِن المَيْسِرِ. ومَرَّ، رَضِىَ اللهُ عنه، على قومٍ [يلعبون بالشِّطْرَنجِ] (٢)، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (٣). قال أحمدُ: أصَحُّ ما في الشطْرَنْجِ، قولُ علىٍّ، رَضِىَ الله عنه. ورَوَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ للهِ فِى كُل يَوْمٍ ثَلَاثمائةٍ (٤) وسِتِّينَ نَظْرَةً، لَيْسَ لِصاحِبِ الشَّاهِ فِيهَا نصِيبٌ» (٥). ولأنَّه لَعِبٌ يَصُدُّ عنِ ذِكْرِ اللهِ تعالى وعن الصَّلاةِ، فأَشْبَهَ اللَّعِبَ بالنَّرْدِ. وقولُهم: لا نَصَّ فيها. قد ذكَرْنا فيها نَصًّا، وهى في مَعْنى النَّرْدِ (٦)

стр. 14579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَنْصوصِ على تَحْرِيمِه. وقولُهم: إنَّ فيها تَدْبِيرَ الحرْبِ. قُلْنا: لا يُقْصَدُ هذا منها، وأكثْرُ اللَّاعِبين بها إنَّما يَقْصِدُونَ منها اللَّعِبَ والقِمارَ. وقولُهم: إنَّ المُعَوَّلَ فيها على تَدْبِيرِه. فهو أبْلَغُ في اشْتِغَالِه (١) بها، وصَدِّها عن ذِكْرِ اللهِ وعن الصَّلاةِ. إذا ثَبَت هذا، فقال أحمدُ: النَّرْدُ أشَدُّ مِن الشِّطْرَنجِ. إنَّما قال ذلك؛ لورُودِ النَّصِّ في النَّرْدِ، بخِلافِ الشِّطرَنْجِ. إذا ثبت هذا، فقال القاضى: هو كالنَّرْدِ في رَدِّ الشَّهادةِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ؛ لاشْتِراكِهما في التَّحْريمِ. وقال أبو بكرٍ: إن فَعَلَه مَن يَعْتَقِدُ (٢) تَحْرِيمَه، فهو كالنَّرْدِ في حَقِّه، وإن فعَلَه مَن يَعْتَقِدُ إباحَتَه، لم تُرَدَّ شَهادَتُه، إلَّا أن يَشْغَلَه عن الصَّلاةِ في أوْقاتِها، أو يُخْرِجَه إلى الحَلِفِ الكاذِبِ، أو نحوِه مِن المُحَرَّماتِ، أو يَلْعَبَ بها على الطرَّيقِ، أو يَفْعَلَ في لَعِبِه ما يُسْتَخَفُّ به مِن أجْلِه، ونحوَ هذا ممَّا يُخْرِجُه عن المُروءَةِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ وذلك لأنَّه (٣) مُخْتَلَفٌ فيه، أشْبَهَ سائِرَ المُخْتَلَفِ فيه. فصل: فأمَّا اللَّاعِبُ بالحَمامِ يُطَيِّرُها، فلا شَهادَةَ له. وهذا قولُ

стр. 14580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أصْحابِ الرَّأْىِ. وكان شُرَيْحٌ لا يُجِيزُ شَهادةَ صاحِب (١) حَمامٍ ولا حَمَّامٍ؛ ولأنَّه سَفَهٌ ودَناءَةٌ وقِلَّةُ مُرُوءَةٍ، ويتَضَمَّنُ أَذَى الجيرَانِ، وإشْرَافَه (٢) على دُورِهم، ورَمْيَه إيَّاها بالحِجَارَةِ. وقد رُوِىٍ أَنَّ النبىَّ ﷺ رَأى رجلًا يَتْبَعُ حَمامًا، فقال: «شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» (٣). فإنِ اتَّخَذَ الحَمامَ لطَلَبِ فِرَاخِها، أو لحَمْلِ الكُتُبِ، أو للأنْسِ بها مِن غيرِ أذًى يَتعدَّى إلى الناسِ، فلا بَأْسَ. وقد رَوَى عُبادَةُ بنُ الصّامِتِ، أنَّ رَجُلًا [جاء إلى] (٤) النَّبِىِّ ﷺ ، فَشَكا إليه الوَحْشَةَ، فقال: «اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ» (٥).

стр. 14581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمَّا المُسابَقَةُ المَشْرُوعةُ، بالخَيْلِ وغيرِها مِن

стр. 14582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحيواناتِ، أو على الأقْدامِ، فَمُباحٌ (١) ولا دَناءَةَ فيه (٢)، ولا تُرَدُّ به (٣) الشَّهادةُ، وقد ذكَرْنا مَشْرُوعِيَّةَ ذلك في بابِ المُسابَقَةِ (٤). وكذلك ما في مَعْناه من الثِّقَافِ، واللَّعِبِ بالحِرَابِ. وقد لَعِبَ الحَبَشَةُ بينَ يَدَىِ النبىِّ ﷺ بالحِرابِ، وقامتْ عائشةُ، رَضِىَ الله عنها، تَنْظُرُ إليهم، وتَسْتَتِرُ به، حتى مَلَّتْ (٥). وسائِرُ اللَّعِبِ إذا لم يَتَضَمَّنْ ضَرَرًا، ولا شَغلًا عن فَرْضٍ، فالأصلُ إباحَتُه، فما كان منه (٦) فيه دَناءَةٌ يتَرفَّعُ عنه ذَوُو المُروءاتِ، مَنَعَ الشَّهادةَ إذا فَعلَه ظاهِرًا، وتَكَرَّرَ منه، وما [كان منه] (٧) لا دَناءَةَ فيه، لم تُرَّ الشَّهادةُ به بحالٍ. والله أعلمُ.

стр. 14583

فَأمَّ الشَّيْنُ فِى الصِّنَاعَةِ؛ كَالحَجَّامِ، وَالْحَائِكِ، وَالنَّخَّالِ، وَالنَّفَّاطِ، وَالْقَمَّامِ، والزَّبَّالِ، وَالْمُشَعْوِذِ، وَالدَّبَّاغِ، وَالْحَارِسِ، وَالْقَرَّادِ، والْكَبَّاشِ، فَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إذَا حَسُنَتْ طَرَائِقُهُمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ ٥٠٤٦ - مسألة: (فأمّا الشَّيْنُ في الصَّناعَةِ) [ وهو النوع الثانى] (١) (كَالحَجَّامِ، والحَائِكِ، والنَّخّالِ، والنَّفّاطِ، والقَمّامِ، والزَّبّالِ، والمُشَعْوِذِ، والدَّبّاغِ، والحَارِسِ، والقَرَّادِ (٢)، والكَبَّاشِ (٣)، فهل تُقْبَلُ شَهَادَتُهم إذا حَسُنَتْ طَرائِقُهم؟ على وَجْهَيْنِ) الصَّناعاتُ الدَّنِيئَةُ، كالكَسّاحِ، والكنَّاسِ (٤)، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهما؛ لِما رَوَى سعيدٌ، في «سُنَنه» أنَّ رَجُلًا أتَى ابنَ عمرَ، فقال له: إنِّى رجلٌ كنَّاسٌ. فقال له: أىَّ شئٍ تَكْنُسُ (٥)، الزِّبْلَ؟ قال: لا. قال: فالعَذِرَةَ؟ قال: نعم. قال:

стр. 14584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منه كَسَبْتَ المالَ، ومنه تَزَوَّجْتَ، ومنه حَجَجْتَ؟ قال: نعم. قال (١): الأجْرُ خَبِيثٌ، وما تزَوَّجْتَ فخَبِيثٌ، حتى تَخْرُجَ منه كما دخَلْتَ فيه (٢). وعن ابنِ عباسٍ مثلُه في الكَسَّاحِ (٣). ولأنَّ هذا دَناءةٌ يَجْتَنِبُه أهلُ المُروءاتِ، فأشْبَهَ الذى قبلَه. فأمّا الزَّبَّالُ والقرَّادُ وَالحَجَّامُ (٤) ونحوُهم، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم؛ لأنَّها دَناءةٌ يَجْتَنِبُها أهلُ المُروءاتِ، فهو كالذى قبلَه. والثانى، يُقْبَلُ؛ لأنَّ بالناسِ إليه حاجةً. فعلى هذا الوَجْهِ، إنَّما تُقْبَلُ شَهادَتُه إذا كان يتَنَظَّفُ للصَّلاةِ في وَقْتِها ويُصَلِّيها، فإن صلَّى بالنَّجاسَةِ، لم تُقْبَلْ شَهادتُه، وَجْهًا واحدًا. وأمّا الحائِكُ والحارسُ والدَّبّاغُ، فهو أعلَى مِن هذه الصَّنائِعِ، فلا تُرَدُّ

стр. 14585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به الشَّهادةُ. وذكَرَ شيْخُنا فيها وَجْهَيْن، وكذلك ذكَرَها أبو الخَطَّابِ. والأوْلَى قَبولُ شَهادةِ الحائِكِ والحارسِ والدَّبَّاغِ، لأنَّه قد تَوَلَّاها كثير مِن الصَّالحين وأهلِ المُروءاتِ. وأمّا سائِرُ الصِّناعاتِ التى لا دَناءَةَ فيها، فلا تُرَدُّ الشَّهادةُ بها، وقد قِيل: ألَا إنَّما التَّقْوَى هى العِزُّ والكَرَمْ ... وحُبُّكَ للدُّنْيَا هو الذُّلُّ والهَرَمْ ولَيْسَ على عَبْدٍ تَقِىٍّ نَقِيصَةٌ ... إذا صَحَّح التَّقْوَى وإن حاك أو حَجَمْ (١) إلَّا مَن كان منهم يَحْلِفُ كاذِبًا، أو يَعِدُ ويُخْلِفُ، وغَلبَ هذا عليه،

стр. 14586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنَّ شَهادتَه تُرَدُّ. وكذلك مَن كان منهم يُؤَخِّرُ الصَّلاةَ عن أوْقاتِها، أو (١) لا يَتَنَزَّهُ عن النَّجاساتِ، فلا شهادةَ له. ومَن كانت صِناعتُه [مُحَرَّمَةً؛ كصانِعِ المَزامِيرِ والطَّنَابِيرِ، فلا شَهادَةَ له. ومَن كانَتْ صِناعَتُه] (٢) يَكْثُرُ فيها الرِّبا، كالصّائِغِ والصَّيْرَفِىِّ، ولم يَتَوَقَّ (٣) ذلك، رُدَّتْ شَهادتُه. فصلٌ في الملاهِى: وهى على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ محَرَّمٌ، وهو ضَرْبُ الأوْتارِ والنّاياتِ، والمَزامِيرِ كلِّها، والعُودِ، والطُّنْبُورِ، والمَعْزَفَةِ، والرَّبابِ، ونحوِها، فمَن أدامَ اسْتِماعَها (٤)، رُدَّتْ شَهادتُه؛ لأنَّه يُرْوَى عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبيِّ ﷺ قال: «إذَا ظَهَرَ فِى أُمَّتِى خَمْس عَشْرَةَ

стр. 14587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَصْلَةً، حَلَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ» (١). ذكَرَ منها إظْهارَ المَعازِفِ والمَلاهِى. وقال سعيدٌ: ثنا فرَجُ بنُ فَضَالَةَ، عن علىِّ بنِ يَزِيدَ، عن القاسِمِ، عن أبى أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ بعَثَنِى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأمَرَنِى بِمَحْقِ الْمَعازِفِ وَالْمَزَامِيرِ، لَا يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ، وَلَا شِرَاؤُهُنَّ، ولا تَعْلِيمُهُنَّ (٢)، وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ، وثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ» (٣). يعنى الضَّارباتِ. ورَوَى نافِعٌ، قال: سمِعَ ابنُ عمرَ مِزْمارًا، فوَضَعَ إصْبَعَيْه على أُذُنَيْه، ونَأَى عن الطَّريقِ، وقال لى: يا نافعُ، هل تَسْمَعُ شيئًا؟ قال: فقلتُ: لا. قال: فرَفَعَ إصْبَعَيْه مِن أُذُنَيْه، وقال: كنتُ مع النبىِّ ﷺ ،

стр. 14588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فسَمِعَ مثلَ هذا، فصنَعَ مثلَ هذا. رَوَاه الخَلَّالُ في «جَامِعِه» مِن طريقَيْن. ورَوَاه أبو داودَ، في «سُنَنِه» (١)، وقال: حديثٌ مُنْكَرٌ. وقد احْتَجَّ قومٌ بهذا الخَبَرِ على إباحَةِ المِزْمارِ، وقالوا: لو كان حَرامًا لَمَنَعَ النَّبِىُّ ﷺ ابنَ عمرَ مِن سَماعِه، ومَنَعَ ابنُ عمرَ نافِعًا مِن اسْتِماعِه، ولأنْكَرَ على الزَّامِرِ بها. قُلْنا: أمَّا (٢) الأوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ اسْتِماعُها دونَ سَماعِها، والاسْتِماعُ غيرُ السَّماعِ، ولهذا فَرَّقَ الفُقَهاءُ في سُجودِ التِّلاوَةِ بينَ السّامِعِ والمُسْتَمِعِ، ولم يُوجِبُوا على مَن سَمِعَ شيئًا مُحَرَّمًا سَدَّ أُذُنَيْه، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (٣). ولم يَقُلْ: سَدُّوا آذَانَهم. والمُسْتَمِعُ هو الذى يَقْصِدُ السَّماعَ، ولم يُوجَدْ هذا مِن ابنِ عمرَ، وإنَّما وُجِدَ منه (٤) السَّماعُ؛ ولأنَّ بالنبىِّ ﷺ حاجَةً إلى مَعْرِفةِ انْقِطاعِ سَماعِ الصَّوْتِ عنه؛ لأنَّه عَدَلَ عن الطَّريقِ، وسَدَّ أُذُنَيْه، فلم

стр. 14589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكُنْ ليَرْجِعَ إلى الطَّريقِ، ولا يَرْفَعَ إصْبَعَيْه مِن أُذُنَيْه، حتى يَنْقَطِعَ الصَّوْتُ عنه، فأُبِيحَ للحاجَةِ. وأمّا الِإنْكارُ، فلَعلَّه كان في أوَّلِ الهِجْرَةِ، حينَما لم يكُنِ الإِنْكارُ واجِبًا، أو قبلَ إمْكانِ الإِنْكارِ؛ لكَثْرَةِ الكُفَّارِ، وقلَّةِ أهلِ الِإسْلام. فإن قيلَ: فهذا الخبَرُ ضَعِيفٌ. فإنَّ أبا داودَ روَاه، وقال: هو حديَثٌ مُنْكَرٌ. قُلْنا: قد روَاه الخَلَّالِ بإسنادِهِ (١) مِن طريقَيْن، فلَعلَّ أبا داودَ ضَعَّفَه؛ لأنَّه لم يَقَعْ له إلَّا مِن إحْدَى الطَّريقَيْنِ. وضَرْبٌ مُباحٌ، وهو الدُّفُّ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ قال: «أعْلِنُوا النِّكَاحَ، واضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ». أخْرَجَه مسلمٌ (٢). وذكَرَ أصْحابُنا، وأصْحابُ الشافعىِّ، أنَّه مَكْرُوهٌ في غيرِ النِّكاحِ؛ لأنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا سَمِعَ صَوْتَ الدُّفِّ، بعَثَ فنَظَرَ، فإن كان في وَلِيمَةٍ سكَتَ، وإن كان في غيرِها، عَمَدَ بالدِّرَّةِ (٣). ولَنا، ما رُوِىَ عنِ النبىِّ ﷺ ، أنَّ امرأةً جاءَتْه، فقالتْ: إنِّى نَذَرْتُ إن رَجَعْتَ مِن سَفرِكَ سَالِمًا، أن أضْرِبَ على رَأسِكَ بالدُّفِّ. فقال النبىُّ ﷺ : «أوْفِ بِنَذْرِكِ». رَواه أبو داودَ (٤). ولو كان مَكْرُوهًا، لم يَأْمُرْها به وإن كان مَنْذُورًا. ورَوَتِ

стр. 14590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ، قالتْ: دخَلَ علىَّ رسولُ اللهِ ﷺ صَبِيحَةَ بُنِىَ بى، فجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بدُفِّ لهنَّ، ويَنْدُبْنَ مَن قُتِلَ مِن آبائى يومَ بَدْرٍ، إلى أن قالَتْ إحْداهُنَّ: وفينا نَبِّىٌّ يَعْلَمُ ما في غَدٍ. فقال: «دَعِى هَذَا، وَقُولِى الَّذِى كُنْتِ تَقُولِينَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). فأمَّا الضَّرْبُ به للرِّجالِ فهو مَكْرُوةٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه إنَّما كان (٢) يَضْرِبُ به النِّساءُ، والِمُخَنَّثُونَ، والمُتَشبِّهون (٣) بهِنَّ، ففى ضَرْبِ الرِّجالِ به تَشَبُّهٌ بالنِّساء. فأمَّا الضَّرْبُ بالقَضِيبِ، فيُكْرَهُ إذا انْضَمَّ إليه مَكْرُوهٌ أو مُحَرَّمٌ كالتًّصْفِيقِ والغِنَاءِ والرَّقْصِ، وإن خلا عن ذلك كُلِّه، لم يُكْرَهْ؛ لأنَّه ليس بآلةِ لَهْوٍ ولا بطَرَبٍ، ولا يُسْمَعُ مُنْفَرِدًا، بخلافِ الْمَلاهِى. ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفَصْلِ كما قُلْنا. فصل: واخْتَلَفَ أصْحابُنا في الغِناءِ، فذهبَ أبو بكرٍ (٤) الخَلَّالُ،

стр. 14591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وصاحبُه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، إلى إباحَتِه. قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: والغِناءُ والنَّوْح مَعْنًى واحدٌ، مباحٌ ما لم يكنْ معه مُنْكَرٌ، ولا فيه طَعْنٌ. وكانَ (١) الخَلَّالُ يَحْمِلُ الكَراهَةَ مِن أحمدَ على الأفْعالِ المذْمُومَةِ، لا على القَوْلِ بعَيْنِه. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه سَمِعَ مِن عندِ ابْنِه صالحٍ قَوَّالًا، فلم يُنْكِرْ عليه، وقال له صالحٌ: يا أبَةِ، أليس كُنتَ تَكْرَهُهُ (٢)؟ فقال: قِيلَ لى: إنَّهم يَسْتَعْمِلون المُنْكَرَ. وممَّن ذهبَ إلى إباحَتِه (٣) مِن غيرِ كَرَاهَةٍ؛ إبراهيمُ ابنُ سعدٍ، وكثيرُ مِن أهلِ المدينةِ، والعَنْبَرِىُّ؛ لِما رُوِىَ عن عائِشةَ، رَضِىَ الله عنها، قالتْ: كانتْ عندِى جَارِيَتان تُغَنِّيان، فدخَلَ أبو بكرٍ، فقال: مَزْمُورُ (٤) الشَّيْطانِ في بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «دَعْهُما، فَإنَّهَا أيَّامُ عِيدٍ». مُتَّفَقٌ عليه (٥). وعن عمرَ، ﵁، أَنَّه قال: الغِناءُ زادُ الرَّاكِبِ (٦). واختارَ القاضى أنَّه مَكرُوهٌ غيرُ

стр. 14592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُحَرَّمٍ. وهو قولُ الشافعىِّ، وقال: هوَ (١) مِن اللَّهْوِ المَكْرُوهِ. وقال أحمدُ: الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ، لا يُعْجِبُنِى. وذهبَ آخُرون مِن أصْحابِنا إلى تَحْرِيمِه. قال أحمدُ، في مَن مات وخَلَّفَ ولدًا يَتيمًا، وجارِيَةً مُغَنَّيةً، فاحْتاجَ الصَّبِىُّ إلى بَيْعِها: تُباعُ ساذَجَةً. قيل له: إنها تُساوِى مُغَنَّيَةً ثلاثين ألفًا، وتُساوى سَاذَجَةً عِشرين دِينارًا. فقال: لا تُباعُ إلَّا على (٢) أنَّها سَاذَجَةٌ. واحْتَجُّوا على تَحْرِيمِه بما رُوِىَ عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ، في قولِه تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣). قال: الغِناءُ. وقال ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ مَسعودٍ، في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٤). قال: هو الغِناءُ (٥). وعن أبى أُمامَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ [نَهَى عن شِراءِ المُغَنِّياتِ، وبَيْعِهِنَّ، والتِّجارَةِ فِيهنَّ، وأكْلُ أثْمانِهِنَّ حَرامٌ. أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (٦)، وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ علىِّ بنِ يَزِيدَ، وقد تَكَلَّمَ أهلُ العلمِ فيه. ورَوَى ابنُ مَسعودٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ] (٧) قال: «الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِى الْقَلْبِ» (٨). والصَّحِيحُ أنَّه مِن (٩) قولِ ابنِ

стр. 14593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَسعودٍ. وعلى كلِّ حالٍ، مَن اتَّخَذَ الغِناءَ صِناعَةً، يُؤْتَى إليه، ويَأْتِى له، أو اتَّخذَ غُلامًا أو جارِيَةً مُغَنَّييْن، يَجْمَعُ عليهما الناسَ، فلا شَهادةَ له؛ لأنَّ هذا عندَ مَن لم يُحَرِّمْه سَفَهٌ ودَناءةٌ وسُقوطُ مُروءَةٍ، ومَن حَرَّمَه فهو مع سَفَهِه عاصٍ، مُصِرٌّ مُتَظاهِرٌ بفِسْقِه. وبهذا قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وإن كان لا يَنْسِبُ نَفْسَه إلى الغِناءِ، وإنَّما يتَرَنَّمُ لنَفْسِه، ولا يُغَنِّى للناسِ، أو كان غُلامُه وجارِيَتُه إنَّما يُغَنِّيان له، انْبَنَى هذا على الخِلافِ فيه، فمَن أباحَه أو كَرِهَه، لم تُرَدَّ شَهادَتُه، ومَن حَرَّمَهُ، قال: إن دامَ عليه، رُدَّت شَهادتُه، كسائِرِ الصَّغائِرِ، وإن لم يُداوِمْ عليه، لم تُرَدَّ شَهادتُه. وإن فعَلَه [مَن يَعْتَقِدُ] (١) حِلَّه، فقِياسُ المذهبِ أن لا تُرَدّ شَهادتُه بما لا يَشْتَهِرُ به (٢) منه، كسائرِ المُخْتَلَفِ فيه مِن الفُروعِ. ومَن كان يَغْشَى بُيوتَ الغِناءِ (٣)، أو يَغْشاه المُغَنُّون للسَّماعِ، مُتَظاهِرًا بذلك، وكَثُرَ منه، رُدَّتْ شَهادتُه، في قولِهم جميعًا؛ لأنَّه سَفَهٌ ودَناءةٌ. وإن كان مُسْتَتِرًا به، فهو كالمُغَنِّى لنَفْسِه، على ما ذُكِرَ مِن التَّفْصِيلِ فيه. فصل: فأمّا الحُدَاءُ، وهو الإنْشادُ الذى تُساقُ به الإِبلُ، فمُباحٌ، لا بَأْسَ به في فِعْلِه واسْتِماعِه؛ لِما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ في سَفَرٍ، وكان عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ

стр. 14594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جيِّدَ الحُدَاءِ، وكان مع الرِّجالِ، وكان أنْجَشَةُ مع النِّساءِ، فقال النبىُّ ﷺ لابنِ رَوَاحَةَ: «حَرِّكْ بِالْقَوْمِ». فانْدَفَعِ يُنْشِدُ، فتَبِعَه أنْجَشَةُ، فأعْنَقَتِ الإبِلُ، فقالَ النبىُّ ﷺ لأنْجَشةَ: «رُوَيْدَكَ، رِفْقًا بِالْقَوارِيرِ» (١). يَعنى النِّساءَ. وكذلك نَشِيدُ الأعْرابِ، وهو النَّصْبُ، لا بَأْسَ به، وسائرُ أنْواعِ الإنْشادِ، ما لم يَخْرُجْ إلى حَدِّ الغِناءِ. وقد كان النبىُّ ﷺ يَسْمَعُ إنْشادَ الشِّعْرِ، فلا يُنْكِرُه. والغِناءُ، مِن الصَّوتِ، مَمْدودٌ مَكْسورٌ. والغِنَى، مِن المالِ، مَقْصورٌ. والحُدَاءُ، مَمْدودٌ مَضْمُومٌ، كالدُّعاءِ، ويَجوزُ الكَسْرُ، كالنِّداءِ. فصل: والشِّعْرُ كالكَلامِ؛ حَسَنُه كحَسَنِه، وقَبِيحُه كقَبِيحِه. وقد رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «إن مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا» (٢). وكان

стр. 14595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَضَعُ لحسَّانَ مِنْبَرًا يقَومُ عليه، فيَهْجُو مَن هَجَا رسُولَ اللهِ ﷺ والمسلمينَ (١). وأنْشَدَه كَعْبُ بنُ زُهَير قَصِيدَتَه: * بَانَتْ سُعادُ فَقَلْبِى الْيَوْمَ مَتْبُولُ * في المسجدِ (٢). وقال له عَمُّه العَباسُ: [يا رسولَ الله] (٣)، إنِّى أُرِيدُ أنْ أمْتَدِحَكَ. فقال: «قلْ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ». فأنْشَدَه: مِنْ قَبْلِها طِبْتَ فِى الظِّلالِ (٤) وفى ... مُسْتَوْدَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ (٥) وقال عمرُو (٦) بنُ الشَّرِيدِ: أرْدَفَنِى رسولُ اللهِ ﷺ فقال: «أمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ؟». قلتُ: نعم. فأنْشدْته بيتًا. فقال: «هِيهِ».

стр. 14596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأنْشَدْتُه بَيْتًا فقالَ: «هِيهِ» (١). حتى أنْشدْتُه مِائَةَ قَافيةٍ (٢). وقال النبِىُّ ﷺ [يومَ حُنَيْنٍ] (٣) أنَا النَّبِىُّ لا كذِبْ ... أنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ (٤) وقد اخْتُلِفَ في هذا، فقيل: ليس بشعرٍ، وإنَّما هو كَلامٌ مَوْزونٌ. وقيلَ: بل هو شِعرٌ، ولكنَّه بَيْتٌ واحدٌ قَصيرٌ، فهو كالنَّثْرِ. ويُرْوَى أنَّ أبا الدَّرْداءِ قيلَ له: ما مِن أهلِ بيتٍ في الأنْصارِ إلَّا وقد قال الشِّعْرَ. قال: وأنا قد قُلْتُ: يُريدُ المَرْءُ (٥) أن يُعْطَى مُناهُ ... ويَأْبَى الله إلَّاما أرَادَا يَقولُ المَرءُ (٥) فائِدَتِى ومَالِى ... وتَقْوَى اللهِ أفْضَلُ ما اسْتَفادَا (٦) وليس في إباحةِ الشِّعرِ اخْتِلافٌ، وقد قالَه الصَّحابةُ والعلماءُ، والحاجَةُ

стр. 14597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَدْعُو إليه لمَعْرفَةِ اللُّغةِ والعربيَّةِ، وللاسْتِشْهادِ به في التَّفْسيرِ، وتَعَرُّفِ مَعنى كلامِ اللهِ تعالى، وكلامِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ويُسْتدَلُّ به أيضًا على النَّسَبِ، والتَّارِيخِ، وأيَّام العَرَبِ. ويقالُ: الشِّعْرُ ديوانُ العَربِ. فإن قِيلَ: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ (١). وقال النبىُّ ﷺ : «لأنْ يَمْتَلِى جَوْفُ (٢) أحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا». روَاه أبو داودَ، وأبو عُبَيْدٍ (٣). وقال: معنى يَرِيَهُ، يَأْكُلُ جوفَه. يُقالُ: وَرَاه يَرِيه. قال الشّاعِرُ (٤): وَرَاهُنٌ رَبِّى مثلَ ما قَدْ وَرَيْننِى ... وأحْمَى على أكْبادِهِنَّ الْمَكَاوِيَا قُلْنا: أمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها مَن أسْرَفَ وكَذَبَ، بدَليلِ وَصْفِه لهم بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا

стр. 14598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَفْعَلُونَ﴾ (١). ثم اسْتَثنى المؤمِنينَ بقولهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢). ولأن الغالِبَ على الشُّعراءِ قِلَّةُ الدِّينِ، والكَذِبُ، وقذْفُ المُحْصَناتِ، وهِجَاءُ الأبْرِياء، لا سِيَّما مَن كان فِى ابْتداءِ الإسْلامِ، ممَّن يَهْجُو النبىَّ ﷺ ، ويَهْجُو المسلمين، ويَعِيبُ الِإسلامَ، ويَمْدَحُ الكُفَّارَ، فوَقَعَ الذَّمُّ على الأغْلَبِ، واسْتَثْنَى منهم مَن لا يَفْعَلُ الخِصالَ المذْمُومَةَ، فالَايةُ دَليلٌ على إباحَتِه، ومَدْحِ أهْلِه المُتَّصِفِينَ بالصِّفاتِ الجَمِيلةِ. وأمَّا الخبرُ، فقال أبو عُبَيْدٍ (٣): مَعناهُ أنْ يَغْلِبَ عليه الشِّعْرُ حتى يَشْغَلَه عن القُرْآنِ والفِقْهِ. وقيلَ: المُرادُ به ما كان هِجاءً وفُحْشًا، فما كان مِن الشعْرِ يتَضَمَّنُ هَجْوَ (٤) المسلمينَ، والقَدْحَ في أعْراضِهم، أو التَّشبيبَ بامرأةٍ بعَيْنِها، بالإفْراطِ في وَصْفِها، فذكرَ أصْحابُنا أنَّه مُحَرَّمٌ. وهذا إن أُرِيدَ به أنَّه مُحَرَّمٌ على قائِلِه، فهو صَحِيحٌ، وأمّا على رَاوِيه (٥) فلا يَصِحُّ؛ فإن الْمَغازِىَ يُرْوَى فيها قَصائدُ الذين هَاجَوْا بها أصْحابَ رسولِ الله ﷺ ، لا ينكِرُ ذلك أحدٌ. وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ أذِنَ في الشِّعرِ الذى تَقاوَلَتْ به الشَّعَراءُ

стр. 14599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في يومِ بَدْرٍ وأُحدٍ وغيرِهما، إلَّا قصيدَةَ أُمَيَّةَ بنِ أبى الصَّلْتِ الحائِيَّةَ (١). وكذلك يُرْوَى شِعْرُ قَيْسِ بنِ الخَطيِمِ (٢)، في التَّشْبِيبِ (٣) بعَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ، أُخْتِ عبدِ الله بِنِ رَوَاحَةَ، وأُمِّ النُّعْمانِ بنِ بَشِير. وقد سمعَ النَّبِىُّ ﷺ قصيدةَ كَعْبِ بنِ زُهَيْرٍ، وفيها التَّشْبيبُ (٣) بسُعادَ. ولم يَزلِ النَّاسُ يَرْوون أمثالَ هذا، ولا يُنْكَرُ. ورَوَينا أنَّ النُّعمانَ بنَ بَشِير دخلَ مَجْلِسًا فيه رجُلٌ يُغنِّيهم بقصيدةِ قَيسِ بنِ الخَطِيمِ، فلمَّا دخلَ النُّغمانُ سَكَّتوه مِن قِبَلِ أنَّ فيها ذِكْرَ أمِّه، فقالَ النُّعمانُ: فإنه (٤) لم يَقُل بأْسًا، إنَّما قال: وعَمْرَةُ مِن سَرَوَاتِ النِّسا ... ءِ تَنْفَحُ بالمِسْكِ أرْدَانُها (٥) وكان عِمرانُ (٦) بنُ طَلْحةَ في مجلسٍ، فغَنَّاهم رَجُلٌ بشِعْرٍ فيه ذِكرُ أمِّه، فسَكَّتوُه، فقال: دَعُوه، فإنَّ قائِلَ هذا الشِّعْرِ كان زوْجَها. فأمَّا الشَّاعِرُ، فمتى كان يَهْجُو المسلمين، ويَمْدَحُ بالكَذِبِ، أو يَقْذِفُ مُسْلِمًا أو مُسْلِمَةً، فإنَّ شَهادَتَه تُرَدُّ، وسواءٌ قَذَفَ المُسْلِمَةَ بنَفسِه أو بغيره.

стр. 14600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد قيلَ: أعْظَمُ الناسِ ذَنْبًا، رَجُلٌ يهاجِى رَجلًا، فيَهْجُو القَبِيلَةَ بأسْرِها. وقد رَوَينا أنَّ أبا دُلامةَ (١) شَهِدَ عندَ قَاضٍ، فخافَ أن تُرَدَّ شَهادتُه، فقال: إنِ الناسُ غَطُّونِى تَغطَّيْتُ عنهمُ ... وإن بَحثُوا عنِّى فَفِيهم مَباحِثُ فقال القاضى: ومَن يَبْحَثُكَ يا أبا دُلامةَ؟ وغَرِمَ المالَ مِن عندِه، ولم يُظْهِرْ أنَّه رَدَّ شَهادتَه. فصل في قِراءةِ القُرآنِ بالألْحانِ: أمّا قِراءَتُه مِن غيرِ تَلْحِينٍ، فلا بَأسَ بها، وإن حَسَّنَ صَوْتَه به، فهو أفْضَلُ؛ فإن النبىَّ ﷺ قال: «زَيَّنُوا أصْوَاتَكُمْ بالْقُرْآنِ» (٢). ورُوِىَ: «زَيَّنُوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكُمْ» (٣). وقال: «لَقَدْ أُوتِىَ أبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» (٤).
следующие страницы →