وَهَلْ يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَا يُقْبَلُ فِى النِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَسَائِرِ مَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ شَاهِدٌ
ــ
٥٠٩١ - مسألة: (وهل يَثْبُتُ العِتْقُ بشاهِدٍ ويَمِينٍ؟ على رِوايَتَيْنِ) إحداهما، يَثْبُتُ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ، وأبى بكرٍ؟ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، فقُبِلَ فيه شاهدٌ ويَمِينٌ، كالبَيْعِ، أو إتْلافُ مالٍ، فقُبِلَ فيه شاهدٌ ويَمِينٌ، كالإِتْلافِ بالفِعْلِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تَثْبُتُ الحُرِّيَّةُ إلَّا بشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذكَرَيْنِ؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا المَقْصودُ منه المالَ، ويَطَّلِعُ عليه الرجالُ في غالبِ الأحْوالِ، فأَشْبَهَ الحُدودَ والقِصاصَ.
٥٠٩٢ - مسألة: (ولا يُقْبَلُ فِى النِّكَاحِ، والرَّجْعَةِ، وسَائِرِ مَا لَا
стр. 14772
وَيَمِينٌ. وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ فِى الإِثْبَاتِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى النَّفْى، حَلَفَ عَلَى نَفْى عِلْمِهِ.
ــ
يُسْتَحْلَفُ فيه) كالطَّلَاقِ والوَصِيَّةِ (شَاهِدٌ ويَمِينٌ) لقولِ اللَّهِ تعالى في الرَّجْعَةِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وقِسْنا عليه سائرَ ما ذكَرْنا؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، أشْبَهَ العُقوباتِ. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، يُقْبَلُ فيه رجلٌ وامْرأتانِ، أو يَمِينٌ؛ لأنَّه ليس بعُقوبَةٍ، ولا يَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، أشْبَهَ المالَ. وقال القاضى: النِّكاحُ لا يَثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْنِ، والباقِى (٢) يُخَرَّجُ فيه رِوَايتان. ذكَرْنا وَجْهَهُما.
٥٠٩٣ - مسألة: (ومَن حَلَفَ على فِعْلِ نَفْسِه، أو دَعْوَى عليه) في الإِثْباتِ (حَلَف على البَتِّ) معنى البَتِّ: القطعُ. أى يَحْلِفُ باللَّهِ: ما لَه علىَّ شئٌ. والأيْمانُ كلُّها على البَتِّ والقَطْعِ، إلَّا على نَفْى فِعْلِ
стр. 14773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الغَيْرِ، فإنَّها على نَفْى العِلْمِ. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ. وقال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ: كلُّها على العلمِ. وذكرَه ابنُ أبى موسى رِوايةً عن أحمدَ. وذكرَ حديثَ الشَّيْبَانِىِّ (١)، عن القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النبىِّ ﷺ : «لَا تَضْطَرُّوا النَّاسَ فِى أيْمَانِهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ» (٢). ولأنَّه لا يُكَلَّفُ (٣) على ما لا عِلْمَ له به. وقال ابنُ أبى ليلَى: كلُّها على البَتِّ، كما يَحْلِفُ على فِعْلِ نَفْسِه. ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا، فقال: «قُلْ: وَاللَّهِ الَّذِى لَا إلهَ إلَّا هُوَ، مَا لَهُ عَلَيْكَ حَقٌ» (٤). ورَوَى الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ، أنَّ رَجلًا
стр. 14774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن كِنْدَةَ، ورجلًا مِن حَضْرَمَوْتَ، اخْتَصَما إلى رسولِ اللَّه ﷺ في أرْضٍ مِن اليَمَنِ، فقال الحَضْرَمِىُّ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أرْضِى اغْتصَبَنِيها (١) أبو هذا، وهى في يَدِه. قال: «هَلْ لَكَ بَيِّنةٌ؟». قال: لا، ولكن أُحَلِّفُه واللَّهِ ما يَعْلَمُ أنَّها أرْضِى اغْتَصَبَنِيها أبُوه. فتهَيَّأَ الكِنْدِىُّ لليَمِينِ. رَوَاه أبو داودَ (٢). ولم يُنْكِرْ ذلك النبىُّ ﷺ . وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه الإِحاطَةُ بفِعْلِ نفسِه، ولا يُمْكِنُه ذلك في فِعْلِ غيرِه، فافْتَرَقا في اليَمِينِ، كما (٣) افْتَرَقَتِ الشَّهادةُ، فإنَّها تكونُ بالقَطْعِ فيما يُمْكِنُ القَطْعُ فيه مِن العُقودِ، وعلى الظَّنِّ فيما لا يُمْكِنُ فيه القَطْعُ مِن الأمْلاكِ والأنْسابِ (٤)، وعلى نَفْى العلمِ فيما لا تُمْكِنُ الإِحاطَةُ بانْتِفائِه، كالشَّهادةِ على أنَّه لا وارِثَ له إلَّا فُلانٌ وِفُلانٌ وحديثُ القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، مَحْمولٌ على اليَمِينِ على نَفْىِ (٥) فِعْلِ الغيرِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَحْلِفُ فيما عليه على البَتِّ، نَفْيًا كان أو إثْباتًا. وأمَّا ما يَتعلَّقُ بفعلِ غيرِه، فإن كان إثْباتًا،
стр. 14775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثلَ أن يَدَّعِىَ أنَّه أقْرَضَ أو باعَ، ويُقِيمَ شاهِدًا بذلك، فإنَّه يَحْلِفُ مع شاهدِه على البَتِّ والقَطْعِ، وإن كان على نَفْىٍ، مثلَ أن يَدَّعِىَ عليه دَيْنًا، أو غَصْبًا، أو جِنايةً، [أو خِيانةً] (١)، فإنَّه يَحْلِفُ على نَفْى العلمِ لا غيرُ. وإن حَلَف عليه على البَتِّ كَفاه، وكان التَّقْديرُ فيه العِلْمَ، كما في الشَّاهدِ إذا شَهِدَ بعَددِ الوَرَثَةِ، وقال: ليس له وارثٌ غيرَهم. سُمِعَ ذلك، وكان التَّقْديرُ فيه (٢) عِلْمَه. ولو ادُّعِىَ عليه (٣) أنَّ عبدَه اسْتدانَ أو جَنَى، فأنْكَرَ ذلك، فيَمِينُه على نَفْى العلْمِ؛ لأنَّها يَمِينٌ على فِعْلِ الغيرِ، فأشْبَهَتْ يَمِينَ الوارِثِ على نَفىِ فِعْلِ المَوْروثِ.
стр. 14776
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ذكَرَ ابنُ أبى موسى أنَّه اخْتلَفَ قوْلُه، في مَن باعَ سِلْعةً، فظَهرَ المُشْتَرِى على عَيْبٍ بها، فأنْكَرَه البائِعُ، هل اليَمِينُ على البَتَاتِ أو على عِلْمِه؟ على رِوايَتَيْنِ. ولو أبَقَ عَبْدُ (١) المُشْتَرِى، فادَّعَى على البائعِ أنَّه أبَقَ عندَه، فأنْكَرَ، هل يَلْزَمُه أن يَحْلِفَ أنَّه لم يَأْبِقْ قَطُّ، أو على نفْىِ عِلْمِه؟ على رِوَايَتَيْنِ، إلَّا أن يكونَ ولدَه، فيَلْزَمُه أن يَحْلِفَ أنَّه لم يَأْبِقْ قَطُّ. ووَجْهُ كَوْنِ اليَمِينِ على نَفْى عِلْمِه، أنَّها على نَفْى فِعْلِ الغيرِ، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى عليه [أنَّ عبدَه جنَى. ووَجْهُ الأُخْرَى، أنَّه ادَّعَى عليه] (٢) أنَّه باعَه مَعِيبًا، يَسْتَحِقُّ رَدَّه عليه، فلزِمَتْه اليَمِينُ على البَتِّ، كما لو كان إثْباتًا.
стр. 14777
وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِجَمَاعَةٍ، فَقَالَ: أَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً لَهُمْ. فَرَضُوا، جَازَ، وَإِنْ أَبَوْا، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا.
ــ
٥٠٩٤ - مسألة: (ومَن تَوَجَّهَتْ عليه يَمِينٌ لجماعَةٍ، فقال: أحْلِفُ يَمِينًا واحِدَةً. فَرَضُوا، جَازَ، وإن أبَوْا، حَلَفَ لكُلِّ واحِدٍ يَمِينًا) إذا كان الحقُّ لجماعةٍ، فرَضُوا بيَمِينٍ واحدةٍ، صَحَّ، وسَقَطَتْ دَعْواهم باليَمِينِ؛ لأنَّها حَقُّهم، ولأنَّه لمَّا جازَ ثُبوتُ الحقِّ ببَيِّنَةٍ واحدةٍ لجَماعةٍ، جازَ سُقوطُه بيَمِينٍ واحدةٍ. قال القاضى: ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ حتى
стр. 14778
فَصْلٌ: وَالْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ هِىَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ، تَعَالَى اسْمُهُ.
ــ
يَحْلِفَ لكُلِّ واحدٍ يَمِينًا. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ اليَمِينَ حُجَّةٌ في حقِّ الواحدِ، فإذا رَضِىَ بها اثْنان، صارَتِ الحُجَّةُ في حقِّ كلِّ واحدٍ منهما ناقِصَةً، [والحُجَّةُ الناقِصَةُ لا تَكْمُلُ] (١) برِضَا الخَصْمِ، كما لو رَضِىَ أن يحْكمَ عليه بشَاهدٍ واحدٍ. والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ الحقَّ لهما، فإذا رَضِيَا به، جازَ، ولا يَلْزَمُ مِن رِضَاهُما بيَمِينٍ واحدةٍ أن يكونَ لكُلِّ واحدٍ بعضُ اليَمِينِ كما أنَّ الحُقوقَ إذا قامتْ بها بَيِّنَةٌ واحدةٌ لا تكونُ لكُلِّ حقٍّ بعضُ البَيِّنَةِ. فأمَّا إن حَلَّفَه الحاكمُ لجميعِهم يَمِينًا واحدةً [بغيرِ رِضاهم، لم تَصِحَّ يمينُه. بلا خِلافٍ نَعْلَمُه. وقد حَكَى الإِصْطَخْرِىُّ، أنَّ إسماعيلَ بنَ إسحاقَ، حلَّفَ رجلًا بحقٍّ لرجلَيْن يَمِينًا واحِدَةً] (٢)، فخَطَّأَه أهْلُ عصرِه (٣).
فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (واليَمِينُ المَشْرُوعَةُ هى اليَمِينُ
стр. 14779
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باللَّهِ، تَعالى اسْمُه) [وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ اليمينَ المشروعةَ هى اليمينُ باللَّهِ، تعالى اسمُه] (١)، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّ مالِكًا أحَبَّ [أَنْ يَحْلِفَ] (١) باللَّهِ الذى لَا إلهَ إلَّا هو، وإنِ اسْتَحْلفَ [حاكم باللَّهِ، أجْزَأَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وهذا أحَبُّ إلىَّ؛ لأَنَّ ابنَ عبَاسٍ رَوَى، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَحْلفَ] (٢) رجلًا، فقال: «قُلْ: وَاللَّهِ الَّذى لا إلهَ إلَّا هُوَ، مَا لَهُ عِنْدَكَ شَىْءٌ». رواه أبو داودَ (٣). وفى حديثِ عمرَ حينَ حَلَف لأُبَىٍّ، قال (٤): واللَّهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، إنَّ النَّخْلَ لنَخْلى وما لأُبىِّ فيها شَىْءٌ (٥). وقال الشافعىُّ: إن كان المُدَّعَى قِصاصًا، أو عَتاقًا، أو حَدًّا، أو مالًا يَبْلُغُ نِصابًا، غُلِّظَتِ اليَمِينُ، فَيَحْلِفُ باللَّه اِلذى لا إلهَ إلَّا هو، عالمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الرَّحْمنِ الرَّحيمِ، الذى يَعْلمُ مِن السِّرِّ ما يَعْلَمُ مِن العَلَانِيَةِ، وقال في القَسامَةِ: عالمِ خائِنَةِ الأعْيُنِ وما تُخْفِى الصُّدورُ. وهذا اخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ. وذكرَ القاضى أنَّ هذا في أيْمانِ القَسامةِ خاصَّةً، وليس بشَرْطٍ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا
стр. 14780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ (١). وقال تعالى في اللِّعانِ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٣). قال بعضُ المفَسِّرين: مَن أقْسَمَ باللَّهِ فقد أَقْسَمَ باللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ. واسْتَحْلفَ النبىُّ ﷺ رُكانَةَ بنَ عبدِ (٤) يَزِيدَ في الطَّلاقِ، فقال: «آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟» (٥). وقال عثمانُ لابنِ عُمَرَ: تحْلِفُ باللَّهِ لقد بِعْتَه وما به داءٌ تَعْلَمُه (٦). ولأَنَّ [في اللَّهِ] (٧) كِفَايَةً، فوجبَ أَنْ يُكْتَفَى باسْمِه في اليَمِينِ، كالمواضِعِ التى سَلَّمُوها. فأمّا حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ [وعُمَرَ] (٨)، فإنَّه يدُلُّ على جَوازِ الاسْتِحْلافِ كذلك (٩)، وما ذكَرْناه يدُلُّ على الاكْتِفاءِ باسْمِ (١٠) اللَّهِ تعالَى وحدَه، وما ذكَرَه الباقونَ تحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه، ولا قِياسَ يَقْتَضِيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ اليَمِينَ في حقِّ المسلمِ والكافرِ جميعًا باللَّهِ تعالى، لا يَحْلِفُ أحدٌ بغيرِه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. ولِقولِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ
بَعْدَ الْعَصْرِ، أَوْ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ. وَالْمَكَانِ، يُحَلِّفُهُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَفِى الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِى سَائِرِ البُلْدَانِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ. وَيُحَلِّفُ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِى الْمَوَاضِعِ الَّتِى يُعَظِّمُونَهَا.
ــ
خَلَقَنِى وصَوَّرَنِى ورَزَقَنِى. والزَّمانِ، يُحلِّفُه بعدَ العَصْرِ، وبينَ الأذانَيْن. والمكانِ، يُحلِّفُه بمكَّةَ بينَ الرُّكْنِ والمقَامِ، وفى الصَّخْرَةِ ببَيْتِ المقْدِسِ، وفى سائرِ البُلْدانِ عندَ المِنْبَرِ. ويُحَلِّفُ أَهْلَ الذِّمَّةِ في الْمَوَاضِعِ الَّتِى يُعَظِّمُونَهَا) هذا الذى ذكَره شَيْخُنا اخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ، قال: وقد أوْمأَ إليه أحمدُ في رِوايةِ المَيْمُونِىِّ، وذكَرَ التَّغْلِيظَ في حَقِّ المَجُوسِىِّ، قال: قُلْ: واللَّهِ اِلذى خلَقَنى ورزَقَنِى. وإن كان وثَنِيًّا حَلَّفه باللَّهِ وِحدَه، وكذلك إن كان لا يَعْبُدُ اللَّهَ؛ لأنَّه لا يجوزُ الحَلِفُ بغيرِ اللَّهِ تعالى؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ». ولأَنَّ هذا إن لم يكُنْ يَعُدُّ هذه يَمِينًا، فإنَّه (١) يَزْدادُ بها إثْمًا وعُقوبةً، ورُبَّما عُجِّلَتْ عُقوبَتُه، فيَتَّعِظُ بذلك، ويَعْتَبِرُ به غيرُه. وهذا كلُّه ليس بشَرْطٍ في اليَمِينِ،
стр. 14783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنَّما للحاكمِ فِعْلُه إذا رأَى. وظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ اليَمِينَ لا تُغَلَّظُ إلَّا في حَقِّ أهلِ الذِّمَّةِ، ولا تُغلَّظُ في حقِّ المسلمِ. وبه قال أبو بكرٍ، وذلك لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رضى اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ يَعنى لليهودِ-: «نَشَدْتُكْم بِاللَّهِ الَّذِى أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ فِى التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟». روَاه أبو داودَ (١). وكذلك قال الخِرَقِىُّ: تُغلَّظُ في المكانِ، فيُحَلَّفُ في المواضعِ التى يُعَظِّمُونَها، ويُتَوَقَّى الكَذِبُ فيها. ولم يَذْكُرِ التَّغْلِيظَ بالزَّمانِ. وممَّن قال: يُسْتَحْلَفُ أهلُ الكتابِ باللَّهِ وحدَه. مَسْرُوقٌ، وأبو عُبَيْدَةَ بنُ عبدِ اللَّهِ (٢)، وعَطاءٌ، وشُرَيْحٌ، والحسنُ، وإبراهيمُ، وكَعْبُ بنُ سُورٍ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ. وممَّن قال: لا يُشرَعُ التَّغْليظُ بالزَّمانِ والمكانِ في حقِّ مُسْلِمٍ.
стр. 14784
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو حنيفةَ وصاحِبَاه. وقال مالكٌ، والشافعىُّ: تُغلَّظُ. ثم اخْتلَفا؛ فقال مالكٌ: يُحَلَّفُ في المدينةِ على مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ويُحَلَّفُ قائمًا، ولا يُحَلَّفُ قائمًا إلَّا على مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ويُسْتَحْلَفون في غيرِ المدينةِ في مساجدِ الجماعاتِ، ولا يُحَلَّفُ عندَ المِنْبَرِ إلَّا على ما يُقْطَعُ فيه (١) الِسَّارِقُ فصاعدًا، وهو ثلاثةُ دراهمَ. وقال الشافعىُّ: يُسْتَحْلَفُ المسلمُ بينَ الرُّكْنِ والمَقامِ بمكَّةَ، وفى المدينةِ عندَ مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وفى سائرِ البُلْدانِ في الجوامعِ عندَ المِنْبَرِ، وعندَ الصَّخْرَةِ ببيتِ المَقْدِسِ، وتُغَلَّظُ في الزَّمانِ في الاسْتِحْلافِ بعدَ العَصْرِ، على نحوِ ما ذكَرْناه في صدْرِ المسألةِ، ولا تُغَلَّظُ في المالِ إلَّا في نِصابٍ فصاعِدًا، وتُغَلَّظُ في الطَّلاقِ والعَتاقِ والحدِّ والقِصاصِ. وقال ابنُ حَزْمٍ (٢): تُغلَّظُ بالقليلِ والكثيرِ. واحْتَجُّوا [بقولِه تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ (٣). قيل: أرادَ صلاةَ العَصْرِ. ورُوى عن] (٤) النَّبِىِّ ﷺ ، [أنَّه قال] (٥): «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِى هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ
стр. 14785
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّارِ» (١). فثَبتَ أنَّه يتَعلَّقُ بذلك تأْكيدُ اليَمِينِ. ورَوَى مالكٌ (٢)، قال: اخْتصمَ زيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ مُطيعٍ في دارٍ كانت بينَهما إلى مَرْوانَ ابنِ الحكمِ، فقال زيدٌ: أحْلِفُ له مَكانِى. فقال مَرْوانُ: لا واللَّهِ، إلَّا عندَ مُنْقطَعِ الحُقوقِ. قال: فجَعلَ زيدٌ يَحْلِفُ أنَّ حقَّه لحَقٌّ، ويَأْبَى أن يَحْلِفَ عندَ المِنْبَرِ، فجَعلَ مَرْوانُ يَعْجَبُ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ (٣). ولم يَذْكُرْ مَكانًا
стр. 14786
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا زَمانًا، ولا زِيادةً في اللَّفْظِ. واسْتَحْلَفَ النبىُّ ﷺ رُكانَةَ في الطَّلاقِ، فقال: «آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟». قال: آللَّهِ مَا أرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً (١). ولم يُغَلِّظْ يَمِينَه بزَمَنٍ، ولا مَكانٍ، ولا زيادةِ لفظٍ. وحَلَفَ عمرُ لأُبَىٍّ حينَ تَحاكَما إلى زيدٍ في مَكانِه، وكانا في بيتِ زيدٍ (٢). وقال عثمانُ لابنِ عمرَ: تحْلِفُ باللَّهِ لقد بِعْتَه ومَا به داءٌ تَعْلَمُه (٣)؟. وفيما ذكَرُوه مِن التَّغْليظِ تَقْيِيدٌ لهذه النُّصوصِ، ومُخالفةٌ للإِجْماعِ. فإنَّ ما ذُكِرَ عن الخَليفَتَيْن عمرَ وعثمانَ، مع مَن حَضَرهما، لم يُنْكَرْ، وهو في مَحَلِّ (٤) الشُّهْرَةِ، فكان إجْماعًا. وقولُه تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ (٥). إنَّما كان في حَقِّ أهلِ الكتابِ، [والوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وهى قَضِيَّةٌ خُولِفَ فيها القِياسُ في مَواضِعَ؛ منها قَبولُ شَهادةِ أهلِ الكتابِ] (٦) على المسلمين، ومنها اسْتِحْلافُ الشَّاهِدَيْنِ، ومنها اسْتِحْلافُ
стр. 14787
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خُصومِهما عندَ العُثورِ على اسْتِحْقاقِهما الإِثْمَ، وهم لا يَعْمَلُون (١) بها أصلًا، فكيفَ يحْتَجُّون بها! ولَمَّا ذَكَرَ أيْمانَ المسلمين أطْلَقَ اليَمِينَ، ولم يُقَيِّدْها، والاحْتِجاجُ بهذا أَوْلَى مِن المَصِيرِ [إلى ما خُولِفَ فيه القِياسُ وتُرِكَ العملُ به. وأمَّا حديثُهم، فليس فيه دليلٌ على مَشْرُوعِيَّةِ اليَمِينِ عندَ المِنْبَرِ] (٢)، إنَّما فيه دليلٌ على تَغْليظِ الإِثْمِ على الحالفِ. وأمَّا قَضِيَّةُ مَرْوانَ، فمِنَ العَجَبِ احْتِجاجُهم بها، وذَهابُهم إلى قولِ مَرْوانَ في قَضِيَّةٍ خالَفَه زيدٌ فيها، وقولُ زيدٍ، فَقِيهِ الصَّحابة وقارِئِهم وأَفْرَضِهم، أحقُّ أن يُحْتَجَّ به مِن قولِ مَرْوانَ، الذى لو انْفَرَدَ، ما جازَ الاحْتِجاجُ به، فكيفَ يجوزُ مع مُخالَفةِ إجْماعِ الصَّحابةِ، وقولِ أَئِمَّتِهم وفُقَهائِهم، ومُخالفةِ فِعْلِ النَّبِىِّ ﷺ ، وإطْلاقِ كتابِ اللَّهِ ! فهذا ممَّا لا يجوزُ.
стр. 14788
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنَّما ذكرَ الخِرَقِىُّ التَّغْليظَ بالمكانِ واللَّفْظِ في حقِّ الذِّمِّىِّ (١)، لاسْتِحْلافِ النَّبِىِّ ﷺ اليهودَ بقولِه: «نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِى أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى» (٢). ورُوِىَ عن كَعْبِ بنِ سُورٍ، في النَّصْرَانِىِّ، قال: اذْهَبُوا بِه إلى المَذْبَحِ، واجْعَلُوا الإِنْجِيلَ في حِجْرِه، والتَّوْراةَ على رَأْسِه (٣). وقال الشَّعْبِىُّ في نَصْرانِىٍّ: اذْهَبْ به إلى البِيعَةِ، فاسْتَحْلِفْه بما يُسْتَحْلَفُ به مِثْلُه (٤). وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ أن يُسْتَحْلَفَ في مكانٍ بعَيْنِه، ولا يَمِينًا يُسْتَحْلَفُ بها غيرَ التى يُسْتَحْلفُ بها المسلمون.
стр. 14789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفى الجملةِ، لا خِلافَ بينَ المسلمين في أنَّ التَّغْليظَ بالمكانِ والزَّمانِ والألْفاظِ غيرُ واجبٍ، إلَّا أنَّ ابنَ الصَّبَّاغِ ذكرَ في وُجوبِ التَّغْليظِ بالمكانِ قَوْلَيْن للشافعىِّ. وخالَفَه ابنُ القَاصِّ، فقال: لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ القاضِىَ حيثُ اسْتَحْلَفَ المُدَّعَى عليه في عمَلِه (١) وبلَدِ قَضائِه، جازَ،
стр. 14790
وَلَا تُغَلَّظُ الْيَمِينُ إلَّا فِيمَا لَهُ خَطَر؛ كَالْجِنَايَاتِ، وَالْعَتَاقِ، وَالطَّلاقِ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ الزكَاةُ مِنَ الْمَالِ. وَقِيلَ: مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ.
ــ
وإنَّما التَّغْليظُ بالمكانِ اخْتِيار منه. فيكونُ التَّغْليظُ عندَ مَن رآه اخْتِيارًا واسْتحبابًا.
فصل: قال ابنُ المُنْذِرِ: ولم أجدْ أحدًا يُوجِبُ اليَمِينَ بالمُصْحَف. وقال الشافعىُّ: رأيتُهم يُؤكِّدُون بالمُصحَفِ، ورأيتُ ابنَ مَازِنٍ، وهو قاضٍ بصنعاءَ، يُغَلِّظُ اليَمِينَ بالمُصحَف. قال أصحابُه: فيُغَلَّظُ عليه بإحضارِ المُصْحَف؛ لأنَّه يَشْتَمِلُ على كلامِ اللَّهِ وأسْمائِه. وهذا زِيادةٌ على ما أَمَرَ به رسولُ اللَّهِ ﷺ في اليَمِينِ، وعلى ما فَعلَه الخُلفاءُ وقُضاتُهم، مِن غيرِ دليل ولا حُجَّةٍ يُسْتَنَدُ إليها، ولا يُتْرَكُ فعلُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وفِعلُ (١) أصحابِه لفِعلِ ابنِ مَازِنٍ ولا غيرِه.
٥٠٩٦ - مسألة: (ولا تُغَلَّظُ اليَمِينُ إلَّا فيما له خَطَر، كالجِناياتِ، والعَتَاقِ، والطَّلاقِ، وما تَجِبُ فيه الزَّكاةُ مِن المالِ) عندَ مَن يرَى التَّغْلِيظَ (وقيلَ: ما يُقْطَعُ فيه السَّارِقُ) رُوِى ذلك عن مالكٍ؛
стр. 14791
وَإِنْ رَأى الْحَاكِمُ تَركَ التَّغْلِيظِ فَتَرَكَهُ، كَانَ مُصِيبًا.
ــ
لأَنَّ التَّغْليظَ زِيادةٌ على اليَمِينِ التى وَرَد الشَّرعُ بوُجوبِها، فلا تَجِبُ إلَّا بزيادةٍ على مُطلَقِ الحَقِّ. وتَركُ التَّغْليظِ أولَى، على ما اخْتارَه شيْخُنا، ودَلَّ عليه، إلَّا في مَوْضعٍ وَرَد الشَّرعُ به وصَحَّ، كتَحْليفِ رسولِ اللَّهِ ﷺ اليهودَ بقولِه: «نَشَدتُكم بِاللَّهِ الَّذِى أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى». ونحوِه.
٥٠٩٧ - مسألة: (وإن رأَى الحَاكِمُ تَركَ التَّغْلِيظِ فتَرَكَه، كان
стр. 14792
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُصِيبًا) لمُوافقَتِه مُطْلَقَ النَّصِّ، وهو قولُه ﵊: «وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (١).
فصل: ومَن تَوَجَّهتْ عليه يَمِين وهو فيها صادِقٌ، أو توَجَّهَتْ له، أُبِيحَ له الحَلِفُ، ولا شئَ عليه مِن إثْمٍ ولا غيرِه؛ لأَنَّ اللَّه تعالى شرَعَ اليَمِينَ، ولا يَشْرَعُ مُحَرَّمًا، وقد أمرَ اللَّهُ سبحانه نَبِيَّه، ﵊، أَنْ يُقْسِمَ على الحقِّ، في ثلاثةِ مَواضِعَ مِن كتابِه، منها قولُه تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٢). وحلَفَ عمرُ لأُبَىٍّ على نَخْلٍ، ثم وَهبَه إيَّاه، وقال: خِفْتُ إنْ لم أحْلِفْ أن يَمتَنِعَ الناسُ مِن الحَلِفِ على حُقوقِهم، فتَصِيرَ سُنَّةً (٣). قال حَنْبَلٌ: بُلِىَ أبو عبدِ اللَّهِ بنَحْوِ هذا، جاء إليه ابنُ عَمِّه، فقال: لى قِبَلَكَ حقٌّ مِن مِيراثِ أبى، وأُطالِبُكَ بالقاضى، وأُحَلِّفُكَ. فقيل لأبى عبدِ اللَّهِ: ما تَرَى؟ قال: أَحْلِفُ له، إذا لم يكُنْ له في قِبَلِى حَقّ، وأنا غيرُ شاك في ذلك، حَلَفْتُ له، وكيفَ لا أحْلِفُ، وعمرُ (٤) قد حلَفَ، وأنا مَن أنا؟ وعزَمَ أبو عبدِ اللَّهِ على اليَمِينِ، فكَفَاه اللَّهُ ذلك، ورجَعَ الغُلامُ عن (٥) تلك المُطالَبَةِ.
واخْتُلِفَ في الأُوْلَى، فقال قومٌ: الحَلِف أوْلَى مِن افْتداءِ يَمِينِه؛ لأَنَّ عمرَ
стр. 14793
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حلَفَ، ولأَنَّ في الحَلِفِ فائِدَتَيْنِ؛ إحداهما، حِفْظُ مالِه عن الضَّياعِ، وقد نَهى النَّبىُّ ﷺ عن إضاعَتِه (١). والثانيةُ، تخْليصُ أخِيه الظَّالمِ مِن ظُلْمِه (٢)، وَأَكْلِ المالِ بغيرِ حَقِّه، وهذا مِن نُصْحِه ونُصْرَتِه بكَفِّه عن ظُلْمِه، وقد أشارَ النبىُّ ﷺ على رجلٍ أن يَحْلِفَ ويأْخُذَ حَقَّه (٣). وقال أصْحابُنا: الأفْضَلُ افْتِداءُ يَمينِه؛ فإنَّ عثمانَ افْتَدى يَمينَه، وقال: خِفْت أن يُصادِفَ قَدَرًا، فيقالَ: حلَفَ وعُوقِبَ، أو هذا شُؤْمُ يَمينِه (٤). ورَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه، أنَّ حُذَيْفَةَ عَرَفَ جَمَلًا سُرِقَ له، فخَاصَمَ فيه (٥) إلى قاضى المُسلمين، فصارَتِ اليَمِينُ على حُذَيْفةَ، فقال: لكَ عَشَرةُ دَراهِمَ. فأبَى، فقال: لكَ عِشرون. فأبَى. فقال: لكَ ثَلاثون. فأبَى فقال: لكَ أرْبَعونَ. فأبَى، فقال: حُذَيْفَةُ: أتُرانِى اترُكُ جَمَلِى؟ فحلَف باللَّهِ أنَّه له (٦) ما باعَ ولا وَهب (٧). ولأَنَّ في اليَمِينِ عندَ الحاكمِ تَبَذُّلًا، ولا يَأْمَنُ أن يُصادِفَ قَدَرًا، فيُنْسَبَ إلى الكَذِبِ، وأنَّه عُوقِبَ
стр. 14794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِحَلِفِه كاذِبًا، وفى ذَهابِ مالِه أجْرٌ. وليس هذا تَضْييعًا للمالِ، فإنَّ أخاه المُسلمَ يَنْتَفِعُ به في الدُّنْيا ويَغْرَمُه له في الآخِرَةِ. وأَمَّا عمرُ، فإنَّه خافَ الاسْتِنانَ به، وتَركَ الناسِ الحَلِفَ على حُقوقِهم، فيدُلُ على أنَّه لولا ذلك، لمَا حَلَف. قال شيْخُنا (١): وهذا أوْلَى. واللَّه تعالى أعلمُ.
فصل: والحَلِف الكَذِبُ لِيَقْتَطِعَ به مالَ أخِيه، فيه إثْمٌ كبير. وقِيلَ: إنَّه مِن الكبائرِ؛ لأَنَّ اللَّه تعالى وَعَدَ عليه العذابَ الأليِمَ، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). ورَوَى ابنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْر (٣)، يَقْتَطِعُ بِها مَالَ امرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيها فَاجِرٌ، لَقِىَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». مُتَّفَقٌ عليه (٤). وقد رُوِى في حديثٍ أنَّ يَمِينَ الغَمُوسِ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ (٥).
فصل: ومَن ادُّعِىَ عليه دَيْن وهو مُعسِر به، لم يَحِلَّ له أن يَحلِفَ
стр. 14795
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه لا حَقَّ له علىَّ. وبهذا قال المُزَنِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: له ذلك؛ لأَنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَة إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١). ولأنَّه لا يَسْتَحِقُّ مُطالبتَه به (٢) في الحالِ، ولا يَجبُ عليه أداؤه إليه. ولَنا، أنَّ الدَّينَ في ذِمَّتِه، وهو حَقٌّ له عليه، ولو لم يَكُنْ عليه حق، لم يَجُزْ إنْظارُه به.
فصل: ويَمِينُ الحالِفِ على حَسَبِ جَوابِه، فإذا ادَّعَى عليه (٣) أنَّه غَصَبَه، أو اسْتَوْدَعَه وَدِيعَةً (٤)، أو اقْتَرضَ منه، نَظَرنا في جوابِ المُدَّعَى عليه؛ فإن قال: ما غصَبْتُكَ، ولا اسْتَوْدَعتَنِى، ولا أقْرَضْتَنِى. كُلِّفَ أن يَحلِفَ على ذلك. وإنْ قال: [ما لَكَ علىَّ شئٌ] (٥). أو: لا تَسْتَحِقُّ علىَّ شيئًا. أو: لا تَسْتَحِقُّ علىَّ ما ادَّعَيْتَه، ولا شيئًا منه. كان جوابًا صَحِيحًا. ولا يُكَلَّف الجوابَ عن الغَصبِ والوَدِيعةِ والقَرضِ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ غصَبَ منه ثم رَدَّه عليه، فلو كُلِّفَ جَحدَ ذلك كان كاذِبًا، وإن أقَرَّ به، ثم ادَّعَى الرَّدَّ، لم يُقْبَلْ منه، فإذا طُلِبَ منه اليَمِينُ، حَلَفَ على حَسَبِ ما أجابَ. ولو ادَّعَى أنَّنِى ابْتعتُكَ الدَّارَ التى في يَدِكَ، فأنْكَرَه، وطلبَ
стр. 14796
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَمِينَه؛ فإنْ (١) أجابَ بأنَّك لا تَسْتَحِقُّها. حَلَفَ على ذلك، [ولم يَلْزَمْه أن يَحلِف أنَّه ما ابْتَاعَها؛ لأنَّه قد يَبْتاعُها ثم يَرُدُّها عليه. وإن أجَابَ بأنَّك لم تَبْتعها مِنِّى. حَلَفَ على ذلك] (٢). قال أحمدُ، في رجلٍ ادَّعَى على رَجل أنَّه أوْدَعَه، فأنْكَرَه، هل يَحْلِفُ: ما أوْدَعتُكَ؟ قال: إذا حَلَف: ما لَكَ عندى، ولا في يَدِى شئٌ. فهو يَأتِى على ذلك. وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يَلْزَمُه أن يحْلِفَ على حَسَبِ الجوابِ، وأنَّه متى حَلَف: ما لَكَ قِبَلِى حَقٌّ. بَرِئَ بذلك. ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهان كَهذَيْنِ.
فصل: ولا تَدْخُلُ اليَمِينَ النِّيابةُ، ولا يَحلِفُ أحدٌ عن غيرِه، فلو كان المُدَّعَى عليه صغيرًا أو مَجْنونًا، لم يُحْلَفْ عنه، حتى يَبْلُغَ الصَّبِىُّ، ويعقِلَ المجْنونُ، ولم يَحْلِفْ عنه وَلِيُّهِ. ولو ادَّعَى الأبُ لابنِه الصَّغيرِ حقًّا، أو ادَّعاه الوَصِىُّ أو الأمِينُ له، وأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه، فإن نَكَلَ قُضِىَ عليه. ومَن لم يَرَ القَضاءَ بالنُّكُولِ، ورَاى رَدَّ اليَمِينِ على المُدَّعِى، لم يُحَلِّفِ الوَلِىَّ عنهما، ولكن تَقِف اليَمِينُ، ويكْتُبُ الحاكمُ مَحضَرًا بنُكولِ المُدَّعَى عليه. وإنِ ادَّعَى على العبدِ دَعْوَى، وكانت ممَّا يُقْبَلُ قولُ العَبدِ فيها على نَفْسِه؛ كالقِصاصِ، والطَّلاقِ، والقَذْفِ، والخُصومَةِ معه دونَ سَيِّدِه؛ فإن قُلْنا: إنَّ اليَمِينَ تُشْرَعُ في هذا. حَلَفَ العبدُ دونَ سيدِه، وإن نَكَلَ لم يَخلِفْ غيرُه، وإن كان ممَّا لا يُقْبَلُ قولُ
стр. 14797
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العَبدِ فيه، كإتْلافِ مالٍ، أو جِنَايةٍ تُوجِبُ المالَ، فالخَصمُ السَّيِّدُ، واليَمِينُ عليه، ولا يَحْلِف العبدُ فيها بحالٍ.
وإن نَكَلَ مَن تَوجَّهَتْ عليه اليَمِينُ عنها، وقال: لى بَيِّنَةٌ أُقِيمُها، أو حِسابٌ أسْتَثْبِتُه، لأحلِفَ على ما أتيَقَّنُه فذكرَ أبو الخَطَّابِ، أنَّه لا يُمهلُ، وإنْ لم يَحْلِفْ، جُعِلَ ناكِلًا. وقيلَ: لا يكونُ ذلك نُكولًا، ويُمهلُ مُدَّةً قريبةً، كما لو ادَّعَى قَضاءً أو إبْراءً.
فصل (١): ولا يُقْضَى في غَيْرِ المالِ وما يُقْصَدُ به المالُ بالنُّكُولِ. نصَّ عليه أحمدُ في القِصاصِ. ونُقِلَ عنه، في رجل ادَّعَى على رجلٍ أنَّه قَذَفَه، فقالَ: اسْتَحْلِفُوه، فإن قال: لا أحْلِفُ. أقِيمَ عليه. قال أبو بكرٍ: هذا قولٌ قديمٌ، المَذْهبُ أنَّه لا يُقْضَى في شَىْءٍ مِن هذا بالنكُولِ. ولا فَرقَ بينَ القِصاصِ في النَّفْسِ والقِصاصِ في الطَّرَفِ. وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يُقْضَى بالنُّكُولِ فيما دونَ النفسِ. وعن أحمدَ مثلُه. والمذهبُ هو الأَوَّلُ؛ لأَنَّ هذا أحدُ نَوْعَىِ القِصاصِ فأَشْبَهَ النوعِ الآخرَ. فعلى هذا، ما يُصنَعُ به فيه وجهان؛ أحدُهما، يُخَلَّى سَبِيلُه؛ لأنَّه لم تَثْبُتْ عليه حُجَّة، وتكونُ فائِدةُ مَشْرُوعِيَّةِ أنْينِ الرَّدْعَ والزَّجْرَ. والثانى يُحْبَسُ حتى يُقِرَّ أو يَحْلِفَ. وأصلُ الوَجْهيْنِ المرأةُ إذا نَكَلَتْ في اللِّعانِ.
فصل (١): إذا حَلَفَ فقال: إن شاءَ اللَّهُ. اعِيدَتْ عليه اليمينُ، لأَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يُزِيلُ حُكمَ اليمينِ. وكذلك إن وَصَلَ يَمِينَه بشرطٍ أو كلامٍ غير
стр. 14798
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَفْهومٍ. وإن حلفَ قبل أن يَسْتَحْلِفَه الحاكمُ، اعِيدَتْ عليه. وكذلك إنِ استَحلفَه الحاكمُ قبل أن يَسْأله المُدَّعَى فإنَّه لا يُعتدُّ بها. وقد ذكرناه.
فصل: ولو ادَّعَى على رجلٍ دَيْنًا، أو حقًا، فقال: قد أبْرَأْتَنى منه، أو اسْتَوفَيْتَه مِنِّى. فالقولُ قولُه في الإِبْراءِ والاسْتِيفاءِ مع يَمِينِه، ويَكْفِيه أن يَحْلِفَ باللَّهِ أنَّ هذا الحقَّ -ويُسَمِّيه تَسْمِيَةً يَصِيرُ بها مَعلومًا- ما بَرِئَتْ ذِمَّتُكَ منه، ولا مِن شئٍ منه. أو: ما بَرِئَتْ ذِمَّتُكَ مِن ذلك الحقِّ، [ولا مِن شئٍ منه] (١). وإنِ ادَّعَى اسْتِيفاءَه، أو البَراءةَ بجِهةٍ معلومةٍ، كَفاهُ الحَلِفُ على تلك الجِهةِ وحدَها. واللَّهُ أعلمُ.
стр. 14799
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
ــ
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
الإقْرارُ: الاعتِرافُ. والأصلُ فيه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قولِه: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٣). في آىٍ كثيرة مثل هذا. وأمّا السُّنَّةُ، فما رُوِى أنَّ (٤) ماعِزًا أقَرَّ بالزِّنى، فرَجَمَه النبىُّ ﷺ (٥). وكذلك الغامِدِيَّةُ (٦). وقال: «وَاغْدُ يَا أُنيس عَلَى امرَأَةِ هذا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (٧).
стр. 14800
يَصِحُّ الإِقْرَارُ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ. فَأَمَّا
ــ
وأمَّا الإِجْماعُ، فإنَّ الأُمَّةَ أجْمَعَتْ على صِحَّةِ الإِقْرارِ. ولأَنَّ الإِقْرارَ إخْبار على وَجْهٍ تَنْتَفِى عنه التُّهْمَةُ والرِّيبَةُ، فإنَّ العاقِلَ لا يَكْذبُ على نَفسِه كَذِبًا يَضُرُّ بها، ولهذا كان آكَدَ مِن الشَّهادَةِ، فإنَّ المُدَّعَى عليه إذا اعتَرفَ لا تُسْمَعُ عليه الشَّهادَةُ، وإنَّما تُسْمَعُ إذا أنْكَرَ، ولو كَذَّبَ المُدَّعِى بَينتَه لم تُسْمَع، وإن كَذب المُقِرَّ ثم صَدَّقَه، سُمِعَ.
٥٠٩٨ - مسألة: و (يَصِحُّ الإِقْرارُ مِن كلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ غيرِ
стр. 14801
الصَّبِىُّ، وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّبِىُّ
ــ
مَحْجُورٍ عليه) [لا يَصِحُّ الإِقرارُ إلَّا مِن عاقِلٍ مُختارٍ] (١) (فأمَّا الطِّفْلُ والمَجْنُونُ، فلا يَصِحُّ إقْرارُهما) وكذلك المُبَرسَمُ والنائِمُ والمُغْمَى عليه. لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا، وقد قال ﵊: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وعنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (٢). فنَصَّ على (٣) الثَّلَاثةِ، والمُبرسَمُ والمُغْمَى عليه في مَعْنَى المَجْنُونِ والنَّائِمِ. ولأنَّه قَوْلٌ مِن غائِبِ العقْلِ، فلم يَثْبُتْ له حُكْمٌ، كالبَيْعِ والطَّلاقِ. فأمَّا الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، فإن كان مَحْجُورًا
стр. 14802
مَأْذُونًا لَهُ فِى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِى قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ دُونَ مَا زَادَ.
ــ
عليه، لم يَصِحَّ إقْرارُه؛ للنَّصِّ (وإن كان مأْذُونًا له في البَيْعِ والشِّراءِ، [صَحَّ إِقْرارُه في قَدرِ ما أذِنَ له) فيه (دُونَ ما زاد عليه) قال أحمدُ في رِوايَةِ مهنَّا، في اليَتيمِ إذا أُذِنَ له في التِّجارَةِ وهو يَعقِلُ البَيْعَ والشِّراءَ] (١): فبَيْعُه وشِراؤُه جائِزٌ، كان أقَرَّ أنَّه اقْتَضَى شيئًا مِن مالِه، جازَ بقَدرِ ما أَذِنَ له وَلِيُّه فيه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال أبو بكرٍ، وابنُ أبى مُوسَى: إنَّما
стр. 14803
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَصِحُّ إقْرارُه فيما أُذِنَ له في التِّجارَةِ فيه في الشئِ اليَسِيرِ. وقال الشافعىُّ: لا يَصِحُّ إقْرارُه بحالٍ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه غيرُ بالِغٍ، أَشْبَهَ الطِّفْلَ،
وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمأْذُونُ لَهُ فِى التِّجَارَةِ.
وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ السَّكْرَانِ. وَتَتَخَرَّجُ صِحَّتُهُ، بِنَاءً عَلَى طَلَاقهِ.
ــ
٥٠٩٩ - مسألة: (وكذلك العَبْدُ المَأْذُونُ له في التِّجارَةِ) لِما ذَكَرنا في الصَّبِىِّ، بل صِحَّةُ إقْرارِ العَبْدِ أوْلَى؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ.
فصل: فإن أَقَرَّ مُراهِق غيرُ مَأذُونٍ له، ثم اخْتَلَفَ هو والمُقَرُّ له في بُلُوغِه، فالقَوْلُ قولُ المُقِرِّ، إلَّا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ ببُلُوغِه؛ لأَنَّ الأصْلَ الصِّغَرُ، ولا يَحْلِفُ المُقِرُّ (١)؛ لأنَّنا حَكَمنا بعَدَم بُلُوغِه، إلَّا أن يَخْتَلِفَا بعدَ ثُبُوتِ بُلُوغِه، فعليه اليَمِينُ أنَّه حِينَ أقَرَّ لم يَكُنْ بالِغًا.
٥١٠٠ - مسألة: (ولا يَصِحُّ إِقْرارُ السَّكْرانِ. وتَتَخرَّجُ صِحَّتُه، بِناءً على طَلاقِه) أمّا مَن زال عَقْلُه بسَبَب مُباح أو معذُور فيه، فهو
стр. 14807
وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْمُكْرَهِ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، مِثْلَ أَنْ
ــ
كالمَجْنُونِ، لا يَصِحُّ إقْراره، بغيرِ خِلافٍ (١). وإن كان بمَعْصِيَةٍ، كالسَّكْرانِ، ومَن شَرِب ما يُزِيل عَقْلَه عامِدًا لغيرِ حاجةٍ، لم يَصِحَّ إقْرارُه. ويَتَخرَّجُ أن يَصِحَّ، كطَلاقِه. وهو (٢) مَنْصوصُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ أفْعالَه تَجْرِى مَجْرَى أفعالِ (٣) الصّاحِى. ولنا، أنَّه غير عاقِل، فلم يَصِحَّ إقْراره، كالمَجْنونِ الذى سَبَّبَ جنُونَه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، ولأَنَّ السَّكْرانَ لا يُوثَق بصِحَّةِ ما يقولُ، ولا تَنْتَفِى عنه التُّهْمةُ فيما يُخْبِر به، فلم يوجَد مَعْنَى الإِقْرارِ المُوجِبِ لقَبولِ قَوْلِه.
٥١٠١ - مسألة: (ولا يَصِحُّ إقْرارُ المُكْرَهِ، إلَّا أن يُقِرَّ بغيرِ ما
стр. 14808
يُكْرَه عَلَى الْإِقْرارِ لإِنْسَانٍ، فَيُقِرَّ لِغيْرِهِ، أو عَلَى الإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأةٍ، فَيُقِرَّ بِطَلاقِ غَيْرِهَا، أَوْ عَلَى الإِقْرَارِ بِدَنَانِيرَ، فَيُقِرَّ بِدَرَاهِمَ، فَيَصِحُّ،
ــ
أُكْرِه عليه، مثلَ أن يُكْرَه على الإِقْرارِ لإِنْسانٍ، فيُقِر لغيرِه، أو على الإِقْرارِ بطَلاقِ امْرأةٍ، فيُقِرَّ بطَلاقِ غيرِها، أو على الإِقْرارِ بدَنانِيرَ، فيُقِرَّ بدَراهِمَ، فيَصِحُّ) لا يَصِحُّ إِقْرارُ المُكْرَهِ بما أُكْرِهَ على الإِقْرارِ به. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِى الخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١). ولأنَّه قَولٌ أُكْرِهَ عليه بغيرِ (٢) حَقٍّ، فلم يَصِحَّ، كالبَيْعِ. فأمّا إن أَقَرَّ بغيرِ ما أُكْرِهَ عليه، مثلَ أن يُكْرَهَ على الإِقْرارِ لرَجُلٍ، فيُقِرَّ لغيرِه، أو بنَوْعٍ مِن المالِ، فيُقِرَّ بغيرِه، أو على الإِقْرارِ بطَلاقِ امرأةٍ، فيُقِرَّ بطَلاقِ أُخْرَى، أو (٣) أقَرَّ بعِتْقِ عَبْدٍ، صَحَّ؛ لأنَّه أقَرَّ بما لم يُكْرَهْ عليه، فصَحَّ (٤)، كما لو أقَرَّ به ابْتِداءً.
стр. 14809
وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ ثَمَنٍ، فَبَاعَ دَارَهُ فِى ذَلِكَ، صَحَّ.
ــ
٥١٠٢ - مسألة: (وإن أُكْرِهَ علِى وَزْنِ ثَمَنٍ، فباع دارَه في ذلك، صَحَّ) بَيْعُه. نصَّ عليه أحمدُ (١)؛ لأنَّه لم يُكْرَهْ على البَيْعِ. ومَن أقَرَّ بِحَقٍّ، ثم ادَّعَى أنَّه كان مُكْرَهًا، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا بِبَيِّنةٍ، سواء أقَرَّ عندَ سُلْطانٍ أو عندَ غيرِه؛ لأَنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِكراهِ، إلَّا أن يكونَ هناك دَلالَةٌ على الإكْراهِ (٢)، كالقَيْدِ والحَبْسِ والتَّوَكّلِ به (٣)، فيكونُ القولُ قولَه مع يَمِينِه؛ لأن الحالَ تَدُلُّ على الإكراه. ولو ادَّعَى أنَّه كان زائِلَ العَقْلِ حالَ إقْرارِه، لم يُقْبَلْ قولُه إلا ببَيِّنَةٍ؛ لأنَّ الأصلَ السَّلامةُ حتى يُعْلَمَ غيرُها. ولو شَهِدَ الشُّهودُ بإقْرارِه، لم تَفْتَقِر صِحَّةُ الشَّهادةِ إلى أن يَقُولُوا: طَوْعًا في صِحَّةِ عَقْلِه؛ لأَنَّ الظّاهِرَ السَّلامَةُ وصِحَّة الشَّهادةِ. وقد ذكَرنا إقْرارَ السَّفِيهِ والمُفْلِسِ فيما مَضَى (٤).
стр. 14810
وَأَمَّا الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِغَيْرِ الْمَالِ. وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ لِمَنْ لَا يَرِثُهُ، صَحَّ، فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَفِى الأُخْرَى، لَا يَصِحُّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ.
ــ
٥١٠٣ - مسألة: (وأمّا المَرِيضُ مَرَضَ المَوْتِ المَخُوفِ، فيَصِحُّ إقْرارُه بغيرِ المالِ) لأنَّه لا تُهْمةَ عليه في ذلك، وإنما تَلْحَقُه التُّهْمَةُ في المالِ.
٥١٠٤ - مسألة: (وإن أقَرَّ بمالٍ لمَن لا يَرِثُه، صَحَّ، في أصَحِّ الرِّوايتينِ) لأنَّه (١) غيرُ مُتَّهَمٍ في حَقذِه وهو قولُ أكْثرَ أَهْلِ العِلْم. قال ابنُ المُنْذِرِ (٢): أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أَهْلِ العِلْمِ، على أنَّ إقْرارَ المَرِيضِ في مَرَضِه لغيرِ الوارِثِ جائِر. وحَكَى أصحابُنا رِوايةً أنَّه لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه إقْرارٌ في مَرَضِ المَوْتِ، أشْبَهَ الإِقْرارَ للوارِثِ (وفيه رِوَايةٌ أُخْرى) أنَّه (لا يَصِحُّ بزِيادةٍ على الثُّلُثِ) ذكَرَها أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن عَطِيَّةِ [ذلك الأجْنَبِىَّ، كما هو ممنوعٌ مِن عَطِيَّةِ] (٣)