← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الآنِيَةَ، أو يُحَلِّقَها بالفِضَّةِ، ونحوه قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، ولعلَّهم كَرِهُوا ما قُصِدَ به الزينَةُ، أو كان كثيرًا، فيكونُ قولُهم وقولُ الأوَّلِينَ واحدًا، ولا يكونُ في المسألةِ خلافٌ. فأمّا اليَسِيرُ كتَشْعِيبِ القَدَحِ ونَحْوه، فلا بَأسَ به؛ لما روَى أنسُ بنُ مالِكٍ، أنَّ قَدَحَ النبيِّ ﷺ انْكَسَر، فاتَّخَذ مكانَ الشَّعبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ. رواه البُخارِيُّ (١). قال القاضي: يُباحُ يَسِيرُ الفِضَّةِ مع الحاجةِ وعَدَمِها. لما ذكرْنا، ولأنّه ليس فيه

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سَرَفٌ ولا خُيَلاءُ، أشْبَهَ الصُّفْرَ، إلَّا أنه كَرِه الحَلْقَةَ، لأنّها تُسْتَعْمَلُ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا تُباحُ إلّا لحاجَةٍ، لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في تَشْعِيبِ القَدَحِ، وهو للحاجةِ. ومعنى ذلك أن تَدْعُوَ الحاجةُ إلى فِعْلِه، وليس معناه أن لا يَنْدَفِعَ بغيره. ويُكْرهُ مُباشَرةُ مَوْضِع الفِضَّةِ (١) بالاستعمالِ؛ لِئَلَّا يكونَ مُسْتَعْمِلًا للفضةِ التي جاء الوعيدُ في اسْتِعْمالِها.

стр. 143

وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الاسْتِعْمَالِ، مَا لمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا. ــ ٣٢ - مسألة؛ قال: (وثِيابُ الكُفَّارِ وأوانِيهِم طاهِرَةٌ مُباحَةُ الاسْتِعْمالِ، ما لم تُعلَمْ نَجاسَتُها) والكُفّارُ على ضَرْبَين؛ أهلِ الكتابِ، وغيرِهم، فأمَّا أهلُ الكتابِ، فيُباحُ أكلُ طعامِهم وشرابِهم، واستعمالُ آنِيَتهم، ما لم تُعْلَمْ نَجاسَتُها. قال ابنُ عَقِيل: لا تَختَلِفُ الرِّوايةُ في أنه لا يَحرُمُ استعمالُ أوانيهم؛ لقَوْلِ الله تِعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١). وعن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّيَ جِرابٌ مِن شَحْم يومَ

стр. 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَيبَرَ، فالْتَزَمْتُه، وقلتُ: واللهِ لا أُعْطِي أحدًا منه شيئًا. فالْتَفَتُّ فإذا رسولُ اللهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ. روَاه مسلم (١). ورُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ أضافَه يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وإهَالةٍ سَنِخَةٍ (٢). من المُسْنَدِ (٣). وتَوَضَّأ عمر مِن جَرَّةِ نَصْرانِيَّةٍ (٤). وهل يُكْرَهُ استعمالُ أوانِيهم؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، لا

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُكْرَه؛ لما ذكرْنا. والثانية، يُكْرَهُ؛ لما روَى أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا بأَرْضِ قوم أهلِ كتابٍ، أفنَأكُلُ في آنِيتِهم؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «إنْ وَجَدْتُمْ غَيرَهَا فَلَا تَأكُلُوا فِيهَا، وإنْ لَمْ تَجِدُوا غَيرَهَا فَاغْسِلُوهَا وكُلُوا فِيهَا». متَّفَقٌ عليه (١) وأقَلُّ أحْوالِ النَّهْي الكَراهَةُ. ولأنَّهم لا يَتَوَرَّعُون عن النَّجاسةِ، ولا تَسْلَمُ آنِيَتُهم مِنها، وأدْنَى ما يُؤثر ذلك الكَراهَةُ. وأمَّا ثيابُهم فما لم يَسْتَعْمِلُوه، أو

стр. 146

المقنع وعَنْهُ، مَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ؛ كَالسَّرَاويلِ وَنَحْوهِ، لا يُصَلَّى فِيهِ. ــ علا منها، كالعِمامَةِ، والثوبِ الفَوْقانِيِّ، فهو طاهِرٌ لا بَأسَ بلُبْسِه، وما لاقَى عَوْراتِهم، كالسَّراويلِ، ونَحْوه، فرُوىَ عن أحمدَ أنه قال: أحَبُّ إليَّ أن يُعِيدَ إذا صَلَّى فيه. وهذا قولُ القاضي. وكَرِه أبو حنيفةَ والشافعيُّ لُبْسَ الأزُرِ والسَّراويلاتِ، وقال أبو الخَطَّابِ: لا يُعِيدُ؛ لأنّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ (١) بالشَّكِّ. الضربُ الثاني، غيرُ أهلِ الكتابِ، وهم المَجُوسُ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ، ونحوُهم، ومَن يَأكلُ لحمَ الخِنْزِيرِ مِن أهل الكتابِ في مَوْضِع يُمْكِنُهم أكْلُه، أو يَأكلُ المَيتَةَ، أو يَذْبَحُ بالسِّنِّ والظفْرِ، فحُكْمُ ثِيابِهم حُكْمُ ثيابِ أهلِ الذِّمَّةِ، عملًا بالأصلِ، وأمَّا أوانِيهِم، فقال أبو الخَطَّاب: حُكْمُها حكمُ أوانِي أهلِ الكتابِ، يُباحُ اسْتِعْمالُها ما لم يَتَحَقَّقْ نَجاسَتَها. وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ. متَّفَق عليه (٢). ولأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ.

стр. 147

وَعَنْهُ، أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ، لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتهِمْ إلا بَعْدَ غَسْلِهِ، وَلَا يُؤكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إلا الْفاكِهَةُ وَنَحْوُهَا. ــ وقال القاضي: هي نَجسَةٌ، لا يُسْتَعْمَل ما اسْتَعْمَلُوه منها إلَّا بعدَ غَسْلِه؛ لحديثِ أبي ثَعْلَبَةَ، ولأَنَّ أوانِيَهم لا تَخْلُو مِن أطْعِمَتِهِم، وذَبائِحُهُم مَيتَةٌ، فتَتَنَجَّسُ بها. وهذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال في المَجُوسِ: لا يُؤكَلُ مِن طَعامِهِم إلَّا الفَاكِهَةُ؛ لأنَّ الظاهِرَ نجاسةُ آنِيتهم المستعْمَلَةِ في أطْعِمَتِهم. ومتى شَكَّ في الإِناءِ، هل اسْتَعمَلُوه، أم لا؟ فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ الأصْلَ طهارتُه، ولا نعلم خلافًا بينَ أهلِ العلمِ في إباحَةِ لُبْس الثوبِ الذي نَسَجَه الكُفَّارُ، فإنّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه إنَّما كان لِبَاسُهُم مِن نَسْجِ الكُفَّارِ، إلَّا أنَّ ابنَ أبي موسى ذكَر في «الإِرْشادِ» في وُجوبِ غَسْلِها قبلَ لُبْسِها رِوايَتَين؛ إحداهما، لا يَجِبُ، وهو الصحيحُ؛ لما ذكرْنا. والثانية، يَجِبُ؛ لتَيَقُّنِ (١) الطَّهارةِ. فأمَّا ثِيابُهم التي يَلْبَسُونها، فأباحَ الصلاةَ فيها الثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأيِ. وقال مالِكٌ في ثوبِ الكافرِ: إن صَلَّى فيه يُعيدُ، ما دامَ في الوقتِ. ولَنا، أنَّ الأصلَ الطهارةُ، ولم يَترَجَّحِ التنجِيس فيه، أشْبَهَ ما نَسَجَه الكُفَّارُ (٢).

стр. 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وتُباحُ الصلاةُ في ثيابِ الصِّبيانِ والمُربِّياتِ، وفي ثوبِ المرأةِ الذي تَحِيضُ فيه إذا لم تَتحَقَّقْ نَجاسَتَه، وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأي؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى وهو حامِل أُمامَةَ بنتَ أبي العاص بنِ الرَّبِيع. مُتَّفَقٌ عليه (١). وكان النبيُّ ﷺ يُصَلِّي، فإذا سَجَد وَثب الحَسنُ على ظَهْرِه (٢). قال أصحابُنا: والتَّوَقِّي لذلك أوْلَى، لاحْتِمالِ النجاسةِ فيه. وقد روَى أبو داودَ (٣) عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ لا يُصَلِّي في شُعُرِنا ولُحُفِنا. ولُعابُ الصبيَانِ طاهِر، وقد روَى أبو هُرَيرةَ، قال: رَأيت النبيَّ ﷺ حامِلَ الحُسَينِ بنِ علي على عاتِقِه، ولُعابُه يَسِيلُ عليه (٤).

стр. 149

وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ الْمَيتَةِ بِالدِّبَاغِ، ــ فصل: ولا يَجِبُ غَسْلُ الثوبِ المَصْبُوغِ في حُبِّ الصَّبَاغِ (١)، مُسْلِمًا كان أو كِتابِيًّا، أو كافرًا (٢). نَصَّ عليه أحمدُ، عَمَلًا بالأصلِ، فإن عُلِمَتْ نجاسَتُه طَهُرَ بالغَسْلِ، وإن بَقِيَ اللَّوْنُ، لقَوْلِه، ﵇، في الدَّمِ: «المَاءُ يَكْفِيكِ، وَلا يَضُرُّكِ أثرهُ». رَواه أبو داودَ (٣). فصل: ويُستَحَبُّ تَخْمِيرُ الأوانِي وإيكاءُ الأسْقِيَة؛ لما روَى أبو هُريرَةَ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نُغَطيِّ الإِناءَ، ونُوكِيَ السِّقاءَ (٤). ٣٣ - مسألة، قال: (ولا يَطْهُرُ جِلْدُ المَيتَةِ بالدِّباغِ) هذا هو الصحيحُ مِن المذهبِ، وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالِكٍ، رُوى ذلك عن عُمَرَ وابنه، وعائشةَ، وعِمْرانَ بنِ حُصين، ﵃، لما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُكَيم، أنَّ النبي ﷺ كَتَبَ إلى جُهَينَةَ: «إنِّي كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ المَيتَةِ، فإذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هذَا فَلا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإهَابٍ وَلا

стр. 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَصَبٍ». رَواه أبو داودَ (١). [وليس في رِواية أبي داودَ: «كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكْمُ»] (٢). والإِمامُ أحمدُ (٣)، وقال: إسْنادٌ جَيِّدٌ، يَرْويه يحيى بنُ سعيدٍ، عن شُعْبَةَ، عن الحَكَم، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيلَى عنه. وفي لفظٍ: أتانا كتابُ رسولِ اللهِ ﷺ قبلَ وفاتِه بشَهْرٍ أو شَهْرَينِ (٤). وهو ناسِخٌ لما قبلَه، لأنّه في آخِرِ عُمْرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولفظُه دَالٌّ على سَبْقِ الرُّخْصَةِ، وأنَّه مُتأَخِّرٌ عنه، لقولِه: «كُنْتُ رَخَّصت لَكُمْ». وإنَّما يُؤخَذُ بالآخِرِ مِن أمرِ رسولِ اللهِ ﷺ . فإن قِيل: هذا مُرْسَلٌ، لأنَّه مِن كتابٍ لا يُعْرَفُ حامِلُه. قلنا: كتابُ النبيِّ ﷺ كلَفْظِه، ولذلك لَزِمَتِ

стр. 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحُجَّةُ مَن كَتَب إليه النبيُّ ﷺ ، وحَصَل له البَلاغُ؛ لأنَّه لو لم يَكُنْ حُجَّةً، لم تَلْزَمْهُم الإِجابَةُ، ولكان لهم عُذْرٌ في تَرْكِ الإِجابةِ؛ لِجَهْلِهم بحامِلِ الكتابِ، والأمْرُ بخلافِ ذلك. ورَوَى أبو بكرٍ الشافعيّ، بإسْنادِه، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِشَيْءٍ» (١). وإسْنادُه حسنٌ، ولأنَّه جُزْءٌ مِن المَيتَةِ، فحَرُمَ الانْتِفاعُ به كَسائِرِها، ولقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ (٢).

стр. 152

وَهَل يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي اليابِسَاتِ بَعْدَ الدَّبْغِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ ٣٤ - مسألة؛ قال: (وهل يجوز اسْتِعْمالُه في اليابِسات بعدَ الدَّبْغِ؟ على رِوايَتَينِ) إحْداهما، لا يجوزُ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيم. والثانية، يجوز الانْتِفاعُ بِجِلْدِ ما كان طاهِرًا حال الحَياةِ إذا دُبِغ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وَجَد شَاةً مَيِّتةً أعْطِيَتهَا (١) مَوْلاةٌ لِمَيمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ

стр. 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ : «ألَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ». رواه مسلمٌ (١) ولأنَّ الصَّحابةَ، ﵃، لَمّا فتَحُوا فارِسَ، انْتَفَعُوا بسُرُوجِهم وأسْلِحَتهم، وذبائحُهم مَيتَةٌ، ونَجاسَتُه لا تَمنَعُ الانْتِفاعَ به، كالاصْطِيادِ بالكلبِ، وركوبِ البَغْلِ والحِمارِ.

стр. 154

وَعَنْهُ، يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ، ــ ٣٥ - مسألة؛ قال: (وعنه: يَطهُرُ مِنْها جِلْدُ ما كان طاهِرًا حال الحياةِ) نصَّ أحمد على ذلك، قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما يَطْهُرُ جِلْدُ ما كان مأكُولَ اللَّحْمِ. وهو مذهبُ الأوْزاعِي (١)، وأبي ثَوْرٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه رُويَ أنّ النبيَّ ﷺ قال: «ذَكَاةُ الأدِيمَ دِبَاغُهُ». رواه الإِمامُ

стр. 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحمدُ، وأبو داودَ (١). فَشَبَّهَ الدِّباغَ بالذَّكاةِ، والذَّكاةُ إنّما تَعْمَلُ في مأكولِ اللَّحمِ، ولأنَّه أحدُ المُطَهِّرين للجِلْدِ، فلم يُوثِّرْ في غيرِ مَأكُولٍ كالذَّبْحِ. والأوَّلُ ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لعُمُومِ لفظِه في ذلك، ولأنَّ قولَه ﷺ : «أيُّمَا إِهَابٍ دُبغ فَقَدْ طَهُرَ» (٢). يَتَناوَلُ المَأكُولَ وغيرَه، وخَرَجَ مِنه ما كان نَجِسًا في الحياةِ، لكَوْنِ الدَّبْغ إنَّما يُوثِّرُ في رَفْعِ نجاسةٍ حادِثةٍ بالموتِ، فتَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ العُمُومِ. وحديثُهم يَحْتَمِلُ أنه أرادَ بالذَّكاةِ التَّطْيِيبَ، مِن قَوْلِهم: رائِحة ذَكِيَّةٌ. أي: طيَبة. ويَحتَمِلُ أنه أرادَ بالذَّكاةِ الطهارةَ، فعلى هذَين التأويلَين يكون اللَّفْظُ عامًّا في كلِّ جِلْدٍ، فيَتَناولُ ما اختَلَفْنا فيه، ويَدُلُّ على التَّأويلِ الذي ذكرْنا، أنه لو أرادَ بالذَّكاةِ الذَّبْحَ لأضافَه إلى الحيوانِ كلِّه، لا إلي الجِلْدِ. فصل: فأمَّا جُلُودُ السِّباعِ، فقال القاضي: لا يجوزُ الانْتِفاعُ بها قبلَ الدِّباغِ ولا بعدَه. وبذلك قال الاوزاعِيُّ، وابنُ المُبارَكِ (٣)، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوىَ عن عُمَر وعلي، ﵄، كَراهَة

стр. 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصلاةِ في جُلُودِ الثَّعالِبِ. [وأباحَ الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، وأصحابُ الرَّأي الصلاةَ في جُلُودِ الثَّعالِب؛ لأنَّ الثَّعالبَ تُفْدَى في الإِحْرامِ، فكانت مُباحَةً، ولما ثبَتَ مِنَ الدَّليلِ على طهارة جُلُود المَيتَةِ بالدِّباغِ. وجُلودُ الثَّعالبِ يُبْنَى حُكمُها على حِلِّها، وفيها رِوَايتانِ، فكذلك يُخَرَّجُ في جُلُودها، فإنْ قُلْنا بتَحرِيمها، فحُكمُ جُلُودِها حُكمُ بَقيَّةِ جُلُودِ السِّباعِ، وكذلكَ السَّنانيرُ البَرِّيَّةُ، فأمَّا الأهلِيَّةُ فمُحرَّمَةٌ. وهل تَطْهُرُ جُلودُها بالدِّباغِ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَينِ] (١). ورَخَّص في جلودِ السباعِ جابِرٌ. ورُوى عن ابنِ سِيرِينَ، وعُرْوَةَ (٢)، [أنَّهما رَخَّصا] (٣) في الرُّكوبِ على جُلُودِ النُّمُورِ. ومذهبُ الشّافعيِّ طهارةُ جلودِ الحيواناتِ كلها إلَّا الكلبَ والخِنْزِيرَ؛ لأنّه يَرى طهارَتَها في حالِ الحياةِ، وله في جِلْدِ الآدَمِيِّ وَجْهان. وقال أبو حنيفةَ: يَطْهُرُ كلُّ جلدٍ إلَّا جلدَ الخِنْزِيرِ. وحُكِي عن أبي يوسفَ طهارةُ كلِّ جلدٍ. وهو روايةٌ عن مالكٍ. ومذهبُ مَن حَكَم بطهارةِ جلُودِ (٤) الحيواناتِ كلها؛ لعُمُومِ قوله ﷺ : «أيمَا إِهَابٍ دُبغ فَقَدْ طَهُرَ». مُتَّفَق عليه. ولَنا، ما روَى أبو رَيحانَةَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن ركُوبِ النُّمورِ. رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (٥). وعن

стр. 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُعاويةَ، والمِقْدامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عنْ جُلودِ السِّباعِ (١) والرُّكوبِ عليها. روَاه أبو داودَ، والنَّسائِي (٢). مع [ما ذَكَرْنا من نَهْي النبيِّ] (٣) ﷺ عن الانْتفاعِ بشيءٍ من المَيتَةِ، فجَمعْنا بينَ هذه الأحاديثِ، وبينَ الأحاديثِ الدَّالَّةِ على طهارةِ جُلُودِ المَيتَةِ بحَمْلِها على ما كان طاهِرًا حال الحياةِ، وحَمْلِ الأحاديثِ النَّهْي على ما لم يَكُنْ طاهِرًا، لأنّه متى أمْكَن الجَمْعُ بينَ الأحاديثِ ولو مِن وجه، كان أَوْلَى مِن التَّعارُضِ بينَها، يُحقِّقُ ذلك أنَّ الدَّبْغَ إنّما يُزيلُ النجاسةَ الحادِثةَ بالموتِ، ويَرُدُّ الجلدَ إلى ما كان عليه حال الحياةِ، فإذا كان في الحياةِ نَجِسًا لم يُؤَثِّرْ فيه الدِّباغُ شيئًا، واللهُ أعلمُ. فصل: وإذا قُلْنا بطهارةِ الجِلْدِ بالدِّباغِ، لم يَحِلَّ أكْلُه، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، وحُكِي عن ابنِ حامدٍ أنَّه يَحِلُّ. وهو وجهٌ لأصحابِ الشافعيِّ، لقولِه ﷺ : «ذَكَاةُ الأدِيمَ دِبَاغُهُ». ولأنّه معنًى يفيدُ الطهارةَ في الجِلْدِ، أشْبَهَ الذَّبْحَ. وظاهرُ قولِ الشافعيِّ، أنه إنْ كان مِن حيوانٍ مأْكُول، جازَ أكْلُه، لأنَّ الدِّباغَ بمَنْزِلَةِ الذَّكاةِ، وإلّا لم يَجُزْ؛ لأنَّ

стр. 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذَّكاةَ لا تُبِيحُه، فالدِّباغُ أوْلَى. والأوَّلُ أصحُّ؛ لقَوْلِه : ﴿حُرِّمَت عَلَيكُمُ الْمَيتَة﴾ (١). والجِلْدُ مِنها. ولقولِه ﷺ : «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيتَةِ أكْلُهَا». مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولا يَلزَمُ مِن الطهارةِ إباحَةُ الأكل؛ بدليلِ تحرِيمِ الخبائثِ مِمّا لا يَنْجُسُ بالموتِ، وقِياسُهم لا يُقْبَلُ مع مُعارَضةِ الكتابِ والسُّنَّةِ. فصل: ويجوز بَيعُه، وإجارَتُه، والانْتِفاعُ به في كلِّ ما يُمْكِنُ، سِوَى الأكْلِ، وهو قولُ الشافعيِّ في الجَدِيدِ. ولا يجوز بَيعُه قبلَ الدَّبْغ، لا نَعلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه مُتَّفَقٌ على نجاسَتِه، أشْبَهَ الخِنزِيرَ، ويَفتَقِرُ ما يُدبَغُ به إلى أن يكونَ مُنَشِّفًا للرُّطُوبةِ، مُنَقِّيًا للخَبَثِ، كالشَّبِّ (٣) والقَرَظِ (٤). قال ابنُ عَقِيل: يُشْتَرَطُ أن يكونَ طاهرًا؛ لأنَّها طهارةٌ مِن نجاسةٍ، فلم

стр. 159

وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيرِ الْمَأكُولِ بِالذَّكَاةِ. ــ تَطْهُرْ بِنَجِسٍ، كالاسْتِجْمارِ. وهل يَطْهُرُ الجِلْدُ بمُجَرَّدِ الدَّبْغِ قبلَ غَسله بالماءِ؟ فيه وجهان؛ أحدُهما، لا يَحصُلُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «يُطَهِّرُهَا الماءُ والقَرَظُ». رواه أبو داود (١). ولأنَّ ما يُدبَغُ به نَجُس بمُلاقاةِ الجِلْد، فإذا انْدبغَ الجلدُ بَقِيَتِ الآلة نَجِسَةً، فَتَبْقَى نجاسةُ الجلدِ لملاقَاتِها له، فلا تَزُولُ إلَّا بالغَسْلِ. والثاني، يَطْهُرُ، لقولِه ﷺ : «أيما إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ». ولأنّه طَهُرَ بانْقِلابِه، فلم يَفتَقِر إلي استعمال المِاءِ، كالخَمْرَةِ إذا انْقَلَبَتْ. وروَتْ عائشةُ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «طَهُورُ كُل أَدِيم دِبَاغُه» (٢). قال شيخُنا: والأوَّلُ أَوْلَى، فإنَّ المعنى والخبرَ إنّما يَدُلّانِ على طهارةِ عَينه، وذلك لا يَمنَعُ مِن وُجُوبِ غَسْلِه مِن نجاسةٍ تُلاقِيه، كما لو أصابَتْه نجاسةٌ سِوَى آلةِ الدَّبْغِ، أو أصابَتْه آلةُ الدَّبْغ بعدَ فَصْلِه عنها (٣). ولأصْحابِ الشافعي وجهان كهذَين. فصل: ولا يفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلى فِعْلٍ، فلو وَقَع جلدٌ في مَدْبَغَةٍ فانْدَبَغ، طَهُرَ؛ لأنَّها إزالةُ نجاسةٍ، فهو كالمَطَرِ يُطَهِّرُ الأرضَ النَّجِسَةَ. ٣٦ - مسألة؛ قال: (ولا يَطْهُرُ جِلْدُ غَيرِ المَأْكُولِ بالذَّكاةِ) وهذا

стр. 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قولُ الشافعي. وقال أبو حنيفةَ، ومالِك: يَطْهُرُ، لقولِ النبيِّ ﷺ : «ذَكَاةٌ الأدِيمِ دِبَاغُهُ» (١). شَبَّه الدَّبْغَ بالذَّكاةِ، والدَّبْغُ يُطَهِّرُ الجِلْدَ على ما مَضَى، كذلك الذَّكاةُ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن افْتِراشِ جُلُودِ

стр. 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السِّباع وركوبِ النُّمورِ، وهو عامٌّ في المُذَكَّى وغيرِه. ولأنَّه ذَبْحٌ لا يُبِيحُ اللَّحْمَ، فلم يُطَهِّرِ الجِلْدَ، كذبحِ المَجُوسِيِّ، والخبرُ قد أجَبْنا عنه

стр. 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيما مَضَى. وأما قِياسُ الذّكاةِ على الدَّبغِ فلا يصِحُّ، فإن الدَّبْغَ أقْوى؛ لأنَّه يُزيلُ الخَبَثَ والرُّطُوباتِ كلَّها، ويُطَيِّبُ الجلدَ، على وجهٍ يَتَهَيَّأُ به

стр. 163

وَلَبَنُ الْمَيتَةِ وَإنْفَحَتُهَا نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، ــ للبقاءِ على وجهٍ لا يَتَغَيَّرُ، والذَّكاةُ لا يَحصُلُ بها ذلك، ولا يُسْتَغْنى بها عن الدَّبْغِ، فدَلَّ على أنَّه أقْوَى. ٣٧ - مسألة؛ قال: (وابَنُ المَيتَةِ نَجِسٌ؛ لأنَّه مائِعٌ في وعاءٍ نَجِسٍ فتَنَجَّسَ به، وكذلك إنْفَحَتُها في ظاهِرِ المذهبِ) ؛ لما ذَكَرْنا وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ. ورُوي أنَّها طاهرةٌ، وهو قولُ أبي حنيفةَ،

стр. 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وداودَ؛ لأنَّ الصحابةَ، ﵃، أكَلُوا الجُبْنَ لمّا دَخَلُوا المَدائِنَ (١)، وهو يُعْمَلُ بالإنْفَحَةِ (٢)، وذَبائِحُهم مَيتَةٌ؛ لأنَّهم مَجُوسٌ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه مائِعٌ في وعاءٍ (٣) نَجِسٍ، أشْبَهَ ما لو حُلِبَ في إناءٍ نَجِسٍ. وأمّا المَجُوسُ فقد قِيل: إنَّهم ما كانوا يَذْبَحُون بأنْفُسِهم، وكان جَزّارُوهم اليهودَ والنَّصارَى، ولو لم يُنْقَلْ ذلك عنهم، كان الاحْتِمالُ باقِيًا (٤)، فإنَّه قد كان فيهم اليهودُ والنَّصارَى، والأصلُ الحِلُّ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ، وقد رُوي أنّ الصحابةَ، ﵃، لَمّا قَدِمُوا العراقَ كَسَرُوا جيشًا مِن أهلِ فارِسَ، بعدَ أن وَضَعُوا طَعامَهم ليأكُلُوه، فلما فَرَغَ المُسْلِمون منهم جَلَسُوا فأكَلُوا الطَّعامَ، وهو لا يَخْلُو مِن اللَّحْمِ ظاهرًا، فلو حُكِمَ بنجاسَةِ ما ذُبِحَ في بلدِهم لَما أكَلُوا مِن لَحْمِهم، وإذا حَكَمْنا بطهارةِ اللحمِ، فالجُبنُ أوْلَى، وعلى هذا لو دخلَ الإنسانُ أرضًا فيها مَجُوسٌ وأهلُ كتابٍ، كان له أكْلُ جُبْنِهم ولَحْمِهم؛ لما ذكرْنا.

стр. 165

وَعَظْمُهَا وَقَرْنُهَا وَظُفْرُهَا نَجِسٌ، ــ فصل: وإن ماتَتِ الدَّجاجَةُ، وفيها بَيضَةٌ قد صَلُبَ قِشْرُها، فهي طاهِرَةٌ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وبعضِ الشّافِعِيَّة، وابنِ المُنْذِرِ. وكَرِهَها عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عُمَرَ، ومالكٌ، واللَّيثُ (١)، وبعضُ الشافعيةِ؛ لأنَّها جُزءٌ مِن المَيتَةِ. ولَنا، أنَّها بيضةٌ صُلْبَةُ القِشْرَةِ، مُنْفَصِلَةٌ عن المَيتَةِ، أشْبَهَتِ الوَلَدَ إذا خَرَج حيًّا مِن المَيتَةِ، وكَراهِيَةُ الصحابةِ مَحْمُولَةٌ على التَّنْزِيهِ، اسْتِقْذارًا لها. وإن لم تَكْمُلِ البَيضَةُ، فقال بعضُ أصحابِنا: ما كان قِشْرُها أبْيَضَ فهو طاهِرٌ، وما لم يَبْيَضَّ فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه ليس عليه حائِلٌ حَصِينٌ. واختارَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّها لا تَتَنَجَّسُ؛ لأنَّ البَيضَةَ عليها غاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ، كالجلْدِ، وهو القِشْرُ قبلَ أن يَقْوَى، فلا يَتَنَجَّسُ منها إلَّا ما لَاقَى النجاسةَ، كالسَّمْنِ الجامِدِ إذا ماتتْ فيه فأْرةٌ، إلَّا أنَّ هذه تَطْهُر إذا غُسِلتْ؛ لأنَّ لها مِن القُوَّةِ ما يَمْنَعُ دُخولَ أجْزاءِ النجاسةِ فيها، بخلافِ السَّمْنِ. واللهُ أعلمُ. ٣٨ - مسألة؛ قال: (وعَظْمُها وقَرْنُها وظُفرُها نَجِسٌ) عِظامُ المَيتَةِ النَّجِسَةِ نَجِسَةٌ، مأكُولَةَ اللّحْمِ، أو غَيرِها كالفِيَلَةِ، لا تَطْهُرُ

стр. 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِحالٍ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ورَخَّص في الانْتِفاعِ بعظامِ الفِيَلَةِ محمدُ بن سِيرِينَ، وابنُ جُرَيجٍ؛ لِما رَوَى أبو داودَ (١) [بإسْنادِه عن ثوْبَانَ] (٢)، أنَّ رسولَ الله ﷺ [قال: «اشْتَرِ] (٣) لفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ (٤) وَسِوَارَينِ مِنْ عَاجٍ». وقال مالكٌ: إنَّ الفِيلَ إنْ ذُكِّيَ فعَظْمُه طاهِرٌ، وإلَّا فهو نَجِسٌ. لأنَّ الفِيلَ مأْكُولٌ عندَه. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: عِظامُ المَيتاتِ طاهِرَة؛ لأنَّ الموت لا يُحِلُّها، فلا تَنْجُسُ به، كالشَّعَرِ. ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾. والعَظْمُ مِن جُمْلَتِها، فيَكُونُ مُحَرَّمًا، والفِيلُ لا يُؤْكَلُ لحمُه، فيكونُ نَجِسًا على كلِّ حالٍ، والدَّلِيلُ على تَحرِيمِه نَهْيُ النبيِّ ﷺ عن كلِّ ذِى نابٍ مِن السِّباعِ. مُتَّفَقٌ عليه (٥)، والفِيلُ أعْظَمُها نابًا. وحديثُ

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثَوْبَانَ، قال الخَطّابِيُّ، عن الأصْمَعِيُّ (١): العاج: الذَّبْلُ (٢). ويقال: هو عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفاةِ البَحْريِّةِ (٣). وقولُهم: إنَّ العِظامَ لا يُحِلُّها الموتُ. مَمْنُوعٌ، لأنَّ الحياةَ تُحِلُّها، وكلُّ ما تُحِلُّه الحياةُ يُحِلُّه الموتُ؛ بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٤). ولأنَّ دليلَ الحياةِ الإحساسُ والأَلَمُ، وهو في العَظْمِ أشَدُّ مِنه في اللَّحمِ، والضِّرْسُ يأْلَمُ، ويَلْحَقُه الضَّرَسُ (٥)، ويُحِسُّ ببَرْدِ الماءِ وحَرارتِه، وما يُحِلُّه الموتُ يَنْجُسُ، والقَرْنُ والظُّفْرُ والحافِرُ كالعَظْمِ؛ إن أُخِذَ مِن مُذَكَّى فهو طاهرٌ، وإن أُخِذ مِن حَيٍّ فهو نَجِسٌ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَا يُقْطعُ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ

стр. 168

وَصُوفُهَا وَشَعَرُهَا وَرِيشُهَا طَاهِرٌ. ــ مَيتَة». رواه التِّرْمِذِيُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وكذلك ما يَتَساقَطُ مِن قُرُونِ الوُعُولِ في حياتِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا طاهرٌ؛ لأنَّه طاهرٌ مُتَّصِلًا مع عَدَمِ الحياةِ فيه، فلم يَنْجُسْ بفَصْلِه مِن الحيوان كالشَّعَرِ. والخَبَرُ أُرِيدَ به ما يُقْطعُ مِن البَهِيمَةِ مِمّا فيه حياةٌ فيَمُوتُ بفَصْلِه، بدليلِ الشَّعَرِ، فأمّا ما لا يَنْجُسُ بالموتِ كالسَّمَكِ، فلا بأْسَ بعِظامِه؛ لأنَّه (٢) لا يَنْجُسُ بالموتِ، فهو كالمُذَكَّى. ٣٩ - مسألة؛ قال: (وصُوفُها وشَعَرُها ورِيشُها طاهِرٌ) يعني: شَعَرَ ما كان طاهرًا في حياتِه وصُوفَه. رُوى ذلك عن الحسنِ، وابنِ

стр. 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سِيرِينَ. وبه قال مالكٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْي. ورُوى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه نَجِسٌ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه يَنْمِي مِن الحيوانِ، فنَجُسَ بمَوْتِه، كأعْضائِه. ولَنا، ما رُوىَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا بَأْسَ بِمَسْكِ (١) الْمَيتَةِ إذَا دُبغَ، وَصُوفِهَا وَشَعَرِهَا إذَا غُسِلَ». رواه الدّارَقُطْنِيُّ (٢)، وقال: لم يأْتِ به إلَّا يوسُفُ بنُ السَّفْرِ، وهو ضَعِيفٌ. ولأنَّه لا تَفتَقِرُ طهارةُ مُنْفَصِلِه إلى ذَكاةِ أصْلِه، فلم يَنْجُسْ بمَوْتِه، كأجْزاءِ السَّمَكِ والجَرادِ. ولأنَّه لا حياةَ فيه، وما لا تُحِلُّه الحياةُ لا يموتُ، والدَّلِيلُ على أنَّه لا حياةَ فيه، أنَّه لو كان فيه حياةٌ لَنَجُسِ بفَصْلِه مِن الحيوانِ، في حالِ حَياتِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فهُوَ مَيِّتٌ». رواه أبو داودَ (٣) بمعناه. وما ذكَرُوه يَنْتقِضُ بالبَيضِ، ويُفارِقُ الأعضاءَ؛ لأنَّ فيها حياةً، ولذلكَ (٤) تَنْجُسُ بفَصْلِها مِن الحيوانِ حال حياتِه، والنُّمُوُّ لا يَدُلُّ على الحياةِ، بدليلِ نُمُوِّ الشَّجَرِ، والرِّيشُ كالشَّعَرِ؛ لأنَّه في مَعْناه، فأمّا أصُولُ الرِّيشِ والشَّعَرِ، إذا نُتِفَ مِن المَيتَةِ وهو رَطْبٌ، فهو نَجِسٌ برُطُوبةِ المَيتَةِ، وهل يَطْهُرُ بالغَسْلِ؟ على

стр. 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَجْهَين؛ أحدُهما، يَطهُرُ كرُءُوسِ الشَّعَرِ إذا تَنَجَّس. والثاني، لا يَطهُرُ؛ لأنَّه جُزْءٌ مِن اللَّحْمِ لم يَكمُلْ شعرًا ولاريشًا. فصل: وشَعَرُ الآدَمِيّ طاهرٌ؛ مُنْفَصِلًا ومُتَّصِلًا، في الحياةِ والموتِ. وقال الشافعيُّ في أحدِ قوْلَيه: يَنْجُسُ بفَصْلِهِ. [ولهم في شَعَرِ النبيِّ ﷺ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، هو نَجِسٌ كعُضْوه] (١). ولَنا، أنَّ النَّبيَّ ﷺ فَرَّق شَعَرَه بينَ أصحابِه، قال أنَسٌ: لَمّا رَمَى رسولُ اللهِ ﷺ ونَحَر نُسُكَه، ناوَلَ الحالِقَ شِقَّه الأيمَنَ، فحَلَقَه، ثم دَعا أبا طَلْحَةَ الأْنصارِيَّ، فأعطاهُ إيَّاهُ، ثم ناوَلَه الشِّقَّ الأيسَرَ، فقال: «احْلِقْ». فحَلَقَه، وأعطاه أبا طَلْحَةَ، فقال: «اقْسِمْهُ بَينَ النَّاسِ». رواه مسلم (٢). ورُوىَ أنَّ مُعاويةَ أوْصَى

стр. 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يُجْعَلَ نَصِيبُه منه في فِيه إذا ماتَ. وكان في قَلَنْسُوَةِ خالدٍ شَعَراتٌ مِن شَعرِ النَّبيِّ ﷺ ، ولو كان نَجِسًا لَما ساغَ ذلك، ولَما فَرَّقَه النبيُّ ﷺ ، وقد عَلِم أنَّهم يأْخُذُونَه يَتَبَرَّكُون به (١)، وما كان طاهرًا مِن النبيِّ ﷺ كان طاهرًا مِمَّن سِواه، كسائِرِه. ولأنَّه شَعَرٌ مُتَّصِلُه طاهرٌ، فكذلك مُنْفَصِلُه، كشعرِ الحيواناتِ الطاهرةِ، وكذلك نَقُولُ في أعْضاءِ الآدَمِيِّ، وإن سَلَّمْنا نجاسَتَها، فإنَّها تَنْجُسُ مِن الحيواناتِ بفَصْلِها في الحياةِ، بخلافِ الشعرِ، فحَصَل الفَرْقُ. فصل: ولا يَجوزُ اسْتِعْمالُ شَعَرِ الآدَمِيِّ وإن كان طاهرًا؛ لحُرْمَتِه لا لنجاسَتِه، ذكرَه ابنُ عَقِيلٍ. فأما الصلاةُ فيه فصَحِيحةٌ.

стр. 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وكلُّ حيوانٍ فحُكمُ شَعَرِه حكمُ بَقِيَّةِ أجْزائِه في النجاسةِ والطهارةِ، لا فَرْقَ بينَ حالةِ الحياةِ والموتِ، إلَّا أنَّ الحيواناتِ التي حَكَمْنا بطَهارتِها لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ، كالهِرِّ وما دونَها، فيها بعدَ الموتِ وَجْهان؛ أحدُهما، نجاسَتُها؛ لأنَّها كانت طاهرةً في الحياةِ، مع وجودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لمُعارِضٍ، وهو عَدَمُ إمكانِ التَّحَرُّزِ عنها، وقد زال ذلك بالموتِ، فَتَنْتَفِي الطهارةُ. والثاني، هي طاهرةٌ. وهو أصَحُّ؛ لأنَّها كانت طاهرةً في الحياةِ، والموتُ لا يقْتَضِي تَنْجِيسَها، فتَبْقَى طاهرةً. وما ذُكِر للوَجْهِ الأوَّلِ لا يَصِحُّ، ولا نُسَلِّمُ وجودَ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ، وإن سَلَّمْناه غيرَ أنَّ الشَّرْعَ ألغاهُ، ولم يَعْتَبِرْه في موضِعٍ، فليس لنا اعتبارُه بالتَّحَكُّمِ. فصل: وهل يَجُوزُ الخَرْزُ بشَعَرِ الخِنْزِيرِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، كَراهَتُه. حُكِي ذلك عن الحسنِ، وابنِ سِيرينَ، وإسحاقَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه استعمالٌ للعَينِ النَّجِسَةِ، ولا يَسلَمُ مِن التَّنْجِيسِ بها، فحَرُمَ الانْتِفاعُ بها، كجِلْدِه. والثانية، يجوزُ الخَرْزُ به. قال: وباللِّيفِ أحَبُّ إلينا. ورَخَّص فيه الحسنُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ،. وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ الحاجةَ

стр. 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَدْعُو إليه. فإذا خَرَز به شيئًا رَطْبًا، أو كانت الشَّعْرَةُ رَطْبَةً نَجُسَ، وَيَطْهُرُ بالغَسْلِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد رُوِيَ عن أحمد، أنَّه لا بأْسَ به. ولَعَلَّه قال ذلك لأنَّه لا يَسلَمُ الناسُ مِنه، وفي تَكْلِيفِ غَسْلِه إتلافُ أموالِ الناسِ. قال شيخُنا: والظَّاهِرُ أنَّ أحمدَ إنَّما عَنَى: لا بأْسَ بالخَرْزِ. فأمّا الطهارةُ فلا بُدَّ مِنها (١).

стр. 174

بَابُ الاسْتِنْجَاءِ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ، وَمِنَ الِّرجْسِ النَّجِسِ، الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ. ــ باب الاستنجاء الاسْتِنْجاءُ اسْتِفْعالٌ، مِن نَجَوْتُ الشَّجرةَ، أي: قَطَعْتُها، فكَأَنَّه قَطَع الأذَى عنه. وقال ابنُ قُتَيبَةَ (١): هو مَأْخُوذٌ مِن النَّجْوَةِ، وهي ما ارْتَفَع مِن الأرضِ؛ لأنَّ مَنْ أرادَ قضاءَ الحاجةِ اسْتَتَر بها. فأمّا الاسْتِجْمارُ: فهو اسْتِفْعالٌ مِن الجِمار، وهي الحِجارَةُ الصِّغارُ؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُها في اسْتِجْمارِه. ٤٠ - مسألة؛ قال، ﵀: (يُسْتَحَبُّ لمَنْ أرادَ دُخُولَ الخَلاءِ، أنْ يقولَ: بِسْمِ اللهِ) لما روَى عليٌّ، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «سَتْرُ مَا بَينَ الجِنِّ وعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الكَنِيفَ أنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ». رواه ابنُ ماجَه والتِّرْمِذِيُّ (٢). ويقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبائِثِ (٣)،

стр. 175

وَلَا يَدْخُلُهُ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ الله تِعَالى، إلا مِنْ ضَرُورَةٍ، ــ ومِن الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ. لما روَى أنَسٌ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا دَخَل الخَلاءَ قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ». مُتَّفَق عليه (١). وعن أبي أُمامَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا يَعْجِزُ أحَدُكم إذا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أنْ يَقُولَ: اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ». رواه ابنُ ماجَه (٢). قال أبو عُبَيدٍ (٣): الخُبْثُ بسُكُون الباءِ: الشَّرُّ. والخُبُثُ، بضَمِّ الخاءِ والباءِ: جَمْعُ خَبِيثٍ. والخَبائِثُ: جمعُ خَبِيثةٍ. استعاذَ مِن ذُكْرانِ الشَّياطينِ وإنَاثِهم (٤). ٤١ - مسألة؛ قال، ﵀: (ولا يَدْخُله بشيءٍ فيه ذِكُر اللهِ

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعالى) لما روَى أنسٌ، قال: كان رسول اللهِ ﷺ إذا دَخَل الخَلاءَ وَضَعَ خاتَمَه. رواه ابن ماجَه، والترمِذِي (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وقِيل: إنَّما كان النبي ﷺ يَضَعُه؛ لأنَّ فيه: «محمدٌ رسولُ اللهِ». فإنِ احْتَفَظ بما معه مِمّا فيه ذِكْر اللهِ، واحْتَرَز عليه مِن السُّقُوطِ، وأدارَ فَصَّ الخاتَمِ إلى كَفِّه، فلا بأسَ. قال أحمدُ: الخاتَمُ إذا كان فيه اسمُ اللهِ يجْعَلُه في باطِنِ كَفِّه، ويَدخُلُ الخَلاءَ. وبه قال إسحاق، ورَخَّص فيه ابنُ المُسَيَّبِ (٢)، والحسن، وابنُ سِيرِينَ. قال أحمدُ في الرجلِ يَدخُلُ الخَلاءَ ومعه الدَّراهِمُ: أرْجُو أن لا يكونَ به بأْسٌ.

стр. 177

وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى في الدُّخُولِ، وَالْيُمْنَى في الْخُرُوجِ، وَلَا يَرْفَع ثوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرْضِ، ــ ٤٢ - مسألة؛ قال: (ويُقَدِّمُ رِجْلَه اليُسْرَى في الدُّخُولِ، واليُمْنَى في الخُرُوجِ) لأنَّ اليُسْرِى للأذَى، واليُمْنَى لِما سِواه. (ولا يَرْفَعُ ثوبَه حتى يَدْنُوَ مِن الأرضِ)؛ لما روَى أبو داود (١) عن النبي ﷺ أنَّه كان إذا أرادَ الحاجَةَ لا يَرْفَعُ ثَوْبَه حتى يَدْنُوَ مِن الأرْضِ. ولأنَّ ذلك أسْتَرُ له.

стр. 178

وَيَعْتَمِدُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ، ــ ٤٣ - مسألة: (ويَعْتَمِدُ على رِجْلِه اليُسْرَى) لِمَا روَى سُراقَةُ بنُ مالِكٍ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَتَوَكَّأ على اليُسْرَى، وأنْ نَنْصِبَ اليُمْنَى. رواه الطَّبرانِيُّ في «المُعْجَمِ» (١). ٤٤ - مسألة؛ قال، ﵀: (ولا يتَكَلَّمُ) لما روَى عبدُ الله بنُ عُمَرَ، قال: مَرَّ بالنبيِّ ﷺ رجل، فسلَّمَ عليه، وهو يَبُولُ، فلم يَرُدَّ عليه. رواه مسلم (٢). ولا يذْكُرُ اللهَ تعالى على حاجَتِه بلِسَانِه. رُوِي كَراهَةُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ. وقال ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ: لا

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بأْسَ به. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ يَرُدَّ السَّلامَ الذي يجِبُ رَدُّه، فذِكْرُ الله أوْلَى. فإن عَطَس حَمِد الله بَقَلْبِه، ولم يَتَكلَّمْ. وقال ابنُ عَقِيل: فيه روايةٌ أخْرَى، أن يَحْمَدَ اللهَ بلِسَانِه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لما ذكرْناه. ورَوَى أبو سعيد الخُدْرِيُّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ قال: «لا يَخْرُجُ الرَّجُلانِ يَضْرِبَانِ الغَائِطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِما يَتَحَدَّثَانِ، فإنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ». رواه أبو داودَ (١)، وابنُ ماجَه (٢).

стр. 180

وَلَا يَلْبَثُ فَوْقَ حَاجَتِهِ، ــ ٤٥ - مسألة؛ قال: (ولا يَلْبَثُ فَوْقَ حاجَتِه) لأنَّه يُقال: إنَّ ذلك يُؤذِي (١) الكَبِدَ، ويأْخُذُ مِنه الباسُورُ.
следующие страницы →