وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ، لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا.
ــ
بشَهادَتِهم، ثم رَجَع واحِدٌ، فعليه القِصاصُ أو سُدْسُ الدِّيَةِ. وإن رَجَع اثْنَانِ، فعليهما القِصاصُ أو ثُلُثُ الدِّيَةِ. وبهذا قال أبو عُبَيْدٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن رجَعَ واحدٌ أو اثْنان، فلا شئَ عليهما؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى قائمَةٌ، فَدَمُه غيرُ مَحْقُونٍ، وإن رجَعَ ثلاثةٌ، فعليهم رُبْعُ الدِّيَةِ، وإن رجَعَ أربعةٌ، فعليهم نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن رجَعَ خَمسةٌ، فعليهم ثلاثةُ أرْباعِها، وإن رجَعَ السِّتَّةُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهم سُدْسُها. ومَنْصوصُ الشافغىِّ فيما إذا رَجَع اثْنان، كمذهبِ أبى حنيفةَ. واخْتلَفَ أصْحابُه فيما إذا شَهِدَ بالقِصاصِ ثلاثةٌ، فرجَعَ أحدُهم، فقال أبو إسْحاقَ: لا قِصاصَ عليه؛ لأنَّ بَيِّنَةَ القِصاصِ قائمةٌ، وهل يَجِبُ عليه ثُلُثُ الدِّيَةِ؟ على وَجْهَيْن. وقال ابنُ
стр. 14737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحَدّادِ (١): عليه القِصاصُ. وفَرَّقَ بينَه وبينَ الرّاجعِ مِن شُهودِ الزِّنَى إذا كان زائدًا، بأنَّ دَمَ المشْهودِ عليه بالزِّنَى غيرُ مَحْقُونٍ، وهذا دمُه مَحْقُونٌ، وإنَّما أُبِيحَ دَمُه لوَلِىِّ القِصاصِ وحْدَه. واخْتلَفوا فيما إذا شَهِدَ بالمالِ ثلاثةٌ، فرَجَعَ أحدُهم، على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يَضْمنُ الثُّلُثَ. والثانى، لا شئَ عليه. ولَنا، أنَّ الإتْلافَ حصَلَ بشَهادتِهم، فالرّاجِعُ يُقِرُّ بالمُشارَكَةِ فيه عَمْدًا عُدْوانًا لِمَن (٢) هو مِثْلُه في ذلك، فلَزِمَه القِصاصُ، كما لو أقَرَّ بمُشارَكَتِهم في مُباشرَةِ قَتْلِه، ولأنَّه أحدُ مَن قُتِلَ المشْهودُ عليه بشَهادتِه، فأشْبَهَ الثانَى مِن شُهودِ القِصاصِ، والرابعَ مِن شُهودِ الزِّنَى، ولأنَّه أحدُ مَن حصَلَ الإتْلافُ بشَهادتِه، فلَزِمَه مِن الضَّمانِ بقِسْطِه، كما لو رجَعَ الجميعُ. وقولُهم: إنَّ دمَه غيرُ مَحْقُونٍ. [غيرُ صَحيحٍ] (٣)؛ فإنَّ الكلامَ فيما إذا قُتِلَ، ولم يَبْقَ له دمٌ يُوصَفُ بحَقْنٍ ولا عَدَمِه، وقيامُ الشَّهادةِ لا يَمْنَعُ وُجوبَ القِصاصِ، كما لو شَهِدَت لرجلٍ باسْتِحْقاقِ القِصاصِ، فاسْتَوْفاه، ثم أقَرَّ بأنَّه قَتَلَه ظُلْمًا، وأنَّ الشُّهودَ شُهودُ زُورٍ (٤). والتَّفْريقُ بينَ القِصاصِ والرَّجْمِ بكَوْنِ دَمِ القاتلِ غيرَ
стр. 14738
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُم رَجَعَ الْجَمِيعُ، لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِى الْآخَرِ، عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعَلَى شُهُودِ الإِحْصَانِ [٣٥٣ و] النِّصْفُ. وَإنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِالإِحْصَانِ، صَحَّتِ الشَّهَادَةُ، فَإِنْ رُجِمَ ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ،
ــ
مَحْقُونٍ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَحْقُونٍ بالنِّسْبَةِ إلى مَن قَتَلَه، ولأنَّ كلَّ واحدٍ مُؤَاخَذٌ بإقْرارِه، ولا يُعْتَبَرُ قولُ شَريكِه، ولهذا لو أقَرَّ أحدُ الشَّرِيكَيْن بعَمْدِهما (١)، وقال الآخَرُ: أخْطَأْنا. وجبَ القِصاصُ على المُقِرِّ (٢) بالعَمْدِ.
٥٠٨٣ - مسألة: (وإن شَهِدَ أرْبَعَةٌ بالزِّنَى، واثْنانِ بالإِحْصانِ، ثم رَجَع الجَمِيعُ، لَزِمَتْهم الدِّيَةُ أسْداسًا، في أحَدِ الوَجْهَيْن. وفِى الآخَرِ، على شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعلى شُهُودِ الإِحْصَانِ النِّصْفُ. فإن شَهِدَ أرْبَعَةٌ بِالزِّنى، وشَهِدَ اثْنَانِ منهم بالإِحْصَانِ، صَحَّتِ الشَّهَادَةُ، فإن رُجِمَ ثم
стр. 14739
فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالإِحْصَانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِى، يَلْزَمُهُمْ ثَلَاَثةُ أَرْبَاعِهَا.
ــ
رَجَعُوا عن الشَّهادَةِ، فعلى مَن شَهِدَ بالإِحْصانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، على الوَجْهِ الأوَّل. وِعلى الثَّانِى، يَلْزَمُهُم ثَلَاَثةُ أَرْبَاعِهَا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شَهِدَ أربعةٌ بالزِّنى، واثْنان بالإِحْصانِ [صَحَّتِ الشَّهادَةُ. فإن رُجِمَ] (١)، ثمِ رَجعُوا عن الشَّهادةِ، فالضَّمانُ على جَمِيعِهم. وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ على شُهودِ الإِحْصانِ؛ لأنَّهم شَهِدُوِا بالشَّرْطِ دونَ السَّبَبِ المُوجِبِ للقَتْلِ، وإنَّما يَثْبُتُ ذلك بشَهادةِ الزِّنَى. ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّ قتلَه حصَلَ بمجموعِ الشَّهادَتَيْن (٢)، فتجِبُ الغَرامَةُ على الجميعِ، كما لو شَهِدُوا جميعًا على الزِّنَى. وفى كَيْفِيَّةٍ الضَّمانِ وَجْهان؛ أحدُهما، يُوَزَّعُ عليهم على عَدَدِ رُءوسِهم، كشُهودِ الزِّنَى؛ لأنَّ القتلَ حصَلَ مِن جميعِهم. والثانى، على شُهودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعلى شُهودِ
стр. 14740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإحْصانِ النِّصْفُ؛ لأنَّهما حِزْبان، فلكلِّ حِزْبٍ نِصْفٌ. فإن شَهِدَ أرْبعةٌ بالزِّنَى، واثْنان منهم بالإِحْصانِ، ثم رَجعُوا، فعلى الوَجْهِ (١) الأوَّلِ، على شاهِدَىِ الإِحْصانِ الثُّلُثانِ، وعلى الآخَرَيْن (٢) الثُّلُثُ؛ لأنَّ عِلى شاهِدَىِ الإِحْصانِ الثُّلُثَ لشَهادتِهما به، والثُّلُثَ لشَهادَتِهما بالزِّنى، وعلى الآخَرَيْن الثُّلُثُ لشَهادتِهما بالزِّنَى وحْدَه. وعلى الوَجْهِ الثانى، على شهودِ الإِحْصانِ ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ؛ لأنَّ عليهما النِّصْفَ لشَهادتِهما بالإِحْصانِ، ونِصْفَ الباقى لشَهادتِهما بالزِّنَى. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ على شاهِدَى الإِحْصانِ إلَّا النِّصْفُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما جَنَى جِنايَتَيْنِ، وجَنَى كلُّ واحدٍ مِن الآخَرَيْن جِنايةً واحدةً، فكانتِ الدِّيَةُ بينَهم على عددِ رُءوسِهم، لا على عَدَدِ جِناياتِهم، كما لو قَتَلَ اثْنان واحدًا، جَرَحَه أحدُهما جُرْحًا، والآخَرُ اثْنَيْنَ.
стр. 14741
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا حَكَمَ الحاكمُ في المالِ برَجُلٍ وامرأتَيْنِ، ثم رجَعُوا عن الشَّهادة، تَوَزَّعَ الضَّمانُ عليهم، على الرَّجُلِ نِصْفُه، وعلى كلِّ امرأةٍ رُبْعُه. وَإن رجَعَ أحدُهم وحْدَه، فعليه مِن الضَّمانِ حِصَّتُه. وإن كان الشُّهودُ رَجُلًا وعشْرَ نِسْوةٍ، فرَجَعوا عن شَهادتِهم، فعلى الرَّجُلِ السُّدْسُ، وعلى كلِّ امرأةٍ نصفُ السُّدسِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ؛ لأنَّ كلَّ امْرأتَيْنِ كرَجُلٍ، فالعَشْرُ كخَمْسَةِ رجالٍ. ويَحْتَمِلُ أن يجبَ عليْهِنَّ النِّصْفُ، وعلى الرجلِ النِّصْفُ. وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ؛ لأنَّ الرجلَ نصفُ البَيِّنَةِ، بدَليلِ أنَّه لو رجَعَ وحْدَه قبلَ الحكمِ، كان كرجُوعِهنَّ كُلِّهنَّ، فيكونُ الرَّجُلُ حِزْبًا والنِّساءُ حِزْبًا. فإنْ رجَعَ بعْضُ النِّسْوَةِ وحْدَه، [أو الرجلُ] (١)، فعلى الرَّاجِعِ
стр. 14742
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثلُ ما عليه إذا رجَعَ الجميعُ. وعندَ أبى حنيفةَ وأصْحابِه، متى رجعَ مِن النِّسْوَةِ ما زادَ على اثْنَيْنِ، فليس على الرّاجِعاتِ شئٌ. وقد مضَى الكلامُ معهم في هذا.
فصل: وإذا شَهِدَ أرْبعةٌ بأرْبَعِمائةٍ، فحكمَ الحاكمُ بها، ثم رجَعَ واحدٌ عن مائةٍ، وآخَرُ عن مائَتَيْنِ، والثالثُ عن ثلاثِمائةٍ، والرابعُ في أرْبَعِمائةٍ، فعلى كلِّ واحدٍ ممّا (١) رجَعَ عنه بقِسْطِه، فعلى الأوَّلِ خمسةٌ وعشرون، وعلى الثانى خَمْسون، وعلى اِلثالثِ خَمسةٌ وسَبْعونَ، وعلى الرّابعِ مائةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يُقِرُّ بأنَّه فَوَّتَ على المَشْهودِ عليه رُبْعَ ما رجَعَ عنه. ويقْتَضىِ مذهبُ أبى حنيفةَ أن لا يَلْزَمَ الرَّاجِعَ عن الثَّلاِثمِائة والأربَعِمِائة أكثرُ مِن خمْسينَ خمسينَ؛ لأنَّ المائَتَيْنِ التى (٢) رجعَا (٣) عنهما قد بَقِىَ بها (٤) شاهِدَان.
стр. 14743
وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ، غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَغْرَمَ النِّصْفَ.
ــ
٥٠٨٤ - مسألة: (وإذا حَكَمَ) الحَاكِمُ (بشاهِدٍ ويَمِينٍ، فرَجَع الشّاهِدُ، غَرِمَ المالَ كُلَّه. ويَتَخرَّجُ أن يَغْرَمَ النِّصْفَ) المنْصوِصُ عن أحمدَ، ﵀، أنَّه يَضْمَنُ المالَ كلَّه، في رِوايَةِ جماعةٍ. ويتَخرَّجُ أن يَغرَمَ (١) النِّصْفَ. وبه قال مالكٌ، والشّافعىُّ؛ لأنَّه أحدُ حُجَّتَىِ الدَّعْوَى، فكان عليه النِّصْفُ، كما لو كانا شاهِدَيْنِ. ولَنا، أنَّ الشاهِدَ حُجَّةُ الدَّعْوَى، فكان الضَّمانُ عليه، كالشّاهِدَيْن. يُحَقِّقُه أنَّ اليَمِينَ قولُ
стр. 14744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخَصْمِ، وقولُ الخَصْمِ ليس بحُجَّةٍ على خَصْمِه، وإنَّما هو شَرْطُ الحُكْمِ، فجَرَى مَجْرَى مُطالَبَتِه للحاكمِ بالحُكْمِ، وبهذا يَنْفَصِلُ عمَّا ذكَرُوه. وإن سَلَّمْنا أنَّها حُجَّةٌ، لكنْ إنَّما جعَلَها حُجَّةً شَهادةُ الشاهدِ، ولهذا لم يَجُزْ تَقْدِيمُها على شَهادَتِه، بخلافِ شَهادةِ الشّاهدِ الآخَرِ. قال أبو الخَطَّابِ: ويتَخَرَّجُ أن لا يَلْزَمَه إلَّا النِّصْفُ، إذا قُلْنا بِرَدِّ اليَمِينِ على المُدَّعِى.
فصل: وإذا شَهِدَ شاهِدَان أنَّه أعْتَقَ هذا العبدَ عن ضَمانِ مائةِ في رهمٍ، وقِيمةُ العبدِ مائتانِ، فحكمَ الحاكمُ بشَهادتِهما، ثم رَجَعا، رَجَعَ السَّيِّدُ على الشّاهِدَيْن بمائةٍ؛ لأنَّها تَمامُ القِيمَةِ. وكذلك إن شَهِدا على رجلٍ أنَّه طَلَّقٍ امْرأتَه قبلَ الدُّخولِ على مائةٍ، ونِصْفُ المُسَمَّى مائتان، غَرِ ما للزَّوجِ مائةً؛ لأنَّهما فَوَّتَاها بشَهادتِهما المرْجُوعِ عنها.
стр. 14745
فَإِن بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ،
ــ
فصلٌ: وإن شَهِدَ رجلانِ على رَجُلٍ بنِكاحِ امرأةٍ، بصَداقٍ ذكَراه، وشَهِدَ آخَران بدُخولِه بها، ثم رَجَعُوا بعدَ الحكمِ عليه بصَداقِها، فعلى شُهودِ النِّكاحِ الضَّمانُ؛ لأنَّهم ألْزَمُوه المُسَمَّى. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عليهم النِّصْفُ، وعلى الآخَرَيْن النِّصْفُ؛ لأنَّهما قَرَّراهُ، وشاهِدَا النِّكاحِ أوْجَباه، فيُقْسَمُ بينَ الأرْبعةِ أرْباعًا. وإن شَهِدَ مع هذا شاهِدَان بالطَّلاقِ، لم يَلْزَمْهما شئٌ؛ لأنَّهما لم يُفوِّتا عليه شيئًا يَدَّعِيه، ولا أوْجَبا عليه ما لم يكُنْ عليه (١) واجِبًا.
٥٠٨٥ - مسألة: (وإن بان بعدَ الحُكْمِ أنَّ الشّاهِدَيْن كانا
стр. 14746
نُقِضَ، وَيُرْجَعُ بِالْمَالِ أَوْ بِبَدَلِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ إِتْلَافًا، فَالضَّمَانُ عَلَى المُزَكِّينَ. فَان لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ، فَعَلَى الْحَاكِمِ. وَعَنْهُ، لَا يُنْقَضُ إِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ.
ــ
كَافِرَيْنِ، أو فاسِقَيْنِ، نُقِضَ، ويُرْجَعُ بِالمالِ أو ببَدَلِه على المَحْكُومِ له. وإن كان المَحْكُومُ به إتْلافًا، فالضَّمانُ على المُزَكِّينَ. فإن لم يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ، فَعلى الحَاكِمِ. وعنه، لا يُنْقَضُ إذا كانا فاسِقَيْنِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحاكمَ إذا حَكَمَ بشَهادةِ شاهِدَيْنِ، ثم بانا فاسِقَيْنِ أو كافِرَيْنِ، فإنَّ الإِمامَ ينْقُضُ حُكْمَه، ويَرُدُّ المالَ إن كان قائِمًا، أو عِوَضَه إن كان تالِفًا. فإن تعَذَّرَ ذلك؛ لإِعْسارِه أو غيرِه، فعلى الحاكمِ، ثم يَرْجِعُ على المشْهودِ له. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، لا يَنْقُضُ حُكْمَه إذا كانا فاسِقَيْن، ويَغْرَمُ الشُّهودُ المالَ. وكذلك إذا شَهِدَ عندَه عَدْلان أنَّ الحاكِمَ قَبْلَه حكمَ بشَهادةِ فاسِقَيْنِ، ففيه الرِّوَايتان. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ فيه أيضًا. ولا خِلافَ بينَ الجميعِ في (١) أنَّه يَنْقُضُ حُكْمَه إذا كانا كافِرَيْنِ،
стр. 14747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَنْقُضُ حكمَ غيرِه إذا ثَبَت عندَه أنَّه حَكَمَ بشَهادةِ كافِرَيْنِ، فنَقِيسُ على ذلك إذا حكَمَ بشَهادةِ فاسِقَيْنِ، فإنَّ شَهادةَ الفاسِقَيْنِ مُجْمَعٌ على رَدِّها، وقد نَصَّ اللهُ تَعالى على التَبّيِّنِ فيها، فقال سبحانَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١). وأمَرَنا بإشْهادِ العُدولِ، فقال سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿مِمَّن
стр. 14748
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١). فيجبُ نَقْضُ الحُكمِ لفَواتِ العَدالةِ، كما يَجِبُ نَقْضُه لفَواتِ الإسْلامِ، ولأنَّ الفِسْقَ معْنًى لو ثَبَت عندَ الحاكمِ قبلَ الحُكمِ مَنَعَه، فإذا شَهِدَ شاهِدَان أنَّه كان مَوْجُودًا حالَ الحُكْمِ، وجَبَ نَقْضُ الحكمِ، كالكُفْرِ والرِّقِّ في العُقوباتِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ أبا حنيفةَ قال: لا يَسْمَعُ الحاكمُ الشَّهادةَ بفِسْقِ الشّاهِدَيْنِ قبلَ الحُكْمِ ولا بعدَه، ومتى جرَحَ المشْهودُ عليه البَيِّنَةَ، لم تُسْمَعْ بَيِّنَتُه بالفِسْقِ، لكنْ يُسْأَلُ عن الشّاهِدَيْن، ولا يُسْمَعُ على الفِسْقِ شَهادةٌ؛ لأنَّ الفِسْقَ لا يتعَلَّقُ به حَقُّ أحدٍ، فلا تُسْمَعُ فيه الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ. ولَنا، أنَّه معْنًى يَتعلَّقُ به الحُكْمُ، فسُمِعَتْ فيه الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ، كالتَّزْكِيَةِ. وقولُه: لا يَتَعلَّقُ به حَقُّ أحَدٍ. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ المَشْهودَ عليه يتَعلَّقُّ حَقُّه بفِسْقِه في مَنْعِ الحُكْمِ عليه قبلَ الحكمِ، ونَقْضِه بعدَه، وتَبْرِئتِه مِن أخْذِ مالِه أو عُقُوبتِه بغيرِ حَقٍّ، فوجبَ أن تُسْمَعَ فيه الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ، كما لو ادَّعَى رِقَّ الشَّاهدِ ولم يَدَّعِه لنَفْسِه، ولأنَّه إذا لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ بالفِسْقِ أدَّى إلى ظُلْمِ المشْهودِ عليه؛ [لأنَّه يُمْكِنُ أن لا يَعْرِف فِسْقَ الشّاهِدَيْنِ إلَّا شُهودُ المشْهودِ عليه] (٢)،
стр. 14749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإذا لم تُسْمَعْ عليه شَهادتُهم، وحُكِمَ عليه بشَهادةِ الفاسِقَيْن، كان ظالِمًا له. فأمَّا إن قامتِ البَيِّنَةُ أنَّه حكَمَ بشَهادةِ والدَيْنِ، أو وَلَدَيْنِ، أو عَدُوَّيْنِ؛ فإن كان الحاكمُ الذى حَكَم بشَهادتِهما ممَّن يَرَى الحُكْمَ به، لم يَنْقُضْ حُكْمَه؛ لأنَّه حَكَم باجْتِهادِه فيما يَسُوغُ فيه الاجْتِهادُ، ولم يُخالِفْ نَصًّا ولا إجْماعًا. فإنْ كان (١) ممَّن لا يَرَى الحُكْمَ بشَهادتِهم، نَقَضَه؛ لأنَّ الحاكِمَ يَعْتَقِدُ بُطْلانَه.
فصل: فإن كان المحكومُ به إتْلافًا، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ والقتلِ، ثم
стр. 14750
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بانَ أنَّهما كافِرَان، أو فاسِقَانِ، أو عَبْدان، أو أحدُهما، فلا ضَمانَ على الشّاهِدَيْن؛ لأنَّهما مُقِيمانِ على أنَّهما صادِقَان فيما شَهِدَا به، وإنَّما الشَّرْعُ مَنَعَ قَبولَ شَهادَتِهما، بخِلافِ الرّاجِعَيْنِ عن الشَّهادَةِ، فإنَّهما اعْتَرفا بكَذِبِهما. فإنْ لم يكُنْ ثَمَّ مُزَكُّون، فالضَّمانُ على الحاكمِ أو الإِمامِ الذى تَوَلَّى ذلك؛ لأنَّه حكمَ بشَهادةِ مَن لا يجوزُ له الحُكْمُ بشَهادَتِه، ولا قِصاصَ عليه؛ لأنَّه مُخْطِئٌ، وتَجِبُ الدِّيَةُ. وفى مَحَلِّها رِوايتان؛ إحداهما، في بيتِ المالِ. والثانيةُ، على العاقِلَةِ. وقد ذكَرْنا ذلك فيما مضَى. وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن. فإن قُلْنا: الدِّيَةُ على العاقِلَةِ. لم تَحْمِلْ إلَّا الثُّلُثَ فما زادَ، ولا تَحْمِلُ الكَفَّارةَ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ذلك في مَحَلِّ الوِفَاقِ، كذا ههُنا، وتكونُ الكَفَّارةُ في مالِ القاتلِ. وإن قُلْنا: في بيتِ المالِ. فيَنْبَغِى أن يكونَ فيه القليلُ والكثيرُ؛ لأنَّه يَكْثُرُ فيه (١) خَطَؤُه، فجَعْلُ الضَّمانِ عليه يُجْحِفُ به وإن قَلَّ، ولأَنَّ جَعْلَه في بيتِ المالِ لعِلَّةِ أنَّه نائِبٌ عنهم، وخَطَأُ النَّائِبِ على مُسْتَنِيبِه، وسواءٌ توَلَّى الحاكمُ الاسْتِيفاءَ بنَفْسِه أو أَمَرَ مَن يَتَولَّاه. قال أصْحابُنا: وإن كان الوَلِىُّ اسْتَوْفاه، فهو كما لو
стр. 14751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسْتَوْفاه الحاكمُ؛ لأَنَّ الحاكِمَ سَلَّطَه على ذلك، ومَكَّنَه منه، والولِىَّ يَدَّعِى أنَّه حَقُّه. فإن قيلَ: فإذا كانَ الوَلِىُّ اسْتَوْفَى حَقَّه، فيَنْبَغِى أن يكونَ الضَّمانُ عليه، كما لو حَكَم له بمالٍ فقَبضَه، ثم بانَ فِسْقُ الشُّهودِ، كان الضَّمانُ على المُسْتَوْفِى دونَ الحاكم، كذا ههُنا. قُلْنا: ثَمَّ حصَلَ في يَدِ المُسْتَوْفِى مالُ المحْكُومِ عليه بغيرِ حَقٍّ، فوَجبَ عليه رَدُّه أو ضَمانُه إن تَلِفَ، وههُنا لم يحْصُلْ في يَدِه شئٌ، وإنما أتْلَفَ شيئًا بخَطَأَ الإِمامِ وتَسْلِيطِه عليه، فافْتَرَقا.
فصل: فإنْ كان ثَمَّ مُزَكُّون، مثلَ أن يَشْهَدَ بالزِّنَى أرْبَعَةٌ، فيُزَكِّيهم (١) اثْنان، فَرُجِمَ المَشْهودُ عليه، ثم بانَ أنَّ (٢) الشُّهودَ فَسَقَةٌ، أو عبيدٌ، أو بعضُهم، فلا ضَمانَ على الشُّهودِ؛ لأنَّهم يَزْعُمون أنَّهم مُحِقُّون، ولم يُعْلَمْ كَذِبُهم يَقِينًا، والضَّمانُ على المُزَكِّين. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال القاضى: الضَّمانُ على الحاكمِ؛ لأنَّه حَكَمَ بقَتْلِه مِن غيرِ تَحَقُّقِ شَرْطِه، ولا ضَمانَ على المُزَكِّينَ؛ لأَنَّ شَهادتَهما شَرْطٌ، وليستِ المُوجِبَةَ. وقال أبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المسائلِ»: الضَّمانُ على الشُّهودِ بالزِّنَى. ولَنا، أنَّ المُزَكِّين شَهِدُوا بالزُّورِ شَهادةٌ أفْضَتْ إلى قَتْلِه، فلَزِمَهم الضَّمانُ، كشُهودِ الزِّنَى إذا رَجَعُوا، ولا ضَمانَ
стр. 14752
وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، ثُمَّ مَاتُوا، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ، إِذَا
ــ
على الحاكمِ؛ لأنَّه أمْكَنَ إحالةُ الحُكْمِ على الشُّهودِ، فأشْبَهَ ما إذا رَجَعُوا عن الشَّهادةِ. وقولُهم: إنَّ شَهادَتَهم شَرْطٌ. لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ مِن أصْلِنا أنَّ شُهودَ الإِحْصانِ يَلْزَمُهم الضَّمانُ وإن لم يَشْهَدُوا بالسَّبَبِ. وقد نَصَّ عليه أحمدُ. وقولُ أبى الخَطّابِ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ شُهودَ الزِّنَى لم يَرْجِعُوا، ولا عُلِمَ كَذِبُهم، بخِلافِ المُزَكِّين، فإنَّه تبَيَّنَ كَذِبُهم، وأنَّهم شَهِدُوا بالزُّورِ. فأمّا إن تبَيَّنَ فِسْقُ المُزَكِّين، فالضَّمانُ على الحاكمِ؛ لأَنَّ التَّفْرِيطَ منه، حيثُ قَبِلَ شَهادةَ فاسِقٍ مِن غيرِ تَزْكِيَةٍ، ولا بَحْثٍ، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو قَبِلَ شَهادةَ شُهودِ الزِّنَى مِن غيرِ تَزْكِيَةٍ، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُهم.
فصل: ولو جلَدَ الإِمامُ إنْسانًا بشَهادةِ شُهودٍ، ثم بانَ أنَّهم فَسَقَةٌ، أو كَفَرَةٌ، أو عَبِيدٌ، فعلى الإِمامِ ضَمانُ ما حصَلَ بسَبَبِ الضَّرْب. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ عليه. ولَنا، أنَّها جِنايةٌ صدَرَتْ عن خَطأ الإِمامِ، فكانتْ مَضْمُونةً عليه، كما لو قَطَعَه أو قَتَلَه.
٥٠٨٦ - مسألة: (وإن شَهِدُوا عندَ الْحاكِمِ بحَقٍّ، ثم ماتُوا ،
стр. 14753
ثَبَتَتْ عَدَالتهُمْ.
وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ الزُّورِ، عَزَّرَهُ، وَطَافَ بِهِ فِى الْمَوَاضِعِ الَّتِى يَشْتَهِرُ فِيهَا، فَيُقَالُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ، فَاجْتَنِبُوهُ.
ــ
حَكَمَ بشهادَتِهم، إذا ثَبَتَتْ عَدالتُهم) لأنَّهم أدَّوُا الشَّهادةَ، أشْبَهَ ما لو كانوا أحْياءً، وكذلك إن جُنُّوا؛ لأن جُنونَهم بمَنْزلةِ مَوْتِهم.
٥٠٨٧ - مسألة: (وإذا عَلِمَ الحَاكِمُ بِشاهِدِ الزُّورِ، عَزَّرَه، وَطافَ به في المَوَاضِعِ التى يَشْتَهِرُ فيها، فيُقالُ: إنَّا وَجَدْنَا هذا شَاهِدَ زُورٍ، فَاجْتَنِبُوه) شَهادةُ الزُّورِ مِن أكْبرِ الكبائرِ، وقد نَهَى اللَّهُ عنها في كتابِه، مع نَهْيِه عن الأوْثانِ، فقال سبحانَه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (١). ورَوَى أبو بَكْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟». قالوا: بَلَى يا رسولَ اللَّهِ. قال: «الإشْرَاكُ باللَّهِ وعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وكانَ مُتَّكِئًا فَجلَسَ فقال: «ألَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ». فما زالَ يُكَرِّرُها، حتى قُلْنا: لَيْتَه سَكَتَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورَوَى أبو حنيفةَ،
стр. 14754
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن مُحارِبِ بنِ دِثَارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «شَاهِدُ الزُّورِ، لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى تَجِبَ لَهُ النَّارُ» (١). فمتى ثَبَت عندَ الحاكمِ أنَّ رَجلًا شَهِدَ بزُورٍ عَمْدًا، عَزَّرَه، وشَهَّرَه. في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه (٢). وهو قولُ شرَيْحٍ، والقاسمِ ابنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، والأوْزاعِىِّ، وابن أبى ليلَى، ومالكٍ، والشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُعَزَّرُ، ولا يُشَهَّرُ؛ لأنَّه قَوْلُ مُنْكَرٍ وزُورٍ، فلا يُعَزَّرُ به، كالظِّهارِ. ورَوَى عنه الطَّحاوِىُّ أنَّه يُشَهَّرُ. وأنْكَرَه المُتَأَخِّرُون. ولَنا، أنَّه قَوْلٌ مُحَرَّمٌ يَضرُّ به الناسَ، فأوْجَبَ العُقوبَةَ على قائلِه، كالسَّبِّ والقَذْفِ، ويُخالِفُ الظِّهارَ مِن وِجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّه يَخْتَصُّ بِضرَرِه. والثانى، أنَّه أوْجَبَ كفَّارةً شاقَّةً هى أشَدُّ مِن التَّعْزِيرِ، ولأنَّه قولُ عمر، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولا نَعْلَمُ له في الصَّحابَةِ مُخالِفًا. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ عُقُوبَتَه غيرُ مُقَدَّرَةٍ، وإنَّما ذلك مُفَوَّضٌ إلى رَأْىِ الحاكِمِ؛ إن رأى ذلك بالجَلْدِ، فَعَلَ، وإن رآه بحَبْسٍ أو كَشْفِ رأْسِه وتَوْبِيخِه،
стр. 14755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَعَل، ولا يَزِيدُ في جَلْدِه على عَشْرِ جَلَداتٍ. وقال الشافعىُّ: لا يَزيدُ على تِسْعٍ وثلاثين. وقال ابنُ أبى ليلَى: يُجْلَدُ خَمْسةً وسبعين سوطًا. وهذا أحدُ قَوْلَىْ أبى يوسُفَ. وقال الأوْزاعِىُّ في شاهِدَىِ الطَّلاقِ: يُجْلَدان مائةً، ويَغْرَمان الصَّداقَ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «لَا يُجْلَدُ أَحدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إلَّا فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ». مُتُّفَقٌ عليه (١). وقال القاسمُ، وسالمٌ: يُخْفقُ (٢) سَبْعَ خَفَقاتٍ. فأمَّا شُهْرَتُه بينَ الناسِ، فإنَّه يُوقَفُ في سُوقِه إن كان مِن أهلِ السُّوقِ، أو في قَبِيلَتِه إن كان مِن أهلِ القبائلِ، أو في مَسْجدِه إن كان مِن أهلِ المساجدِ، ويقولُ المُوَكَّلُ به: إنَّ الحاكمَ يَقْرأُ عليكم السَّلامَ، ويقولُ: هذا شاهِدُ زُورٍ، فاعْرِفُوه. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وأُتِىَ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ بشاهدِ زُورٍ، فأمرَ بقَطْعِ لِسانِه، وعندَه القاسمُ وسالمٌ، فقالا: سبحانَ اللَّهِ، بحَسْبِه أن يُخفَقَ سَبْعَ خَفَقاتٍ، ويُقامَ بعدَ العَصرِ، فَيُقالَ: هذا أبو قُبَيْسٍ، وجَدْناه شاهِدَ زُورٍ. فَفعَلِ ذلك به. ولا يُسَخَّمُ وَجْهُه، ولا يُرْكَبُ، ولا يُكَلَّفُ أن يُنادِىَ على نفْسِه. ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه يُجْلَدُ أرْبعينَ
стр. 14756
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جلدةً، ويُسَخَّمُ وَجْهُه، ويُطالُ حَبْسُه. رواه الإِمامُ أحمدُ (١). وقال سَوَّارٌ: يُلَبَّبُ (٢)، ويُدارُ به على حِلَقِ المسجدِ، فيقولُ: مَن رآنِى فلا يَشْهدْ بزُورٍ. ورُوِىَ عن عبدِ الملكِ بنِ يَعْلَى، قاضى البَصْرَةِ، أنَّه أمرَ بحَلْقِ بعضِ رُءوسِهم، وتَسْخِيمِ وُجوهِهم، ويُطافُ بهم في السُّوقِ، والذى شَهِدُوا له معهم. ولَنا، أنَّ هذا مُثْلَةٌ، وقد نَهَى النبىُّ ﷺ عن المُثْلَةِ (٣). وما رُوِى عن عمرَ، فقد رُوِى عنه خِلافُه، وأنَّه حَبَسَه يومًا وخَلَّى سَبيلَه (٤). وفى الجُملةِ، ليس في هذا تقْديرٌ شَرْعِىٌّ، فما فعلَ الحاكمُ ممَّا رآهُ، ما (٥) لم يَخْرُجْ عن مُخالفَةِ نَصٍّ أو معنَى نصٍّ، فله ذلك، ولا يُفْعَلُ به شىئٌ مِن هذا حتى يتَحَقَّقَ أنَّه شاهِدُ زُورٍ، وتَعَمَّدَ (٦) ذلك، [إمَّا بإقْرارِ] (٧)، أو يَشْهَدُ على رجلٍ بفِعْلٍ في الشَّامِ، ويُعْلَمُ أنَّ المشْهودَ عليه في ذلك الوقتِ في العِراقِ، أو يَشْهَدُ بقَتْلِ رجلٍ، وهو
стр. 14757
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَىٌّ، وأنَّ هذه البَهِيمةَ في يَدِ هذا منذُ ثلاثةِ أعوام، وسِنُّها (١) أقَلُّ مِن ذلك، أو يَشْهَدُ على رَجُلٍ أنَّه فعلَ شيئًا، وقد مات قبلَ ذلك، وأشْباهُ هذا ممَّا يُعْلَمُ به كَذِبُه، ويُعْلَمُ تَعَمُّدُه لذلك. فأمَّا تَعارُضُ البَيِّنتَيْنِ، أو ظُهورُ فِسْقِه، أو غَلَطِه في شَهادَتِه، فلا يُؤَدَّبُ؛ لأَنَّ الفِسْقَ لا يَمْنَعُ الصِّدْقَ، والتَّعارُضَ لا [يُعْلَمُ به] (٢) كَذِبُ إحْدَى البَيِّنَتَيْنِ بعَيْنِها، والغَلَطَ قد يَعْرِضُ للصَّادِقِ العَدْلِ ولا يَتَعَمَّدُه، فيُعْفَى عنه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٣).
فصل: ومتى عَلِمَ أنَّ الشّاهِدَيْنِ شَهِدَا بالزُّورِ، تَبَيَّنَ أنَّ الحُكْمَ كان باطِلًا، ولَزِمَ نقضُه؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا كَذِبَهما؛ فإن كان المحْكُومُ به مالًا، رُدَّ إلى صاحِبه، وإن كان إتْلافًا، فعلى الشّاهِدَيْنِ ضَمانُه؛ لأنَّهما سبَبُ إتْلافِه، إِلَّا (٤) أن يَثْبُتَ ذلك بإقْرارِهما على أنْفُسِهما مِن غيرِ مُوافَقَةِ المَحْكومِ له، فيكونَ ذلك رُجوعًا منهما عن شَهادَتِهما، وقد مَضَى حكمُ ذلك.
стр. 14758
وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ قَالَ: أَعْلَمُ. أَوْ: أُحِقُّ. لَمْ يُحْكَمْ بِهِ.
ــ
فصل: وإن تابَ شاهدُ الزُّورِ، ومَضَى على ذلك مُدَّةٌ تَظْهَرُ فيها تَوْبَتُه، وتبَيَّنَ صِدْقُه فيها وعَدالَتُه، قُبِلَتْ شهادتُه. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال مالكٌ: لا تُقْبَلُ شهادتُه أبدًا؛ لأَنَّ ذلك لا يُؤْمَنُ منه (١). ولَنا، أنَّه تائِبٌ مِن ذَنْبِه، فقُبِلَتْ تَوْبَتُه، كسائِرِ التّائِبينَ. وقولُه: لا يُؤْمَنُ منه ذلك. قُلْنا: مُجَرَّدُ الاحْتِمالِ لا يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ، بدليلِ سائرِ التّائِبينَ، فإنَّه لا يُؤْمَنُ منهم (٢) مُعاوَدَةُ ذُنُوبِهم، وشهادتُهم مَقْبولَةٌ.
٥٠٨٨ - مسألة: (ولا تُقْبَلُ الشَّهادَةُ إلَّا بلَفْظِ الشَّهادَةِ، فإن قال: أعْلَمُ. أو: أُحِقُّ. لم يُحْكَمْ به) وجملةُ ذلك، أنَّ لَفْظَ الشَّهادةِ مُعْتَبَرٌ في أدائِها، فيقولُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ بكذا. ونحوَه. ولو قالَ: أعْلَمُ.
стр. 14759
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو: أُحِقُّ. أو: أتَيَقَّنُ. أو: أعْرِفُ. لم يُعْتَدَّ به؛ لأَنَّ الشَّهادةَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ شَهادَةً، فلابُدَّ مِن الإِتْيَانِ بفِعْلِها المُشْتَقِّ منها، ولأَنَّ فيها معْنًى لا يحْصُلُ في غيرِها مِن اللَّفَظاتِ، بدليلِ أنَّها تُسْتَعْمَلُ في اللِّعَانِ، ولا يحْصُل ذلك مِن غيرِها. وهذا مذهبُ الشافعىِّ، ولا أعلمُ في ذلك خلافًا.
فصل: وإذا غَيَّرَ (١) العَدْلُ شَهادتَه بحَضْرةِ الحاكمِ، فزادَ فيها أو نَقَصَ، قُبِلَتْ منه ما لم يَحْكُمْ بشَهادتِه. ذكَرَه الخِرَقِىُّ. مثلَ أن يَشْهَدَ بمائةٍ، ثم يقولَ: بل هى مائةٌ وخمسون. أو: بل هى تِسعون. فإنَّه يُقْبَلُ منه رُجوعُه، ويُحْكَمُ بما شَهِدَ به أخِيرًا. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ. وقال الزُّهْرِىُّ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه الأُولَى ولا الأخِيرةُ؛ لأنَّ كُلَّ
стр. 14760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحدةٍ منهما تَرُدُّ الأُخْرى (١)، ولأَنَّ الأُولَى مَرْجُوعٌ عنها، والثانيةَ غيرُ مَوْثُوقٍ بها؛ لأنَّها مِن مُقِرٍّ بغَلَطِه وخَطَئِه في شَهادَتِه، فلا يُؤْمَنُ أن تكونَ في الغَلَطِ كالأُولَى. وقال مالكٌ: يُؤْخَذُ بأقَلِّ (٢) قَوْلَيْه؛ لأنَّه أدَّى الشَّهادةَ وهو غيرُ مُتَّهَمٍ، فلم يُقْبَلُ رُجُوعُه عنها، كما لو اتَّصَلَ بها الحكمُ. ولَنا، أنَّ شَهادَتَه الأخِيرَةَ شهادةٌ مِن عَدْلٍ غيرِ مُتَّهَمٍ، لم يَرْجِعْ عنها، فَوَجَب الحُكْمُ بها، كما لو لم يَتقَدَّمْها ما يُخالِفُها، ولا تُعارِضُها الأُولَى؛ لأنَّها قد بطَلَتْ برُجُوعِه عنها، ولا يجوزُ الحُكمُ بها؛ لأنَّها شَرْطُ الحُكْمِ، فوجَبَ اسْتِمْرارُها إلى انْقِضائِه. ويُفارِقُ رُجوعَه بعدَ الحُكْمِ؛ لأَنَّ الحكمَ قد تَمَّ باسْتِمْرارِ شَرْطِه، فلا يُنْقَضُ بعدَ تَمامِه.
стр. 14761
بَابُ الْيَمِينِ فِى الدَّعَاوَى
وَهِىَ مَشْرُوعَةٌ فِى حَقِّ المُنْكِرِ فِى كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِىِّ.
ــ
بابُ اليَمينِ في الدَّعاوَى
(وهى مَشْروعةٌ في حَقِّ المنكِرِ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحُقوقَ على ضَرْبَيْنِ؛ أحدُهما، ما هو حَقٌّ لآدَمِىٍّ. والثانى، ما هو حَقٌّ للَّه تِعالى. وحَقُّ الآدَمِىِّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أحدُهما، ما هو مالٌ، أو المقْصودُ منه المالُ؛ كالبَيْعِ، والقَرْضِ، والصُّلْحِ، والغَصْبِ، والجِنايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فيُسْتَحْلَفُ فيه؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِى واليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولحَديثِ الحَضْرَمِىِّ والكِنْدِىِّ (٢). القسمُ الثانى، ما ليس بمالٍ، ولا المقْصودُ منه المالَ، وهو كلُّ ما لا يَثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْنِ؛ كالقِصاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، والنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، والعِتْقِ، والنَّسَبِ، والاسْتِيلادِ (٣)،
стр. 14762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والوَلاءِ، والرِّقِّ، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، لا يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه، ولا تُعْرَضُ عليه اليَمِينُ. قال أحمدُ: ولم أسمَعْ مَن مَضَى جَوَّزَ الأيْمانَ إلَّا في الأمْوالِ والعُرُوضِ خاصَّةً. وهذا قولُ مالكٍ. ونحوُه قولُ أبى حنيفةَ، فإنَّه قال: لا يُسْتَحْلَفُ في النِّكاحِ، وما يَتعلَّقُ به مِن دَعْوَى الرَّجْعَةِ والفَيْئَةِ في الإِيلاءِ، ولا في الرِّقِّ وما يتَعلَّقُ به مِن الاسْتِيلادِ (١) والوَلاءِ والنَّسَبِ؛ لأَنَّ هذه الأشْياءَ لا يَدْخُلُها البَدَلُ، وإنَّما تُعْرَضُ اليَمِينُ فيما يدْخُلُها البَدَلُ؛ فإنَّ المُدَّعَى عليه مُخَيَّرٌ بينَ أن يَحْلِفَ أو يُسَلِّمَ، ولأَنَّ هذه الأشياءَ لا تَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ، فلا تُعْرَضُ فيها اليَمِينُ، كالحدودِ. والروايةُ الثَّانيةُ، يُسْتَحْلَفُ في الطَّلاقِ، والقِصاصِ، والقَذْفِ. وقال الخِرَقِىُّ: إذا قال: ارْتَجَعْتُكِ. فقالت: انْقَضَتْ عِدَّتِى قبلَ رَجْعَتِكَ. فالقولُ قولُها مع يَمِينِها. وإذا اخْتَلَفا في مُضِىِّ الأرْبعةِ الأشْهُرِ في الإِيلاءِ، فالقولُ قوْلُه مع يَمِينِه. فَيُخَرَّجُ مِن (٢) هذا أنَّه
стр. 14763
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُسْتَحْلَفُ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْواهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه». [مُتَّفَقٌ عليه] (١). وهذا عامٌّ في كلِّ مُدُّعًى عليه (٢)، وهو ظاهِرٌ في دَعْوَى الدِّماءِ؛ لذِكْرِها في الدَّعْوَى مع عُمومِ الأحاديثِ، ولأنَّها دَعْوَى صَحيحةٌ في حَقِّ آدَمِىٍّ، فجازَ أَنْ يَحْلِفَ عليه، كدَعْوَى المالِ. وهذا أَوْلَى إن شاءَ اللَّهُ تعالى. و (قال أبو بكرٍ) عبدُ العزيزِ: تُشْرعُ اليَمِينُ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ (إلَّا في النِّكاحِ والطَّلاقِ) لأَنَّ هذا ممَّا لا يَحِلُّ بَذْلُه، فلم يُسْتَحْلَفْ فيه (٣)، كحُقوقِ اللَّهِ سبحانه، وإنَّما كان كذلك؛ لأَنَّ الأبْضاعَ ممَّا يُحْتاطُ لها، فلا تُسْتَباحُ بالنُّكُولِ، لأَنَّ النُّكُولَ ليس بحُجَّةٍ قَوِيَّةٍ، لأنَّه سُكُوتٌ مُجَرَّدٌ، يَحْتَمِلُ أن يكونَ للخَوْفِ مِن اليَمِينِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ للجَهْلِ بحَقِيقةِ الحالِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لعِلْمِه بصِدْقِ المُدَّعِى، ومع هذه
стр. 14764
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِى تِسْعَةِ أَشْيَاءَ؛ النِّكَاحِ، والرَّجْعَةِ، وَالطَّلَاقِ، وَالرِّقِّ، وَالْوَلَاءِ، وَالاسْتِيلَادِ، وَالنَّسَبِ، وَالْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ.
ــ
الاحْتِمالاتِ لا يَنْبَغِى أن يُقْضَى به فيما يُحْتاطُ له (وقال أبو الخَطَّابِ): تُشْرَعُ اليَمِينُ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ (إلَّا في تِسْعةِ أشياءَ؛ النِّكاحِ، والرَّجْعَةِ، والطَّلَاقِ، والرِّقِّ، والوَلاءِ، والاسْتِيلادِ، والنَّسَبِ، والقَذْفِ، والقِصاصِ) لأَنَّ البَدَلَ لا يَدْخُلُ هذه الأشياءَ، فلم يُسْتَحْلَفْ
стр. 14765
وَقَالَ الْقَاضِى: فِى الطَّلَاقِ وَالقِصَاصِ وَالْقَذْفِ رِوَايَتَانِ، وَسَائِرُ السِّتَّةِ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ الخِرَقِىُّ: لَا يُحَلَّفُ فِى القِصَاصِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِذَا أَنْكَرَتِ النِّكَاحَ، وَتُحَلَّفُ إِذَا ادَّعَتِ
ــ
فيها، كحُقوقِ اللَّه سبحانه (وقال القاضى: في الطَّلاقِ والقِصاصِ والقَذْفِ رِوَايتان) إحداهما، لا يُسْتَحْلَفُ فيها، لذلك. والثانيةُ، يُسْتَحْلَفُ فيها، لأنَّها دَعْوَى صَحيحَةٌ يُسْتَحلفُ فيها، كدَعْوَى المالِ. وأمَّا (السِّتَّةُ الباقِيَةُ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيها، رِوايةً واحدةً) لِما سَبَقَ (وقال الخِرَقِىُّ: لا يُسْتَحْلَفُ في القِصاصِ، ولا المرأةُ إذا أنْكَرَتِ النِّكاحَ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَلَفَ مع شاهدِه) وعَتَقَ. وهى إحْدَى (١) الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ. وقد ذكَرْنا ذلك.
стр. 14768
وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ كَالحُدُودِ، وَالْعِبَادَاتِ، وَنَحْوِهَا.
ــ
٥٠٨٩ - مسألة: (وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِى حُقُوقِ اللَّهِ سبحانَه) وهى نَوْعان؛ أحدُهما، الحُدُودُ، فلا تُشْرَعُ فيها يَمِينٌ. لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه لو أقَرَّ، ثم رَجَعَ عن إقْرارِه، قُبِلَ منه، وخُلِّىَ مِن غيرِ يَمِينٍ، فَلَأَن
стр. 14769
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يُسْتَحْلَفَ مع عَدمِ الإِقْرارِ أَوْلَى، ولأنَّه يُسْتَحَبُّ سَتْرُه، والتَّعْرِيضُ للمُقِرِّ به بالرُّجوعِ عن إقْرارِه، وللشُّهودِ بتَرْكِ الشَّهادَةِ والسَّتْرِ عليه، قال النبىُّ ﷺ لهَزَّالٍ، في قصَّةِ ماعِزٍ: «يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَه بثَوْبِكَ، لَكَانَ خَيْرًا لَكَ» (١). فلا تُشْرَعُ فيه يَمِينٌ بحالٍ. النوعُ الثانى، الحُقوقُ المالِيَّةُ، كدَعْوَى السَّاعِى الزَّكاةَ على رَبِّ المالِ، وأنَّ الحَوْلَ قد تَمَّ وكَمَلَ النِّصابُ، فقال أحمدُ: القولُ قولُ رَبِّ المالِ، بغيرِ يَمِينٍ، ولا يُسْتَحْلَفُ الناسُ على صَدَقاتِهم. وقال الشافعىُّ، وأبو يوسُفَ: يُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّها دَعْوَى مَسْمُوعَةٌ يتَعلَّقُ بها حَقُّ آدَمِىٍّ، أشْبَهَ حَقَّ الآدَمِىِّ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه حَقٌّ للَّهِ تعالى، أشْبَهَ الحَدَّ، ولأَنَّ ذلك عِبادةٌ، فلا يُسْتَحْلَفُ عليها، كالصَّلاةِ. ولو ادَّعَى عليه أنَّ عليه كفَّارَةَ يَمِينٍ، أو ظِهارٍ، أو نَذْرٍ، أو صَدَقَةٍ أو غيرِها، فالقولُ قولُه في نَفْىِ ذلك مِن غيرِ يَمِينٍ، ولا تُسْمَعُ الدَّعْوَى في هذا، ولا في حَدٍّ للَّه تِعالى؛ لأَنَّه لا حَقَّ للمُدَّعِى فيه، ولا وِلاية له عليه، فلا تُسْمَعُ منه دَعْوَاه، كما لو ادَّعَى حَقًّا لغيرِه مِن غيرِ إذْنِه ولا وِلايَة له عليه. فإن تَضَمَّنَتْ دَعْواه حقًّا له، مثلَ أن يَدَّعِىَ سَرِقَةَ مالِه، لتَضْمينِ السَّارِقِ، أو يَأْخُذ (٢) منه ما سَرَقَه، أو يَدَّعِىَ عليه الزِّنَى بجارِيَتِه؛ ليَأْخُذَ مَهْرَها منه، سُمِعَتْ دَعْوَاه ويُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه لحَقِّ الآدَمِىِّ، دونَ حَقِّ اللَّهِ تعالى.
стр. 14770
وَيَجُوزُ الْحُكْمُ فِى الْمَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِى، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَلَ.
ــ
٥٠٩٠ - مسألة: (ويَجُوزُ الحُكْمُ فِى المالِ، وما يُقْصَدُ به المَالُ بشاهِدٍ ويَمِينِ المُدَّعِى) رُوِى ذلك عن الخُلفاءِ الأربعةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وقد سبقَ ذِكْرُ ذلك (ولا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ امرأتَيْن ويَمِينٌ) لأَنَّ شَهادةَ النِّساءِ ناقِصَةٌ، وإنَّما أُجيزَتْ بانْضِمامِ الذَّكَرِ إلَيْهِنَّ، فلا يُقْبَلْنَ مُنْفَرِداتٍ وإن كَثُرْنَ (وَيَحْتَمِلُ أَن تُقْبَلَ) لأن المرْأتَيْنِ في المالِ مَقامُ رجلٍ، فيَحْلِفُ معهما كما يَحْلِفُ مع الرَّجُلِ. وهو مذهبُ مالكٍ. ويَبْطُلُ ذلك بشَهادةِ أرْبعِ نِسْوَةٍ، فإنَّه لا يُقْبَلُ إجْماعًا.
стр. 14771
وَهَلْ يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلَا يُقْبَلُ فِى النِّكَاحِ، وَالرَّجْعَةِ، وَسَائِرِ مَا لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ شَاهِدٌ
ــ
٥٠٩١ - مسألة: (وهل يَثْبُتُ العِتْقُ بشاهِدٍ ويَمِينٍ؟ على رِوايَتَيْنِ) إحداهما، يَثْبُتُ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ، وأبى بكرٍ؟ لأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، فقُبِلَ فيه شاهدٌ ويَمِينٌ، كالبَيْعِ، أو إتْلافُ مالٍ، فقُبِلَ فيه شاهدٌ ويَمِينٌ، كالإِتْلافِ بالفِعْلِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تَثْبُتُ الحُرِّيَّةُ إلَّا بشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذكَرَيْنِ؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا المَقْصودُ منه المالَ، ويَطَّلِعُ عليه الرجالُ في غالبِ الأحْوالِ، فأَشْبَهَ الحُدودَ والقِصاصَ.
٥٠٩٢ - مسألة: (ولا يُقْبَلُ فِى النِّكَاحِ، والرَّجْعَةِ، وسَائِرِ مَا لَا
стр. 14772
وَيَمِينٌ. وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، أَوْ دَعْوَى عَلَيْهِ فِى الإِثْبَاتِ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى النَّفْى، حَلَفَ عَلَى نَفْى عِلْمِهِ.
ــ
يُسْتَحْلَفُ فيه) كالطَّلَاقِ والوَصِيَّةِ (شَاهِدٌ ويَمِينٌ) لقولِ اللَّهِ تعالى في الرَّجْعَةِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وقِسْنا عليه سائرَ ما ذكَرْنا؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، أشْبَهَ العُقوباتِ. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، يُقْبَلُ فيه رجلٌ وامْرأتانِ، أو يَمِينٌ؛ لأنَّه ليس بعُقوبَةٍ، ولا يَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، أشْبَهَ المالَ. وقال القاضى: النِّكاحُ لا يَثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْنِ، والباقِى (٢) يُخَرَّجُ فيه رِوَايتان. ذكَرْنا وَجْهَهُما.
٥٠٩٣ - مسألة: (ومَن حَلَفَ على فِعْلِ نَفْسِه، أو دَعْوَى عليه) في الإِثْباتِ (حَلَف على البَتِّ) معنى البَتِّ: القطعُ. أى يَحْلِفُ باللَّهِ: ما لَه علىَّ شئٌ. والأيْمانُ كلُّها على البَتِّ والقَطْعِ، إلَّا على نَفْى فِعْلِ
стр. 14773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الغَيْرِ، فإنَّها على نَفْى العِلْمِ. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ. وقال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ: كلُّها على العلمِ. وذكرَه ابنُ أبى موسى رِوايةً عن أحمدَ. وذكرَ حديثَ الشَّيْبَانِىِّ (١)، عن القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النبىِّ ﷺ : «لَا تَضْطَرُّوا النَّاسَ فِى أيْمَانِهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ» (٢). ولأنَّه لا يُكَلَّفُ (٣) على ما لا عِلْمَ له به. وقال ابنُ أبى ليلَى: كلُّها على البَتِّ، كما يَحْلِفُ على فِعْلِ نَفْسِه. ولَنا، حديثُ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا، فقال: «قُلْ: وَاللَّهِ الَّذِى لَا إلهَ إلَّا هُوَ، مَا لَهُ عَلَيْكَ حَقٌ» (٤). ورَوَى الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ، أنَّ رَجلًا
стр. 14774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن كِنْدَةَ، ورجلًا مِن حَضْرَمَوْتَ، اخْتَصَما إلى رسولِ اللَّه ﷺ في أرْضٍ مِن اليَمَنِ، فقال الحَضْرَمِىُّ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أرْضِى اغْتصَبَنِيها (١) أبو هذا، وهى في يَدِه. قال: «هَلْ لَكَ بَيِّنةٌ؟». قال: لا، ولكن أُحَلِّفُه واللَّهِ ما يَعْلَمُ أنَّها أرْضِى اغْتَصَبَنِيها أبُوه. فتهَيَّأَ الكِنْدِىُّ لليَمِينِ. رَوَاه أبو داودَ (٢). ولم يُنْكِرْ ذلك النبىُّ ﷺ . وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه الإِحاطَةُ بفِعْلِ نفسِه، ولا يُمْكِنُه ذلك في فِعْلِ غيرِه، فافْتَرَقا في اليَمِينِ، كما (٣) افْتَرَقَتِ الشَّهادةُ، فإنَّها تكونُ بالقَطْعِ فيما يُمْكِنُ القَطْعُ فيه مِن العُقودِ، وعلى الظَّنِّ فيما لا يُمْكِنُ فيه القَطْعُ مِن الأمْلاكِ والأنْسابِ (٤)، وعلى نَفْى العلمِ فيما لا تُمْكِنُ الإِحاطَةُ بانْتِفائِه، كالشَّهادةِ على أنَّه لا وارِثَ له إلَّا فُلانٌ وِفُلانٌ وحديثُ القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، مَحْمولٌ على اليَمِينِ على نَفْىِ (٥) فِعْلِ الغيرِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَحْلِفُ فيما عليه على البَتِّ، نَفْيًا كان أو إثْباتًا. وأمَّا ما يَتعلَّقُ بفعلِ غيرِه، فإن كان إثْباتًا،
стр. 14775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثلَ أن يَدَّعِىَ أنَّه أقْرَضَ أو باعَ، ويُقِيمَ شاهِدًا بذلك، فإنَّه يَحْلِفُ مع شاهدِه على البَتِّ والقَطْعِ، وإن كان على نَفْىٍ، مثلَ أن يَدَّعِىَ عليه دَيْنًا، أو غَصْبًا، أو جِنايةً، [أو خِيانةً] (١)، فإنَّه يَحْلِفُ على نَفْى العلمِ لا غيرُ. وإن حَلَف عليه على البَتِّ كَفاه، وكان التَّقْديرُ فيه العِلْمَ، كما في الشَّاهدِ إذا شَهِدَ بعَددِ الوَرَثَةِ، وقال: ليس له وارثٌ غيرَهم. سُمِعَ ذلك، وكان التَّقْديرُ فيه (٢) عِلْمَه. ولو ادُّعِىَ عليه (٣) أنَّ عبدَه اسْتدانَ أو جَنَى، فأنْكَرَ ذلك، فيَمِينُه على نَفْى العلْمِ؛ لأنَّها يَمِينٌ على فِعْلِ الغيرِ، فأشْبَهَتْ يَمِينَ الوارِثِ على نَفىِ فِعْلِ المَوْروثِ.