. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى) لما روَى أنسٌ، قال: كان رسول اللهِ ﷺ إذا دَخَل الخَلاءَ وَضَعَ خاتَمَه. رواه ابن ماجَه، والترمِذِي (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وقِيل: إنَّما كان النبي ﷺ يَضَعُه؛ لأنَّ فيه: «محمدٌ رسولُ اللهِ». فإنِ احْتَفَظ بما معه مِمّا فيه ذِكْر اللهِ، واحْتَرَز عليه مِن السُّقُوطِ، وأدارَ فَصَّ الخاتَمِ إلى كَفِّه، فلا بأسَ. قال أحمدُ: الخاتَمُ إذا كان فيه اسمُ اللهِ يجْعَلُه في باطِنِ كَفِّه، ويَدخُلُ الخَلاءَ. وبه قال إسحاق، ورَخَّص فيه ابنُ المُسَيَّبِ (٢)، والحسن، وابنُ سِيرِينَ. قال أحمدُ في الرجلِ يَدخُلُ الخَلاءَ ومعه الدَّراهِمُ: أرْجُو أن لا يكونَ به بأْسٌ.
стр. 177
وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى في الدُّخُولِ، وَالْيُمْنَى في الْخُرُوجِ، وَلَا يَرْفَع ثوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرْضِ،
ــ
٤٢ - مسألة؛ قال: (ويُقَدِّمُ رِجْلَه اليُسْرَى في الدُّخُولِ، واليُمْنَى في الخُرُوجِ) لأنَّ اليُسْرِى للأذَى، واليُمْنَى لِما سِواه. (ولا يَرْفَعُ ثوبَه حتى يَدْنُوَ مِن الأرضِ)؛ لما روَى أبو داود (١) عن النبي ﷺ أنَّه كان إذا أرادَ الحاجَةَ لا يَرْفَعُ ثَوْبَه حتى يَدْنُوَ مِن الأرْضِ. ولأنَّ ذلك أسْتَرُ له.
стр. 178
وَيَعْتَمِدُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ،
ــ
٤٣ - مسألة: (ويَعْتَمِدُ على رِجْلِه اليُسْرَى) لِمَا روَى سُراقَةُ بنُ مالِكٍ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَتَوَكَّأ على اليُسْرَى، وأنْ نَنْصِبَ اليُمْنَى. رواه الطَّبرانِيُّ في «المُعْجَمِ» (١).
٤٤ - مسألة؛ قال، ﵀: (ولا يتَكَلَّمُ) لما روَى عبدُ الله بنُ عُمَرَ، قال: مَرَّ بالنبيِّ ﷺ رجل، فسلَّمَ عليه، وهو يَبُولُ، فلم يَرُدَّ عليه. رواه مسلم (٢). ولا يذْكُرُ اللهَ تعالى على حاجَتِه بلِسَانِه. رُوِي كَراهَةُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ. وقال ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ: لا
стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأْسَ به. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ يَرُدَّ السَّلامَ الذي يجِبُ رَدُّه، فذِكْرُ الله أوْلَى. فإن عَطَس حَمِد الله بَقَلْبِه، ولم يَتَكلَّمْ. وقال ابنُ عَقِيل: فيه روايةٌ أخْرَى، أن يَحْمَدَ اللهَ بلِسَانِه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لما ذكرْناه. ورَوَى أبو سعيد الخُدْرِيُّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ قال: «لا يَخْرُجُ الرَّجُلانِ يَضْرِبَانِ الغَائِطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِما يَتَحَدَّثَانِ، فإنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ». رواه أبو داودَ (١)، وابنُ ماجَه (٢).
وَإذَا خَرَجَ قَال: غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِله الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى، وَعَافَانِي.
ــ
٤٦ - مسألة؛ قال: (فإذا خَرَجَ قال: غفْرَانَكَ، الحَمْدُ لِلّهِ الذي أذْهَبَ عَنِّي الأذَى وعافانِي) لما روتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَج مِن الخَلاءِ قال: «غُفْرَانَكَ». رواه التِّرمِذِيُّ (١)، وقال: حديث حسنٌ. وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِن الخَلاءِ قال: «الحَمْدُ للهِ الَّذى أذْهَبَ عَنِّي الأذَى وَعَافَانِي». رواه ابنُ ماجَه (٢).
فصل: ويُستَحَبُّ أن يُغَطِّيَ رأسَه، لما رَوَت عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا دَخَلَ الخَلاءَ غَطَّى رأْسَه، وإذا أَتى أهْلَه غطى رأْسَه. رواه البَيهَقِيُّ (٣) مِن رواية محمدِ بنِ يُونُسَ الكُدَيمِيِّ، وكان يُتَّهَمُ بوضعِ الحديثِ. ولا بأْسَ أن يبُولَ في الإِناءِ، قالت [أُمَيمَةُ بنتُ رُقَيقَةَ] (٤): كان
стр. 182
وَإنْ كَانَ في الْفَضَاءِ أَبعَدَ، وَاسْتَتَرَ، وَارْتَادَ مَكَانًا رِخْوًا.
ــ
للنبيِّ ﷺ قَدَحٌ مِن عَيدَانٍ (١) يَبُولُ فيه، ويَضَعُه تحتَ السَّرِيرِ. رواه أبو داودَ، والنَّسائِي (٢).
٤٧ - مسألة؛ قال: (وإنْ كان في الفَضاءِ أبْعَدَ) لما روَى جابِرٌ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إِذا أرادَ البَرازَ (٣) انْطَلَقَ حتى لا يَراه أحدٌ. رواه أبو داودَ (٤).
٤٨ - مسألة؛ قال: (واسَتتَرَ وارْتادَ مكانًا رِخْوًا) لما روَى أبو هُرَيرَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ أَتى الغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجدْ إلَّا أن يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْه، فإنَّ الشَّيطانَ يَلْعَبُ بِمَقاعِدِ بَنِي آَدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، ومَنْ لا فَلا حَرَجَ». رواه أبو داودَ (٥). ويَرْتادُ مكانًا رِخوًا؛ لما روَى أبو موسى، قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ ذاتَ يومٍ، فأرادَ أن يَبُولَ، فأتَى دَمَثًا (٦) في أصْلِ جِدارٍ، فبال.، ثم قال: «إذَا أرَادَ
стр. 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدُكمْ أنْ يَبُولَ، فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ». رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (١) مِن رِواية أبي التَّيَّاحِ، عن رجلٍ كان يَصْحَبُ ابنَ عباسٍ، لم يُسَمِّه، عن أبي مُوسى. ولِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عليه البولُ. ويُستَحَبُّ أن يَبولَ قاعِدًا، لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عليه، ولأنّه أسْتَرُ وأحسَنُ. قال بنُ مسعودٍ: مِن الجَفاءِ أن تَبُولَ وأنتَ قائِمٌ. قالت عائشةُ: مَنْ حَدَّثَكُم أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَبُولُ قائِمًا فَلا تُصَدِّقُوه، ما كان يَبُولُ إلَّا قاعِدًا (٢). قال الترمِذِيُّ: هذا أصحُّ شيءٍ في الباب. وقد رُويَتِ الرُّخْصَةُ فيه عن عُمَرَ، وعلى، وابنِ عُمَرَ، وزَيدِ بنِ ثَابتٍ، لما روَى حُذَيفَةُ أنَّ النبيَّ ﷺ أتىَ سُبَاطَةَ قوم، فبال قائِمًا. رواه البُخَارِيُّ، ومسلم (٣). والأوَّلُ أوْلَى؛ لما روَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، قال: رآنِي النبيُّ ﷺ وأنا أبُولُ قائِمًا، فقال: «يا عُمَرُ، لا تَبُلْ قائِمًا». فما بُلْتُ قائمًا بعدُ. رواه ابنُ ماجَه (٤). وعن جابرٍ، قال:
стр. 184
وَلَا يَبُولُ فِىِ شَقٍّ، وَلَا سَرَبٍ، وَلَا طَرِيقٍ، وَلَا ظِلٍّ نَافِعٍ، وَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرةٍ،
ــ
نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يَبُولَ قائمًا. رواه ابنُ ماجَه (١). وأمَّا حديثُ حُذَيفَةَ، فلَعَلَّ النبيَّ ﷺ فَعَلَ ذلك ليُبَيِّنَ الجَوازَ، أو كان في موضِعٍ لا يتمكَّنُ مِن الجلوسِ فيه. وقيل: فعَلَ ذلك لعِلَّةٍ كانت بمَأْبِضِه ليَسْتَشفِىَ به. والمَأْبِضُ ما تحتَ الرُّكبَةِ مِن كل حيوانٍ.
٤٩ - مسألة؛ قال: (ولا يَبُولُ في شَقٍّ، ولا سَرَبٍ، ولا طَرِيقٍ، ولا ظِلٍّ نافِعٍ، ولا تحتَ شجرةٍ مُثْمِرةٍ) البَولُ في هذه المواضِعِ كلِّها مكروهٌ مَنهِيٌّ عنه، ومثلُها موارِدُ الماءِ، لما روَى عبدُ اللهِ بنُ سَرْجِسَ أنّ النبيَّ ﷺ نَهَى أن يُبال في الجُحْرِ. رواه أبو داودَ (٢). قالوا لقَتادَةَ (٣): ما يُكْرَه مِن البولِ في الجُحْرِ؟ قال: كان يُقالُ: إنّها مَساكِنُ الجِنِّ. روَاه الإمامُ أحمدُ (٤). وقد حُكِيَ عن سعدِ بنِ عُبادَة (٥) أنه بال في جُحْرٍ، ثم اسْتَلْقَى مَيِّتًا، فسُمِعَتِ الجِنُّ تَقولُ:
стр. 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَحْنُ قَتَلْنا سَيِّدَ الـ ... ـخَزْرَجِ سَعْدَ بنَ عُبادَهْ
ورَمَيناه بِسَهْمَيـ ... ـنِ فلم نُخْطِ فُؤادَهْ
ولأنَّه لا يَأْمَنُ أن يكُونَ فيه حيوانٌ يَلْسَعُه. وروَى مُعاذٌ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اتَّقُوا المَلاعِنَ الثَّلاثَةَ، البَرَازَ في المَوَارِدِ، وقَارِعَةِ الطرَّيقِ، والظِّلِّ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (١). والبَولُ تحتَ الشَّجرةِ المُثْمِرَةِ يُنَجِّسُ الثَّمَرَةَ، فتُؤْذِي (٢) مَن يأْكُلُها.
فصل: ويُكْرَهُ البَولُ في الماءِ الرّاكِدِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن البولِ في الماءِ الرّاكِدِ. متَّفَقٌ عليه (٣). فأما الجارى فلا يجُوزُ التَّغَوُّطُ فيه؛ لأنَّه
стр. 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُؤذِي مَنْ مَرَّ به، فأمّا البولُ فيه، وهو كثيرٌ، فلا بأْسَ به؛ لأنَّ تَخْصِيصَ النَّهْي بالماءِ الرّاكِدِ دليلٌ على أنَّ الجارِىَ بخِلافِه. ولا يبُولُ في المُغْتَسَلِ؛ لما روَى الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (١)، عن رجل صَحِبَ النبيَّ ﷺ ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يَمْتَشِطَ أحدُنا كلَّ يومٍ، أو يَبُولَ في مُغْتَسَلِه. وقد رُوى أنَّ عامَّةَ الوَسْواسِ منه. رواه أبو داود، وابنُ ماجَه (٢)، وقال (٣): سَمِعتُ عليَّ بنَ محمدٍ (٤)، يقولُ: إنما هذا في الحَفِيرَةِ، فأمّا اليومَ فمُغْتَسَلاتُهُم الجِصُّ والصّارُوج والقِيرُ (٥)، فإذا
стр. 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بال وأرْسَل عليه الماءَ، فلا بأسَ به، وقال الإمامُ أحمدُ: إن صَبَّ عليه الماءَ، وجَرَى في البالُوعَةِ، فلا بأسَ. وقد قِيل: إنَّ البُصاقَ على البولِ يُورِثُ الوَسْواسَ، وإنَّ البَولَ على النّارِ يُورِثُ السُّقْمَ. ويُكْرَه أن يَتوَضَّأ على موضع بَوْلِه، أو يَستَنْجِيَ عليه؛ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ به. وتَوَقِّي ذلك كلِّه أوْلَى.
стр. 188
وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ،
ــ
٥٠ - مسألة؛ قال: (ولا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ، ولا القمرَ) لما فيهما مِن نُورِ اللهِ، وقد رُوى أنَّ معهُما مَلائكَةً، فإنِ استتَر عنهما بشيءٍ، فلا بأْسَ. ولا يَستَقْبِلُ الريحَ؛ لِئلَّا يَتنَجَّسَ بالبولِ.
стр. 189
وَلَا يَجُوزُ أنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ في الْفَضَاء،
ــ
٥١ - مسألة؛ قال: (ولا يجوزُ أن يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ في الفَضاء) وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لما روَى أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذَا أتُيتُمُ الغَائِطَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، ولا تَستدْبِرُوها بِبَوْلٍ ولا غائِطٍ، ولَكِنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا». قال أبو أيُّوبَ: فقَدِمْنا الشّامَ فَوَجَدْنا مَراحِيضَ قد بنييَتْ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فنَنْحَرِفُ عنها، ونَسْتَغْفِرُ اللهَ. مُتَّفق عليه (١). ولم يَقُلْ البُخَارِيُّ: «ببولٍ ولا غائِطٍ». وعن أبي هُريرَةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: «إذَا جَلَسَ أحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلَا يَستقْبِلِ القِبْلَةَ، وَلا
стр. 190
وَفِي اسْتِدْبَارِها فِيهِ، وَاسْتِقْبَالِهَا فِي الْبُنْيَانِ رِوَايَتَانِ.
ــ
يَسْتَدْبِرْهَا». رواه مسلمٌ (١). وقال عُرْوَةُ، وداودُ، ورَبِيعَةُ (٢): يجوزُ اسْتِقْبالُها واسْتِدْبارُها؛ لما روَى جابرٌ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن نَستقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فرأيتُه قبلَ أن يُقْبَضَ بعامٍ يَسْتَقْبِلُها (٣). قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وهذا دليل على النَّسْخِ. ولَنا، أحادِيثُ النَّهْي، وهي صحِيحة، وحديثُ جابرٍ يَحتَمِلُ أنَّه رآه في البُنْيانِ، أو مُستتِرًا بشيءٍ، فلا يَثْبُتُ النَّسْخُ بالاحتمالِ، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على ما ذَكَرْنا، ليكونَ مُوافِقًا لما ذُكِر مِن الأحادِيثِ.
٥٢ - مسألة: (وفي: اسْتِدْبارِها فيه، واسْتِقْبالِها في البُنْيانِ، رِوايَتانِ) وجملةُ ذلك أن اسْتِدْبارَ الكَعْبَةِ بالبَولِ والغائِطِ، فيه ثلاثُ رواياتٍ؛ إحْداها، يجُوزُ في الفَضاءِ والبُنْيانِ جميعًا؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: رَقَيتُ يومًا على بيتِ حَفْصَةَ، فرأيتُ النبي ﷺ على حاجَتِه،
стр. 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُستَدْبِرَ الكَعْبةَ. متَّفَق عليه (١). والثانية، لا يجوزُ ذلك فيهما؛ لحديثِ أبي أيُّوبَ، ولما رَوَى أبو هُرَيرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ : «إذا جَلَسَ أحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِه، فَلا يَسْتقْبِلِ القِبْلَةَ، وَلا يَسْتَدْبِرْهَا». رواه مسلم (٢). والثالثة، يجُوزُ ذلك في البُنْيانِ، ولا يجوزُ في الفَضاءِ، وهو الصَّحيحُ. رُوِي جوازُ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ واسْتِدْبارِها في البُنيانِ عن ابنِ عباسٍ، وابن عمرَ، ﵃. وبه قال مالكٍ، والشافعيُّ، وابن المُنْذِرِ؛ لحديثِ جابرٍ، ولما روَتْ عائشةُ، أن رسولَ اللهِ ﷺ ذُكِر له أنَّ قومًا يَكْرَهُون اسْتِقْبال القِبْلَةِ بفُرُوجِهم، قال رسولُ الله ﷺ : «أوَ قَدْ
стр. 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَعَلُوهَا؟ اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي القِبْلَةَ». رواه أصحابُ السُّنَن (١). قال أبو عبدِ اللهِ: أحْسَنُ ما رُويَ في الرُّخْصَةِ حديثُ عائشةَ؛ فإنَّ كان مُرْسَلًا؛ فإنَّ مَخْرَجه حَسَنٌ. إنَّما سَمّاه أبو عبدِ اللهِ مُرْسَلًا؛ لأنَّ عِراكَ بنَ مالكٍ رواه عن عائشةَ. قال أحمدُ: ولم يَسمَعْ منها. وروَى مَرْوانُ الأصْفَرُ، قال: رأيتُ ابنَ عمرَ أناخَ راحِلَتَه مُستَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثم جَلَسَ يَبُولُ إليها. فقلتُ: أبا عبدِ الرحمنِ، أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى إنَّما نُهِي عن هذا في الفَضَاءِ، أمّا إذا كان بينَك وبينَ القِبْلَةِ شيء يسْتُرُك، فلا بأسَ. رواه أبو داودَ (٢). وهذا تَفسِيرٌ لنَهْي رسُولِ اللهِ ﷺ العامِّ، وفيه جَمْعٌ بينَ الأحاديثِ بحَمْلِ أحاديثِ النَّهْي على الفَضاءِ، وأحاديثِ الرُّخْصَةِ على البُنْيَانِ، فيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إليه. وأمّا اسْتِقْبالُها في البُنيانِ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يجُوزُ؛ لما ذكرْنا. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ. والثانية، لا يجوزُ. وهو قولُ الثّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لعُمُومِ أحاديث النَّهْي. والأوَّلُ أوْلَى.
стр. 193
فَإِذَا فَرَغَ، مَسَحَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ أصْلِ ذَكَرِهِ إلَى رَأسِهِ، ثُمّ يَنْتُرُه ثَلَاثًا،
ــ
٥٣ - مسألة؛ قال: (فإذا فَرَغَ مَسَحَ بيَدِه اليُسرى مِن أصْلِ ذَكَرِه إلى رَأسِه، ثم يَنْتره ثلاثًا) فيَجعَل يَدَه على أصلِ الذكَرِ مِن تحتِ الأنثيَينِ، ثم يَسْلِته إلى رأسِه فيَنْتره (١) ثلاثًا برفق؛ لما روَى يَزْدَاد اليَمانِيُّ، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بَال أحَدكمْ، فَلْيَنْتر ذَكَره ثَلاثَ مَراتٍ». رواه أحمد (٢).
стр. 194
وَلَا يَمَسُّ فَرْجَهُ بِيَمِينهِ، وَلَا يَسْتَجْمِرُ بِهَا، فَإن فَعَلَ اجْزَأهُ،
ــ
٥٤ - مسألة؛ قال: (ولا يَمَسُّ ذَكَرَه بيَمِينه، ولا يَسْتَجْمِرُ بها) لما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لَا يُمْسِكَنَّ أحَدُكمْ ذَكَرَه بِيَمِينهِ وَهُوَ يَبول، وَلا يَتَمَسَّحُ مِنَ الخَلاءِ بِيَمِينهِ». مُتَّفَقٌ عليه (١). فإنَّ
стр. 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان يَستَجْمِرُ مِن غائِطٍ أخَذَ الحَجَرَ بيَسارِه، فمَسَحَ به. وإن كان مِن البَولِ أمْسَكَ ذَكَرَه بشِمالِه، ومَسَحَه على الحَجَرِ، فإنَّ كان الحجرُ صغيرًا، وَضَعَه بينَ عَقِبَيه أو بينَ أصابعِه ومسحَ عليه إن أمكَنَه، وإلَّا أمْسَكَ الحَجَرَ بيمينه ومسحَ بيَسارِه الذَّكَرَ عليه. وقيل: يُمْسِكُ الذَّكَرَ بيمينه ويَمْسَحُه بيَسارِه (١). والأولُ أوْلَى؛ لما ذكرْنا مِن الحديث، ولأنه
стр. 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا أمْسَكَ الحَجَرَ بيمينه، ومَسَحَ بيسارِه، لم يكنْ ماسِحًا بيمينه، ولا ممْسِكًا للذَّكَرِ بها. فإنَّ كان أقْطَعَ اليسرى أو بها مَرَض، اسْتَجْمَر بيمينه للحاجَةِ. فأمّا الاسْتِعانَة بها في الماءِ، فلا يكرَه؛ لأنَّ الحاجةَ داعِيَة إليه، فإنَّ اسْتَجْمَر بيمينه لغيرِ حاجةٍ أجْزأه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وحُكِي عن بعض أهلِ الظّاهِرِ، أنَّه لا يجْزِئه؛ لأنه مَنْهِيٌّ عنه، أشْبَهَ ما لو اسْتَنْجَى
стр. 197
ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ، ثُمَّ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ،
ــ
بالرَّوْثِ والرِّمَّة. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الرَّوْثَ آلةُ الاسْتِجْمارِ المُباشِرَةِ للمَحَلِّ وشَرْطه، فلم يَجُزِ استعمالُ الالةِ المَنْهِيِّ عنها فيه، واليدُ ليستِ المُباشِرَةَ للمَحَلِّ، ولا شَرْطًا فيه، إنَّما يَتَناوَلُ بها الحَجَرَ المُلاقِيَ للمَحَلِّ، فصارَ النَّهْيُ عنها نَهْيَ تَأدِيب لا يَمنَعُ الإِجْزاءَ.
٥٥ - مسألة: (ثم يَتَحَوَّلُ عن موضِعِه؛ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بالخارِجِ مِنه، ثم يَسْتَجْمِرُ، ثم يَستَنْجِي بالماءِ) الجَمْعُ بينَ الحَجَرِ والماءِ أفضَلُ؛ لأنَّ الحجرَ يُزيلُ ما غَلُظ مِن النَّجاسةِ، فلا تُباشِرُها يدُه، والماءُ يُزِيلُ ما بَقِيَ، قال أحمدُ: إن جمَعهما فهو أحَبُّ إليَّ؛ لما رُوى عن عائشةَ، أنَّها قالت للنِّساء: مُرْنَ أزْوَاجَكُنَّ أنْ يُتْبِعُوا الحِجارَةَ الماءَ مِن أثَرِ الغائِطِ والبَوْلِ، فإنِّي أستَحْيِيهِمْ (١)، وإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَفْعَلُه (٢). قال الترمِذِي: هذا حديثٌ صحيحٌ.
стр. 198
وَيجزئه أحَدهما،
ــ
٥٦ - مسألة؛ قال: (ويُجْزِئُه أحَدُهما) في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِيَ عن سعدِ بنِ أبي وَقاص، وابنِ الزُّبَيرِ (١)، أنهما أنكَرا الاسْتِنْجاءَ بالماءِ. قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ: وهل يَفعَلُ ذلك إلَّا النِّساءُ؟ وقال عطاء: غَسْلُ الدُّبُرِ محْدَثٌ. والأول أوْلَى؛ لما روَى أنس، قال:
стр. 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان النبي ﷺ يَدخُلُ الخَلاءَ فأحْمِلُ أنا وغلامٌ نَحْوي إدَاوَةً (١) مِن ماءٍ وعَنَزَةً (٢)، فيَسْتَنْجِي بالماءِ. متَّفَقٌ عليه (٣). ولما ذكرْنا مِن حديثِ عائشةَ. ورَوى أبو هُرَيرَةَ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «نَزَلَتْ هذه الآيَةُ في أهْلِ قُباءَ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٤). قال: كانوا يَسْتَنْجُونَ بالماءِ فَنَزَلَتْ فِيهِم هذه الآيةُ». رواه أبو داودَ (٥). ورُوى عن ابنِ (٦) عمرَ أنّه كان لا يَفْعَلُه، ثم فَعَلَه، وقال لنافِع: إنَّا جَرَّبْناه فوَجَدْناه صالِحًا. ولأنه يُطَهِّرُ النجاسةَ في غيرِ مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ، فجازَ في محَلِّ الاستنجاءِ قِياسًا عليه. فأمّا الاقْتِصارُ على الاسْتِجْمارِ، فهو جائِز بغيرِ خلافٍ بينَ أهلِ العلمِ؛ لما يُذْكَرُ مِن الأخْبارِ، وهو إجْماعُ الصحابةِ، ﵃. ومتى أرادَ الاقْتِصارَ على أحَدِهما فالماءُ أفضَلُ؛ لما روَينا مِن الأحاديثِ، ولأنه يُزِيلُ العينَ والأثَرَ، ويُطَهِّرُ المَحَلَّ، وأبلَغُ في التنظيفِ.
стр. 200
إلا أنْ يَعْدُوَ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ، فَلَا يُجْزِئُ إلا الْمَاءُ.
ــ
٥٧ - مسألة، قال: (إلا أن يَعْدُوَ الخارِجُ موضعَ العَادَةِ، فلا يُجْزِئُ إلا الماءُ) مِثْلُ أنْ ينْتَشِرَ إلى الصَّفْحَتَينِ، أو يَمْتَدَّ في الحَشَفَةِ كثيرًا. وبهذا قال الشَّافعي، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ الاسْتِجْمارَ في المَحَلِّ المُعْتادِ رُخْصَةٌ لأجْلِ المَشَقَّةِ في غَسْلِه، لتَكَرُّرِ النجاسةِ فيه، فما لا يَتكَرَّرُ لا يُجْزِئُ فيه إلَّا الماءُ كَساقِه، ولذلك قال عليٌّ، ﵁: إنَّكُم كُنتُم تَبْعَرُونَ بَعْرًا، وأنتم اليومَ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا، فأتْبِعُوا الماءَ الأحْجارَ (١). فأمّا قولُه، ﵇: «يَكْفِي أحَدَكُمْ ثَلاثةُ أحْجَارٍ» (٢). يُحمَلُ على ما إذا لم يَتجاوَزْ موضعَ العادةِ؛ لما ذكرْنا.
стр. 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والمرأةُ البِكْرُ كالرجلِ؛ لأنَّ عُذْرَتَها تمنعُ انْتِشارَ البَولِ. فأمّا الثَّيِّبُ، فإنَّ خَرَج البَولُ بحِدَّةٍ ولم يَنْتَشِرْ، فكذلك، وإنْ تَعَدَّى إلى مَخْرَجِ الحَيض، فقال أصحابُنا: يجِبُ غَسْلُه؛ لأنَّ مَخرَجَ الحَيض غير مَخْرَجِ البولِ. قال شيخنا: ويَحتَمِلُ أن لا يجبَ؛ لأنَّ هذا عادَةٌ في حقِّها، فكَفَى فيه الاستِجْمارُ، كالمُعْتادِ في غيرِها، ولأنَّ الغَسْلَ لو لَزِمَها لبَينَّهَ النَّبيُّ ﷺ لأزْواجِه؛ لكَوْنِه مِمّا يُحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِه. وإن شَكَّ في انْتِشارِ الخارِجِ لم يجبِ الغَسْلُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه، والأوْلَى الغَسْلُ احْتِياطًا (١).
стр. 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والأقْلَف إن كانت بَشَرَتُه لا تَخْرج مِن قلْفَتِه فهو كالمُخْتَتِنِ، وإن كان يُمْكِنُه كَشفُها كَشَفَها، فإذا بال واسْتَجْمَر أعادَها، وإن تَنَجَّسَتْ بالبَولِ لَزِمَه غَسْلُها، لو انتشر إلى مُعْظَمِ الحَشفَةِ.
стр. 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإنِ انْسَدَّ المَخرَجُ المُعْتادُ وانْفَتَح آخرُ، لم يَجُزْ فيه الاسْتِجْمارُ، وحُكِي عن بعضِ أصحابِنا، أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه صار مُعتادًا. ولَنا، أنَّ هذا نادِرٌ بالنِّسْبَةِ إلى سائرِ الناس، فلم يَثْبُتْ فيه أحكام الفَرْجِ، ولأنَّ لَمْسَه لا يَنقُض الوضوءَ، ولا يَتَعَلَّق بالإيلاجِ فيه شيءٌ مِن أحكامِ الوَطْءِ، أشْبَهَ سائِرَ البَدَنِ.
стр. 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والأوْلَى أن يَبدَأ الرجلُ بالاسْتِنْجاءِ في القُبُلِ؛ لِئَلَّا تَتلَوَّثَ يدُه إذا شَرَع في الدُّبُرِ، لأنَّ قُبُلَه بارِز. فأمّا المرأةُ فهي مُخَيَّرة في البِدايه بأيهما شاءت؛ لعَدَمِ ذلك فيها. وإذا اسْتَنْجَى بالماء ثم فرَغ، استُحِبَّ له دَلْكُ يدِه بالأرض؛ لما روتْ مَيمُونَةُ، أنّ النبيَّ ﷺ فَعَل ذلك. رواه البُخارِيّ (١). ويُسْتَحَبُّ أن يَمْكُثَ قليلًا قبلَ الاستِنْجاءِ، حَتَّى ينْقَطِعَ أثر البَولِ، فإنِ اسْتَنْجَى عَقِيبَ انقِطاعِه جازَ؛ لأنَّ الظاهِرَ انقِطاعُه، وقد
стр. 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قيل: إنَّ الماءَ يَقْطَعُ البولَ، ولذلك سُمِّيَ الاسْتِنْجاءُ انْتِقاصَ (١) الماءِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَنْضَحَ على فَرْجه وسَراويله بعدَ الاسْتِنْجاء، ليُزِيلَ عنه الوَسْواسَ. قال حَنْبَلٌ: سأَلتُ أحمدَ، قلتُ: أتوَضَّأ وأسْتَبْرِيء، وأجدُ في نَفْسِي أني قد أحْدَثْتُ بَعدُ؟ قال: إذا تَوَضَّأتَ فاسْتَبرِئ، ثم خُذْ كَفًّا مِن ماءٍ، فرُشَّه في فَرُجِك لا (٢) تَلْتَفِتْ إليه، فإنَّه يَذْهَبِ إن شاءَ اللهُ. وقد روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقال: يا مُحَمَّدُ، إذا تَوَضَّأتَ فَانتضِحْ». حديث غريبٌ (٣).
стр. 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وَإذا اسْتَنْجَى بالماء لم يَحْتَجْ إلى التُّرابِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ أنَّه استَعْمَلَ الترابَ مع الماءِ في الاسْتِنْجاءِ، ولا أمَرَ به.
стр. 207
وَيَجُوزُ الاسْتِجمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنْقِي؛ كَالْحَجَرِ، وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ،
ــ
٥٨ - مسألة؛ قال: (ويجوزُ الاسْتِجْمارُ بكلِّ طاهرٍ يُنْقِي، كَالحَجَرِ، ونَحْوه الخَشبُ والْخِرَقُ) أمّا الاسْتِجْمارُ بالأحْجارِ، فلا خلافَ فيه، فيما علمنا، وذلك لما رُوى عن النبيِّ ﷺ قال: «إذا ذَهَبَ أحَدُكُم إلى الغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاثةِ أحْجَارٍ، فَإنَّها تُجْزِئ عَنْه». رواه أبو داودَ (١) أ. فأمَّا الاسْتِجْمارُ بما سِواها، كالخَشَبِ والخِرَقِ وما في معناها مِمَّا يُنْقِي، فهو جائِزٌ في الصَّحيحِ مِن المذهب، وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وعنه، لا يُجْزِئُ إلَّا الأحْجارُ. اخْتارَها أَبو بكرٍ، وهو مذهبُ داودَ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بالأحْجارِ، وأمْرُه يَقْتَضِي الوُجُوبَ. ولأنَّه مَوْضِعُ رُخْصَةٍ، وردَ الشرعُ فيها بآلةٍ مَخصُوصَةٍ، فوَجَبَ الاقْتِصارُ عليها، كالترابِ في التَّيَمُّمِ، وقِياسًا على رَمْي الجِمارِ.
стр. 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولَنا، ما روَى طاوُسٌ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «إذا أتى أحَدُكُمُ البَرَازَ، فَلْيُنَزِّه قِبْلَةَ اللهِ، فَلا يَسْتَقْبِلْهَا وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، ولْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أحْجَارٍ، أو ثَلَاثَةِ أَعْوادٍ، أو ثَلَاثِ حَثَياتٍ مِنْ تُرابٍ». رواه الدَّارَقُطْنِي (١)، قال: وقد رُوِيَ عن ابن عباس مرفوعًا، والصحيحُ أنه مُرسَلٌ. وفي حديثِ سَلْمانَ، عن النبيِّ ﷺ : إنَّه لَيَنْهانا أن نَسْتَنْجِيَ بأقلَّ مِن ثَلَاثَةِ أحْجارٍ، وأن نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أو عَظْم. رواه مسلمٌ (٢). وتَخْصِيصُ هذين بالنَّهْي يدُلُّ على أنه أرادَ الحِجَارَةَ وما قام مَقامَها، وَإلَّا لم يكنْ بتَخْصِيصِ هذين بالنَّهْي معنًى. ولأنَّه متى وَرَدَ النَّصُّ بشيءٍ لمعنًى معقول، وَجَب تَعْدِيَتُه إلى ما وُجِدَ فيه المعنى، والمعنى ههُنا إزالةُ عينِ النجاسةِ، وهذا يحصُلُ بغيرِ الأحْجارِ كحُصُولِه بها، فأمّا التَّيَمُّم فإنَّه غيرُ معقول.
فصل: ويُشتَرطُ فيما يُسْتَجْمَرُ به أن يكونَ طاهِرًا، كما ذكر، فإنَّ كان نَجِسًا لم يُجْزِئْه الاسْتِجْمارُ به. وبهذا قال الشَّافعي. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه يُجَفِّفُه كالطاهِرِ. وَلَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ جاء إلى النبيِّ ﷺ بحَجَرَين ورَوْثَةٍ ليَسْتَجْمِرَ بها، فأخذَ الحَجَرَين (٣) وألْقَى الرَّوْثَةَ،
стр. 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال: «هَذَا رِكْسٌ». يعني نَجِسًا. رواه الترمِذِي (١). وهذا تعليل مِن النبيِّ ﷺ يَجِبُ المصيرُ إليه. ولأنَّه إزالةُ نجاسةٍ، فلا تَحْصُلُ بالنجِس كالغَسْلِ. فإنَّ اسْتَجْمَر بنَجِس، احْتَمَل أن لا يُجْزِئَه الاسْتِجْمارُ بعدَه؛ لأنَّها نَجاسة مِن خارجٍ، فلم يَجُز فيها غيرُ الماءِ، كما لو تَنَجَّسَ المَحَلُّ بها ابتداءً، ويَحتَمِلُ أن يُجْزِئَه؛ لأنَّ هذه النجاسةَ تابِعة لنجاسةِ المَحَلِّ، فزالتْ بِزَوالِها. ويُشترطُ أن يكونَ ممَّا يُنْقِي؛ لأنَّ الإِنْقَاءَ شرط في الاسْتِنْجاءِ، فإنَّ كان زَلِجًا، كالزُّجاجِ والفَحْمِ الرِّخْو وشِبْهِهما مِمَّا (٢) لا يُنْقِي أو نَدِيًّا (٣)، لم يَجُز في الاسْتِجْمارِ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به المقصودُ.
стр. 210
إلا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَالهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ.
ــ
٥٩ - مسألة؛ قال: (إلا الرَّوْثَ والعِظامَ والطُّعامَ، وما له حُرمَةٌ، وما يَتَّصِلُ بحَيَوانٍ) وجملةُ ذلك أنه لا يجُوزُ الاسْتِجْمارُ بالرَّوْثِ ولا العِظامِ ولا يُجْزِئُ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبهذا قال الثَّوْرِيّ، والشافعيّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ الاسْتِجْمارُ (١) بهما؛ لأنَّهما يُجَفِّفان النَّجاسةَ، ويُنْقِيان المَحَلَّ، فهما كالحَجَرِ. وأباحَ مالكٌ الاستنْجاءَ بالطَّاهِرِ منهما. ولَنا، ما روَى مسلمٌ (٢)، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلا بالعِظَام؛ فإنَّه زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ». ورَوَى الدَّارَقُطْنِي (٣) أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أنْ يُسْتَنْجَى برَوْثٍ أو عَظْم، وقال: «إنَّهُما لا يُطَهِّرانِ». وقال: إسنادٌ صحيح. ورَوَى أبو داوُد (٤)، عنه ﷺ ، أنه قال لرُوَيفِع. بنِ ثابِتٍ: «أخْبِرِ النَّاسَ، أنه مَنِ اسْتَنْجَى برَجِيع أو عَظْم، فهُوَ بَرِئٌ مِنْ مُحَمَّدٍ». وهذا عام في الطَّاهِرِ مِنْهما وغيرِه، والنَّهْيُ يَقْتَضِي الفَسادَ
стр. 211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعَدَمَ الإجْزاء. وكذلك الطعامُ يَحْرُمُ الاسْتِنْجاءُ به بطريقِ التنبِيهِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّلَ النَّهْيَ عن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ بكَوْنِه زادَ الجِنِّ، فَزادُنا أولَى، لكوْنِه أعْظَمَ حُرْمَةً. فإنَّ قِيل: فقد نَهَى عن الاسْتِجْمارِ باليَمِينِ، كنَهْيِه عن الاستجمارِ بهذينِ، ولم يَمْنَعْ ذلك الإِجْزاءَ. فعنه جوابان؛ أحدُهما، إنّه قد بيَّن في الحديث أنهما لا يُطَهِّران. الثاني، الفرقُ بينَهما، وهو أنَّ النَّهْيَ ههُنا لمعنًى في شَرْطِ الفِعلِ، فمَنَعَ صِحَّتَه، كالنَّهْي عن الوُضوءِ بالماءِ النَّجِس، وثَمَّ لمعنًى في آلةِ الشرط، فلم يَمْنَعْ، كالوُضوءِ مِن إناءٍ مُحَرَّم. وكذلك ما لَهُ حُرْمَةٌ؛ مِثْلُ كُتُبِ الفِقْهِ والحدِيثِ؛ لما فيه مِن هَتْكِ الشَّريعةِ والاسْتِخْفافِ بِحُرْمَتِها، فهو في الحُرْمَةِ أعْظَمُ مِن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، وكذلك ما يَتَّصِلُ بحيوانٍ كعَقِبِه ويَدِه وذَنَبِ البَهِيمةِ وصُوفِها المُتَّصِلِ بها؛ لأنَّ له حُرْمَةً، فهو كالطَّعامِ [وقد يُنَجِّس الغَيرَ] (١).
стр. 212
وَلَا يُجْزِيء أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ، إِمَّا بِحَجَرٍ ذِى شُعَبٍ، أَوْ بِثَلَاثَةٍ.
ــ
٦٠ - مسألة: (ولا يُجْزِئُ أقلُّ مِن ثلاثِ مَسَحاتٍ، إمّا بحَجَر ذي شُعَبٍ أو بثلاثةٍ) أما الاسْتِجْمارُ بثلاثةِ أحْجارٍ، فيُجْزِئ إذا حَصَل بها الإِنْقاءُ، بغيرِ خلافٍ علمْناه، لما ذكرْنا مِن النَّصِّ والإجماعِ. فأمّا الحَجَرُ الذي له ثلاثُ شُعَبٍ، فيُجْزِئ (١) الاسْتِجْمارُ به في ظاهِرِ المذهبِ. وهو اختيارُ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ الشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْر. وعن أحمدَ رواية أخرَى، لا يُجْزِئ أقَلُّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ. وهو قولُ أبي بكرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقوله ﷺ : «لا يَسْتَنْجِ أحَدُكُمْ بدُونِ ثَلاثَةِ أحْجَارٍ». رواه مسلم (٢) و «لا يَكْفِي أحدَكُمْ دُون ثَلاثَةِ أحْجارٍ» (٣). ولأنَّه إذا اسْتَجْمَر بالحَجَرِ تَنَجَّس، فلم يَجُزِ الاسْتِجْمارُ به ثانيًا، كالصَّغِيرِ. ولَنا، أنه اسْتَجْمَرَ ثلاثًا مُنْقِيَةً بما وُجِدَ فيه شُرُوطُ الاسْتِجْمارِ، فأجْزَأه، كما لو فَصَلَه ثلاثةَ أحجارٍ، واسْتَجْمَرَ بها، فإنَّه لا فرقَ بينَهما إلَّا فَصْلُه، ولا أثَرَ لذلك
стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في التَّطهيرِ، والحديثُ يَقْتَضِي ثلاثَ مَسَحاتٍ بحَجَرٍ، كما يُقال: ضَرَبْته ثلاثةَ أسْواطٍ. أي ثلاثَ ضَرَباتٍ بسَوْطٍ، وذلك لأنَّ معناه معقولٌ، ومُرادَه معلومٌ، والحاصلُ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ حاصِلٌ مِن ثلاثِ شُعَبٍ، ومِن مَسْحِه ذَكره في صَخْرَةٍ عَظِيمةٍ، بثَلاثةِ مَواضِعَ مِنها، فلا معنى للجُمُودِ على اللَّفْظِ مع وُجُودِ ما يُساويه. وقولُهم: إنَّ الحَجَرَ يَتَنَجَّس. قُلْنا: إنَّما يَمْسَحُ بالموضع الطاهِرِ، أشْبَهَ ما لو تَنَجَّسَ جانِبُه بغيرِ الاسْتِجْمارِ. ولأنَّه لو اسْتَجْمَرَ به ثلاثة، لحَصَلَ لكلِّ واحدٍ مِنهم مَسْحَةٌ، وقام مَقامَ ثلاثةِ أحْجارٍ، فكذلك إذا اسْتَجْمَرَ به الواحِدُ.
فصل: ولو اسْتَجْمَرَ ثلاثةٌ بثلاثةِ أحْجارٍ، لكلِّ حَجَرٍ ثلاثُ شُعَبٍ، اسْتَجْمَرَ كلُّ واحدٍ بشُعْبَةٍ مِن كُلِّ (١) حَجَرِ، أو اسْتَجْمَرَ بحَجَر ثم غَسَلَه، أو (٢) كَسَر ما تَنَجَّسَ منه، ثم اسْتَجْمَرَ به ثانيًا، ثم فعل ذلك واسْتَجْمَر به ثلاثًا، أجْزأه؛ لحُصُولِ المعنى والإِنْقَاءِ. ويَحْتَمِلُ على قولِ أبي بكرٍ أن لا يُجْزئَه، جُمُودًا على اللَّفْظِ، وهو بعيدٌ. واللهُ أعلمُ.
стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُشْتَرَطُ للاسْتِجْمارِ الإِنْقاءُ، وكمالُ العَدَدِ. ومعنى الإِنْقاء في الاسْتِجْمارِ: إزالةُ عينِ النجاسةِ وبَلَلِها، بحيث [يَرْجِعُ الحَجَرُ] (١) نَقِيًّا، ليس عليه أثر إلَّا شيئًا يَسِيرًا. ومعنى الإِنْقاءِ في الاسْتِنْجاءِ ذَهابُ لُزُوجَةِ النَّجاسَةِ وآثارِها. فإنَّ وُجِدَ الإِنقاءُ، ولم يَكْمُلِ العَدَدُ، لم يُجْزِئ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وقال مالكٌ: يُجْزِئ. وبه قال داوُد؛ لحُصُولِ المقْصُودِ، وهو الإِنْقاءُ، ولقوله ﷺ : «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَن فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ» (٢). ولَنا، قَوْلُ سلْمانَ: لقد نَهانا -يعني النَّبيَّ ﷺ أنْ نَسْتَجْمِرَ بأقَلَّ مِن ثلاثةِ أحْجارٍ (٣). فأمّا قوله: «فَلا حَرَجَ». في حديثهم، يعني في تَرْكِ الوتْرِ، لا في تركِ العَدَدِ؛ لأنَّ المأمُورَ به في الخَبَرِ الوترُ، فيَعُودُ نَفْيُ الحَرجِ إليه.
стр. 215
فَإِنْ لَمْ يُنْقِ بِهَا، زَادَ حَتَّى يُنْقِىَ. وَيَقْطَعُ عَلَى وتْرٍ.
ــ
٦١ - مسألة؛ قال: (فإنَّ لم يُنْقِ بها، زادَ حتَّى يُنْقِىَ) لأنَّ المقصودَ إزالةُ آثارِ النجاسةِ، فإذا لم يُنْقِ لم يَحْصُلْ مقصودُ الاسْتِجْمارِ.
٦٢ - مسألة؛ قال: (ويَقْطعُ على وتْرٍ) لما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ». متَّفَقٌ عليه (١). وهو مُسْتَحَب غيرُ واجبٍ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَل فقد أحْسَنَ، ومَنْ لا فَلا حَرَجَ». رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داوُدَ. فَيَسْتَجْمِرُ (٢) ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو تسعًا، فإنَّ أنقَى بشَفْع أجْزأ؛ لما ذكرنا.
فصل: وكَيفَما حَصَل الإِنْقاءُ في الاسْتِجْمارِ أجْزأ، وذَكَر القاضي أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُمِرَّ الحَجَرَ الأوَّلَ، مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِه اليُمْنَى إلى مُوخَّرِها، ثم يُدِيرَه على اليُسْرَى، حتَّى يَصِلَ به إلى الموضِع الذي بَدَأ مِنه، ثم يُمِرَّ الثانِىَ مِن مُقَدَّمِ صَفْحَتِه اليُسْرَى كذلك، ثُمَّ يُمِرَّ الثالثَ على المَسْرَبَةِ والصَّفْحَتَينِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «أوَلا يَجِدُ أحَدُكُمْ حَجَرَينِ للصفْحَتَينِ، وَحَجَرًا للمَسْرَبةِ». روَاه الدّارَقُطْنِي (٣)، وقال: إسناد حسن. وذكر الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ، وابنُ عَقِيل، أنَّه يَنْبَغِي أن يَعُمَّ المَحَلَّ