. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفصل الثانى: أنَّها تُقْبَلُ في المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ, كما ذكَر أبو عُبَيْدٍ، ولا تُقْبَلُ في حَدٍّ. وهذا قولُ الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وأبى حنيفةَ. وقال مالكُ، والشافعىُّ في قولٍ، وأبو ثَوْرٍ: تُقْبَلُ في الحُدودِ، وفى كُلِّ حقٍّ؛ لأنَّ ذلك يثْبُتُ بشَهادةِ الأصْلِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ. ولَنا، أنَّ الحُدودَ مَبْنِيَّةٌ على السَّتْرِ والدَّرْءِ بالشّبُهاتِ، والإِسْقاطِ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ، والشَّهادةُ على الشهادةِ فيها شُبْهَةٌ؛ فإنَّها يَتَطَرَّقُ إليها احْتِمالُ الغَلَطِ والسَّهْوِ والكَذِبِ في شُهودِ الفَرْعِ، مع احْتِمالِ ذلك في شُهودِ الأصْلِ، وهذا احْتِمال زائدٌ، لا يُوجَدُ في شُهودِ الأصْلِ، وهو مُعْتَبَرٌ، بدَلِيلِ أنَّها لا تُقْبَلُ مع القُدْرَةِ على شُهُودِ الأصْلِ، فوَجَب أن لا تُقْبَلَ فيما يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَها إنَّما تُقْبَلُ للحاجَةِ، ولا حاجَةَ إليها في الحَدِّ؛ لأنَّ سَتْرَ صاحبه أوْلَى مِن الشَّهادةِ عليه، ولأنَّه لا نَصَّ فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها [على الأَموالِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ في الحاجَةِ والتَّساهُلِ فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها] (١) على شَهادةِ الأصْلِ؛ لِما ذكَرْنا، فيَبْطُلُ إثْباتُها. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّها لا تُقْبَلُ في القِصاصِ أيضًا، ولا حَدِّ القَذْفِ؛ لأنَّه قال: إنَّما تجوزُ في الحُقوقِ، أمّا الدماءُ والحَدُّ فلا.
стр. 14702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ: تُقْبَلُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لقولِه: في كُلِّ شئٍ إلَّا في الحُدودِ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِى، لا يَسْقُطُ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ به، ولا يُسْتَحَبُّ سَتْرُه، فأشْبَهَ الأمْوالَ. وذكرَ أصْحابُنا هذا رِوايةً [عن أحمدَ؛ لأنَّ ابنَ منصورٍ نَقَلَ أنَّ سُفْيانَ قال: شهادةُ رجلٍ مكانَ رجلٍ في الطَّلاقِ جائِزةٌ. قال أحمدُ: ما أحْسَنَ ما قال. فجَعَلَه أصْحابُنا رِوايَةً في القِصاصِ] (١). وليس هذا بِرِوايَةٍ؛ فإنَّ الطَّلاقَ لا يُشْبِهُ القِصاصَ. والمذهبُ أنَّها لا تُقْبَلُ فيه؛ لأنَّه عُقُوبَة بَدَنِيَّة (٢)، تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وتُبْنَى على الإسْقاطِ، فأشْبَهَتِ الحُدودَ، فأمَّا ما عَدا الحُدودَ والقِصاصَ والأموالَ، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ وسائرِ ما لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، فنَصَّ أحمدُ على قَبُولِها في الطَّلاقِ والحُقوقِ، فدَلَّ على قَبُولِها في جميعِ هذه الحُقوقِ. وهو قولُ الخِرَقِىِّ. وقال ابنُ حامدٍ: لا تُقْبَلُ في النِّكاحِ. ونحوُه قولُ أبى بَكرٍ. فعلَى قولِهما، لا تُقْبَلُ إلَّا في المالِ، وما يُقْصَدُ به المالُ. وهو قولُ أبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّه حَقٌّ لا يثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْن، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ. ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّه حَقٌّ لا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فيَثْبُتُ بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، كالمالِ، وبهذا فارَقَ الحُدودَ.
стр. 14703
وَلَا تُقْبَلُ إلَّا أنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الْأصْلِ؛ بمَوْتٍ، أوْ مَرَضٍ, أوْ غَيْبَةٍ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ. وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ إلًّا بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
ــ
الفصلُ الثالثُ: في شُرُوطِها، وهى ثَلاثةٌ؛ أحدُها، أن تتَعَذَّرَ [الشَهادَةُ مِن شُهودِ الأصْل.
٥٠٦٩ - مسألة: (ولا تُقْبَلُ إلَّا أن تَتَعَذَّرَ (١) شَهادةُ شُهُودِ الأصْلِ؛ بمَوْتٍ، أو مَرَض، أو غَيْبَةٍ إلى مَسافَةِ القَصْرِ) وعنه، لا تُقْبَلُ إلَّا أن يَمُوتَ شاهِدُ الأصْلِ. هذا أحدُ الشروطِ، وهِو تَعَذُّرُ شَهادةِ الأصْلِ؛ لموْتٍ، أو غَيْبَةٍ، أو مَرَضٍ، أو حَبْسٍ، أو خوْفٍ مِن سُلْطانٍ
стр. 14704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو غيره. وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ. وحُكِىَ عن أبى يوسف، ومحمدٍ، جَوازُها مع القُدْرَةِ على شَهادةِ الأصْلِ، قِياسًا على الرِّوايةِ وأخْبارِ الدِّياناتِ. ورُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّها لا تُقْبَلُ إلَّا أن يَمُوتَ شاهِدُ الأصْلِ؛ لأنَّهما إذا كانا حَيَّيْنِ، رُجِىَ حُضورُهما، فكانا كالحاضِرَيْن. وعن أحمد مثلُ هذا، إلَّا أنَّ القاضىَ تَأوَّلَه على الموتِ، وما في معناه مِن الغَيْبَةِ البَعيدَةِ ونحوِها. ويُمْكِن تأويلُ قولِ الشَّعْبِىِّ على هذا، فَيَزُولُ هذا الخِلافُ. ولَنا على اشْتِراطِ تعَذرِ شهادَةِ (١) شاهِدِ الأصْلِ، أنَّه إذا أمْكَنَ الحاكمَ أن يَسْمَعَ شَهادةَ شاهِدَىِ الأصْلِ، اسْتَغْنَى عن البَحْثِ عن عَدالَةِ شاهِدَىِ الفَرْعِ، وكان أحْوطَ للشهادةِ، فإنَّ سَماعَه منهما مَعْلُوم، وصِدْقَ شاهِدَىِ الفَرْعِ عليهما مَظْنون، والعملُ باليَقِينِ (٢) مع إمْكانِه أوْلَى مِن اتِّباعِ الظَّنِّ، ولأنَّ شَهادَةَ الأصْلِ تُثْبِتُ نَفْسَ الحقِّ، وهذه إنَّما تُثْبِتُ الشَّهادةَ عليه، ولأنَّ في شَهادةِ الفَرْعِ ضَعْفًا؛ لأنَّه يَتَطَرَّقُ إليها احْتِمالان؛ احْتِمالُ غَلَطِ شاهِدَىِ [الأصْلِ، واحْتِمالُ غَلَطِ شاهِدَىِ] (٣) الفَرْعِ، فيكونُ ذلك وَهْنًا فيها، ولذلك لم تَنْتَهِضْ لإثْباتِ الحُدودِ والقِصاصِ، فيَنبغِى أن لا تَثْبُتَ إلَّا عندَ عَدَمِ شَهادةِ الأصْلِ،
стр. 14705
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كسائرِ الأبدالِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على أخْبارِ الدِّياناتِ؛ لأنَّه خُفِّفَ فيها، ولذلك (١) لا يُعْتَبَرُ فيها العدَدُ، ولا الذكورِيَّةُ، ولا الحُريَّةُ، ولا اللَّفْظُ، والحاجَةُ داعِيَةٌ إليها في حَقِّ عُمومِ الناسِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. ولَنا على قَبُولِها عندَ تَعذُّرِها بغيرِ الموْتِ، أنَّه قد تَعذَّرَتْ شَهادةُ الأصْلِ، فتُقْبَلُ شَهادةُ الفَرْعِ, كما لو ماتَ شاهِدا (٢) الأصْلِ، ويُخالِفُ الحاضِرَيْن؛ فإنَّ سَماعَ شَهادَتِهما مُمْكِن، فلم يَجُزْ غيرُ ذلك. إذا ثَبَت هذا، فذكرَ القاضى أن الغَيْبَةَ المُشْترَطةَ لسَماعِ شَهادَةِ (٣) الفَرْعِ، أن يكونَ شاهدُ الأصْل بمَوْضِعٍ لا يُمْكِنُه أن يَشْهَدَ ثم يَرْجِعَ مِن يَوْمِه. وهذا قالَه أبو يوسف، وأبو حامِدٍ مِن أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ الشَّاهِدَ تَشُقُّ عليه المُطالَبَةُ بمِثْلِ هذا السَّفَرِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٤). وإذا لم يُكَلَّفِ الحُضورَ، تَعذّرَ سَماعُ شَهادتِه، فاحْتِيجَ إلى سَماعِ شَهادَةِ الفَرْعِ. وقال أبو الخَطَّابِ: تُعْتَبَرُ مَسافةُ القَصْرِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى الطّيِّبِ الطَّبرِىِّ، مع اخْتِلافِهم في
стр. 14706
وَلَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أنْ يَشْهَدَ، إلَّا أنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأصْلِ، فَيَقُولَ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادتِى أَنِّى أشْهَدُ أنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، وَقَدْ عَرَفْتُهُ بِعَيْنهِ، وَاسْمِهِ، وَنَسَبِهِ، أقَرَّ عِنْدِى، وَأشْهَدَنِى عَلَى نَفْسِهِ طَوْعًا بِكَذَا. أوْ: شَهِدْتُ عَلَيْهِ. أوْ: أقَرَّ عِنْدِى بكَذَا. فإنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا. لَمْ يَجُزْ أنْ يَشْهَدَ، إَلَّا أنْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ [٣٥٢ و] الْحَاكِمِ، أوْ يَشْهَدُ بِحَقٍّ يَعْزِيهِ إلَى سَبَب؛ مِنْ بَيْع، أوْ إجَارَةٍ، أوْ قَرْض، فَهَلْ يَشْهَدُ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
مَسافةِ القَصْرِ كلٌّ على أصْلِه؛ لأنَّ ما دونَ ذلك في حُكْمِ الحاضرِ، في التَّرَخُّصِ وغيرِه، بخِلافِ مَسافةِ القَصْرِ. ويُعْتَبَرُ دَوامُ هذا الشرْطِ إلى الحُكْمِ، سنَذْكُرُه، إن شاءَ اللهُ تعالى.
٥٠٧٠ - مسألة: (ولا يَجُوزُ لشاهِدِ الفَرْعِ أن يَشْهَدَ حَتَّى يَسْتَرْعِيَه شاهِدُ الأصْلِ، فَيَقُولَ: اشْهَدْ على شَهادَتِى أنِّى أشْهَدُ أنَّ فُلَانَ ابنَ فُلَانٍ، وقد عَرَفْتُه بعَيْيهِ، واسْمِهِ، ونَسَبِهِ، أقَرَّ عِنْدِى، وَأشْهَدَنِى على نَفْسِهِ طَوْعًا بكذَا. أو: شَهِدْتُ عليه. أو: أقَرَّ عِنْدِى بِكَذَا. وإنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: أشْهَدُ على فُلَانٍ بِكَذَا. لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ، إلَّا أن يَسْمَعَه يَشْهَدُ عِنْدَ الحَاكِمِ، أو يَشْهَدُ بحَقٍّ يَعْزِيهِ إلى سَبَبٍ؛ مِن بَيْعٍ، أو إجارَةٍ، أو قَرْض، فهل يَشْهَدُ به؟ على وَجْهَيْنِ) يُشتَرطُ لجَوازِ شَهادةِ الفَرْعِ،
стр. 14707
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يَسْتَرْعِيَه على ما ذكَرْنا. فإن سَمِعَ شاهِدًا يَسْتَرْعِى آخَرَ شَهادةً يَشْهَدُ عليها، جازَ لهذا السَّامعِ أن يَشْهَدَ بها؛ لحُصُولِ الاسْتِرْعاءِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ له أن يَشْهَدَ إلَّا أن يَسْتَرْعِيَه بعَيْيه. وهو قولُ أبى حنيفةَ. قال أحمدُ: لا تَكونُ شَهادةً إلَّا أن يكونَ يُشْهِدُكَ، فأمّا إن سَمِعْتَه (١) يتَحَدَّثُ، فإنَّما ذلك حديثٌ. وبما ذكَرْناه قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأبو عُبَيْدٍ. فأمّا إن سَمِعَ شاهِدًا يَشْهَدُ عندَ الحاكمِ بحَقٍّ، أو سَمِعَه يَشْهَدُ بحَقٍّ يَعْزِيهِ إلى سَبَبٍ، نحوَ أن يقولَ: أشْهَدُ أنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ ألفًا مِن ثَمَنِ مَبِيع. فهل يَشْهَدُ به؟ فيه رِوَايتانِ. ذكَرَهما أبو الخَطَّاب. وذكرَ القاضى، أنَّ له الشَّهادةَ. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه بالشَّهادةِ عندَ الحاكم، ونِسْبَتِه الحقَّ إلى سَبَبِه يَزُولُ الاحْتِمالُ، ويرتَفِعُ الإِشْكالُ، فتجوزُ له الشَّهادةُ على
стр. 14708
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَهادَتِه, كما لو اسْتَرْعاه. والرِّوايةُ الأخْرَى، لا يجوزُ له أن يَشْهَدَ على شَهادَتِه. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ الشَّهادةَ [على الشَّهادَةِ] (١) فيها معْنَى النِّيابَةِ، فلا يَنُوبُ عنه إلَّا بإذْنِه. ومَن نَصَر الأوَّلَ قال: هذا يَنْقُلُ شَهادَتَه، ولا يَنُوبُ عنه؛ لأنَّه لا يَشهَدُ مِثْلَ شَهادَتِه،
стр. 14709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[إنَّما شَهِدَ على شَهادتِه. فأمّا إن قالَ: اشْهَدْ أنِّى أشْهَدُ على فُلانٍ بكذا. فالأشْبَهُ أنَّه يجوزُ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه] (١). وهو قولُ أبى يوسُفَ؛ لأنَّ معنَى ذلك: اشْهَدْ على شَهادَتِى. [وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ إلَّا أنْ يَقولَ: اشْهَدْ على شَهادَتِى] (٢) أنِّى أشْهَدُ، لأنَّه إذا قال: اشْهَدْ. فقد أمرَه بالشَّهادةِ، ولم يَسْتَرْعِه. وما عَدا هذه المَواضِعَ، لا يجوزُ أن يَشْهَدَ فيها على الشَّهادةِ، فإذا سَمِعَه يقولُ: أشْهَدُ أنَّ لفُلانٍ على فُلانٍ ألفَ دِرْهم. لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه؛ لأنَّه لم يَسْتَرعِه الشهادةَ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ وَعَدَه بها، وقد يُوصَفُ الوَعْدُ بالوُجوب مَجازًا؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ قال: «العِدَةُ دَيْنٌ» (٣). ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بالشَّهادةِ العِلْمَ، فلم يَجُزْ لسَامِعِه الشَّهادةُ به. فإن قيل: فلو سَمِعَ رَجلًا يقولُ: لفُلانٍ علىَّ (٤) ألفُ دِرْهم. جازَ أن يَشْهَدَ بذلك، فكذا هذا. قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ الشَّهادةَ تَحْتَمِلُ العِلْمَ، ولا يحْتَمِلُ الإِقْرارُ ذلك.
стр. 14710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانى، أنَّ الإقْرارَ أوْسَعُ في لُزُومِه مِن الشَّهادةِ، بدليلِ صِحَّتِه في المَجْهولِ، وأنَّه لا يُراعَى فيه العَددُ، بخِلافِ الشَّهادةِ، ولأنَّ الإِقْرارَ قولُ الإِنسانِ على نَفْسِه، وهو غيرُ مُتَّهَم عليها، فيكونُ أقْوَى منها، ولهذا لا تُسْمَعُ الشَّهادةُ في حَقِّ المُقِرِّ، ولا يُحْكَمُ بها. ولو قال شاهدُ الأصْلِ: أنا أشْهَدُ أنَّ لفُلانٍ على فلانٍ ألْفًا، فاشْهَدْ به أنتَ عليه. لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ على شَهادتِه؛ لأنَّه ما اسْتَرْعاه شَهادتَه فيَشْهَدَ عليها، ولا هو شاهِدٌ بالحَقِّ؛ لأنَّه ما سَمِعَ الاعْتِرافَ به ممَّن هو عليه، ولا شاهَدَ سَبَبَه.
стр. 14711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأما كَيْفِيَّةُ الأداءِ (١) إذا كان قد اسْتَرْعاه الشَّهادةَ، فإنَّه يقولُ: أشهَدُ أنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ، وقد عَرَفْتُه (٢) بعينِه واسْمِهِ ونَسَبهِ وعَدَالَتِه، أشْهَدَنِى أنَّه يَشْهَدُ أنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ كذا. أو: أنَّ فُلانًا أقَرَّ عندِى بكذا. وإن لِم يَعْرِفْ عَدالَتَه لم يَذْكُرْها. وإن سَمِعَه يُشْهِدُ غيرَه، قال: أشْهَدُ أنَّ فُلان بنَ فُلانٍ، أشْهَدَ على شَهَادته أنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ، على فُلانِ بنِ فُلانٍ كذا وكذا. وإن كان سَمِعَه يَشْهَدُ عندَ الحاكمِ، قال: أشْهَدُ أنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ، شهِدَ على فُلانِ بنِ فُلانٍ، عندَ الحاكمِ بكذا. وإن كان نَسَب الحقَّ إلى سَبَبِه، قال: أشهَدُ أن فُلانَ بنَ فُلانٍ قال: أشْهَدُ أنَّ لفُلانِ بنِ فُلانٍ، على فُلانِ بنِ فُلانٍ كذا وكذا، مِن جِهَةِ كذا وكذا. وإذا أرادَ الحاكِمُ أن يَكتُبَ ذلك، كتَبَه، على ما ذكَرْنا.
стр. 14712
وَتَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَىِ الأَصْلِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا، سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ
ــ
فصل: ويُشْتَرطُ أن يُعَيِّنا شاهِدَىِ الأصْلِ، على ما ذكَرْنا، ويُسمِّياهُما. وقال ابنُ جَرِيرٍ: إذا قالا: ذكَرَيْنِ، حُرَّيْنِ، عَدْلَيْنِ. جازَ، وإنْ لم يُسَمِّيا؛ لأنَّ الغَرَضَ مَعْرِفَةُ الصِّفاتِ دُونَ العَيْنِ. وليس بصَحِيحٍ؛ لجَوازِ أن يَكونا عَدْلَيْن عندَهما، وهما مَجْروحَان عندَ غيرِهما، ولأنَّ المَشْهودَ عليه ربَّما أمْكَنَه جَرْحُ الشُّهودِ، فإذا لم يَعْرِفْ أعْيانَهما، تَعذَّرَ عليه ذلك.
٥٠٧١ - مسألة: (وتَثْبُتُ شَهادَةُ شاهِدَىِ الأصْلِ بشَهادَةِ شاهِدَيْنِ، يَشْهَدَانِ عليهما، سَواءٌ شَهِدَا على كُلِّ واحِدٍ منهما، أو شَهِدَ
стр. 14713
وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ مِنْ شُهُودِ الْفَرْعِ. وَقَالَ أبو عَبْدِ الله ابْنُ بَطَّةَ: لَا تَثْبُتُ حَتَّى يَشْهَدَ أرْبَعَة؛ عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ.
ــ
على كُلِّ واحِدٍ منهما شاهِدٌ مِن شُهُودِ الفَرْعِ. وقال أبو عبدِ الله ابنُ بَطَّةَ: لا تَثْبُتُ حتى يَشْهَدَ أرْبَعَةٌ؛ على كُلِّ شاهِدِ أصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ) وجملةُ ذلك، أنَّه يَجُوزُ أن يَشْهَدَ على كلِّ واحدٍ مِن شَاهِدَىِ الأصْلِ شاهِدُ (١) فَرْع، فيَشْهَدَ شاهِدَا فَرْعٍ على شاهِدَىْ أصْل. قال القاضى: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ في هذا. وهو قولُ شُرَيْحٍ، والشَّعْبِىِّ، والحسنِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى ليلَى، والثوْرِىِّ، وإسْحاقَ، والبَتِّىِّ، والعَنْبَرِىِّ. قال إسْحاقُ: لم يَزَلْ أهلُ العلمِ على هذا، حتى جاءَ هؤلاءِ. قال أحمدُ: وشَاهِدٌ على شاهدٍ يجوزُ، لم يَزَلِ النَّاسُ على ذا؛ شُرَيْحٌ فمَن دُونَه، إلَّا
стр. 14714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ أبا حنيفةَ أنْكَرَه. وذهَبَ أبو عبدِ الله ابنُ بَطَّةَ إلى أنَّه لا يُقْبَلُ على كلِّ شاهدِ أصْل إلَّا شاهِدَا فَرْعٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ شَاهِدَىِ الفَرْعِ يُثْبِتانِ شَهادةَ شاهِدَىِ الأصْلِ، فلا تثْبُتُ شَهادةُ كلِّ واحدٍ منهما بأقلَّ مِن شاهِدَيْن, كما لا يثْبُتُ إقْرارُ مُقِرَّيْنِ بشَهادَةِ اثْنَيْن، يَشْهَدُ على كلِّ واحدٍ منهما واحِدٌ. ولَنا، أنَّ هذا يَثْبُتُ بشَاهِدَيْن، وقد شَهِدَ اثْنان بما يُثْبِتُه، فيَثْبُتُ, كما لو شَهِدَا بنَفْسِ الحَقِّ، ولأنَّ شَاهِدَىِ الفَرْعِ بَدَلٌ مِن شاهِدَىِ الأصْلِ، فيَكْفِى في عَددِهما (١) ما يَكْفِى في شَهادةِ الأصْلِ، ولأنَّ هذا إجْماعٌ، على ما ذكَرَه أحمدُ وإسْحاقُ، ولأنَّ شاهِدَىِ الفَرْعِ لا يَنْقُلانِ عن شاهِدَىِ الأصْلِ حَقًّا عليهما، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ فيه قولُ واحدٍ، كأخْبارِ الدِّياناتِ، فإنَّهما إنَّما (٢) يَنْقُلانِ
стр. 14715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّهادةَ، وليستْ حقا عليهما، ولهذا لو أنْكَراها (١) لم يُعِدِ الحاكمُ عليهما، ولم يَطْلُبْها (٢) منهما. وهذا الجوابُ عمَّا ذكَرُوه. إذا ثَبَت هذا، فمَن اعْتَبَر لكُلِّ شاهِدِ أصْل شاهِدَىْ فَرْع، أجازَ أن يَشهَدَ شاهدان على كُلِّ واحدٍ مِن شاهِدَىِ الأصل. وبه قال مالكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال الشافعىُّ: رأيتُ كثيرًا مِن الحُكًّامِ والمُفْتِينَ يُجِيزُه. وخرَّجَه على قَوْلَيْنِ؛ أحدُهما، جَوازُه. والآخر، لا يجوزُ حتى يكونَ شُهودُ الفَرْعِ أربعةً، على كُلِّ شاهدِ أصل شاهِدَا فَرْع. واخْتارَه المُزَنِىُّ؛ لأنَّ مَن يَثْبتُ به أحدُ طَرَفَىِ الشَّهادَةِ، لا يثْبتُ به الطَّرَفُ الآخرُ, كما لو شَهِدَ أصْلًا، ثم شَهِدَ مع آخَرَ على شَهادَةِ شاهِدِ الأصْلِ الآخر. ولَنا، أنَّهما شهِدَا على قَوْلَيْنِ، فوجَبَ أن يقْبَلَ, كما لو شهِدَا بإقْرارِ اثْنَيْن، أو بإقْرارَيْن بحَقَّيْن. وإنَّما لم يَجُزْ أن يَشهَدَ شاهدُ الأصْلِ فَرْعًا؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى أن يكونَ بَدلًا أصْلا [في شَهادةٍ] (٣) بحق، وذلك لا يجوزُ، ولأنَّهم يُثْبِتونَ بشَهادتِهم شَهادةَ الأصْلِ، وليستْ شَهادةُ أحدِهم (٤) طَرَفًا (٥) لشهادةِ
стр. 14716
وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِى شَهَادَةِ الْفَرْعِ. وَعَنْهُ، لَهُنَّ مَدْخَل.
ــ
الآخر. فعلى قَوْلِ الشافعىِّ، إن ثَبَت الحقُّ بشَهادةِ رَجل وامرأتَيْن، وجَبَ أن يكونَ شُهودُ الفَرعِ سِتَّة، وإن كان ثَبَتَ بأربعِ نِسْوَة، وجَبَ أن يكونَ شُهودُ الفَرْعِ ثمانيةً، وإن كان المشْهودُ به زِنًى، خُرِّجَ فيه خمسةُ أقْوالٍ؛ أحدُها، لا مَدْخلَ لشَهادةِ الفَرْعِ في إثْباتِه. والثانى، يجوزُ، ويَجِبُ أن يكونَ شُهودُ الفَرْعِ سِتَّةَ عشر.، فيَشْهَدَ على كُلِّ واحدٍ مِن شُهودِ الأصْلِ أربَعة. الثالث، يَكْفِى ثَمانيةٌ. والرابعُ، يكونُون أربعةً، يَشْهدونَ على كلِّ واحدٍ. والخامِس، يَكْفِى شاهِدَان يَشْهَدان على كلِّ واحدٍ مِن شهودِ الأصْلِ. وهذا إثْبات لحدِّ الزِّنى بشاهِدَيْنِ، وهو بَعِيدٌ.
فصل: فإن شَهِدَ بالحقِّ شاهِدُ أصْل، وشاهِدَا فَرْع، يَشْهدان على شَهادةِ أصلٍ آخَرَ، جازَ. وإن شَهِدَ شاهدُ أصل، وشاهدُ فَرْع، خُرِّجَ فيه ما ذكَرْنا من الخلافِ مِن قبلُ.
فصل: وإن شَهِدَ شاهدُ أصلٍ، ثم شَهِدَ هو وآخَرُ فَرْعًا على شاهدِ أصْل آخَرَ، لم تُفِدْ شَهادتُه الفَرْعِيةُ شيئًا، وكان حُكْمُ ذلك حُكْمَ ما لو شَهِدَ على شَهادتِه شاهدٌ واحدٌ.
٥٠٧٢ - مسألة: (ولا مَدْخَلَ للنِّساءِ في شَهادَةِ الفَرْعِ. وعنه ،
стр. 14717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَهُنَّ مَدْخَلٌ) [اخْتَلَفَتِ الروايَةُ؛ هل الذُّكُورِيَّةُ شَرْط في شُهودِ الفَرْعِ أم لا؟ فعنه، أنَّها شرط] (١)، فلا يُقْبَلُ في شُهودِ الفَرْعِ نِساءٌ بحالٍ، سواءٌ كان الحقُّ ممَّا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ أوْ لا. وهذا قول الشافعىِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّهم يُثْبِتونَ بشَهادتِهم (٢) شُهودَ الأصْلِ دونَ الحقِّ. وليس ذلك بمالٍ، ولا المقْصودُ منه المالَ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فأشْبَهَ القِصاصَ والحَدَّ. والثانيةُ، لَهُنَّ مَدْخَل، فيما كانَ المشْهودُ (٣) به يَثْبُتُ بشَهادَتِهنَّ في الأصْلِ. قال حَرْبٌ: قيل لأحمدَ: فشَهادةُ امْرأتَيْن على شَهادةِ امْرأتَيْن، تجوزُ؟ قال: نعم. يعنى إذا كان معهما رَجلٌ. وذكَرَ الأوْزاعِىُّ، قال: سمِعْتُ نُمَيْرَ بنَ أوْسٍ (٤) يُجِيزُ شَهادةَ المرأةِ على شَهادةِ المرأةِ. ووَجْهُه أنَّ المقْصودَ بشَهادَتِهِنَّ إثْباتُ الحقِّ الذى شَهِدَ به شُهودُ
стр. 14718
فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأتيْنِ، أو رَجُلٌ وَامْرَأتانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتيْنَ.
ــ
الأصْلِ»، [فقُبِلتْ فيه شَهادَتُينَّ، كالبيع. ويفارِقُ الحَدُّ والقِصاصَ، فإنَّه ليس القَصْد مِن الشهادةِ به إثباتَ مالٍ بحالٍ. فأمّا شهودُ الأصلِ] (١)، فيَدْخُل النِّساءُ فيه، فيَجوزُ أن يَشْهَدَ رَجلان على رجلٍ وامْرأتَيْن، [في كُلِّ حَقٍّ ثبتَ بشهادتِهنَّ مع الرجالِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلم. وأن يَشْهَدَ رجلٌ وامرأتان على رجلٍ وامرأتين] (٢). وذكَرَ أبو الخَطَّابِ رِوايةً أخْرَى، أن النِّساءَ ليس لهُنَّ مَدْخَلٌ في الشَّهادةِ على الشَّهادةِ؛ لأنَّ فيها ضَعْفًا؛ لِما ذكَرْنا مِن قبلُ، فلا مَدْخَلَ لهنَّ فيها؛ لأنَّها
стр. 14719
وَفَالَ الْقَاضِى: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
ــ
تَزْدادُ بشَهادَتِهِن ضَعْفًا، فاعْتُبِرَتْ تَقْوِيتُها باعْتِبارِ الذُّكورِيَّةِ فيها. فعلى هذه الروايةِ لَا تَكُن أصُولًا ولا فُروعًا. ولَنا، أنَّ شُهودَ الفَرْعِ إن كانوا يُثْبِتونَ شَهادةَ الأصُولِ، فهى تَثْبُتُ بشَهادَتِهمِ، وإن كانوا يُثْبِتُونَ نَفْسَ الحقِّ، فهو يَثْبُتُ بشهادَتِهِم، ولأنَّ النِّساءَ يَشْهَدْن بالمالِ، أو ما يُقْصَدُ به المالُ، فيَثْبُتُ بشَهادتِهنَّ, كما لو أدَّيْنَها عندَ الحاكمِ. وما ذُكِرَ للرِّوايةِ الأخْرَى لا أصْلَ له.
٥٠٧٣ - مسألة: (قال القاضِى: لَا تَجُوزُ شهادةُ رَجُلَيْنِ على)
стр. 14720
نَصَّ عَلَيْهِ احْمَدُ. قَالَ أبو الْخَطَّابِ: وَفِى هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهَا.
وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَىِ الْفَرْعِ، حَتَّى تَثْبُتَ عِنْدَهُ عَدَالتهُمَا، وَعَدَالَةُ شَاهِدَىِ الْأصْلِ.
ــ
شهادَةِ (رَجُل وَامْرَأتيْنِ. نَص عليه أحمدُ. وقال أبو الخَطابِ: في هذه الرِّوايةِ سَهْوٌ مِن ناقِلِها).
٥٠٧٤ - مسألة: (ولا يَجُوزُ للحاكِمِ أن يَحْكُمَ بشهادةِ شاهِدَىِ الفَرْعِ، حَتى تَثْبُت عندَه عَدالَتُهَما، وعدالَةُ شاهِدَىِ الْأصْلِ) وذلك
стр. 14721
وَإنْ شَهِدَا عِنْدَهُ، فَلَمْ يَحْكُمْ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الأصْلِ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ.
ــ
لأنَّ الحُكْمَ يَنْبَنِى على الشَّهادَتَيْن جميعًا، فاعْتُبِرَتِ الشُّروطُ في كلِّ واحدٍ منهما. ولا نَعْلَمُ في هذا خلافًا. فإن عَدَّلَ شُهودَ الأصْلِ شُهودُ الفَرْعِ، فشهِدَا بعَدالتِهما، وعلى شَهادتِهما، جازَ، بغيرِ خلافٍ نعْلَمُه. وإن لم يَشْهدَا بعدَالَتِهما، جازَ، ويتَوَلَّى الحاكِمُ ذلك، فإذا عَلِمَ عَدَالَتَهما حَكَمَ، وإن لم يَعْرِفْهما، [بحثَ عنهما] (١). وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وتال الثَّوْرِىُّ، وأبو يوسفَ: إن لم يُعَدِّلْ شَاهِدَا الفَرْعِ شاهِدَىِ الأصْلِ، لم يَسْمَعِ الحاكِمُ شَهادَتَهما؛ لأنَّ تَرْكَ تَعْدِيله يَرْتابُ به الحاكمُ. ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّه يجوزُ أن لا يَعْرِفا ذلك، فيُرْجَعُ فيه إلى بَحْثِ الحاكمِ، ويجوزُ أن يَعْرِفا (٢) عَدالَتَهما ويَتْرُكاها، اكْتِفاءً بما يَثْبُتُ عندَ الحاكمِ مِن عَدالَتِهما.
٥٠٧٥ - مسألة: (وإن شَهِدَا عندَه، فلم يَحْكُمْ حتَّى حَضَر شُهُودُ الأصْلِ، وَقَف الحُكْمُ على سَماعِ شهادَتِهم) لأنَّه قَدَرَ على الأصْلِ قبلَ العمَلِ بالبَدَلِ، فأشْبَهَ المُتَيَمِّمَ إذا قَدَر على الماءِ، فلا تَصِحُّ صَلاُته حتى يَتَوَضَّأَ.
стр. 14722
وإنْ حَدَثَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ.
[٣٥٢ ظ] وَإنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ، لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ.
وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأصْلِ، لَمْ يَضْمَنُوا. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَضْمَنُوا.
ــ
٥٠٧٦ - مسألة: (وإن حَدَثَ منهم ما يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، لم يَجُزِ الحُكْمُ) لا بُدَّ مِن اشْتِراطِ اسْتِمْرارِ العَدالَةِ في الجميعِ إلى اسْتِمرارِ (١) الحُكْمِ؛ لِما ذكَرْنا في شاهدِ (٢) الأصْلِ قبلَ هذا. فعلى هذا، إن رَجَعُوا قبلَ الحُكْمِ، لم يَحْكُمْ بها؛ لأنَّ الحُكْمَ يَنْبَنِى عليها، فأشْبَهَ ما لو فسَقَ شُهودُ الفَرْعِ أو رَجعُوا.
٥٠٧٧ - مسألة: (فإن حَكَمَ بشَهادَتِهما، ثم رَجَع شُهُودُ الفَرْعِ، لَزِمَهم الضَّمانُ) لأنَّ الإِتْلافَ كان بشَهادَتِهم، فلَزِمَهم الضَّمانُ, كما لو أتْلَفوا بأيْدِيهم.
٥٠٧٨ - مسألة: (فإن رَجَع شُهُودُ الأصْلِ، لم يَضْمَنُوا) لأنَّ
стр. 14723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإتْلافَ كان بشَهادةِ غيرِهم، فلا يَلْزَمُهم ضَمان، كالمُتَسَبِّبِ مع المُباشِرِ، ولأنَّهم لم يُلْجِئُوا الحاكمَ إلى الحُكْمِ (ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنُوا) لأنَّ الحُكْمَ يُضافُ إليهم، بدليلِ أنَّه تُعْتَبَرُ عَدالتهم، فلَزِمَهم الضَّمانُ، كما لو حُكمَ بشَهادتِهم، ثم رَجعوا، ولأنَّهم سَبَبٌ في الحُكْمِ، فيَضْمَنُوا، كالمُزَكِّين.
فصل: فإن ماتَ شُهودُ الأصْلِ أو الفَرْعِ، لم يَمْنَعِ الحُكْمَ، وكذلك لو ماتَ شُهودُ الأصْلِ قبلَ أداءِ الفُروعِ شهادَتَهم (١)، لم يَمْنَعْ مِن أدائِها، والحُكْمِ بها؛ لأنَّ مَوْتَهم مِن شَرْطِ سَماعِ شَهادةِ الفُروعِ
стр. 14724
فَصْلٌ: وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ، لَزِمَهُمُ الضمَانُ، وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ، سَوَاء مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أوْ تَالِفًا.
ــ
والحُكمِ، فلا يجوزُ جَعْلُه مانِعًا، وكذلك إن جُنُّوا؛ لأنَّ جُنونَهم بمَنْزلةِ مَوْتِهم.
فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (ومتى رَجَعَ شُهودُ المالِ بعدَ الحُكمِ، لَزِمَهم الضَّمانُ، ولم يُنْقَضِ الحُكْمُ، سواءٌ كان قبلَ القضاءِ أو بَعْدَه، وسَواءٌ كان المالُ قائمًا أو تَالِفًا) أمَّا الرُّجوعُ به على المَحْكومِ له، فلا نعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه (١) خِلافًا، أنَّه لا يَرْجِعُ به عليه، ولا
стр. 14725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُنْقَضُ الحُكْمُ في قولِ أهلِ الفُتْيَا مِن عُلَماءِ الأمْصارِ. وحُكِىَ عن سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، والأوْزاعِىِّ، أنَّهما قالا: يُنْقَضُ الحكمُ [٢٤٨/ ٨ ظْ] وإنِ اسْتُوفِىَ الحقُّ؛ [الأنَّ الحَقّ] (١) ثَبَت بشَهادتِهما، فإذا رَجعا، زالَ ما ثَبَت به الحكمُ, كما لو تَبَيَّنَ أنَّهما كانا كافِرَيْن. ولَنا، أنَّ حقَّ المشْهودِ له وجَبَ له، فلا يسْقُطُ بقَوْلِهما, كما لو ادَّعَياه لأنْفُسِهما، يُحَقِّقُ هذا أن حَقَّ الانسانِ لا يَزُولُ إلَّا ببَينةٍ أو إقْرارٍ، ورُجوعُهما ليس بشَهادةٍ، ولهذا لا يَفْتَقِرُ إلى لَفْظِ الشَّهادةِ، ولا هو إقْرار مِن صاحب الحَقِّ، وفارَقَ ما إذا تَبَينَ أنَّهما كانا كافِرَيْن؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنه لم يُوجَدْ شَرْطُ الحُكْمِ، وهو شَهادةُ العُدولِ، وفى مسْأَلَتِنا لم يَتَبَيَّنْ ذلك؛ لجوازِ أن يكونَا عَدْلَيْن صادقَيْن في شَهادَتِهما، وإنَّما كذَبا في رُجوعِهما، ويُفارِقُ العُقوباتِ، حيث لا تُسْتَوْفَى؛ لأنَّها تُدْرَأْ بالشُّبُهاتِ. وأمّا الرُّجوعُ على الشّاهِدَيْن به، فهو قولُ اكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالك، وأصْحابُ الرَّأى. وقولُ الشافعىِّ القَديمُ، وقال في الجديدِ: لا يَرْجِعُ عليهما بشيءٍ، إَلَّا أن يشْهَدَا بعِتْقِ عبدٍ، فيَضْمَنا قِيمَتَه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منهما إتْلافٌ للمال، ولا يَدٌ عادِيَةٌ عليه، فلم يَضْمَنا, كما لو رُدَّتْ شَهادَتُهما. ولَنا، أنَّهما أقَرَّا [أنَّهما أخْرجَا] (٢) مالَه مِن يَدِه بغيرِ حقٍّ، وحالَا بينَه وبينَه، فلَزِمَهما الضَّمان،
كما لو شَهِدَا بعِتْقِه، ولأنَّهما أزالَا يَدَ السيِّدِ عن عبدِه بشَهادتِهما المَرْجوعِ
стр. 14726
وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ، غَرِمُوا الْقِيمَةَ.
ــ
عنها، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَا بحُرِّيته، ولأنَّهما تسَبَّبا إلى إتْلافِ حَقِّه بشَهادَتِهما بالزُّورِ عليه، فلَزِمَهما الضَّمانُ، كشاهِدَىِ القِصاصِ. يُحَقِّقُ هذا، أنَّه إذا لَزِمَهما القِصاصُ الذى يُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، فوُجوبُ المالِ أوْلَى. وقولُه: إنَّهما ما أتْلَفا المالَ. يَبْطُلُ بما إذا شَهِدَا بعِتْقِه، فإن الرِّق في الحَقِيقَةِ لا يزُولُ بشَهادةِ الزُّورِ، وإنَّما حالَا بينَ سيِّدِه وبينَه، وفى مَوْضعِ إتْلافِ المالِ، فهُما تَسَبَّبا إلى تَلَفِه، فلَزِمَهما ضَمانُ ما تَلِفَ بسبَبِهما، كشَاهِدَىِ القِصاصِ، وشُهودِ الزِّنَى، وحافِرِ البِئْرِ، وناصِبِ السِّكِّينِ.
٥٠٧٩ - مسألة: (وإن رَجَعَ شُهُودُ العِتْقِ، غَرِمُوا القِيمَةَ) [ أمّا إذا شَهِدَا بالعَبْدِ أو الأمَةِ لغيرِ مالِكِه، فالحُكْمُ فيه] (١) كالحُكْمِ في الشَّهادةِ بالمالِ، على ما ذكَرْنا مِن الخلافِ؛ لأنهما مِن جُمْلَةِ المالِ. وإن شَهِدَا بالحُرِّيَّةِ ثم رَجَعَا عن الشَّهادةِ، لَزِمَهما غَرامةُ قِيمَتِهما لسَيِّدِهما، بغيرِ خلافٍ بينَهم فيه، فإنَّ المُخالِفَ في التى قبلَها هو الشافعىُّ، وقد وافَقَ هاهُنا، وهو حُجَّةٌ عليه فيما خالَفَ فيه. ويَغْرَما القِيمَةَ؛ لأنَّ العَبِيدَ مِن المتقَوِّماتِ.
стр. 14727
وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَإنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَم يَغْرَمُوا شَيْئًا.
ــ
٥٠٨٠ - مسألة: (وإن رَجَعَ شهود الطَّلاق قبلَ الدُّخول، غَرِموا نِصْفَ المسَمَّى، وإن كان بَعْدَه، لم يَغْرَموا شَيْئًا) إذا شَهِدَا بطَلاقِ امرأةٍ تَبِين به، فحَكَمَ الحاكِم بالفرْقَةِ، ثم رَجَعا عن الشَّهادةِ، وكان قبلَ الدُّخولِ، فالواجِبُ عليهما نِصْفُ المُسَمَّى. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعى في أحَدِ قَوْلَيْه: يجبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لانهما أتْلَفا عليه البُضْعَ، فلَزِمَهما عِوَضُه، وهو مَهْرُ المِثْلِ. وفى القولِ الآخر، يَلْزَمُهما نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما مَلَكَ (١) نِصْفَ البُضْعِ، بدليلِ أنَّه إنَّما يجِب عليه
стр. 14728
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نِصْفُ المَهْرِ. ولَنا، أنَّ خُروجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوجِ غيرُ مُتَقَوَّم، بدَليلِ ما لو أخْرجَه من مِلْكِه برِدَّتِها، أو (١) إسْلامِها، أو قَتْلِها نَفْسَها، فإنَّها لا تَضْمَنُ شيئًا، ولو فَسَخَتْ نِكاحَها قبلَ الدُّخولِ، برَضاعِ مَن يَنْفَسِخُ به نِكاحُها، لم يَغْرَمْ شيئًا، وإنَّما يجبُ نِصْفُ المُسَمَّى (٢)؛ لأنَّهما ألْزَماه للزَّوْجِ بشَهادتِهما، وقرَّراه (٣) عليه, كما يَرْجِعُ به على مَن (٤) فَسَخَ نكاحَه برَضاعٍ أو غيرِه. وقولُه: إنَّه ملكَ نِصْفَ البُضْعِ. غيرُ صَحيحٍ؛ فإنُّ البُضْعَ لا يجوزُ تَمْلِيكُ (٥) نِصْفِه، ولأنَّ العَقْدَ ورَدَ على جَمِيعِه، والصَّداقُ واجب جميعُه، ولهذا تَمْلِكُه المرأةُ إذا قَبَضَته، ونَماؤه لها، وتَمْلِكُ طَلَبَه إذا لم تَقْبِضْه، وإنَّما يَسْقُطُ نِصْفه بالطَّلاقِ. وأمَّا إن كان (٦) الحكمُ بالفُرْقَةِ بعدَ الدُّخولِ، فليس عليهما
стр. 14729
وإنْ رَجَعَ شُهُودُ القِصَاصِ أوِ الْحَدِّ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، لَمْ يُسْتَوْفَ، وإنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَقَالُوا: أخْطَأْنَا. فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ، وَيَتَقَسَّطُ الْغُرْمُ عَلَى عَدَدِهِمْ، فَإن رَجَعَ أحَدُهُمْ وَحْدَهُ، غَرِمَ بِقِسْطِهِ.
ــ
ضَمانٌ. وبه قال أبو حنيفةَ. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، عليهما ضَمانُ المُسَمَّى في الصَّداقِ؛ لأنهما فَوَّتا عليه نِكاحًا وجَبَ عليه به عِوَضٌ، فكانَ عليهما ضَمانُ ما وَجَبَ به, كما قبلَ الدُّخولِ. وقال الشافعىُّ: يَلْزَمُهما له مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّهما أتْلَفا البُضْعَ عليه (١). وقد سَبَق الكَلامُ معه في هذا، ولا يَصِحُّ القياسُ على ما قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّهما قَرَّرَا عليه نِصْفَ المُسَمَّى، وكان بعَرَضِ (٢) السُّقوطِ، وهاهُنا قد تقَرَّر المَهْرُ كلُّه بالدُّخولِ، فلم يُقَرِّرَا عليه شيئًا، ولم يُحرِجَا مِن مِلْكِه مُتَقَوَّمًا، فأشْبَهَ ما لو أخْرَجَاه مِن مِلْكِه بقَتْلِها، أو أخرَجَتْه هى برِدَّتِها.
٥٠٨١ - مسألة: (وإن رَجَعَ شُهُودُ القِصَاص أو الحَدِّ قبلَ الاسْتِيفَاءِ، لم يُسْتَوْفَ، وإن كان بعدَه، وقالوا: أخْطَأَنَا. فعليهم دِيَةُ ما تَلِفَ، ويُقَسَّطُ الغُرْمُ على عَدَدِهم، فإن رَجَعَ أحَدُهم، غَرِمَ بقِسْطِهِ)
стр. 14730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجملةُ ذلك، أنَّ الشُّهودَ إذا رَجَعُوا عن شَهادَتِهم بعدَ أدائِها، لم تَخْلُ مِن ثَلاثةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يَرْجعُوا قبلَ الحُكْمِ بها، فلا يجوزُ الحكمُ بها، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن أبى ثَوْرٍ، أنَّه شَدَّ عن أهلِ العلمِ، وقال: يُحْكَمُ بها؛ لأنَّ الشَّهادةَ قد أُدِّيَتْ، فلا تَبْطُلُ برُجوعِ مَن شَهِدَ بها، كما لو رَجَعا بعدَ الحُكْمِ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ الشَّهادَةَ شَرْطُ الحُكْمِ، فإذا زَالَتْ قبلَه، لم يَجُزْ، كما لو فَسَقا، ولأنَّ رُجوعَهما يَظْهَرُ به كَذِبُهما، فلم يَجُزْ به الحكمُ، كما لو شَهِدَا (١) بقَتْلِ رجلٍ، ثم عَلِمَ حَياتَه، ولأنَّه زالَ ظَنُّه في أنَّ ما شُهِدَ به حَقٌّ، فلم يَجُزْ لَه (٢) الحُكْمُ به، كما لو تَغَيَّرَ اجْتِهادُه. وفارَقَ [ما بعدَ] (٣) الحكمِ، فإنَّه تَمَّ بشَرْطِه، ولأنَّ الشَّكَّ لا ئزيلُ ما حُكِمَ به، كما لو تَغَيَّرَ اجْتِهادُه. الحالُ الثانى، أن يَرْجِعا بعدَ الحُكْمِ وقبلَ الاسْتِيفاءِ؛ فإن كان المحكومُ به عُقوبَةً، كالحدِّ والقِصاصِ، لم يَجُزِ
стр. 14731
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسْتِيفاؤُه؛ لأنَّ الحُدودَ تُدْرَأْ بالشُّبُهاتِ، [ورُجوعُهما مِن أعْظمِ الشُّبُهاتِ] (١)، ولأنَّ المحكومَ به عُقوبَةٌ لم يَبْقَ ظَنُّ اسْتِحْقاتِها، ولا سبيلَ إلى جَبْرِها (٢)، فلم يَجُزِ اسْتِيفاؤُهَا، كما لو رَجَعا قبلَ الحُكْمِ. وإن كان المحكومُ به مالًا، اسْتُوفىَ، ولم يُنْقَضِ الحكمُ، وقد ذكَرْناه. وفارَقَ المالُ القِصاصَ والحدَّ، فإنَّه يُمْكِنُ جَبْرُه، بإلْزامِ الشاهِدِ عِوَضَه، والحَدُّ والقِصاصُ لا يُجْبَرُ بإيجابِ مِثْلِه على الشَّاهِدَيْن؛ لأنَّ ذلك ليس بِجَبْرٍ، ولا يَحْصُلُ لمَن وَجَب له منه عِوَضٌ، وإنَّما شُرِعَ للزَّجْرِ والتَّشَفِّى والانْتِقامِ، لا للجَبْرِ. فإن قِيلَ: فلِمَ قُلْتُم: إنَّه إذا حُكِمَ بالقِصاصِ، ثم فَسَقَ الشَّاهِدُ، اسْتُوفِىَ فِى أحَدِ الوَجْهَيْن. قُلْنا: الرُّجوعُ أعْظَمُ في الشُّبْهَةِ مِن طَرَيانِ الفِسْقِ؛ لأنَّهما يُقِرَّان أنَّ شَهادتَهما زُورٌ، وأنَّهما كانا فاسِقَيْن حين شَهِدَا، وحينَ حَكَم الحاكمُ بشَهادَتِهما، وهذا الذى طَرَأَ فِسْقُه لا يتحَقَّقُ كونُ شَهادتِه كَذِبًا، ولا أنَّه كان فاسِقًا حينَ أدَّى الشَّهادةَ،
стр. 14732
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا حينَ الحُكمِ بها، ولهذا لو فَسَقَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، لم يَلْزَمْه شئٌ، والرّاجِعان تَلْزَمُهما غَرامَةُ ما شَهِدَا به، فافْتَرَقا. الحالُ الثالثُ، أن يَرْجِعا بعدَ الاسْتِيفاءِ، فإنَّه لا يَبْطُلُ الحكمُ، ولا يَلْزَمُ المَشْهودَ له شئٌ، سَواءٌ كان المَشْهودُ به مالًا أو عُقوبةً؛ لأنَّ الحُكْمَ قد تَمَّ باسْتِيفاءِ المحْكومِ به، ووُصولِ الحق إلى مُسْتَحِقِّه، ويَرْجِعُ به على الشّاهِدَيْن. فإن كان المَشْهودُ به (١) إتْلافًا في مِثْلِه القِصاصُ، كالقتلِ والجَرْحِ، وقالا: عَمَدْنا الشَّهادةَ عليه بالزُّورِ؛ ليُقْتَلَ، أو: يُقْطَعَ. فعليهما القِصاصُ. وبه قال ابنُ أبى ليلَى، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا قَوَدَ عليهما؛ لأنَّهما لم يُباشِرَا الإتْلافَ، فأشْبَها حافِرَ البِئْرِ، إذا تَلِفَ به شئٌ. ولَنا، أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، شَهِدَ عندَه رَجلان على رجلٍ بالسَّرِقَةِ، فقطَعَه، ثم عادَا، فقالا: أخْطَأْنا، ليس هذا السَّارِقَ.
стр. 14733
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: لو أعْلَمُ أنَّكما تَعَمَّدْتُما، لقَطَعْتُكما (١). ولا مُخالِفَ له في الصَّحابةِ، ولأنَّهما تَسَبَّبا إلى قَتْلِه وقَطْعِه، بما يُفْضِى إليه غالِبًا، فلَزِمَهما القِصاصُ، كالمُكْرَهِ، وفارَقَ الحَفْرَ، فإنَّه لا يُفْضِى إلى القَتْلِ غالبًا. وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ في الجِناياتِ (٢). فإن قالا: عَمَدْنا الشَّهادةَ عليه، ولم نَعْلَمْ أنَّه يُقْتَلُ بهذا. وكانا ممَّن يجوزُ أن يَجْهَلا ذلك، وجَبَتِ الدِّيَةُ في أمْوالِهما مُغلَّظَةً؛ لأنَّه شِبْهُ عَمْدٍ، ولم تَحْمِلْه العاقِلَةُ؛ لأنَّه ثَبَتَ باعْتِرافِهما. وإن قال أحدُهما: عمَدْتُ قَتْلَه. وقال الآخَرُ: أخْطَأْتُ. فعلى العامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظَةً، وعلى الآخَرِ نِصْفُها مُخَفَّفَةً. ولا قِصاصَ في الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وإن قال كُلُّ واحدٍ منهما: [عَمَدْتُ وأخْطَأَ صاحِبى. احْتملَ وجُوبُ القِصاصِ عليهما به؛ لاعْتِرافِ كُلِّ واحدٍ منهما بعمدِ نفسِه. واحتمل أن لا يَجِبَ إلا الدِّيَةُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما] (٣) إنَّما اعْتَرفَ بعَمْدٍ شارَكَ فيه مُخْطِئًا، وهو لا يُوجِبُ القِصاصَ، والإنْسانُ إنَّما يُؤاخَذُ بإقْرارِه، لا بإقْرارِ غيرِه. فعلى هذا، تَجِبُ عليهما دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ. وإن قال أحدُهما: عَمَدْنا جميعًا. وقال الآخَرُ: عَمَدْتُ وأخْطأَ صاحِبى. فعلى الأوَّلِ القِصاصُ، وفى الثّانى وَجْهان، كالتى قبلَها. وإن قالا: أخْطَأْنا. فعليهما الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً في
стр. 14734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمْوالِهما؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْترافَ. وإن قال أحدُهما: عَمَدْنا معًا. وقال الآخَرُ: أخْطَأْنا معًا. فعلَى الأوَّلِ القِصاصُ، وعلى الثانى نِصْفُ الدِّيَةِ مُخَفَّفَةً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُؤاخَذُ بإقْرارِه. وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: عَمَدْتُ، ولا أدْرِى ما فَعَلَ صاحِبِى. فعليهما القِصاصُ؛ لإِقْرارِ كلِّ واحدٍ منهما بالعَمْدِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ عليهما القِصاصُ؛ لأنَّ إقْرارَ كلِّ واحدٍ منهما لو انْفَرَدَ، لم يجِبْ عليه قِصاصٌ، وإنَّما يُؤاخَذُ الإنْسانُ بإقرارِه، لا بإقْرارِ صاحِبِه. وإن قال أحدُهما: عَمَدْتُ، ولا أدْرِى ما قَصَدَ صاحِبى. سُئِلَ صاحِبُه، فإنْ قال مثلَ قَوْلِه، فهى كالتى قبلَها، وإنْ قال: عَمَدْنا معًا. فعليه القِصاصُ، وفى الأوَّلِ وَجْهانِ. وإنْ قال: أخْطَأْتُ. أو: أخْطَأْنا. فلا قِصاصَ على واحدٍ منهما. وإن جُهِلَ حالُ الآخَرِ؛ بجُنونٍ، أو مَوْتٍ، أو لم يُقدَرْ عليه، فلا قِصاصَ على المُقِرِّ، وعليه نَصِيبُه مِن الدِّيَةِ المُغَلَّظَةِ.
فصل: وإن رجَعَ أحدُ الشّاهِدَيْن وحدَه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في رُجوعِهما، في أنَّ الحاكمَ لا يَحْكُمُ بشَهادتِهما، إذا كان رُجوعُه قبلَ الحُكْمِ، ولا تُسْتَوْفَى العُقوبَةُ إذا رجعَ قبلَ اسْتِيفائِها؛ لأنَّ الشَّرْطَ يَخْتَلُّ برُجوعِه، كاخْتِلالِه برُجوعِهما. وإن كان رُجوعُه بعدَ الاسْتِيفاءِ، لَزِمَه حُكْمُ إقْرارِه وحدَه، فإن أقَرَّ بما يُوجِبُ القِصاصَ، وجَبَ عليه، وإنْ أقَرَّ بما يُوجِبُ دِيَةً مُغَلَّظَةً، وجَبَ عليه قِسْطُه منها، وإنْ أَقَرَّ بالخطَأ، وجَبَ عليه قِسْطُه مِن الدِّيَةِ المُخَفَّفَةِ. وإن كان الشُّهودُ أكثرَ
стр. 14735
وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِالزِّنَى فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، غَرِ مَا ثُلُثَ الدِّيَةِ.
ــ
مِن اثْنَيْنِ في الحُقوقِ المالِيَّةِ، أو القِصاصِ، ونحوِه، فيما يَثْبُتُ بشَاهِدَيْن أو أكثرَ مِن أرْبعةٍ، فرجَعَ الزَّائِدُ منهم قبلَ الحُكْمِ أو الاسْتِيفاءِ، لم يَمْنَعْ ذلك الحكمَ ولا الاسْتِيفاءَ؛ لأنَّ ما بَقِىَ مِن البَيِّنَةِ كافٍ في إثْباتِ الحُكْمِ واسْتِيفاثِه. وإن رَجَعَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، فعليه القِصاصُ إن أقَرَّ بما يُوجِبُه، أو قِسْطُه مِن الدِّيَةِ أو مِن المُفَوَّتِ بشَهادتِهم إن كان غيرَ ذلك. وفى ذلك اختلافٌ، ذكَرْنا بعْضَه.
فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ وجَبَ الضَّمانُ على الشُّهودِ بالرُّجوعِ، فإنَّه يُوَزَّعُ بينَهم على عدَدِهم، قَلُّوا أو كَثُروا. قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ: إذا شَهِدَ بشَهادةٍ، ثم رجَعَ وقد أتْلَفَ مالًا، فإنَّه ضامِنٌ بقَدْرِ ما كانوا في الشَّهادةِ، فإن كانوا اثْنَيْنِ، فعليه النِّصْفُ، وإن كانوا ثَلاثةً، فعليه الثُّلُثُ. وعلى هذا، لو كانوا عشَرَةً، فعليه العُشرُ. فإن رجَعَ أحدُهم وحدَه، غَرِمَ بقِسْطِه، على ما ذكَرْنا، وفيه اخْتلافٌ يُذْكَرُ إن شاءَ اللهُ تعالى. فإذا شَهِدَ أربعةٌ بالقتلِ، فقُتِلَ المَشْهودُ عليه، ثم رجَعَ واحدٌ، فعليه الرُّبْعُ إن قال: أخْطَأْنا. وإن رجَعَ اثْنانِ، فعليهما النِّصْفُ.
٥٠٨٢ - مسألة: فإذا شَهِدَ سِتَّةٌ بِالزِّنَى على مُحْصَنٍ ، فَرُجِمَ
стр. 14736
وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ، لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا.
ــ
بشَهادَتِهم، ثم رَجَع واحِدٌ، فعليه القِصاصُ أو سُدْسُ الدِّيَةِ. وإن رَجَع اثْنَانِ، فعليهما القِصاصُ أو ثُلُثُ الدِّيَةِ. وبهذا قال أبو عُبَيْدٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن رجَعَ واحدٌ أو اثْنان، فلا شئَ عليهما؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى قائمَةٌ، فَدَمُه غيرُ مَحْقُونٍ، وإن رجَعَ ثلاثةٌ، فعليهم رُبْعُ الدِّيَةِ، وإن رجَعَ أربعةٌ، فعليهم نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن رجَعَ خَمسةٌ، فعليهم ثلاثةُ أرْباعِها، وإن رجَعَ السِّتَّةُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهم سُدْسُها. ومَنْصوصُ الشافغىِّ فيما إذا رَجَع اثْنان، كمذهبِ أبى حنيفةَ. واخْتلَفَ أصْحابُه فيما إذا شَهِدَ بالقِصاصِ ثلاثةٌ، فرجَعَ أحدُهم، فقال أبو إسْحاقَ: لا قِصاصَ عليه؛ لأنَّ بَيِّنَةَ القِصاصِ قائمةٌ، وهل يَجِبُ عليه ثُلُثُ الدِّيَةِ؟ على وَجْهَيْن. وقال ابنُ
стр. 14737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحَدّادِ (١): عليه القِصاصُ. وفَرَّقَ بينَه وبينَ الرّاجعِ مِن شُهودِ الزِّنَى إذا كان زائدًا، بأنَّ دَمَ المشْهودِ عليه بالزِّنَى غيرُ مَحْقُونٍ، وهذا دمُه مَحْقُونٌ، وإنَّما أُبِيحَ دَمُه لوَلِىِّ القِصاصِ وحْدَه. واخْتلَفوا فيما إذا شَهِدَ بالمالِ ثلاثةٌ، فرَجَعَ أحدُهم، على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يَضْمنُ الثُّلُثَ. والثانى، لا شئَ عليه. ولَنا، أنَّ الإتْلافَ حصَلَ بشَهادتِهم، فالرّاجِعُ يُقِرُّ بالمُشارَكَةِ فيه عَمْدًا عُدْوانًا لِمَن (٢) هو مِثْلُه في ذلك، فلَزِمَه القِصاصُ، كما لو أقَرَّ بمُشارَكَتِهم في مُباشرَةِ قَتْلِه، ولأنَّه أحدُ مَن قُتِلَ المشْهودُ عليه بشَهادتِه، فأشْبَهَ الثانَى مِن شُهودِ القِصاصِ، والرابعَ مِن شُهودِ الزِّنَى، ولأنَّه أحدُ مَن حصَلَ الإتْلافُ بشَهادتِه، فلَزِمَه مِن الضَّمانِ بقِسْطِه، كما لو رجَعَ الجميعُ. وقولُهم: إنَّ دمَه غيرُ مَحْقُونٍ. [غيرُ صَحيحٍ] (٣)؛ فإنَّ الكلامَ فيما إذا قُتِلَ، ولم يَبْقَ له دمٌ يُوصَفُ بحَقْنٍ ولا عَدَمِه، وقيامُ الشَّهادةِ لا يَمْنَعُ وُجوبَ القِصاصِ، كما لو شَهِدَت لرجلٍ باسْتِحْقاقِ القِصاصِ، فاسْتَوْفاه، ثم أقَرَّ بأنَّه قَتَلَه ظُلْمًا، وأنَّ الشُّهودَ شُهودُ زُورٍ (٤). والتَّفْريقُ بينَ القِصاصِ والرَّجْمِ بكَوْنِ دَمِ القاتلِ غيرَ
стр. 14738
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُم رَجَعَ الْجَمِيعُ، لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِى الْآخَرِ، عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعَلَى شُهُودِ الإِحْصَانِ [٣٥٣ و] النِّصْفُ. وَإنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِالإِحْصَانِ، صَحَّتِ الشَّهَادَةُ، فَإِنْ رُجِمَ ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ،
ــ
مَحْقُونٍ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَحْقُونٍ بالنِّسْبَةِ إلى مَن قَتَلَه، ولأنَّ كلَّ واحدٍ مُؤَاخَذٌ بإقْرارِه، ولا يُعْتَبَرُ قولُ شَريكِه، ولهذا لو أقَرَّ أحدُ الشَّرِيكَيْن بعَمْدِهما (١)، وقال الآخَرُ: أخْطَأْنا. وجبَ القِصاصُ على المُقِرِّ (٢) بالعَمْدِ.
٥٠٨٣ - مسألة: (وإن شَهِدَ أرْبَعَةٌ بالزِّنَى، واثْنانِ بالإِحْصانِ، ثم رَجَع الجَمِيعُ، لَزِمَتْهم الدِّيَةُ أسْداسًا، في أحَدِ الوَجْهَيْن. وفِى الآخَرِ، على شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعلى شُهُودِ الإِحْصَانِ النِّصْفُ. فإن شَهِدَ أرْبَعَةٌ بِالزِّنى، وشَهِدَ اثْنَانِ منهم بالإِحْصَانِ، صَحَّتِ الشَّهَادَةُ، فإن رُجِمَ ثم
стр. 14739
فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالإِحْصَانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِى، يَلْزَمُهُمْ ثَلَاَثةُ أَرْبَاعِهَا.
ــ
رَجَعُوا عن الشَّهادَةِ، فعلى مَن شَهِدَ بالإِحْصانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، على الوَجْهِ الأوَّل. وِعلى الثَّانِى، يَلْزَمُهُم ثَلَاَثةُ أَرْبَاعِهَا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شَهِدَ أربعةٌ بالزِّنى، واثْنان بالإِحْصانِ [صَحَّتِ الشَّهادَةُ. فإن رُجِمَ] (١)، ثمِ رَجعُوا عن الشَّهادةِ، فالضَّمانُ على جَمِيعِهم. وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ على شُهودِ الإِحْصانِ؛ لأنَّهم شَهِدُوِا بالشَّرْطِ دونَ السَّبَبِ المُوجِبِ للقَتْلِ، وإنَّما يَثْبُتُ ذلك بشَهادةِ الزِّنَى. ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّ قتلَه حصَلَ بمجموعِ الشَّهادَتَيْن (٢)، فتجِبُ الغَرامَةُ على الجميعِ، كما لو شَهِدُوا جميعًا على الزِّنَى. وفى كَيْفِيَّةٍ الضَّمانِ وَجْهان؛ أحدُهما، يُوَزَّعُ عليهم على عَدَدِ رُءوسِهم، كشُهودِ الزِّنَى؛ لأنَّ القتلَ حصَلَ مِن جميعِهم. والثانى، على شُهودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعلى شُهودِ
стр. 14740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإحْصانِ النِّصْفُ؛ لأنَّهما حِزْبان، فلكلِّ حِزْبٍ نِصْفٌ. فإن شَهِدَ أرْبعةٌ بالزِّنَى، واثْنان منهم بالإِحْصانِ، ثم رَجعُوا، فعلى الوَجْهِ (١) الأوَّلِ، على شاهِدَىِ الإِحْصانِ الثُّلُثانِ، وعلى الآخَرَيْن (٢) الثُّلُثُ؛ لأنَّ عِلى شاهِدَىِ الإِحْصانِ الثُّلُثَ لشَهادتِهما به، والثُّلُثَ لشَهادَتِهما بالزِّنى، وعلى الآخَرَيْن الثُّلُثُ لشَهادتِهما بالزِّنَى وحْدَه. وعلى الوَجْهِ الثانى، على شهودِ الإِحْصانِ ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ؛ لأنَّ عليهما النِّصْفَ لشَهادتِهما بالإِحْصانِ، ونِصْفَ الباقى لشَهادتِهما بالزِّنَى. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ على شاهِدَى الإِحْصانِ إلَّا النِّصْفُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما جَنَى جِنايَتَيْنِ، وجَنَى كلُّ واحدٍ مِن الآخَرَيْن جِنايةً واحدةً، فكانتِ الدِّيَةُ بينَهم على عددِ رُءوسِهم، لا على عَدَدِ جِناياتِهم، كما لو قَتَلَ اثْنان واحدًا، جَرَحَه أحدُهما جُرْحًا، والآخَرُ اثْنَيْنَ.