الثَّانِى، الْقِصَاصُ، وَسَائِرُ الْحُدُودِ، فَلَا يُقبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ حُرَّانِ.
ــ
يَثْبُتُ بشاهِدَيْن، قِياسًا على سائِرِ الأقَارِيرِ. والثانى، لا يَثْبُتُ إلَّا بأرْبعةٍ؛ لأنَّه مُوجِبٌ لحدِّ الزِّنَى، فأشْبَهَ فِعْلَه.
(الثانى، القِصاصُ، وسائِرُ الحُدودِ، فلا يُقْبَلُ فيه إلا رَجُلانِ حُرَّانِ)
стр. 14667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَّا ما رُوِىَ عن عَطاءٍ وحَمَّادٍ أنَّهما قالا: يُقْبَلُ فيه رَجلٌ وامْرأتان، قِياسًا على الشَّهادةِ في الأمْوالِ. ولَنا، أنَّ هذا ممَّا يُحْتاطُ لدَرْئِه وإسْقاطِه، ولهذا يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولا تَدْعُو الحاجَةُ إلى إثْباتِه، وفى شَهادةِ النِّساءِ شُبْهَةٌ، بدَليلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١). وأنَّ شَهادَتَهُنَّ لا تُقْبَلُ وإنْ كَثُرْنَ، ما لم يكُنْ مَعَهُنَّ رجلٌ، فوجَبَ أن لا تُقْبَلَ شَهادَتُهُنَّ فيه. ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على المالِ؛ لِما ذكَرْنا مِن الفَرْقِ. وبهذا الذى ذكَرْناه قال سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثورٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. واتَّفَقَ هؤلاءِ كلُّهم على أنَّها تَثْبُتُ بشَهادةِ رَجُلَيْنِ ما خلَا الزِّنَى، إلَّا الحسنَ، فإنَّه قال: الشَّهادةُ على القتلِ، كالشَّهادةِ على الزِّنَى، لا يُقْبَلُ فيها إلَّا أرْبَعَةٌ. ورُوِىَ ذلك عن أبي عبدِ اللهِ؛ لأنَّها شَهادةٌ يَثْبُتُ بها القَتْلُ، فلم تَثْبُتْ إلَّا بأرْبعةٍ، كالشّهادةِ على زِنَى المُحْصَنِ. ولَنا، أنَّه أحدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُقْبَلُ فيه اثْنان، كقَطْعِ الطَّرَفِ، وفارَقَ الزِّنَى؛ فإنَّه مُخْتَصٌّ بهذا، وليستِ العِلَّةُ كوْنَه قَتْلًا، بدليلِ وُجوبِ الأرْبعةِ في زِنَى البِكْرِ، ولا قَتْلَ فيه، ولأنَّه انْفَرَدَ بإيجابِه الحدَّ على الرَّامِي به، والشُّهودِ إذا لم تَكْمُلْ شَهادَتُهُم، فلم يَجُزْ أن يَلْحَقَ به ما ليس مثلَه.
стр. 14668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا تُقْبَلُ الشَّهادةُ على القَتْلِ إلَّا مع زَوالِ الشُّبْهَةِ في لَفْظِ الشّاهدِ، نحوَ أن يقولَ: ضَرَبَه فَقَتَله. وقد ذكَرْنا ذلك. فإن كانتِ الشَّهادةُ بالجَرْحِ، فقالا: ضَرَبَه فأوْضحَه. أو: فاتَّضَحَ منه. أو: فوَجَدْناه مُوضَحًا مِن الضَّرْبَةِ. قُبِلَتْ شَهادتُهما. فإن قالا: ضَرَبَه فاتَّضَحَ رَأْسُه. أو: فَوَجَدْناه مُوضَحًا. أو: فأسالَ دمَه. أو: وجَدْنا في رأْسِه مُوضِحَةً. لم يَثْبُتِ الإِيضاحُ؛ لجَوازِ أن يتَّضِحَ عَقِيبَ ضَرْبِه بسَبَبٍ آخَرَ. ولابدَّ مِن تَعْيِينِ (١) المُوضِحَةِ في إيجابِ القِصاصِ؛ لأنَّه إن كان في رَأْسِه مُوضِحَتان، فيَحْتاجان إلى بَيانِ ما شَهِدا به منهما، وإن كانتْ واحدةً، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ قد أوْسَعَها غيرُ المشْهودِ عليه، فيَجِبُ أن يُعَيِّنَها الشّاهِدان، فيقولان: هذه. فإن قالا: أوْضَحَه في مَوْضِعِ كذا مِن رَأْسِه مُوضِحَةً، قَدْرُ مِساحَتِها كذا وكذا. قُبِلَتْ شَهادَتُهما. وإن قالا: لا نعلَمُ قَدْرَها. أو: مَوْضِعَها (٢). لم يُحْكَمْ بالقِصاصِ؛ لأنَّه يتَعَذَّرُ مع الجهَالَةِ، وتَجِبُ دِ يَةُ المُوضِحَةِ؛ لأنَّها لا تَخْتلِفُ باخْتِلافِها. وإن قالا: ضَرَبَ رأْسَه، فأسالَ دَمَه. فهى (٣) بازلَةٌ. وإن قالا: فسالَ دَمُه. لم يَثْبُتْ شئٌ؛ لجَوازِ أنْ يَسِيلَ دَمُه بسبَبٍ آخَرَ. وإن قالا: نَشْهَدُ أنَّه ضَرَبَه، فقَطَعَ يَدَه. ولم يكُنْ أقْطَعَ اليَدَيْن، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، ويَثْبُتُ القِصاصُ؛
стр. 14669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لعَدَمِ الاشْتِباهِ. وإن كان أقْطَعَ اليَدَيْن، ولم يُعَيِّنا المقْطوعَةَ، لم يَجِبْ قِصاصٌ؛ لأنَّهما لم يُعَيِّنا اليَدَ التى يَجِبُ (١) القِصاصُ منها، وتَجِبُ دِيَةُ اليَدِ؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الأيْدِى.
فصل: فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه عَمْدًا، والآخَرُ أنَّه (٢) أقَرَّ بقَتْلِه. ولم يَقُل: عَمْدًا ولا خَطَأً. ثبتَ القتلُ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ قد كَمَلَتْ عليه، ولم تَثْبُتْ صِفتُه، فيُسْألُ (٣) المشْهودُ عليه عن صِفَتِه، فإنْ أنْكَرَ أصْلَ القتلِ، لم يُقْبَلْ إنْكارُه؛ لِقيام البَيِّنَةِ به. وإن أقَرَّ بقَتْلِ العَمْدِ، ثَبَت بإقْرارِه. وإن أَقَرَّ بالخَطَأِ، فأنكَر الوَلِيُّ، فالقَوْلُ قَوْلُ القاتِلِ. وهل يُسْتَحْلَفُ على ذلك؟ يُخَرجُ فيه وجْهانِ. فإن صدَّقَه الوَلِيُّ على الخَطَأِ، ثَبَت عليه. وإن أقَرَّ بقَتْلِ العَمْدِ، وكَذَّبَه الوَلِيُّ، وقال: بل كان خَطَأً. لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لأنَّ الوَلِىَّ لا يَدَّعِيه، وتَجِبُ دِيَةُ الخَطإِ. ولا تَحْمِلُها العاقِلَةُ في هذه المواضِعِ كُلِّها، ولا شيئًا منها، وتكونُ في مالِه؛ لأنَّها لم تثْبُتْ ببَيِّنَةٍ، وفي بَعْضِها القاتِلُ مُقِرٌّ بأنَّها في مالِه دونَ مالِ عاقِلَتِه. وإنْ شَهِدَ أحدُهما أنَّه قتَلَه عَمْدًا، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَتَلَه خَطَأً، [ثَبَت القَتْلُ] (٤)
стр. 14670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دونَ صِفَتِه، ويُطالَبُ بِبَيانِ صِفَتِه على ما ذكرنا؛ لأنَّ الفِعْلَ قد يَعْتَقِدُه أحدُهما خَطَأ، والآخر عَمْدًا، ويكونُ الحُكْمُ؛ لو شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه [عَمْدًا، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه] (١) خَطَأً، أنَّ المشْهودَ عليه يُسْألُ، على ما ذكَرْنا في أوَّلِ الفَصْلِ. فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه قتلَه غُدْوِةً، والآخر أنَّه قتلَه عَشِيَّةً، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَتَلَه بسَيْفٍ، وقال الآخر: قَتَلَه (٢) بِعَصًا. لم تَتِمَّ الشَّهادةُ. ذكرَه القاضى؛ لأنَّ كُلّ واحدٍ منهما يُخالِفُ صاحِبَه ويُكَذِّبُه. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وقال أبو بكر: يثْبُتُ القتلُ؛ لاتِّفاقِهما عليه، واخْتِلافِهما في الصِّفَةِ، فيَثْبُتُ القتلُ, كما لو شَهِد (٣) أحدُهما بقَتْلِ العَمْدِ، والآخر بقَتْلِ الخَطَأ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ القَتْلَ غُدْوةً غيرُ القَتْلِ (٤) عَشِيَّة، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقتَلَ غُدْوَةً ثم يُقتَلَ عَشِما (٥)، ولا أنْ يُقْتَلَ بسَيْفٍ، ثم يُقْتَلَ بِعَصًا، بخِلافِ الخَطَأ والعَمْدِ؛ فإنَّ الفِعْلَ واحدٌ، والخِلافُ في نِيَّته وقَصْدِه، وقد يَخْفَى ذلك على أحَدِهما
стр. 14671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دُونَ الآخَرِ. وإنْ شَهِدَ أحدُهما أَّنه قتلَه، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه، ثَبَت القَتْلُ. نَصَّ عليه أحمدُ. واخْتارَه أبو بكر. واخْتارَ القاضىِ أنَّه لا يثْبُتُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ أحدَهما شَهِدَ بغيرِ ما شَهِدَ به الآخر، فلم تَتَّفِقْ شَهادَتُهما على فِعْل واحِدٍ. ولَنا، أنَّ الذى أقَرَّ به هو القَتْلُ الذى شَهِدَ به الشّاهِدُ، فلا تَنافِىَ بينَهما، فيَثْبُتُ بشهادَتِهما، كما لو شَهِدَ أحدُهما بالقَتْلِ عَمْدًا، وشَهِدَ الآخر بالقَتْلِ خَطَأً، أو كما لو شَهِدَ أحدُهما أنَّ له عليه ألفًا، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ.
فصل: إذا قُتِلَ رَجُل عَمْدًا قَتْلًا يُوجِبُ القِصاصَ، فشَهِدَ أحدُ الوَرَثَةِ على واحدٍ منهم (١) أنَّه عَفَى عن القِصاصِ، سَقَط القَوَدُ، سَواءٌ كان الشَّاهِدُ عَدْلًا أو فاسِقًا؛ لأنَّ شَهادتَه تَضَمَّنَتْ سُقُوطَ حَقِّه مِن القِصاصِ، وقوْلُه مَقْبولٌ في ذلك؛ فإنَّ أحدَ الوَلِيين إذا عَفَا عن حَقِّه، سَقَط القِصاصُ كلُّه. ويُشْبِهُ هذا ما لو كان عبدٌ بينَ شَرِيكَيْن، فشَهِدَ أحَدُهما أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ نَصِيبَه وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ نَصِيبُ الشَّاهِدِ وإن أنْكَرَه الآخر. فإن كان الشّاهِدُ بالعَفْوِ (٢) شَهِدَ بالعَفْوِ عن القِصاصِ والمالِ، لم يَسْقُطِ المالُ؛ لأنَ الشَاهِدَ اعْتَرفَ أنَ نَصِيبَه سَقَط بغيرِ اخْتِيارِه، فأمّا نَصِيبُ المشْهودِ عليه، فإن كان الشّاهِدُ ممَّن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه، فالقَوْلُ قَوْلُ المشْهودِ عليه مع يَمِينه، فإذا حَلَفَ ثَبَتَتْ حِصَّتُه مِن الدِّيَةِ، وإن كان مَقبولَ القَوْلِ، حَلَفَ الجانِى
стр. 14672
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعه، وسَقَط حَقُّ المشْهودِ عليه، ويَحْلِفُ الجانِى أنَّه عَفا عن الدِّيَةِ، ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ العَفْوِ عن القِصاصِ؛ لأنَّه قد سَقَط بشَهادَةِ الشَّاهِدِ، فلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه في اليَمِينِ؛ ولأنه إنَّما يَحْلِفُ على ما يُدعَى عليه، ولا يُدَّعَى عليه غيرُ الديةِ.
فصل: إذا جُرِحَ رَجُل، فشَهِدَ له رَجُلانِ مِن وَرَثَتِه غيرِ الوَالِدين والمَوْلُودِين، وكانتِ الجِراحُ مُنْدَمِلَةً، قُبِلَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما لا يَجُرَّانِ إلى أنْفُسِمهما نَفْعًا، وإنْ كانت غيرَ مُنْدَمِلَةٍ، لم يُحْكَمْ بشَهادَتِهما، وقد ذَكرْناه. وإن شَهِدَ وارثا (١) المَرِيضِ له بمالٍ، ففى قَبُولِ شَهَادَتِهم (٢) وَجْهان؛ أظْهَرُهما، قَبُولُها, كما لو شَهِدَا له وهو صَحِيح. والثانى، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه متى ثَبَت المالُ للمَرِيضِ، تَعلقَ حَقُّ ورَثَتِه به، ولهذا لا يَنْفُذُ تَبَرُّعُه فيه فيما زادَ على الثُّلُثِ. وإن شَهِدَ للمجروحِ بالجرْحِ مَن لا يَرِثُه، لكَوْنِه مَحْجُوبًا، كالأخَوَيْن يَشْهدَانِ لأخِيهِما، وله ابنٌ، سُمِعَتْ شَهادَتُهما، فإن ماتَ ابنُه، نَظرتَ؛ فإن كان الحاكمُ حَكَمَ بشَهادَتِهما، لم يُنْقَضْ حُكْمُه؛ لأنَّ ما يَطْرأُ بعدَ الحُكْمِ بالشَّهادةِ لا يُؤثِّرُ فيها، كالفِسْقِ، وإن كان ذلك قبلَ الحُكْمِ بالشَّهادَةِ، لم يُحْكَمْ بها؛ لأنَّهما صَازا مُسْتَحِقَّيْنِ، فلا يُحْكَمُ بشَهادَتِهما , كما لو فَسَقَ الشّاهِدَان قبلَ الحُكْمِ بشَهادَتِهما. وإن شُهِدَ على رَجُلٍ بالجُرْحِ
стр. 14673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُوجِبِ للدِّيَةِ على العاقِلَةِ، فَشَهِدَ بعْضُ عَاقِلَةِ المشْهُودِ عليه بجَرْحٍ الشُّهُودِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه وإن كان فَقِيرًا؛ لأنَّه قد يكونُ ذا مالٍ وقت العَقْلِ، فيَكُونُ دافِعًا عن نَفْسِه. ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ؛ لأنهما لا يَحْمِلانِ شيئًا مِن الدِّيَةِ. وإن كان الجرْحُ ممَّا لا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، كجِرَاحَةِ العَمْدِ، [أو العبدِ] (١)، سُمِعَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما لا يَدْفَعان عن أنْفُسِهما ضَرَرًا، وإن كان الشَّاهِدان شَهِدَا على إقرارِه بالجُرْحِ، قُبِلَتْ (٢)؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْتِرافَ. وإنْ كانتْ شَهادَتُهما بجُرْحٍ عَقْلُه دونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ خَطَأ، وكانتْ شَهادَتُهما بالجرْحِ قبلَ الانْدِمالِ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها ربَّما صارتْ نفسًا فتَحْمِلُها، وإن كان بعدَه، قُبِلَتْ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ما دونَ ذلك.
فصل: وإذا شَهِدَ رَجُلان على رَجُلَيْن، أنَّهما قَتَلا رَجُلًا، ثم شَهِدَ المشْهُودُ عليهما على الأوَّلَيْن أنَّهما اللَّذانِ قَتَلاه، فصَدَّقَ الوَلِىُّ الأوَّلَيْن، وكَذبَ الآخِرَيْن، وجبَ القتلُ عليهما؛ لأنَّ الوَلِىَّ يُكَذِّبُهما، وهما يَدْفَعانِ بِشَهادَتِهما عن أنْفُسِهما ضَرَرًا. [وإن صَدَّقَ الآخِرَيْن وحدَهما، بطَلَتْ شَهادةُ الجميعِ؛ لأنَّ الأوَّلَين بَطَلَتْ شهادَتُهما لتَكْذِيبِه لهما، ورُجُوعِه عمَّا شَهِدَا له به، والآخِران لا تُقْبَلُ شهادتُهما؛ لأنَّهما عَدُوَّان للأوَّلَين] (٣) ,
стр. 14674
الثّالِثُ، مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِى غَالِبِ الأحْوَالِ، غَيْرُ الْحُدُودِ والْقِصَاصِ؛ كَالطَّلَاقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْوَكَالَةِ فِى غَيْرِ الْمَالِ، وَالوَصِيَّةِ الَيْهِ، وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ. وَعَنْهُ فِى النِّكَاحِ،
ــ
[ولأنهما يَدْفَعان عن أنْفُسِهما ضَرَرًا] (١)، وإنْ صَدَّقَ الجميعَ، بَطَلَتْ شَهادَتُهم أيضًا؛ لأنَّه بتَصْديقِ الأوَّلَيْن مُكَذِّب للآخِرَيْن، وتَصْدِيقُه الآخِرَيْنِ تَكْذِيب للأوَّلَيْن، وهما مُتَّهمان، لِما ذكَرْناه. فإن قيل: فكيف تُتَصَوَّرُ هذه المْسَألةُ، والشَّهادةُ إنَّما تكونُ بعدَ الدَّعْوَى، فكيفَ يُتَصَوَّرُ فَرْضُ تَصْدِيقِهم وتَكْذِيبِهم؛ قُلْنا: يُتَصَوَّرُ أنْ يَشْهَدَا قبلَ الدَّعْوَى، إذا لم يَعْلَمِ الوَلِىُّ مَن قَتَلَه، ولهذا رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِى يَأتِى بشَهَادَتِه قبلَ أنْ يُسْألهَا» (٢). وهذا مَعْنى ذلك.
(الثالثُ، ما ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، غيرُ الحُدودِ والقِصاصِ) كالنكاحِ (والطَّلاقِ) ؤالرَّجْعَة، (والنَّسَبِ) والعِتْقِ (والوَلاء، والوَكالَةِ في غيرِ المالِ، والوصِيَّةِ إليه، وما أشْبَهَ ذلك، فلا يُقْبَلُ فيه إلًّا رَجلانِ. وعنه في الرَّجْعَةِ،
قَالَ أحمَدُ فِى الرَّجُلِ يُوَكِّلُ وَكِيلًا، وَيُشْهدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلًا وَامْرَأتيْنِ: إِنْ كَانَتْ فِى الْمُطَالَبَةِ بِدَيْن، فَأما غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا.
ــ
ذلك، أنَّ ما ليس بعُقُوبَةٍ، ولا يُقْصدُ به المالُ، كالنِّكاحِ، والرَّجْعَةِ، والطَّلاقِ، والعَتاقِ، والِإيلاءِ، والظِّهارِ، والنَّسبِ، والتَّوْكيلِ، والوَصِيَّةِ إليه، والوَلاءِ، والكِتابَةِ، وأشْباهِ هذا، فقال القاضى: المُعَوَّلُ عليه في المذهبِ، أنَّ هذا لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن ذَكَرَيْن، ولا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ بحالٍ. وقد نَصَّ أحمدُ في رِوايةِ الجماعةِ، على أنَّه لا تجوزُ شَهادةُ النِّساءِ في النِّكاحِ والطَّلاقِ. وقد نُقِلَ عن أحمدَ في الوَكالَةِ (إن كانتْ بمُطالَبَةِ دَيْنٍ) يعنى تُقْبَلُ فيه (١) شَهادةُ رجلٍ وامرأتَيْن (فأمَّا غيرُ ذلك فلا) ووَجْهُ ذلك أنَّ الوَكالَةَ في اقْتِضاءِ الدَّيْنِ يُقْصَدُ منها المالُ، فيُقْبَلُ فيها شَهادةُ رَجلٍ وامْرأتَيْن، كالحَوالَةِ. قال القاضى: فيُخَرَّجُ مِن هذا
стр. 14677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن النِّكاحَ وحُقوقَه، من الرَّجْعَةِ وشِبْهِها، لا تُقْبَلُ فيها شَهادةُ النِّساءِ، روايةً واحدةً، وما عَداه يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن. وقال أبو الخَطَّابِ: في النِّكاحِ والعَتاقِ أيضًا رِوَايتان؛ إحْداهما، لا تُقْبَلُ فيه إلَّا شَهادةُ رجُلَيْنِ. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، وأهلِ المدينةِ، والشافعىِّ. وبه قال سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ورَبِيعَةُ، في الطَّلاقِ. والثانيةُ، تُقْبَلُ فيه شَهادةُ رَجُل وامْرأتَيْن. رُوِىَ ذلك عن جابرِ بنَ زيدٍ، وإياسَ بنِ مُعاوِيةَ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأىِ. ورُوِىَ ذلك في النِّكاحِ عن عَطاء. واحْتَجُّوا بأنه لا يَسْقُطُ بالشبْهَةِ، فيَثْبُت برَجُل وامْرأتَيْن، كالمالِ. ولَنا، أنَّه ليس بمال، ولا يُقْصَدُ منه (١) المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فلم يكُنْ للنساء في شَهادَتِه مَدْخَل، كالحُدودِ والقِصاصِ. وما ذكَرُوه لا يَصِح، فإنًّ الشبْهَةَ لا مَدْخَلَ لها في النِّكاحِ، وإنْ تُصُوِّرَ بأن تكونَ المرأةُ مُرْتابَة بالحَمْلِ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ.
стр. 14678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وقد نُقِلَ عن أحمدَ، في الإعْسارِ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا بثلائةٍ؛ لحديثِ قَبِيصَةَ بنِ المُخارِقِ، وفيه: «حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَة مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِه، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ» (١). قال أحمدُ: هكذا جاءَ الحديثُ. فظاهِرُ هذا أنَّه أخَذَ به. ورُوِىَ عنه، لا يُقْبَلُ أَّنه وَصَّى، حتى يَشْهَدَ له رَجُلانِ أو رجُل عَدْلٌ. فظاهِرُ هذا أَّنه [يُقْبَلُ في الوصِيَّةِ شهادةُ رجل واحدٍ. وقال في الرجلِ يُوَصِّى ولا يحضُرُه إلا النِّساءُ، قال: أجِيزُ شَهادةَ النساءِ. فظاهِرُ هذا أنَّه] (٢) أثْبَتَ الوَصِيَّةَ بشَهادةِ النِّساءِ على الانْفِرادِ، إذا لم يحْضُرْه الرجالُ. قال القاضى: المذهبُ في هذا كلِّه لا يثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، وحَدِيثُ قَبِيصَةَ في حِلِّ المسْألةِ، لا في الإعْسارِ.
стр. 14679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يَثْبُتُ شئٌ ممَّا ذكَرْنا بشاهِدٍ ويَمِينِ المُدَّعِى؛ لأنَّه إذا لم يثْبُتْ بشَهادَةِ رجُل وامرأتَيْن، [فلَأن لا] (١) يثْبُتَ بشاهِدٍ واحدٍ ويَمِين أوْلَى. قال أحمدُ، ومالكٌ، في الشاهدِ واليَمِينِ: إنَّما يكونُ ذلك في الأمْوالِ خاصَّةً، لا يَقَعُ في حَدٍّ، ولا نِكاحٍ، ولا طَلَاق، ولا عَتَاقٍ، ولا سَرِقَةٍ، ولا قَتل. وعن أحمدَ في العِتْقِ أنه (٢) يَثْبُت بشاهِدٍ ويَمِينِ العَبْدِ. ذكَرَه الخِرَقِىُّ، فقال: إذا ادَّعى العَبْدُ (٢) أنَّ سَيِّدَه أعْتَقَه، وأتَى بشاهدٍ، حَلَفَ مع شاهِدِه، وصارَ حُرًّا، ونَصَّ عليه أحمدُ. وقال في الشَّريكَيْن في عبدٍ، ادَّعَى كُلُّ واحدٍ منهما أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ حقَّه منه، وكانا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ: فللعَبْدِ أنْ يَحْلِفَ مع كُلِّ واحدٍ منهما ويَصِيرَ حُرا، أو يَحْلِفَ مع أحَدِهما ويَصِيرَ نِصْفُه حُرًّا. فيُخَرَّجُ مثلُ هذا في الكِتابَةِ،
стр. 14680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والوَلاءِ، والوَصِيّةِ، والوَدِيعَةِ، والوَكالَةِ، فيكونُ في الجَميِعِ رِوايتان، ما خَلا العُقُوباتِ البَدَنِيَّةَ، والنِّكاحَ وحقوقَه، فإنَّها لا تثْبُت بشَاهدٍ ويَمِين، قَوْلًا واحدًا. قال القاضى: المَعْمُولُ عليه في جَمِيعِ ما ذكَرْناه، أنّه لا يثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْن. وهو قولُ الشافعىِّ. وقد رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (١) بإسْنادِه عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ ﷺ قال: «اسْتَشَرْتُ جِبْرِيلَ فِى القَضَاءِ بالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فأشَارَ عَلَىّ فِى الأمْوَالِ، لَا تَعْدُو ذَلِكَ» وقال عمرُو بنُ دِينار، عن ابنِ عباس، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قَضَى بالشّاهِدِ واليَمِينِ؟ قال: نعم في الأمْوالِ. وتَفْسِيرُ الرَّاوِى أوْلَى مِن تَفْسِيرِ غيرِه. رَواه الإمامُ أحمدُ، وغيرُه (٢)، بإسنادِه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجملةُ ذلك، أنّ المالَ؛ كالقَرْضِ، [والغَصْبِ] (١)، والرُّهونِ، والدُّيونِ كلِّها، وما يُقْصَدُ به المالُ؛ كالبَيْعِ، والوَقْفِ، والِإجارَةِ، والهِبَةِ، والصُّلْحِ، والمُساقَاةِ، والمُضارَبَةِ، والشَّرِكَةِ، والوَصِيَّةِ له، والجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمال، كالخَطَأ وعَمْدِ الخَطَأَ، والعَمْدِ المُوجب للمالِ دونَ القِصاصِ، كالجائِفَةِ وما دونَ المُوضِحَةِ مِن الشِّجاجِ، يَثْبُتُ بشَهادَةِ رجل وامْرأتَيْن. وقال أبو بكر: لا تثْبُتُ الجِنايَةُ في البَدَنِ بشَهادةِ رجل وامرأتَيْن؛ لأنَّها جِنايَة، فأشْبَهَتْ ما يُوجب القِصاصَ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ مُوجَبَها المالُ، فأشْبَهَتِ البَيْعَ، وفارَقَ ما يُوجب القِصاصَ؛ لأنَّ القِصاصَ لا تُقْبَلُ فيه شهادةُ النِّساءِ، فكذلك (٢) ما يُوجِبُه. والمالُ يَثْبُتُ بشَهادَةِ النِّساءِ، فكذلك ما يُوجِبُه. ولا خِلافَ في أنَّ المالَ يَثْبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ مع الرِّجالِ، وقد نَصَّ الله تعالى على ذلك في كتابِه العزيزِ بقولِه سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٣). وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على
стр. 14683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القَوْلِ به.
فصل: وأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ ثُبُوتَ المالِ لمُدَّعِيه بشاهِدٍ ويَمِينٍ. رُوِىَ ذلك عن أبى بكر، [وعمرَ] (١)، وعثمانَ (٢)، وعلىٍّ (٣)، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال الفُقَهاءُ السَّبْعَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وشُرَيْح، والحسنُ، وإياسٌ، وعبدُ الله بنُ عُتْبَةَ، وأبو سَلَمةَ ابنُ عبدِ الرحمنِ، ويحيى بنُ يَعْمُرَ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، وابنُ أبى ليلَى، وأبو الزِّنادِ، والشافعىُّ. وقال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأىِ، والأوْزاعِىُّ: لا يُقْضَى بشاهدٍ ويَمِين. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: مَن قَضَى بالشّاهدِ واليَمِينِ، نَقَضْتُ حُكْمَه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾. فمَن زادَ في ذلك، فقد زادَ في النَّصِّ، والزِّيادةُ في النَّصِّ نَسْخٌ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى، والْيمينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» (٤). فحصَرَ اليَمِينَ في جانِبِ المُدَّعَى عليه, كما حصَرَ البَيِّنَةَ في جانِبِ المُدَّعِى. ولَنا، ما رَوَى سُهَيْلٌ، عن أبيه،
стр. 14684
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ الله عنه، قال: قَضَى رسولُ الله ﷺ باليَمِينِ مع الشَّاهِدِ الواحدِ. رواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، في «سُنَنِه»، والأئِمَّةُ مِن أهلِ السُّنَنِ والمَسانِيدِ (١)، قال الترْمِذِىُّ: هذا حديث غريبٌ، وفى البابِ عن على، وابنِ عبَّاس، وجابر. وقال النَّسَائِىُّ (٢): إسْنادُ ابنِ عبَّاس في اليَمِينِ مع الشّاهِدِ إسْنادٌ جَيِّدٌ. ولأنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ في مَن ظَهَرَ صِدْقُه، وقَوِىَ جانِبُه، ولذلك شُرِعَتْ في حَقِّ صاحِبِ اليَدِ لقُوَّةِ جَنَبَتِه بها، وفى حَقِّ المُنْكِرِ لِقُوَّةِ جَنَبَتِه، فإنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمتِهْ، والمُدَّعِى ههُنا قد ظَهَر صِدْقُه، فوَجَبَ أن تُشْرَعَ اليَمِينُ في حَقِّه. ولا حُجَّةَ لهم في الآيةِ؛ لأنَّها
стр. 14685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَلَّتْ على مَشْرُوعِيَّةِ الشَّاهِدَيْنِ (١)، [والشَّاهِدِ] (٢) والمرْأتَيْن، ولا نِزَاعَ في هذا. وقوْلُهم: إنَّ الزِّيادةَ في النَّصِّ نَسْخ. غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ النَّسْخَ الرَّفْعُ والِإزَالَةُ، والزِّيادَةُ في الشئِ تَقْرِير له، لا رَفْعٌ، والحُكْمُ بالشّاهِدِ واليَمِينِ لا يَمْنَعُ الحُكْمَ بالشّاهِدَيْن، ولا يَرْفَعُه، ولأنَّ الزِّيادَةَ لو كانت مُتَّصلَةً بالمَزِيدِ عليه لم ترفَعْه، ولم تكُنْ نسْخًا، فكذلك إذا انْفَصَلَتْ عنه، ولأنَّ الآيةَ وارِدَة في التَّحَمُّل دُونَ الأداءِ، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٣). والنِّزاعُ في الأداءِ، وحدِيثُهم ضَعِيفٌ، وليس هو للحَصْرِ، بدَليلِ أنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ في حَقِّ المُودَعِ إذا ادَّعَى رَدَّ الوَدِيعَةِ وتَلَفَها، وفى حَقِّ الأمَناءِ لظُهورِ
стр. 14686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جانِبِهم (١)، وفى حَقِّ المُلاعِنِ، وفى القَسامَةِ، وتُشْرَعُ (٢) في حَقِّ البائع والمُشْتَرِى إذا اخْتَلَفا في الثَّمَنِ والسِّلْعَةُ قائِمَة. وقولُ محمدٍ في نَقْضِ قَضاءِ مَن قَضَى بالشّاهدِ واليَمِينِ، يَتضمَّنُ القَوْلَ بنَقْضِ قَضاءِ رسُولِ الله ﷺ ، والخُلَفاء الذين قَضَوْا به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). والقضاءُ بما قَضَى به رسولُ الله ﷺ محمدُ بنُ عبدِ الله، أوْلَى مِن قَضاءِ محمدِ بنِ الحسنِ المُخالِفِ له.
стр. 14687
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قال القاضى: يجوزُ أن يَحْلِفَ على ما لا تجوزُ الشَّهادةُ عليه، مثلَ أنْ يَجِدَ بخَطِّه دَيْنًا له على إنْسانٍ، وهو يَعْرِفُ أنَّه لا يَكْتُبُ إلَّا حقَّا، ولم يَذْكُرْه، أو يَجِدَ في رُوزْمانِجِ (١) أبيه بخطِّه دَيْنًا له على إنْسانٍ، ويَعْرِفُ مِن أبيه الأمانةَ، وأنَّه لا يَكْتُبُ إلا حقَّا، فله أن يحْلِفَ عليه، ولا يجوزُ أن يَشْهَدَ به، ولو أخبرَه بحَقِّ (٢) أبِيه ثِقَة، فسكَنَ إليه، جازَ أن يَخلِفَ عليه، ولم يَجُزْ له (٣) أن يَشْهَدَ به. وبهذا قال الشافعىُّ. والفَرْقُ بينَ اليَمِينِ والشَّهادةِ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ الشَّهادةَ لغيرِه، فيَحْتَمِلُ أنَّ مَن له الشَّهادةُ قد زَوَّرَ على خَطِّه، ولا يَحْتَمِلُ هذا فيما يَحْلِفُ عليه؛ لأنَّ الحقَّ إنَّما هو للحالفِ، فلا يُزَوِّرُ أحدٌ عليه. الثانى، أنَّ ما يَكْتُبُه الإنسانُ مِن حُقُوقِه يَكْثُرُ فيَنْسَى بعضَه، بخِلافِ الشَّهادةِ. والأوْلَى التَّوَرُّعُ عن ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.
стр. 14688
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وكلُّ مَوْضِع قُبِلَ فيه الشّاهِدُ واليَمِينُ، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المُدَّعِى مُسْلِمًا أو كافِرًا، عَدْلًا أو فاسِقًا، رَجُلًا أو امرأةً. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ مَن شُرِعَتْ في حَقِّه اليَمِينُ لا يَخْتَلِف حُكْمُه باخْتِلافِ هذه الأوْصافِ، كالمُنْكِرِ إذا لم تكُنْ بينةٌ.
فصل: قال أحمدُ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن يُقْضَى باليمِينِ مع الشّاهدِ الواحدِ، فإنْ أبى أن يَحْلِفَ، اسْتُحْلِفَ المَطْلوبُ. وهذا قول مالكٍ، والشافعىِّ. ويُرْوَى عن أحمدُ: فإن أبى المطْلوبُ أن يَحْلِفَ، ثَبَتَ الحقُّ عليه.
стр. 14689
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا تُقْبَلُ شَهادةُ امرأتَيْن ويَمِينُ المُدَّعِى. وبه قال الشافعى. وقال مالكٌ: يُقْبَلُ ذلك في الأمْوالِ؛ لأنَّهما في الأمْوالِ أُقِيمَتَا مُقامَ الرَّجلِ، فحُلِفَ معهما, كما يُحْلَفُ مع الرَّجلِ. ويَحْتَمِلُ لَنا مثلُ ذلك. ولَنا، أنَّ البَينةَ على المالِ إذا خَلَت (١) مِن رَجُل لم تُقْبَلْ, كما لو شَهِدَ أرْبَعُ نِسْوةٍ، وما ذكَرُوه يَبْطُلُ بهذه الصُّورةِ، فإنَّهما لو اقِيمَتا مُقامَ رجلٍ مِن كلِّ وَجْهٍ، لَكفَى أربعُ نِسْوةٍ مقامَ رَجليْن، ولَقُبِلَ في غيرِ الأمْوالِ شَهادةُ رجل وامرأتَيْن؛ لأنَّ شَهادةَ المرأتَيْن ضَعيفة، تَقَوَّتْ بالرَّجُلِ، واليَمِينُ ضَعِيفة، فيُضَمُّ ضعيفٌ إلى ضعيفٍ، فلا يُقْبَلُ.
стр. 14690
الخَامِسُ، مَا لَا يَطلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛ كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثيّاَبِ،
ــ
فصل: ولا يُشْتَرَطُ أن يقولَ في يَمِينِه: وإنَّ شاهِدِى صادِقٌ في شَهادَتِه. وقيلَ: يُشْتَرطُ. وهل تُقْبَلُ شَهادةُ رجلٍ وامرأتَيْن، وشاهِدٌ ويَمِينٌ في دَعْوَى قَتْلِ الكافرِ، لاسْتِحْقاقِ سَلَبِه، ودَعْوَى [الأسِيرِ إسْلامًا] (١) سابِقًا لمَنْعِ رِقِّه؟ على رِوَايَتَيْن في (٢) «المُحَرَّرِ».
(الخامِسُ، ما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ؛ كعُيوبِ النِّساءِ تحتَ الثِّيابِ،
стр. 14691
وَالرَّضَاعِ، وَالاسْتِهْلَالِ، وَالْبَكَارَةِ، والثُّيُوبَةِ، وَالْحَيْضِ، ونَحْوِهِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ. وَعَنْهُ، لَا يُقْبَلُ فِيهِ أقَلُّ مِنَ امْرأتَيْنِ. وإنْ شَهِدَ بِهِ الرَّجُلُ كَانَ أوْلَى بِثُبُوتِهِ.
ــ
والرَّضاعِ، والاسْتِهْلالِ، والبَكارَةِ، والثُّيوبَةِ، والحَيْضِ، ونحوِه، فيُقْبَلُ فيه شهادةُ امرأةٍ واحدَةٍ. وعنه، لا يُقْبَلُ فيه أقَل مِن امرأتَيْن. وإن شَهِدَ به الرَّجُلُ كان أوْلَى بثُبُوتِه) لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في قَبولِ شَهادةِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ في الجُمْلةِ. قال القاضى: والذى تُقْبَلُ فيه شَهادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ خَمْسةُ أشْياءَ؛ الوِلادةُ، والاسْتِهْلالُ، والرَّضاعُ، والعَيوبُ تحتَ الثِّيابِ؛ كالرَّتْقِ، والقَرْنِ، والبَكارَةِ، والثَّيابَةِ، والبَرَصِ، وانْقِضاءُ العِدَّةِ. وعن أبى حنيفةَ، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهنَّ مُنْفَرِداتٍ على الرَّضاعِ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَطَّلِعَ عليه محارمُ المرأةِ مِن الرِّجالِ، فلم يَثْبُتْ بالنِّساء مُنْفَرِداتٍ، كالنِّكاحِ. ولَنا، ما رَوَى عُقْبَةُ بنُ الحارِثِ، قال:
стр. 14692
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تزَوَّجْتُ أُمَّ يحيى بنتَ أبى إهابٍ، فأتتْ أمَةٌ سَوادءُ، فقالتْ: قد أرضَعْتُكُما. فأَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، فذَكَرْتُ ذلك له، فأَعْرَضَ عنِّى، ثم أتيْتُه فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّها كاذِبَةٌ. فقال: «وَكَيْفَ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ؟» [متفق عليه] (١). ولأنَّها شَهادةٌ على عَوْرةٍ للنِّساءِ فيها مَدْخَلٌ، فقُبِلَ فيها شَهادَةُ النِّساءِ، كالوِلادةِ، ويُخالِفُ عَقْدَ النِّكاحِ؛ فإنَّه ليس بعَوْرَةٍ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أيضًا، أنَّ شَهادةَ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ لا تُقْبَلُ في الاسْتِهْلالِ؛ لأنَّه يكونُ بعدَ الوِلادةِ. وخالَفَه صاحِبَاه، وأكثَرُ أهلِ العلمِ؛ لأنَّها تكونُ حالَ الوِلادةِ، فيَتَعَذَّرُ حُضورُ الرِّجالِ، فأشْبَهَتِ الوِلادةِ نفْسَها. وقد رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه أجازَ شَهادةَ القابِلَةِ وَحْدَها في الاسْتِهْلالِ. رواه الإمامُ أحمدُ، وسعيدُ بنُ مَنْصُورٍ (٢)، مِن حديثِ جابر الجُعْفِىِّ. وأجازه شُرَيْحٌ، والحسنُ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، وحَمَّادٌ. فإذا ثبَت هذا، فكُلُّ مَوْضِع قُلْنا: تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ. فإنَّه يُقْبَلُ فيه شَهادةُ المرأةِ الواحدةِ. وقال طاوسٌ: تجوزُ
стр. 14693
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَهادةُ المرأةِ في الرَّضاعِ، وإن كانت سَوْداءَ (١). وعن أحمدَ، رِواية أخْرَى: لا يُقْبَلُ فيه إلا امْرأتانِ. وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ أبى ليلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ. وإليه ذهبَ مالكٌ، والثَّوْرِىُّ؛ لأنَّ كُلَّ جِنْس يثْبُتُ به الحقُّ يَكْفِى فيه اثْنان، كالرِّجالِ، ولأنَّ الرجالَ أكْمَلُ مِنْهُنَّ، ولا يُقْبَلُ منهم إلَّا اثْنان. وقال عُثمانُ (٢): يَكْفِى ثلاث؛ لأنَّ كلَّ مَوْضِع قُبِلَ فيه النِّساءُ، كان العَدَدُ ثَلاثةً, كما لو كان مَعَهُنَّ رَجلُ. وقال أبو حنيفةَ: تُقْبَلُ شَهادةُ المرأةِ الواحدةِ في وِلادَةِ الزَّوْجاتِ دون (٣) وِلادة المُطَلَّقَةِ. وقال عَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادةُ، [والشافعىُّ] (٤): لا يُقْبَلُ فيهَا إلَّا أرْبعٌ؛ لأنَّها شَهادةٌ مِن شَرْطِها الحُرِّيَّةُ، فلم تُقْبَلْ فيها الواحِدةُ، كسائرِ الشَّهاداتِ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بشَهَادَةِ رَجُلٍ» (٥) ولَنا، حديثُ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ، الذى ذكَرْناه. ورَوَى حُذَيْفَةُ، أنَّ النبىَّ ﷺ
стр. 14694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجَاز شَهادَة القَابلَةِ (١). ذَكرَه الفُقَهاءُ في كُتُبِهم. ورَوَى أبو الخَطّابِ عن ابنِ عمرَ، أَنَّ النبىَّ ﷺ . قال: «يُجْزِئُ فِى الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» (٢). ولأنَّه مَعْنًى يثْبُتُ بقَوْلِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ، فلا يُشْتَرطُ فيه العَدَدُ، كالرِّوايةِ وأخْبارِ الدِّياناتِ (٣). وما ذكَرَه الشافعىُّ مِن اشْتِراطِ الحُرِّيَّةِ غيرُ مُسَلَّمٍ، وقولُ النبىِّ ﷺ : «شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُل». في الموْضِعِ الذى تَشْهَدُ فيه مع الرَّجُلِ.
فإن شَهِدَ الرجلُ بذلك، قُبِلَ وَحْدَه. وهو قولُ أبى الخطَّابِ؛ لأنَّه أكْمَلُ مِن المَرْأةِ، فإذا اكْتُفِىَ بها وَحْدَها، فَلَأن يُكْتَفَى به أوْلَى، ولأنَّ ما قُبِلَ فيه قَوْلُ المرأةِ الواحدةِ، قُبِلَ فيه قَوْلُ الرجلِ، كالرِّوايةِ.
стр. 14695
فصلٌ: وَإذَا شَهِدَ بِقَتْلِ العَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأتانِ، لَمْ يَثبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ. وَإنْ شَهِدُوا [٣٥١ ظ] بِالسرِقَةِ، ثبَتَ المَالُ دُونَ الْقَطْعَ.
ــ
فصل: قال، ﵀: (وإذا شَهِدَ بقَتْلِ العَمْدِ رَجلٌ وامْرأتانِ، لم يَثْبُتْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ. وإن شَهِدُوا بالسرِقَةِ، ثَبَت المالُ دُونَ القَطْعِ) لأنَّ السَّرِقةَ تُوجِبُ المالَ والقَطْعَ، فإذا قَصُرَتْ عن أحدِهما، أثْبَتُتِ الآخَرَ، والقَتْلُ يُوجِبُ القِصاصَ، والمالُ بدَل منه، فإذا لم يَثْبُتِ الأصْلُ، لم يَجِبْ بدَلُه. وإن قُلْنا: مُوجَبُه أحدُ شَيْئَيْن. لم يتَعَيَّنْ أحدُهما إلَّا بالاخْتِيارِ، فلو أوْجَبْنا الدِّيَةَ وَحْدَها، أوْجَبْنا مُعَيَّنًا. وقال ابنُ أبى موسى: لا يَجِبُ المالُ فيما إذا شَهِدُوا بالسَّرِقَةِ؛ لأنَّها شَهادةٌ لا تُوجِبُ الحدَّ،
стр. 14696
وَإنِ ادَّعَى رَجُلٌ الْخُلْعَ، قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وإنِ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ.
ــ
وهو أحدُ مُوجَبَيْها (١)، فإذا بطَلَتْ في أحَدِهما بطَلَتْ في الآخَرِ.
٥٠٦٧ - مسألة: (وإنِ ادعَى رَجُلٌ الخُلْعَ، قُبِلَ فيه رَجُلٌ وامْرَأتان) أو شاهِدٌ ويَمِينُ المُدَّعِى؛ لأنَّه يَدعِى المالَ الذى خالَعَتْ به (وإنِ ادعَتْه المرأةُ، لم يُقْبَلْ فيه إلَّا رَجلانِ) لأنَّها لا تَقْصِدُ منه إلَّا الفَسْخَ وخَلاصَها من الزَّوْج، ولا يثْبُتُ ذلك بهذه البَيِّنَةِ. فأمَّا إنِ اخْتلَفا في عِوَضِ الخُلْعِ خاصَّةً، ثَبَتَ برَجُلٍ وامْرأتَيْن، وكذلك إنِ اخْتلَفا في الصَّداقَ؛ لأنَّه مالٌ.
فصل: وإنِ ادَّعَى رجلٌ أنَّه ضَرَبَ أخاه بسَهْمٍ عَمْدًا فقتَلَه، ونفَذَ إلى أخِيه الآخَرِ فقتلَه خَطَأً، وأقامَ بذلك شاهِدًا وامْرَأتَيْن، أو شاهدًا وحلَفَ معه، ثَبَت قَتْلُ الثانى؛ لأنَّه خَطَأٌ مُوجَبُه المالُ، ولم يَثْبُتْ قَتْلُ الأوَّلِ؛ لأنَّه عَمْدٌ مُوجَبُه القِصاصُ، فهما كالجِنايَتَيْنِ المُفْتَرِقَتَيْن. وعلى قولِ أبى
стр. 14697
وَإذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرأتَانِ لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ أنَهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهَا مِنْهُ، قُضِىَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ أُمُّ وَلَدٍ. وَهَلْ تَثْبتُ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ وَنَسَبُهُ مِنْ مُدَّعِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
بكر، لا يَثْبُتُ منهما شئٌ؛ لأنَّ الجِنايةَ عندَه لا تَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، سَواءٌ كان مُوجَبُها المالَ أو غيرَه. ولو ادَّعَى رجلٌ على آخَرَ أنَّه سَرَقَ منه وغَصَبَه مالًا، فحلَفَ بالطَّلاقِ والعَتاقِ ما سرَقَ منه ولا غَصَبَه، فأقامَ المُدَّعِى شاهِدًا و (١) امْرأتَيْن شَهِدا بالسَّرقَةِ والغَصْبِ، أو شاهِدًا وحَلَفَ معه، اسْتَحَقَّ المسروقَ والمغْصوبَ؛ لأنَّه أتَى ببَيِّنَةٍ يثْبُتُ ذلك بمثْلِها، ولم يثْبُتْ طلاقٌ ولا عِتْقٌ؛ لأنَّ هذه البَينةَ حُجَّةٌ في المالِ دونَ الطَّلاقِ والعَتاقِ. وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ.
٥٠٦٨ - مسألة: (وإذَا شَهِدَ رَجُلٌ وامْرَأتان لرَجُلٍ بجارِيَةٍ أنَّها أُمُّ وَلَدِه، ووَلَدُها منه، قُضِىَ له بالجارِيَةِ أُمُّ ولدٍ. وهل تَثْبُتُ حُرِّيَّةُ الوَلَدِ ونسَبُه مِن مُدَّعِيه؟ على رِوايَتَيْن) أمّا الجارِيةُ فنَحْكُمُ له بها؛ لأنَّ أُمُّ الوَلدِ
стр. 14698
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَمْلُوكَةٌ له، ولهذا يَمْلِكُ وَطْأها وإجارَتَها وإعارَتَها وتَزْوِيجَها، ويَثْبُتُ لها حُكْمُ الاسْتِيلادِ بإقْرارِه؛ لأنَّ إقْرارَه يَنْفُذُ في مِلْكِه، والمِلْكُ (١) يَثْبُتُ بالشّاهدِ والمرْأتَيْن، والشَّاهدِ واليَمِينِ، ولا نَحْكُمُ له بالولدِ؛ لأنَّه يَدَّعِى نَسَبَه، والنَّسَبُ لا يثْبُتُ بذلك، ويَدَّعِى حُرِّيَّته أيضًا. فعلى هذا، يُقَرُّ (٢) الولدُ في يَدِ المُنْكِرِ مَمْلُوكًا له. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ. وقال في الآخر: يأخُذُها وولَدَها، ويكونُ ابنَه؛ لأنَّ مَن ثَبَتَت له العَيْنُ، ثَبَت له نَماؤها، والولدُ نَماؤها. وذكرَ فيها أبو الخَطَّابِ عن أحمدَ رِوايَتَيْن، كقَوْلَىِ (٣) الشَّافعىِّ. ولَنا، أنَّه لم يَدَّعِ الولدَ مِلْكًا، وإنَّما يَدَّعِى حُرِّيَته ونَسَبَه، وهذان لا يَثْبُتان بهذه البَيِّنَةِ، فيَبْقَيانِ على ما كانا عليه.
بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ
تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِى، وَتُرَدُّ فِيمَا يُرَدُّ فِيهِ.
ــ
بابُ الشَّهادةِ على الشَّهادَةِ والرُّجُوعِ عن الشّهادَةِ
(تُقْبَلُ الشَّهادَةُ على الشَّهادَةِ فيما يُقْبَلُ فيه كِتابُ القاضى، وتُرَدُّ فيما يُرَدُّ فيه) الكلامُ في هذه المسألةِ في فُصول ثَلاثَةٍ؛ أحدُها، في (١) جَوازِها. والثانى، في مَوْضِعِها. والثالثُ، في شَرْطِها.
أمّا الأوَّلُ: فإنَّ الشَّهادةَ على الشَّهادةِ جائِزَةٌ، بإجْماعِ العُلَماءِ. وبه يقولُ مالكٌ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال أبو عبيدٍ: أجْمَعَتِ العُلَماءُ مِن أهلِ الحِجازِ والعِراقِ، على إمْضاءِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ في الأمْوالِ. ولأنَّ الحاجةَ داعِيَة إليها، فإنَّها لو لم تُقْبَلْ، لبَطَلَتِ الشَّهادةُ على الوُقُوفِ (٢)، وما يتَأخَّرُ إثْباتُه عندَ الحاكمِ ثم يَمُوتُ شُهودُه، وفى ذلك ضَرَرٌ على النَّاسِ، ومَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فوجَبَ أن تُقْبَلَ، كشَهادَةِ الأصْلِ.
стр. 14701
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفصل الثانى: أنَّها تُقْبَلُ في المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ, كما ذكَر أبو عُبَيْدٍ، ولا تُقْبَلُ في حَدٍّ. وهذا قولُ الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وأبى حنيفةَ. وقال مالكُ، والشافعىُّ في قولٍ، وأبو ثَوْرٍ: تُقْبَلُ في الحُدودِ، وفى كُلِّ حقٍّ؛ لأنَّ ذلك يثْبُتُ بشَهادةِ الأصْلِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ. ولَنا، أنَّ الحُدودَ مَبْنِيَّةٌ على السَّتْرِ والدَّرْءِ بالشّبُهاتِ، والإِسْقاطِ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ، والشَّهادةُ على الشهادةِ فيها شُبْهَةٌ؛ فإنَّها يَتَطَرَّقُ إليها احْتِمالُ الغَلَطِ والسَّهْوِ والكَذِبِ في شُهودِ الفَرْعِ، مع احْتِمالِ ذلك في شُهودِ الأصْلِ، وهذا احْتِمال زائدٌ، لا يُوجَدُ في شُهودِ الأصْلِ، وهو مُعْتَبَرٌ، بدَلِيلِ أنَّها لا تُقْبَلُ مع القُدْرَةِ على شُهُودِ الأصْلِ، فوَجَب أن لا تُقْبَلَ فيما يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَها إنَّما تُقْبَلُ للحاجَةِ، ولا حاجَةَ إليها في الحَدِّ؛ لأنَّ سَتْرَ صاحبه أوْلَى مِن الشَّهادةِ عليه، ولأنَّه لا نَصَّ فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها [على الأَموالِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ في الحاجَةِ والتَّساهُلِ فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها] (١) على شَهادةِ الأصْلِ؛ لِما ذكَرْنا، فيَبْطُلُ إثْباتُها. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّها لا تُقْبَلُ في القِصاصِ أيضًا، ولا حَدِّ القَذْفِ؛ لأنَّه قال: إنَّما تجوزُ في الحُقوقِ، أمّا الدماءُ والحَدُّ فلا.
стр. 14702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ: تُقْبَلُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لقولِه: في كُلِّ شئٍ إلَّا في الحُدودِ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِى، لا يَسْقُطُ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ به، ولا يُسْتَحَبُّ سَتْرُه، فأشْبَهَ الأمْوالَ. وذكرَ أصْحابُنا هذا رِوايةً [عن أحمدَ؛ لأنَّ ابنَ منصورٍ نَقَلَ أنَّ سُفْيانَ قال: شهادةُ رجلٍ مكانَ رجلٍ في الطَّلاقِ جائِزةٌ. قال أحمدُ: ما أحْسَنَ ما قال. فجَعَلَه أصْحابُنا رِوايَةً في القِصاصِ] (١). وليس هذا بِرِوايَةٍ؛ فإنَّ الطَّلاقَ لا يُشْبِهُ القِصاصَ. والمذهبُ أنَّها لا تُقْبَلُ فيه؛ لأنَّه عُقُوبَة بَدَنِيَّة (٢)، تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وتُبْنَى على الإسْقاطِ، فأشْبَهَتِ الحُدودَ، فأمَّا ما عَدا الحُدودَ والقِصاصَ والأموالَ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ وسائرِ ما لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، فنَصَّ أحمدُ على قَبُولِها في الطَّلاقِ والحُقوقِ، فدَلَّ على قَبُولِها في جميعِ هذه الحُقوقِ. وهو قولُ الخِرَقِىِّ. وقال ابنُ حامدٍ: لا تُقْبَلُ في النِّكاحِ. ونحوُه قولُ أبى بَكرٍ. فعلَى قولِهما، لا تُقْبَلُ إلَّا في المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ. وهو قولُ أبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّه حَقٌّ لا يثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْن، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ. ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّه حَقٌّ لا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ، وبهذا فارَقَ الحُدودَ.
стр. 14703
وَلَا تُقْبَلُ إلَّا أنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الْأصْلِ؛ بمَوْتٍ، أوْ مَرَضٍ, أوْ غَيْبَةٍ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ. وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ إلًّا بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
ــ
الفصلُ الثالثُ: في شُرُوطِها، وهى ثَلاثةٌ؛ أحدُها، أن تتَعَذَّرَ [الشَهادَةُ مِن شُهودِ الأصْل.
٥٠٦٩ - مسألة: (ولا تُقْبَلُ إلَّا أن تَتَعَذَّرَ (١) شَهادةُ شُهُودِ الأصْلِ؛ بمَوْتٍ، أو مَرَض، أو غَيْبَةٍ إلى مَسافَةِ القَصْرِ) وعنه، لا تُقْبَلُ إلَّا أن يَمُوتَ شاهِدُ الأصْلِ. هذا أحدُ الشروطِ، وهِو تَعَذُّرُ شَهادةِ الأصْلِ؛ لموْتٍ، أو غَيْبَةٍ، أو مَرَضٍ، أو حَبْسٍ، أو خوْفٍ مِن سُلْطانٍ
стр. 14704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو غيره. وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ. وحُكِىَ عن أبى يوسف، ومحمدٍ، جَوازُها مع القُدْرَةِ على شَهادةِ الأصْلِ، قِياسًا على الرِّوايةِ وأخْبارِ الدِّياناتِ. ورُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّها لا تُقْبَلُ إلَّا أن يَمُوتَ شاهِدُ الأصْلِ؛ لأنَّهما إذا كانا حَيَّيْنِ، رُجِىَ حُضورُهما، فكانا كالحاضِرَيْن. وعن أحمد مثلُ هذا، إلَّا أنَّ القاضىَ تَأوَّلَه على الموتِ، وما في معناه مِن الغَيْبَةِ البَعيدَةِ ونحوِها. ويُمْكِن تأويلُ قولِ الشَّعْبِىِّ على هذا، فَيَزُولُ هذا الخِلافُ. ولَنا على اشْتِراطِ تعَذرِ شهادَةِ (١) شاهِدِ الأصْلِ، أنَّه إذا أمْكَنَ الحاكمَ أن يَسْمَعَ شَهادةَ شاهِدَىِ الأصْلِ، اسْتَغْنَى عن البَحْثِ عن عَدالَةِ شاهِدَىِ الفَرْعِ، وكان أحْوطَ للشهادةِ، فإنَّ سَماعَه منهما مَعْلُوم، وصِدْقَ شاهِدَىِ الفَرْعِ عليهما مَظْنون، والعملُ باليَقِينِ (٢) مع إمْكانِه أوْلَى مِن اتِّباعِ الظَّنِّ، ولأنَّ شَهادَةَ الأصْلِ تُثْبِتُ نَفْسَ الحقِّ، وهذه إنَّما تُثْبِتُ الشَّهادةَ عليه، ولأنَّ في شَهادةِ الفَرْعِ ضَعْفًا؛ لأنَّه يَتَطَرَّقُ إليها احْتِمالان؛ احْتِمالُ غَلَطِ شاهِدَىِ [الأصْلِ، واحْتِمالُ غَلَطِ شاهِدَىِ] (٣) الفَرْعِ، فيكونُ ذلك وَهْنًا فيها، ولذلك لم تَنْتَهِضْ لإثْباتِ الحُدودِ والقِصاصِ، فيَنبغِى أن لا تَثْبُتَ إلَّا عندَ عَدَمِ شَهادةِ الأصْلِ،
стр. 14705
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كسائرِ الأبدالِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على أخْبارِ الدِّياناتِ؛ لأنَّه خُفِّفَ فيها، ولذلك (١) لا يُعْتَبَرُ فيها العدَدُ، ولا الذكورِيَّةُ، ولا الحُريَّةُ، ولا اللَّفْظُ، والحاجَةُ داعِيَةٌ إليها في حَقِّ عُمومِ الناسِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. ولَنا على قَبُولِها عندَ تَعذُّرِها بغيرِ الموْتِ، أنَّه قد تَعذَّرَتْ شَهادةُ الأصْلِ، فتُقْبَلُ شَهادةُ الفَرْعِ, كما لو ماتَ شاهِدا (٢) الأصْلِ، ويُخالِفُ الحاضِرَيْن؛ فإنَّ سَماعَ شَهادَتِهما مُمْكِن، فلم يَجُزْ غيرُ ذلك. إذا ثَبَت هذا، فذكرَ القاضى أن الغَيْبَةَ المُشْترَطةَ لسَماعِ شَهادَةِ (٣) الفَرْعِ، أن يكونَ شاهدُ الأصْل بمَوْضِعٍ لا يُمْكِنُه أن يَشْهَدَ ثم يَرْجِعَ مِن يَوْمِه. وهذا قالَه أبو يوسف، وأبو حامِدٍ مِن أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ الشَّاهِدَ تَشُقُّ عليه المُطالَبَةُ بمِثْلِ هذا السَّفَرِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٤). وإذا لم يُكَلَّفِ الحُضورَ، تَعذّرَ سَماعُ شَهادتِه، فاحْتِيجَ إلى سَماعِ شَهادَةِ الفَرْعِ. وقال أبو الخَطَّابِ: تُعْتَبَرُ مَسافةُ القَصْرِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى الطّيِّبِ الطَّبرِىِّ، مع اخْتِلافِهم في