. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّهادةُ (١). والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ كُلَّ فِعل لم [يَشْهد به] (٢) إلَّا واحدٌ، على ما قَدَّمنا. فإنِ اخْتلَفا في صِفَةِ المشْهودِ به اخْتِلافًا يُوجِبُ تَغايُرَهما، مثلَ أن يَشهدَ أحدُهما بثَوْبٍ والآخَرُ بدينارٍ، فلا خِلافَ في أنَّ الشَّهادةَ لا تَكْمُلُ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ إيجابُهما (٣) جميعًا؛ لأنَّه يكونُ إيجابَ حَقٍّ عليه بشَهادةِ واحدٍ، ولا إِيجابُ أحَدِهما بعَيْيه؛ لأنَّ الآخَرَ لم يَشْهَدْ به، وليس أحدُهما أوْلَى مِن الآخرِ. فأمَّا إن شَهِدَ بكُلِّ فِعلٍ شاهِدان، واخْتلَفا في المَكانِ أو الزَّمانِ أو الصِّفَةِ، ثَبَتَا جَمِيعا؛ لأنَّ كلُّا منهما قد شَهِدَ به بَيِّنَةٌ عادِلَةٌ، لو انْفَرَدَتْ أثْبَتَتِ الحَقَّ، وشَهادةُ الأخْرَى لا (١) تُعارِضُها؛ لإمكانِ الجَمعِ بينَهما، إلَّا أن يكونَ الفِعلُ ممَّا لا يُمكنُ تَكَرُّرُه، كقَتْلِ رَجُل بعَيْنِه، فتَتعارَضُ البَينتانِ؛ لعِلْمِنا أنَّ إحْداهما كاذِبَةٌ، ولا نعلمُ أيَّتُهما هى، بخلافِ ما يتَكَرَّرُ ويُمكِنُ صدقُ البَمنتَيْنِ فيه، فإنَّهما يَثْبُتان جميعًا إِنِ ادَّعاهُما، وإن لم يَدَّعِ إلَّا أحدَهما، ثَبَت له ما ادَّعاه دونَ ما لم يَدَّعِه.
стр. 14527
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن شهِدَ اثْنانِ أنَّه سَرَق مع الزَّوالِ كِيسًا (١) أسْوَدَ، وشهِدَ آخَرَان أنَّه سرَقَ مع الزَّوالِ كِيسًا (١) أْييَضَ، أو شهِدَ اثْنانِ أنَّه سرَقَ هذا الكِيسَ (٢) غُدوةً، وشهِدَ آخَران أنَّه سَرَقَه عَشِيًّا، فقال القاضى: يتَعارَضان. وهو مذهبُ الشافعىِّ. كما لو كان المشْهودُ به قَتْلًا. قال شيْخُنا (٣): والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا تَعارُضَ فيه؛ لأنَّه يُمكِنُ صدقُ البَينتَيْن، بأن يسْرِقَ عندَ الزَّوالِ كِيسَيْنِ أبيضَ وأسودَ، وتشْهدُ كُلُّ بَينةٍ بأحَدِهما، ويُمكِنُ أن يسْرقَ كِيسًا (١) غُدوةً، ثم يعودَ إلى صاحِبِه أو غيرِه، فيَسْرِقَه عَشِيًّا، ومع إمكانِ الجَمعِ لا تَعارُضَ. فعلى هذا، إن ادَّعاهُما المشْهودُ له، ثَبَتا له في الصُّورَةِ الأولَى، وأمَّا في الصُّورَةِ الثانية، فيَثْبُتُ له الكِيسُ (٢) المشْهودُ به حَسْبُ؛ فإنَّ المشْهودَ به وإن كان فِعلَيْنِ، لكنَّهما في مَحَلٍّ واحدٍ، فلا يَجِبُ أكثرُ مِن ضَمانِه. ,وإن لم يَدَّعِ المشْهودُ له إلَّا أحدَ الكِيسَيْنِ (٤)،
стр. 14528
وَإِنْ شَهِدَ احَدهمَا أنَّه أَقَرَّ له بِألْفٍ أمْسِ، وَشهِدَ آخر أنَّه أقَرَّ لَهُ بألْفٍ اليَوْمَ، أَوْ شَهِدَ أحَدهُمَا أنَّهُ بَاعَه دَارَهُ أمْسِ، وَشَهِدَ آخَرُ
ــ
ثَبَتَ له، ولم يثْبُتْ له الآخَرُ؛ لعَدَمِ دعواه إيَّاهُ. وإن شهِدَ له شاهِدٌ بسَرِقَةِ كِيس (١) في يوم، وشهِدَ آخَرُ بسَرِقَةِ كيسٍ (١) في يوم آخَرَ، أو شَهِدَ أحدُهما بسَرِقَتِه مِن مَكانٍ، وشهِدَ آخَرُ بسَرِقَتِه من (٢) مَكانٍ آخَرَ، أو شَهِدَ أحدُهما بغَضبِ كيسٍ (١) أبيضَ، وشهِدَ اخَرُ بغَضبِ كيسٍ (١) أسودَ، فادَّعاهما (٣) المشْهودُ له، فله أن يَخلِفَ مع كُلِّ واحدٍ منهما، ويُحكَمَ له به؛ لأنَّه مال قد شهِدَ له به (٤) شاهِدٌ. وإن لم يَدَّعِ إلَّا أحدَهما، ثَبتَ له ما ادَّعاه، ولم يثْبُتْ له الآخَرُ؛ لأنَّه لم يَدَّعِه.
٥٠٣٥ - مسألة: (وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ أمْسِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ له بألفٍ اليومَ، أو شَهِدَ أحدُهما أنه باعَه دارَه أمسِ ،
стр. 14529
أنَّه بَاعَهُ إيَّاها الْيَوْمَ، كَمَلَتِ الْبَيِّنَةَ، وَثَبَتَ الْبَيْع وَالإقْرَارُ. وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهادَةٍ عَلَى الْقَوْلِ،
ــ
وشَهِدَ آخَرُ أنَّه باعَه إيَّاها اليومَ، كَمَلَتِ البينةُ، وثَبَتَ البَيْع والإقْرارُ، وكذلك كُلُّ شَهادَةٍ على القَوْلِ) أمَّا إذا شهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ أمسِ، وشهِدَ آخَر أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ اليومَ، كَمَلَتِ البَيِّنَةُ؛ لأنَّ الألْفَ التى شَهِدَ بها أحدهما، هى الألْف التى شَهِدَ بها الآخَرُ، ولأنَّ الشّاهِدَيْن شَهِدَا بألْفٍ. وإنْ شَهِدَ أحدهما أنَّه بَاعَه أمسِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه بَاعَه اليومَ، أو شَهِدَ أحدهما أنَّه طلَّقَها أمسِ، وشهِدَ آخَر أنَّه طلَّقَها اليومَ، فقال أصحابنا: تَكْفل الشَّهادة. وقال الشافعىُّ: لا تَكْمُلُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن البَيْعِ والطَّلاق لم يشْهد به إلَّا واحدٌ، أشْبَهَ ما لو شَهِدَ بالغَصْبِ في وَقْتَيْنِ. ووَجه قولِ أصحابِنا، أنَّ المشْهودَ به شيءٌ واحدٌ، يجوزُ أن يُعادَ مَرَّةً بعد أخْرَى، ويكونَ واحدًا، فاخْتِلافهما في الوقتِ ليس باخْتِلافٍ فيه، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو شهِدَ أحدُهما بالعَربيَّةِ والآخَر بالفارسِيَّةِ. وكذلك
стр. 14530
الَّا النِّكَاحَ، إِذَا شَهِدَ أحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أمْسِ، وَشَهِدَ الآخَرُ أَنَّهُ تزَوَّجَهَا اليَوْمَ، لَمْ تَكمُلِ الْبَيِّنَةَ. وَكذلِكَ الْقَذْفُ.
ــ
الحُكْمُ في كلِّ شَهادةٍ على قولٍ، فالحكمُ فيه كالحُكْمِ في البَيْعِ (إلَّا النِّكاحَ) فإنَّه كالفِعْلِ، (إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه تزَوَّجَها أمْسِ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه تزَوَّجَها اليومَ، لم تَكْمُلِ) الشَّهادةُ، في قولِهم جميعًا؛ لأنَّ النِّكاحَ أمْسِ غيرُ النِّكاحِ اليومَ، فلم يَشْهَدْ بكلِّ واحدٍ مِن العَقْدَيْنِ إلَّا شاهِدٌ واحِدٌ، فلم يثْبُتْ، كما لو كانتِ الشَّهادةُ على فعلٍ.
٥٠٣٦ - مسألة: (وكذلك القَذْفُ) إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَذَفَه غُدْوَةً، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَذَفَه عَشِيَّةً، أو شَهِدَ أحَدُهُما أنَّه قَذَفَه بالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَذَفَه بالعَجَمِيَّةِ، أو اخْتَلَفا في المَكانِ، لم يَثْبُتِ القَذْفُ؛ لأنَّ القَذْفَ في مَكانٍ غيرُ القَذْفِ في المكانِ الآخَرِ، وكذلك الاخْتِلافُ
стр. 14531
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ الْقَذْفُ.
ــ
في الزَّمانِ (وقال أبو بكرٍ: يَثْبُتُ القَذْفُ) لأنَّ المَشْهودَ به واحدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ، واخْتَلَفَ الزَّمانُ. والأوَّلُ المذهبُ.
فَصْلٌ في الشَّهادةِ على الإقْرارِ بالفِعْلِ: مثل أن يَشْهَدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ عندِى يومَ الخميسِ بدمشقَ أنَّه قَتَلَه، أو قَذَفَه، أو غَصَبَه كذا، أو أنَّ له في ذِمَّتِه كذا، ويَشْهَدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ عندِى بهذا يومَ السبتِ بحِمْصَ، كَمَلَتْ شَهادَتُهما. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال زُفَرُ: لا تَكْمُلُ شَهادَتُهما؛ لأنَّ كلَّ إقْرارٍ لم يَشْهَدْ به إلَّا واحدٌ، فلم تكْمُل الشَّهادةُ، كالشَّهادةِ على الفِعْلِ. ولَنا، أنَّ المُقَرَّ به واحدٌ، وقد شَهِدَ اثْنان بالإقْرارِ به، فكَمَلَتْ شَهادَتُهما، كما لو كان الإقْرارُ بهما واحدًا، وفارَقَ الشَّهادةَ على الفِعْلِ؛ فإنَّ الشَّهادةَ فيها (١) على فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْن، فنَظِيرُه مِن الِإقْرارِ أن يَشْهَدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ عندِى أنَّه قتَلَه يومَ الخميسِ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ أنَّه قتَلَه يومَ الجمعةِ، فإنَّ شَهادَتَهما لا تُقْبَلُ ههُنا.
стр. 14532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويُحَقِّقُ ما ذكَرْناه، أنَّه لا يُمْكِنُ جَمْعُ الشُّهودِ لسَماعِ الشَّهادةِ في حَقِّ كلِّ واحدٍ، والعادةُ جارِيةٌ بطَلَبِ الشُّهودِ في أماكِنِهم، لا في جَمْعِهم إلى المشْهودِ له، فيَمْضِى إليهم في أَوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ (١)، وأماكنَ مُخْتَلِفَةٍ، فيُشْهِدُهم على إقْرارِه. فإن كان الإقْرارُ بفِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، مثلَ أن يقولَ أحدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِى أئه قتَلَه يومَ الخميسِ. وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِى [أنَّه قَتَلَه يومَ الجُمُعَةِ. أو قال أحدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَر عندِى أنَّه قَذَفَه بالعَرَبيَّةِ. وقال الآخَرُ. أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندى] (٢) أنَّه قَذَفَه بالعَجَمِيَّةِ. لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ الذى شَهِدَ به أحدُهما غيرُ الذى شهِدَ به صاحِبُه، فلم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، كما لو شهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ أنَّه غصَبَه دَنانِيرَ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه غصَبَه دَراهِمَ، لم تَكْمُلْ. وعلى قولِ أبي بكرٍ، تَكْمُلُ الشهادةُ في القَتْلِ والقَذْفِ؛ لأنَّ القَذْفَ بالعربيَّةِ أو العَجَمِيَّةِ، والقَتْلَ بالبَصْرةِ أو الكُوفِة، ليس مِن المُقْتَضِى، فلا يُعْتَبَرُ في الشَّهادةِ. والأوَّلُ أصَحُّ.
стр. 14533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَبَه هذا العبدَ، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ بغَصْبِه منه، كَمَلَتِ الشَّهادةُ، [وقُبِلَتْ] (١)، وحُكِمَ بها؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ الغَصْبُ الذى أقَرَّ به هو الذى شهِدَ الشَّاهِدُ به، فلم يخْتَلِفِ الفِعْلُ، وكَمَلَتِ الشَّهادةُ، كما لو شهِدَا في وَقْتَيْنِ على إقْرارِه بالغَصْبِ. وقال القاضى: لا تَكْمُلُ الشَّهادةُ، ولا يُحْكَمُ بها. وهو تولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ما أقَرَّ به غيرَ ما شهِدَ به الشَّاهِدُ. وهذا يَبْطُلُ بالشَّهادةِ على إقْرارَيْنِ، فإنَّه يجوزُ أن يكونَ ما أقَرَّ به عندَ أحدِ الشَّاهِدَيْن غيرَ ما أقَرَّ به عندَ الآخَرِ، إذا كانا في وَقْتَيْن مُخْتَلِفَيْن، ولأنَّه إذا أمْكَنَ جَعْلُ الشَّهادةِ على فِعْلٍ واحدٍ، لم تُحْمَلْ على اثْنَيْن (٢)، كالإقْرارَيْن، وكما لو شهِدَ بالغَصْبِ اثْنان، وشهِدَ على الإقْرارِ به اثْنان. فإن شهِدَ أحدُهما أنَّه غَصَب هذا العبدَ مِن زيدٍ، أو أنَّه (٣) أقَر بغَصْبِه منه، وشهِدَ الآخَرُ أنَّه مِلْكُ زَيْدٍ، لم تَكْمُلْ شَهادَتُهما (٤)؛ لأنَّهما لم يَشْهَدا على شئٍ واحدٍ. وإن شَهِدَا (٥) أنَّه أخذَه من يَدَيْه، ألْزمَه الحاكمُ رَدَّه إلى يَدَيْه؛ لأنَّ اليدَ دَليلُ المِلْكِ،
стр. 14534
وَإنْ شهِدَ شاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ لهُ بِأَلْفٍ، وَشهِدَ آخرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفيْنِ، ثَبَتَ الْأَلْفُ، وَيَحْلِفُ عَلَى الآخَرِ مَعَ [٣٤٧ و] شَاهِدِهِ إِنْ أَحَبَّ.
ــ
فيَرُدُّه إلى يَدِه؛ لتكونَ دَلالتُها ثابتةً له. قال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللهِ، عن رجلٍ ادَّعَى دارًا في يَدِ رجلٍ، وأقامَ شاهِدَيْن، شهِدَ أحدُهما، قال: أشْهَدُ أنَّ هذه الدَّارَ لفُلانٍ. وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّ هذه الدَّارَ دارُ فلانٍ. قال: شَهادَتُهما جائزةٌ.
٥٠٣٧ - مسألة: (وإن شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه أقَرَّ له بأَلْفَيْنِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ، ثَبَتَ الألْفُ، ويَحْلِفُ على الآخَرِ مع شاهِدِه، إن أحَبَّ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شهِدَ أحدُ الشّاهِدَيْن بشئٍ، وشهِدَ الآخَرُ ببَعْضِه، صحَّتِ الشَّهادةُ، وثَبَتَ ما اتَّفَقا عليه، وحُكِمَ به. وهذا قولُ شُرَيْحٍ، ومالِكٍ، والشافعىِّ، وابنِ أبي ليلَى، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ، وإسْحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ. وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّه شهِدَ عندَه رجُلان؛ شهِدَ أحدُهما أنَّه طلَّقَها تَطْلِيقَةً، وشهِدَ آخَرُ أنَّه طلَّقَها تَطليقَتَيْن، فقال: قد اخْتَلَفْتُما، قُوما. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه إذا شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه أقَرَّ بألْفٍ، وشهِدَ آخَرُ أنَّه أقَرَّ بألْفَيْن، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ؛ لأنَّ الإقْرارَ بالألْفِ غيرُ الإِقْرارِ
стр. 14535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بألْفَيْن (١)، ولم يَشْهَدْ بكلِّ إقْرارٍ إلَّا واحدٌ. ولنا، أنَّ الشَّهادَةَ قد كَمَلَتْ فيما اتَّفَقا عليه، فحُكِمَ به، كما لو لم يَزِدْ (٢) أحدُهما على صاحِبِه. وما ذكَرَه (٣) مِن أنَّ كلَّ إقْرارٍ إنَّما شهِدَ به واحدٌ، يبْطُلُ بما إذا شهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ بألْفٍ غُدْوةً، وشَهدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ بألْفٍ عَشِيًّا، فإنَّ الشَّهادةَ تَكْمُلُ، مع أنَّ كُلَّ إقْرارٍ إنَّما شهِدَ به واحدٌ. فأمَّا ما انْفَرَد به أحدُهما، فإن للمُدَّعِى أنْ يَحْلِفَ معه، ويَسْتَحِقُّ. هذا قولُ مَن يَرَى الحُكْمَ بشاهِدٍ ويَمِينٍ. وهذا فيما إذا أطْلَقا الشَّهادةَ، أو لم تَخْتَلِفِ الأسْبابُ والصِّفاتُ.
فصل: إذا شهِدَ له شاهِدان بألْفٍ، وشاهِدان بخَمْسِمائةٍ، ولم تخْتَلِفِ الأسْبابُ والصِّفاتُ، دخَلَتِ الخَمْسُمائَة في الألْفِ، ووَجَبَ له الألْفُ بِالشَّهادَتَيْن (٤). وإنِ اخْتَلَفَتِ الأسْبابُ وِالصِّفاتُ، وجَبَ له (١) الألْفُ والخَمْسُمائة، ولم يَدْخُلْ أحدُهما في الآخرِ؛ لأنَّهما مُخْتلفان.
стр. 14536
وِإنْ شَهِدَ أحَدُهُمَا أنَّ لَهُ أَلْفًا، وَشَهِدَ آخَرُ أنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَيْنِ، فَهَلْ تَكْمُلُ الْبَيِّنةُ عَلَى أَلْفٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ قَرْضٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ.
ــ
٥٠٣٨ - مسألة: (وإن شَهِدَ أحدُهما أنَّ له) عليه (ألْفًا، وشَهِدَ آخَر أن له عليه ألْفَيْنِ، فهل تَكْمُل البَيِّنَة على ألْفٍ؟ على وَجْهَيْنِ) أحَذهما، تَكْمُلُ، كالتى قبلَها. والثاني، لا تكْمُلُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ الألْفُ المُنْفَرِدُ (١) مِن غيرِ الألْفَيْن.
٥٠٣٩ - مسألة: (وإن شَهِدَ أحدُهما أنَّ له عليه ألْفًا مِن قَرْضٍ، وشَهِدَ آخَر أنَّ له عليه ألْفًا مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ) أمَّا إذا اخْتَلَفَتِ الأسْبابُ والصِّفاتُ، مثلَ أن يشْهَدَ شاهِدٌ بألفٍ مِن قَرْضٍ، وآخَر بألفٍ
стр. 14537
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ الْفًا، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ بَعْضَهُ. بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ نِصْفَهُ. صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا.
ــ
مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ، أو يَشْهَدَ شاهِدٌ بألْفٍ بِيضٍ، وآخَرُ بألْفٍ سُودٍ، أو يشْهَدَ أحدُهما بألْفِ دينارٍ، والآخَرُ بألْفِ دِرْهَمٍ، لم تَكْمُلَ البَيِّنَةُ، وكان له أن يَحْلِفَ مع كلِّ واحدٍ منهما، ويَسْتَحِقُّها، أو يَحْلِفَ مع أحدِهما، ويَسْتَحِقُّ ما شَهِدَ به.
٥٠٤٠ - مسألة: (وإن شَهِدَ شاهِدانِ أنَّ له عليه ألْفًا، وقال أحَدُهما: قَضَاهُ بَعْضَهُ. بَطَلَت شَهادَتُه. نَصَّ عليهِ. وإن شَهِدَا (١) أنَّه أقْرَضَه ألْفًا، وقال أحدُهما: قَضَاهُ نِصْفَهُ. صَحَّتْ شَهَادَتُهُما) إذا شَهِدَا أنَّ له عليه ألْفًا، ثم قال أحدُهما: قَضاه نِصْفَه. بَطَلَت شَهادَتُه. وهكذا
стр. 14538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرَه أبو الخطّابِ؛ وذلك لأنَّه (١) شَهِدَ بأنَّ الألْفَ جميعَه عليه، فإذا قَضاه بعضَه، لم يَكُنِ الألفُ كلُّه عليه (٢)، فيَكُونُ كلامُه مُتَناقِضًا، فتَفْسُدُ شَهادَتُه. وفارَقَ هذا ما لو شَهِدَ بألفٍ، ثم قال: بل بخَمْسِمائةٍ؛ لأنَّ ذلك رُجوعٌ عنِ الشَّهادَةِ بخَمْسِمائةٍ، وإقرارٌ بغَلَطِ نفسِه، وهذا. لا يقولُ ذلك على وجهِ الرُّجوعِ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ شهادَتَه تُقْبَلُ بخَمْسِمائةٍ، فإنَّه قال: إذا شَهِدَ بألفٍ، ثم قال أحدُهما قبلَ الحكمِ: قضاه منه خَمْسَمائةٍ. أفْسَدَ شَهادَتَه، [وللمَشْهودِ له ما] (٣) اجْتَمَعا عليه، وهو خَمْسُمائةٍ. فصحَّحَ (٤) شَهادَتَه في نِصْفِ الألْفِ الباقى، وأبْطَلَها في النِّصْفِ الذى ذَكَر أنَّه قضاه؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ الرُّجوعِ عن الشَّهادَةِ به، فأشْبَهَ ما لو قال: أشْهَدُ بألْفٍ، بل بخَمْسِمائةٍ. قال أحمدُ: ولو جاء بعْدَ هذا المجلسِ، فقال: أشْهَدُ أنَّه قَضاه منه خَمْسَمائةٍ. لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه قد
стр. 14539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمضى الشَّهادَةَ. فهذا يَحْتَمِلُ أنَّه أراد إذا جاء بعدَ الحُكْمِ فشَهِدَ بالقَضاءِ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّ الألْفَ قد وَجَب بشهادتِهما (١) وحكْمِ الحاكمِ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُه بالقضاءِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ بشاهدٍ واحدٍ. فأمّا إنْ شَهِدَ أنَّه أقْرَضَه ألْفًا، ثم قال أحدُهما: قَضاه منه خَمْسَمائةٍ. قُبِلَتْ شَهادَتُه في باقِى الألْفِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه لا تَناقُضَ في كَلامِه، ولا اخْتلافَ.
стр. 14540
وَإذَا كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أُرِيدُ أنْ تَشْهَدَا لِى بِخَمْسِمِائَةٍ. لَمْ يَجُزْ. وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، يَجُوزُ.
ــ
٥٠٤١ - مسألة: (وإن كانتْ له بَيِّنَةٌ بألْفٍ، فقال: أُرِيدُ أن تَشْهَدَا لِى بِخَمْسِمِائةٍ. لم يَجُزْ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، يجوزُ) قال أحمدُ: إذا شهِدَ على ألْفٍ، وكان الحاكِمُ لا يَحْكُمُ إلَّا على مائَتَيْن، فقال له صاحِبُ الحقِّ: أُريدُ أن تشْهَدَ (١) لى على مائةٍ. لم يَشْهَدْ إلَّا بألْفٍ. قال القاضى: وذلك أنَّ على الشاهدِ نَقْلَ شَهَادَتِه (٢) على ما شَهِدَ، قال اللهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ (٣). ولأنَّه لو ساغَ
стр. 14541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للشَّاهدِ أن يشْهَدَ ببَعْضِ ما أُشْهِدَ (١)، لَساغَ للقاضى أنْ يَقْضِىَ ببَعْضِ ما شَهِدَ به الشّاهِدُ. وقال أبو الخَطَّابِ: عندِى يَجُوزُ [أن يَشْهَدَ] (٢) بذلك؛ لأنَّ مَن شَهِدَ بأَلْفٍ، فقد شَهِدَ (٣) بمائةٍ، وإذا شَهِدَ بمائةٍ، لم يكُنْ كاذبًا في شَهادَتِه، كجازَ، كما لو كان قد أقْرَضَه مائةً مَرةً، وتِسْعَمائةٍ أُخْرَى. قال شيْخُنا (٤). والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذكَره القاضى، ولأنَّ شَهادَتَه بمائةٍ رُبَّما أوْهمتْ أنَّ هذه المائةَ غيرُ التى شهِدَتْ بأصْلِه، فيُؤدِّى إلى إيجابِها عليه مَرتَيْن.
قال أحمدُ: إذا قال: اشْهَدْ على مائةِ درهمٍ، ومائةِ درهمٍ، ومائةِ درْهم. فشَهِدَ على مائةٍ دونَ مائةٍ، كُرِهَ، إلَّا أن يقولَ: [اشهَدُوا لى] (٥) عَلى مائةٍ، ومائةٍ، ومائةٍ. يَحْكِيه كلَّه للحاكمِ كما كان.
стр. 14542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قال أحمدُ: إذا شَهِدَ بألفِ درهم ومائةِ دينارٍ، فله دراهمُ ذلك البلدِ ودَنانِيرُه. قال القاضى: لأنَّه لمَّا جازَ أن يُحْمَلَ مُطْلَقُ العَقْدِ على ذلك، جازَ أن تُحْمَلَ الشَّهادةُ عليه.
فصل: إذا شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه باعَه هذا العبدَ بألفٍ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه باعَه
стр. 14543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إيَّاه بِخَمْسِمائةٍ، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ؛ لاخْتِلافِهما في صِفَةِ البَيْعِ، وله أن يَحْلِفَ مع أحدِهما، ويثْبُتُ له ما حَلَفَ عليه. فإن شهِدَ بكُلِّ عَقْدٍ شاهِدَان، ثبَتَ البَيْعان، فإنْ أضافَا البَيْعَ إلى وَقْتٍ واحدٍ، مثلَ أن يَشْهدَا أنَّه باعَه هذا العبدَ مع الزَّوالِ بألفٍ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه باعَه إيَّاه مع الزَّوالِ بخَمْسِمائةٍ، تَعارَضَتِ البَيِّنَتان، وسَقَطتَا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اجْتِماعُهما، وكلُّ بَيِّنَةٍ تُكَذِّبُ الأُخْرَى. وإن شَهِدَ بكُلِّ واحدٍ مِن هذَيْن شاهِدٌ واحدٌ، كان له أن يَحْلِفَ مع أحَدِهما، ولا يتَعارَضان؛ لأنَّ التَّعارُضَ إنَّما يكونُ بينَ (١) البَيِّنتَيْن الكامِلَتَيْن.
стр. 14544
بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
وَهِىَ سِتَّةٌ؛ أَحَدُهَا، الْبُلُوغُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ. وَعَنْهُ، تُقْبَلُ مِمَّن هُوَ فِى حَالِ الْعَدَالَةِ. وَعَنْهُ، لَا تُقْبَلُ إلَّا فِى الْجِرَاحِ، إذَا شَهِدُوا قَبْلَ الافْتِرَاقِ عَنِ الْحَالِ الَّتِى تَجَارَحُوا عَلَيْهَا.
ــ
بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
(وهى سِتَّةٌ؛ أحدُها، البُلوغُ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ الصِّبْيانِ. وعنه، تقْبَلُ ممَّن هو في حالِ العَدالَةِ. وعنه، لا تُقْبَلُ إلَّا في الجِراحِ، إذا شَهِدُوا قبلَ الافْتِراقِ عن الحالِ التى تَجارَحوا عليها) اخْتلفَتِ الرِّواية عن أحمدَ، ﵀، في ذلك، فالمشْهورُ عنه، أنَّها لا تُقْبَلُ شَهادةُ الصَّبِىِّ ما لم يَبْلُغْ. رُوِىَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ. وبه قال القاسِمُ، وسالمٌ، وعَطاءٌ، ومَكْحُولٌ، وابن أبي ليلَى، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه. وعن أحمدَ رِوايةٌ ثانِيَةٌ، أنَّ شَهادَتَه تُقْبَلُ إذا كان ابنَ عشرٍ. قال ابن حامدٍ: فعلَى هذه الرِّوايةِ، تُقْبَلُ شَهادَتُهم في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، كالعَبِيدِ.
стр. 14545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورُوِىَ عن علىِّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ شَهادةَ بعْضِهم تُقْبَلُ على بعْضٍ (١). ورُوِىَ ذلك عن شُرَيْحٍ (١)، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ. قال إبْراهيمُ: كانوا يُجِيزُون شَهادةَ بعْضِهم على بعض فيما كان بينَهم. قال المُغِيرَة: وكان أصْحابُنا لا يُجِيزون شَهادَتَهم على رجلٍ، ولا على عبدٍ. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٢) بإسْنادِه عن مَسْروقٍ، قال: كُنَّا عندَ علىٍّ، فجاءَه خَمْسةُ غِلْمَةٍ، فقالوا: إنَّا كُنَّا سِتَّةَ غِلْمَةٍ نَتَغاطُّ، فغَرِقَ منّا غُلامٌ، فشهِدَ الثلاثةُ على الاثْنَيْن أنَّهما غَرَّقاه، وشهِدَ الاثْنان على الثلاثةِ أنّهم غَرَّقُوه، فجعَلَ على الاثْنَيْن ثلاثةَ أخْماسِ الدِّيَةِ، وجعلَ على الثَّلاثةِ خُمْسَيْهَا. وقَضَى بنَحْوِ هذا مَسْرُوقٌ (٣). وعنه رِوايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ شَهادَتَهم لا تُقْبَلُ إلَّا في الجِراحِ، إذا شَهِدُوا قبلَ الافْتِراقِ عن الحالِ التى تَجارَحُوا عليها، فإنْ تَفَرَّقُوا لم تُقْبَلْ شَهادَتُهم. وهو قولُ مالِكٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهم وضَبْطُهم، ولا تُقَبْلُ بعدَ الافْتِراقِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُلَقَّنُوا. قال ابنُ الزُّبَيْرِ: إن أُخِذُوا عندَ مُصابِ ذلك، فبالحَرِىِّ أن يَعْقِلُوا (٤)
стр. 14546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَحْفَظُوا. وعن الزُّهْرِىِّ أنَّ شَهادَتَهم جائِزَةٌ، ويُسْتَحْلَفُ أوْلِياءُ المَشْجُوجِ (١). وذكَرَه عن مَرْوانَ (٢). والمذهبُ أنَّ شَهادتَهم لا تُقْبَلُ في شئٍ؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣). وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥). والصَّبِىُّ ممَّن (٦) لا يُرْضَى. وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٧). فأخْبرَ أنَّ الشاهِدَ الكاتِمَ لشَهادَتِه آثِمٌ، والصَّبِىُّ لا يَأْثَمُ، فيَدُلُّ على أنّه ليس بشاهِدٍ،
стр. 14547
الثَّانِي، الْعَقْلُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَعْتُوهٍ وَلَا مَجْنُونٍ، إِلَّا مَنْ يُخْنَقُ فِى الأَحْيَانِ، إذَا شَهِدَ فِى إِفَاقَتِهِ.
ــ
ولأنَّ الصَّبِىَّ لا يَخافُ مِن مَأْثمِ الكَذِبِ (١)، فيَزَعُه عنه، ويَمْنَعُه منه، فلا تحْضل الثِّقَة بقولِه، ولأنَّ مَن لا يُقْبَلُ قوْلُه على نَفْسِه في الإقْرارِ، لا تُقْبَل شَهادته على غيرِه، كالمجْنرنِ، يُحَقِّق هذا أنَّ الإقْرارَ أوْسَعُ؛ لأنَّه ئقْبَل مِن الكافرِ والفاسِقِ والمرأةِ، ولا تَصِحُّ الشَّهادةُ منهم، ولأنَّ مَن لا تقْبَل شَهادته في المالِ، لا تُقْبَل في الجراحِ، كالفاسقِ.
(الثاني، العَقْلُ، فلا تقْبَلُ شَهادةَ مَعْتوهٍ ولا مَجْنونٍ، إلَّا مَن يُخْنَقُ في الأحْيانِ، إذا شهِدَ في) حالِ (إفاقَتِه) لا تقْبَل شَهادةُ مَن ليس بعاقِلٍ،
стр. 14548
الثالثُ، الْكَلَامُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ.
ــ
إجْماعًا. قاله ابنُ المُنْذِرِ (١). وسواءٌ ذهبَ عقْلُه بجُنونٍ أو سُكْرٍ أو صِغَرٍ؛ لأنَّه ليس بمُحَصِّلٍ، ولا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بقوْلِه. فأمَّا مَن يُخْنَقُ في الأحْيانِ إذا شَهِدَ في حالِ إفاقَتِه، فتُقْبَلُ شَهادتُه؛ لأنَّها شَهادة مِن عاقلٍ، أشْبَهَ مَن لم (٢) يُخْنَقْ.
(الثالثُ، الكَلامُ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ الأخْرَسِ) نَصَّ عليه أحمدُ، قيل له: وإن كَتَبَها؟ قال: لا أدْرِى. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: تُقْبَلُ إذا فُهِمَتْ إشارَتُه؛ لقيامِها مَقامَ نُطْقِه في (٣) أحْكامِه، مِن طلاقِه (٤)، ونِكاحِه، وغيرِ ذلك، فكذلك في
стр. 14549
[٣٤٧ ظ] وَيَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ فِيمَا طَرِيقُهُ الرُّؤْيَةُ، إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ.
ــ
شَهادَتِه. واسْتَدَلَّ ابنُ المُنْذِرِ بأنَّ النبىَّ ﷺ أشارَ وهو جالِسٌ (١) إلى الناسِ وهم قيامٌ: «أنِ اجْلِسُوا». فَجَلَسُوا (٢). ولَنا، أنَّها شهَادةٌ بالإشارَةِ، فلم تَجُزْ، كإشارَةِ النّاطقِ؛ لأنَّ الشهادةَ يُعْتَبَرُ فيها اليَقِينُ، ولذلك لا يُكْتَفَى بإيماءِ النّاطِقِ، ولا يَحْصُلُ اليَقِينُ بالإشارةِ، وإنَّما اكْتُفِىَ بإشارَته في أحْكامِه المُخْتَصَّةِ به للضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورةَ ههُنا. وما اسْتَدَلَّ به ابنُ المُنْذِرِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ كان قادِرًا على الكَلامَ، وعُمِلَ بإشارَتِه في (٣) الصلاةِ. ولو شهِدَ النَّاطِقُ بالإشارةِ والإيماءِ، لم تَصِحَّ شَهادَتُه (٤) إجْماعًا، فعُلِمَ أنَّ الشهادةَ تُفارِقُ غيرَها مِنَ الأحْكامِ (ويَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ فيما طَرِيقُه الرُّؤْيَةُ، إذا فُهِمَت إشَارتُه) لأنَّ إشارَتَه بمَنْزِلَةِ نُطْقِه، كما في سائرِ أحْكامِه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّا إنَّما قَبِلْنا إشارَتَه فيما يَخْتَصُّ به للضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورةَ ههُنا.
стр. 14550
الرَّابعُ، الإِسْلَامُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كَافِرٍ، إِلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ فِى الْوَصِيَّةِ فِى السَّفَرِ، إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمْ، وَحَضَرَ الْمُوصِىَ الْمَوْتُ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَلِّفُهُمُ الْحَاكِمُ بَعْدَ العَصْرِ: لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ، وَإِنَّهَا
ــ
(الرابعُ، الإسلامُ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ كافرٍ، إلَّا أهلَ الكتابِ في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، إذا لم يُوجَدْ غيرُهم، وحضَرَ المُوصِىَ الموْتُ، فتُقْبَلُ شهادَتُهم، ويُحَلِّفُهم الحاكمُ بعدَ العَصْر: لا نَشْتَرِى به ثَمَنًا ولو كانَ ذا قُرْبَى، ولا نَكْتُمُ شَهادةَ اللهِ، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرجلِ) بَعْييهِ (فإن عُثِرَ على
стр. 14551
لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ. فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا، قَامَ آخَرَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمُوصِى فَحَلَفَا بِاللهِ: لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَلَقَدْ خَانَا وَكَتَمَا. وَيَقْضِى لَهُمْ. وَعَنْهُ، أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ تُقْبَلُ عَلَى بَعْضٍ. وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
ــ
أنَّهما اسْتَحَقّا إثْمًا، قام آخَران مِن أوْلِياءِ الموصِى فحَلَفَا باللهِ: لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهما، ولقد خانَا وكَتَما. ويَقْضِى لهم. وعنه، أنَّ شَهادةَ بعضِ أهلِ الذِّمَّةِ تُقْبَلُ على بَعْضٍ. والأوَّلُ المذهبُ) وجملةُ ذلك، أنَّ شهادةَ أهلِ الكتابِ لا تُقْبَلُ في شئٍ على مسلمٍ ولا كافرٍ، إلَّا في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، على ما نَذْكُرُه. ذكَرَه الخِرَقِىُّ. ورَوَى ذلك عن أحمدَ نحوٌ مِن عِشرين نَفْسًا. وممَّن قال: لا تُقْبَلُ شهادتُهم؛ الحسنُ، وابنُ أبي ليلَى، والأوْزاعِىُّ، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ. ونقَلَ حَنْبَلٌ عن أحمدَ أنَّ شَهادةَ بعْضِهم تُقْبَلُ على بعضٍ. وخَطَّأه الخَلَّالُ في نَقْلِه هذا. وقال صاحِبُه أبو بكرٍ: هذا غَلَطٌ لا شكَّ فيه. وقال ابنُ حامدٍ: بل المَسْأَلَةُ على رِوايَتَيْن. قال أبو حَفْصٍ البَرْمَكِىُّ: تُقْبَلُ شَهادةُ السَّبْىِ بعْضِهم على بعضٍ في النَّسَبِ، إذا ادَّعَى أحدُهم أنَّ الآخَرَ أخُوه. والمذْهب الأوَّلُ.
стр. 14552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والظَّاهِرُ غَلَطُ مَن رَوَى خِلافَ ذلك. وذهَبَت طائفةٌ مِن أهلِ العلمِ إلى أنَّ شَهادةَ بعْضِهم على بعض تُقْبَلُ، ثم اخْتلَفوا؛ فمنهم مَن قال: الكُفْرُ مِلَّة واحدة، فتُقْبَلُ شَهادَةُ اليَهُودِىِّ على النَّصْرانِىِّ، والنَّصْرانِىِّ على اليَهُودِىِّ. هذا قولُ حَمَّادٍ، وسَوَّارٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ، وأصْحابِه. وعن قَتادَةَ.، والحَكَمِ، وأبى عُبَيْدٍ، وإسْحاقَ: تُقْبَلُ شَهادةُ كُلِّ مِلَّةٍ بَعْضِها على بعضٍ، ولا تُقْبَلُ شَهادةُ يَهُودِيٍّ على نَصْرَانِىٍّ، ولا نَصْرانِىٍّ على يَهُودِيٍّ. ويُرْوَى عن الزُّهْرِىِّ، والشَّعْبِىِّ، كقَوْلِنا وقَوْلِهم. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن جابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أجازَ شَهادةَ أهلِ الذِّمَّةِ بعْضِهم على بعضٍ. روَاه ابنُ ماجَه (١). ولأنَّ بعْضَهم يَلِى على بعْضٍ، فتُقْبَلُ شَهادةُ بعْضِهم على بعضٍ،. كالمسلمِين. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا
стр. 14553
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. إلى قَوْلِه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١).
والكافِرُ ليس بذِى عَدْلٍ، ولا هو مِنَّا، ولا مِن رِجالِنا، ولا ممَّن نَرْضاه، ولأنَّه لا تُقْبَلُ شَهادتُه على غيرِ أهلِ دِينِه، فلا تُقْبَلُ على أهلِ دِينِه، كالحَرْبِىِّ. والخبَرُ يَرْوِيه مُجالِدٌ، وهو ضَعِيفٌ، وإن ثبَتَ فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ اليَمِينَ، فإنَّها تُسَمَّى شَهادةً، قال اللهُ تعالى في اللِّعانِ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). وأمَّا الوَلايةُ فمُتعلَّقُها القَرابةُ والشَّفَقَةُ، وقَرَابَتُهم ثابِتَةٌ، وشَفَقَتُهم كشَفَقةِ المُسلمِين، وجازَتْ لمَوْضِعِ الحاجَةِ، فإنَّ غيرَ أهلِ دِينِهم لا يَلى عليهم، والحاكمُ يَتعَذَّرُ عليه ذلك؛ لكَثْرَتِهِم، بخِلافِ الشَّهادةِ، فإنَّها مُمْكِنَة مِن المُسلمين، وقد رُوِىَ عن مُعاذٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أهْلِ دِينٍ، إلَّا المُسْلِمِينَ؛ فإئهم عُدُولٌ على أنْفُسِهم، وعلى غيرِهم» (٣).
стр. 14554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمَّا شَهادةُ أهلِ الكِتابِ بوَصِيَّةِ المُسافِرِ الذى ماتَ في سَفَرِه، إذا شَهِدَ بها شاهِدَان مِن أهلِ الذِّمَّةِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهما (١)، إذا لم يُوجَدْ غيرُهما مِن المُسلمين، ويُسْتَحْلَفان بعدَ العَصْرِ على ما ذَكَرْنا في صَدْرِ المسألَةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وبهذا قال أكابِرُ الماضِين. يَعنى الآيةَ التى في سُورَةِ المائدةِ. ومِمَّن قالَه؛ شُرَيْحٌ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعِىُّ، ويحيى ابنُ حَمْزَةَ (٢). وقَضَى بذلك عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وأبو موسى، رَضِىَ اللهُ عنهما. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا تُقْبَلُ؛ لأنَّ مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه في غيرِ الوَصِيَّةِ، لا تُقْبَلُ في الوَصِيَّةِ، كالفاسِقِ، ولأنَّ الفاسقَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُه، فالكافِرُ أَوْلَى. واخْتلَفوا في تَأْوِيلِ الآيةِ؛ فمنهم مَن حَمَلَها على التَّحَمُّلِ دونَ الأداءِ، ومِنهم مَن (٣) قال: المُرادُ بقَوْلِه: