. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُتَّصِلًا، فأَشْبَهَ ما لو قال: كان له علىَّ (١) وقَضَيْتُه (٢). وقال ابنُ أبى مُوسَى: إن قال: قَضَيْتُ جَمِيعَه. لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ، ولَزِمَه الألْفُ الذى أقَرَّ به، وله اليَمِينُ على المُقَرِّ له. وأمّا لو قال: قَضَيْتُ بعضَه. قُبِلَ منه، في إحْدَى الرِّوايتينِ؛ لأنَّه رَفَعَ بعضَ ما أقَرَّ به بكلامٍ مُتَّصِلٍ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَثْناه، بخِلافِ ما إذا قال: قَضَيْتُ جَمِيعَه. لكَوْنِه رَفع جَمِيعَ ما هو ثابتٌ، فأشْبَهَ اسْتِثْناءَ الكُلِّ. ولَنا، أنَّ هذا قولٌ مُتناقِضٌ، إذ لا يُمْكِنُ أن يكَونَ عليه ألْفٌ و (٣) قد قَضاه، فإنَّ كَوْنَه عليه يَقْتَضِى بَقاءَه في ذِمَّتِه، واسْتِحْقاقَ مُطالَبَتِه به، [وقَضاؤُه يَقْتَضِى] (٤) بَراءَة ذِمَّتِه منه، وتَحْرِيمَ مُطالَبَتِه به، وهذان ضِدَّانِ لا يُتَصَوَّرُ اجْتِماعُهُما في زَمَنٍ واحدٍ، بخِلافِ ما إذا قال له: كان عَلَىَّ وقَضَيْتُه. فإنَّه أَخْبَرَ بهما في زَمانَيْنِ، ويُمْكِنُ أن يَرْتَفِعَ (٥) ما كان ثابِتًا، ويَقْضِىَ ما كان دَيْنًا، وإذا لم يَصِحَّ هذا في الجميعِ، لم يَصِحَّ في البَعْضِ؛ لاسْتِحالةِ بَقاءِ أَلْفٍ (٦) عليه قد قَضى بعضَه،
стр. 14877
فَصْلٌ: وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا دُونَ النِّصْفِ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ.
ــ
ويُفارِقُ الاسْتِثْناءَ، فإنَّ الاسْتِثْناءَ مع المُسْتَثْنَى منه عِبارَةٌ عن الباقِى مِن المُسْتَثْنَى منه، فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (١). عبارةٌ عن تِسْعِمائةٍ وخمْسِينَ عامًا. أمّا القَضاءُ فإنَّما يَرْفَعُ جُزْءًا كان ثابِتًا، فإذا ارْتَفَعَ بالقَضاءِ لا يجوزُ التَّعْبِيرُ عنه بما يَدُلُّ على البَقَاءِ (٢).
فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (ويَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما دُونَ النِّصْفِ، ولا يَصِحُّ فيما زادَ عليه. وفى النِّصْفِ وجهان) الاسْتِثْناءُ مِن الجِنْسِ -وهو ما دَخَل في المُسْتَثْنَى منه- جائزٌ بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فإنَّ ذلك كلامُ العَرَبِ وقد جاء في الكِتَابِ. والسُّنَّةِ، قال اللَّهُ تعالى:
стр. 14878
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾. وقال النبىُّ ﷺ [في الشَّهِيدِ] (١): «يُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كُلُّهَا إلَّا الدَّيْنَ» (٢). وذلك في كلامِ العَرَبِ كثيرٌ. فإذا أقَرَّ بشئٍ واسْتَثْنَى منه، كان مُقِرًّا بالباقِى بعدَ الاسْتِثْناءِ، فإذا قال: له عَلَىَّ مائةٌ إلَّا عَشَرَةً. كان مُقِرًّا بِتِسْعِينَ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ يَمْنَعُ أن يَدْخُلَ في اللَّفْظِ ما لَوْلَاهُ لدَخَلَ، فإنَّه لو دَخَل ما أمْكَنَ إخْراجُه، ولو أقَرَّ بالعَشَرَةِ المُسْتَثناةِ لَما قُبِلَ منه إنْكارُها، وقَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾. إخبارٌ بتِسْعِمائةٍ وخَمْسِينَ،
стр. 14879
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالاسْتِثْناءُ بَيَّنَ أنَّ الخَمْسِينَ المُسْتَثْناةَ غيرُ مُرَادَةٍ، كما أنَّ التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أنَّ المَخْصُوصَ غيرُ مُرَادٍ باللَّفْظِ العامِّ. إذا ثَبَتَ ذلك، فلا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ اسْتِثْناءِ ما دُونَ النِّصْفِ (١)، وقد دَلَّ عليه ما ذَكَرْنا مِن الكِتَابِ والسُّنَّةِ.
فصل: فأمّا اسْتِثْناءُ ما زادَ على النِّصْفِ، فلا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لا يَصِحُّ، وهو كاسْتِثْناءِ الكُلِّ، يُؤْخَذُ بالجميعِ. ويُحْكَى ذلك عن ابنِ دَرَسْتَوَيْهِ النَّحْوِىِّ (٢). وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، [والشّافعىُّ] (٣)، وأصحابُهم: يَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما دونَ الكُلِّ، فلو قال: له عَلَىَّ مائةٌ إلَّا تِسْعةً وتِسْعِينَ. لم يَلْزَمْه إلَّا واحدٌ، بدَلِيلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤). وقولِه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٥).
стр. 14880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[فاسْتَثْنى في مَوْضِعٍ الغاوينَ مِن العبادِ، وفى مَوْضِعٍ العبادَ مِن الغاوينَ] (١)، وأيُّهما كان الأكْثَرَ فقد دَلَّ على اسْتِثْناءِ الأكْثَرِ، وأنْشَدُوا (٢):
أدُّوا التى نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مائةٍ ... ثم ابْعَثُوا حَكَمًا بالحَقِّ قَوَّامَا
فاسْتَثْنَى تِسْعِينَ مِن مائةٍ؛ لأنَّه (٣) في مَعْنَى الاسْتِثْناءِ، ومُشَبَّهٌ به، ولأنَّه اسْتَثْنَى البعضَ، فجازَ، كاسْتِثْناءِ الأقَلِّ، ولأنه رَفَع بعضَ ما تَناوَلَهُ اللَّفْظُ، فجاز، كالتَّخْصِيص والبَدَلِ. ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ في لِسانِ العَرَبِ الاسْتِثْناءُ إلَّا في الأقَلِّ، وقد أَنْكَرُوا اسْتِثْناءَ الأَكْثَرِ، فقال أبو إسحاقَ الزَّجّاجُ: لم يَأْتِ الاسْتِثْناءُ إلَّا في القَلِيلِ مِن الكَثِيرِ، ولو قال قائِلٌ: مائةٌ إلَّا تِسْعةً وتِسْعِينَ. لم يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بالعَرَبِيَّةِ، وكان عِيًّا مِن الكَلامِ ولُكْنةً.
стр. 14881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال القُتَيْبِىُّ: يُقالُ: صُمْتُ الشَّهْرَ إلَّا يَوْمًا. ولا يُقالُ: صُمْتُ الشَّهْرَ إلا تِسْعةً وعِشْرِينَ يومًا. ويُقالُ: لَقِيتُ القَوْمَ جَمِيعَهُم إلَّا واحِدًا أو اثْنَيْنِ. ولا يجوزُ أن يُقالَ: لَقِيتُ القَوْمَ إلَّا أكْثَرَهُم. وإن لم يَكُنْ صَحِيحًا في الكَلامِ، لم يَرْتَفِعْ به ما أقَرَّ به، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ، وكما لو قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ، بل خَمْسةٌ. وأمّا ما احْتَجُّوا به مِن التَّنْزِيلِ، فإنّه في الآيةِ الأُولَى اسْتَثْنَى المُخْلَصِينَ مِن بَنِى آدَمَ، وهم الأقَلُّ، كما قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (١). وفى الآيةِ الأُخْرَى اسْتَثْنَى الغاوِينَ مِن العِبَادِ وهم الأَقَلُّ، فإنَّ المَلائكَةَ مِن العِبادِ، وهم غيرُ غاوِينَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢). وقيل: الاسْتِثْناءُ في هذه الآيةِ مُنْقَطِعٌ بمعنى الاسْتِدْراكِ، فيكونُ قولُه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. مُبْقًى (٣) على عُمُومِه لم يُسْتَثْنَ منه شَئٌ، فيكونُ قَوْلُه: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. أى لكنْ مَن اتَّبَعَكَ مِن الغَاوِينَ فإنَّهم غَوَوْا باتِّباعِكَ. وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا قولُه في الآيةِ الأُخْرى لأَتْباعِه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (٤). وعلى هذا، لا يكونُ لهم فيها حُجَّةٌ. وأمّا البَيْتُ،
стр. 14882
وَفِى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ وَجْهَانِ.
ــ
فقال ابنُ فَضَّالٍ النَّحْوِىُّ (١): هو بَيْتٌ مَصْنُوعٌ لم يَثْبُتْ عن العَرَبِ. على أنَّ هذا ليس باسْتِثْناءٍ، فإنَّ الاسْتِثْناءَ له كَلِماتٌ مَخْصُوصةٌ ليس هذا منها، والقِياسُ لا يَجوزُ في اللُّغةِ. ثم نُعارِضُه بأنَّه اسْتَثْنَى أكْثَرَ مِن النِّصْفِ، فلم يَجُزْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ. والفَرْقُ بينَ اسْتِثْناءِ الأكْثَرِ (٢) والأقَلِّ، أنَّ العَرَبَ اسْتَحْسَنَتْه في الأقَلِّ واسْتَعْمَلَتْه، ونَفَتْه في الأَكْثَرِ وقَبَّحَتْه، فلم يَجُزْ قِياسُ ما قَبَّحُوه على ما حَسَّنُوه.
فصل: (وفى اسْتِثْناءِ النِّصْفِ وَجْهانِ) أحَدُهما، يجُوزُ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه ليس بالأكْثَرِ (٣)، فجازَ، كالأقَلِّ (٤). والثانِى، لا يجوزُ. ذكَره أبو بكرٍ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في كَلامِهم إلَّا في القَلِيلِ مِن الكَثِيرِ، والنِّصْفُ ليس بقَلِيلٍ. وهو أَوْلَى، [إن شاء اللَّهُ] (٥).
стр. 14883
فَإذَا قَالَ: لَهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ الْعَشَرَةُ إلَّا وَاحِدًا. لَزِمَهُ تَسْلِيمُ تِسْعَةٍ.
فَإِنْ مَاتُوا إلَّا وَاحِدًا، فَقَالَ: هُوَ المُسْتَثْنَى. فَهَلْ يُقْبَلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
ــ
٥١٤١ - مسألة: (فإذا قال: له عَلَىَّ هَؤلاءِ العَبيدُ العَشَرَةُ إلَّا واحِدًا. لَزِمَه تَسْلِيمُ تِسْعةٍ) فإن عَيَّنَه فقال: إلَّا هذا. صَحَّ، وكان مُقِرًّا بمَن (١) سِوَاه. وإن قال: إلَّا واحِدًا. ولم يُعَيِّنْه، صَحَّ؛ لأَنَّ الإِقْرارَ يَصِحُّ مَجْهُولًا، فكذلك الاسْتِثْناءُ منه، ويُرْجَعُ في تَعْيِينِ المُسَمَّى إليه؛ لأَنَّ الحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بقَوْلِه، وهو أعْلَمُ بمُرَادِه به. وإن عَيَّنَ مَن عَدَا المُسْتَثْنَى، صَحَّ، وكان الباقِى له.
٥١٤٢ - مسألة: (فإن ماتُوا إلَّا واحِدًا، فقال: هو المُسْتَثْنَى. فهل يُقْبَل؟ على وَجْهَيْنِ) أحَدُهما، يُقْبَلُ. ذكَرَه القاضِى. وهو أحَدُ
стр. 14884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوَجْهينِ لأصحابِ الشّافِعِىِّ. والوجهُ الثانى، لا يُقْبَلُ. ذكَره أبو الخَطَّابِ. وهو الوَجْهُ الثانى لأصحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه يُرْفَعُ به الإِقْرارُ كُلُّه. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّه يُقْبَلُ تَفْسِيرُه به في حَياتِهم لمَعْنًى هو مَوْجُودٌ بعدَ مَوْتِهم، فقُبِلَ، كحَالةِ حَياتِهم، وليس هذا رَفْعًا للإقْرارِ، وإنَّما تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ المُقَرِّ به لِتَلَفِه، لا لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ، فأشْبَهَ ما لو عَيَّنَه في حَياتِه فتَلِفَ بعدَ تَعْيينِه. فإن قُتِلَ الجَمِيعُ إلَّا واحِدًا، قُبِلَ تَفْسِيرُه بالباقِى، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ، لأنَّ المُقَرَّ له يَحْصُلُ له قِيمةُ المَقْتُولِينَ، بخِلافِ المَوْتِ، فإنَّه لا يَحْصُلُ للمُقَرِّ له شئٌ. وإن قُتِلُوا كُلُّهُم، فله قِيمةُ أحَدِهم، ويُرْجَعُ في التَّفْسِيرِ إليه. وإن قال: غَصَبْتُكَ هؤلاءِ العَبيدَ إلَّا واحِدًا. [فهَلَكُوا إلَّا واحدًا] (١)، قُبِلَ تَفْسِيرُه به، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ المُقَرَّ له يَسْتَحِقُّ قِيمةَ الهالِكينَ، ولا (٢) يُفْضِى (٣) التَّفْسِيرُ بالباقِى إلى سُقُوطِ الإِقْرارِ، بخِلافِ ما إذا ماتُوا.
стр. 14885
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وحُكْمُ الاسْتِثْناءِ بسائرِ أَدَواتِه حُكْمُ الاسْتِثْناءِ بإلَّا، فإذا قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ سِوَى دِرْهَمٍ، أو: ليس دِرْهَمًا، أو: خَلَا دِرْهَمًا، أو: عَدَا دِرْهَمًا، أو: لا يكونُ دِرْهَمًا، أو: غيرَ دِرْهَمٍ. بفَتْحِ الرّاءِ، كان مُقِرًّا بتِسْعَةٍ (١). وإن قال: غيرُ دِرْهَمٍ. بضَمِّ الراءِ، وهو مِن أَهْلِ العَرَبيّةِ، كان مُقِرًّا (٢) بعشَرَةٍ؛ لأنَّها تكونُ صِفَةً للعَشَرَةِ المُقرِّ بها، ولا تكونُ اسْتِثْناءً، فإنَّها لو كانتِ اسْتِثْناءً كانت مَنْصُوبةً. وإن لم يَكُنْ مِن أَهْلِ العَرَبِيَّةِ، لَزِمَه تِسْعةٌ؛ لأَنَّ الظاهِرَ أنَّه (٣) يُرِيدُ الاسْتِثْناءَ، وإنَّما ضَمَّها جَهْلًا منه بالعَرَبِيَّةِ، لا قَصْدًا للصِّفَةِ.
فصل: ولا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ إلَّا أن يكونَ مُتَّصِلًا بالكَلامِ، فإن سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُه الكَلامُ فيه، أو فَصَلَ بينَ المُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه بكَلامٍ أجْنَبِىٍّ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إذا سَكَتَ وعَدَل عن إقْرارِه إلى شئٍ آخَرَ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ ما أقَرَّ به، فلم يَرْتَفِعْ، بخِلافِ ما إذا كان في كَلامِه، فإنَّه لا يَثْبُتُ حُكْمُه، [وينْتَظرُ] (٤) ما يَتِمُّ به كَلامُه، ويَتعلَّقُ به حُكْمُ
стр. 14886
وَإِنْ قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ إلَّا هَذَا الْبَيْتَ. أَوْ: هَذِهِ الدَّارُ لَهُ وَهَذَا الْبَيْتُ لِى. قُبِلَ مِنْهُ.
ــ
الاسْتِثْناءِ والشَّرْطِ والبَدَلِ ونحوِه.
٥١٤٣ - مسألة: (وإن قال: له هذه الدّارُ إلَّا هذا البَيْتَ. أو: هذه الدّارُ له وهذا البيتُ لى. قُبِلَ منه) لأَنَّ الأوَّلَ اسْتِثْناءٌ، فلا يَدْخُلُ البيتُ في إقْرارِه، والثانى في مَعْنَى الاسْتِثْناءِ؛ لكَوْنِه أخْرَجَ بعضَ ما تَناوَلَه (١) اللَّفْظُ بكلَامٍ مُتَّصِلٍ، وسواءٌ كان البَيْتُ أكْثَرَ مِن نِصْفِ الدّارِ أو أَقَلَّ.
стр. 14887
وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ دِرْهَمَانِ وَثَلَاَثةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. أَوْ: لَهُ عَلَىَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا. فَهَلْ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.
ــ
٥١٤٤ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ درْهَمانِ وثَلاثةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَيْن) أحدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ يَعُودُ إلى الجُمْلَتَيْنِ، وهو أقَلُّ مِن النِّصْفِ. والثانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَعُودُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنِ، فيكونُ اسْتِثْناءَ أكْثَرَ مِن النِّصْفِ.
٥١٤٥ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ درْهَمٌ ودِرْهَمٌ إلَّا درْهَمًا) أو ثَلاثةٌ ودِرْهَمانِ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، أو: ثَلاثةٌ ونِصْفٌ إلَّا نِصْفًا، أو: إلّا دِرْهَمًا.
стр. 14888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو خَمْسةٌ وتِسْعُونَ إلَّا خَمْسةً. لم يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ، ولَزِمَه جميعُ ما أقَرَّ به قبلَ الاسْتِثْناءِ. وهذا قولُ الشّافِعِىِّ. وهو الذى يَقْتَضِيه مذهبُ أبى حنيفةَ. وفيه وجهٌ آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأَنَّ الواوَ العاطِفةَ تَجْمَعُ بينَ العَدَدَيْنِ، وتَجْعَلُ الجُمْلَتَينِ كالجُمْلَةِ الواحدةِ. وعندنا أنَّ الاستِثناءَ إذا تَعَقَّبَ جُمَلًا مَعْطُوفًا بعضُها على بعض بالواوِ، عادَ إلى جَميعِها، كقَوْلِنا في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (١): إنَّ الاسْتِثْناءَ عادَ إلى الجُمْلَتَينِ، فإذا تابَ القاذِفُ قُبِلَتْ شَهادَتُه. ومِن ذلك قولُ النبىِّ ﷺ : «لا يَؤُّمَّنَّ الرَّجُلُ الرجُلَ (٢) في سُلْطَانِه، ولا يَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِه إلَّا بِإذْنِه» (٣). قال شيخُنا (٤): والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأن الواوَ لم تُخْرِجِ الكَلامَ مِن أن يكونَ جُمْلَتينِ،
стр. 14889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والاسْتِثناءُ يَرْفَعُ إحداهما جَمِيعًا (١)، ولا نَظِيرَ لهذا في كَلامِهم، ولأَنَّ صِحَّةَ الاسْتِثناءِ تَجْعَلُ إحْدَى الجُمْلتينِ مع الاسْتِثْناءِ لَغْوًا؛ لأنَّه أثْبَتَ شيئًا بلَفْظٍ مُفْرَدٍ، ثم رَفَعَه كلَّه، فلا يَصِحُّ، كما لو اسْتَثْنَى منها هى غيرُ مَعْطُوفةٍ على غيرِها. فأمّا الآيةُ والخَبَرُ، فإنَّ الاسْتِثْناءَ لم يَرْفَعْ إحْدَى الجُملتينِ، إنَّما أخْرَجَ مِن الجُمْلتينِ معًا مَن اتَّصَفَ بصِفَةٍ، فنَظِيرُه قولُه للبَوّابِ: مَن جاءَ يَسْتَأْذِنُ فأْذنْ له، وأعْطِه دِرْهمًا إلَّا فُلانًا. ونَظِيرُ مسألَتِنا ما لو
وَلَا يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الجِنْسِ. نَصَّ عَلَيْهِ.
ــ
٥١٤٩ - مسألة: (ولا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ مِن غيرِ الجِنْسِ. نَصَّ عليه) وبهذا قال زُفَرُ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ. وقال أبو حنيفةَ: إنِ اسْتَثْنَى مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، جازَ، وإنِ اسْتَثْنَى عَبْدًا أو ثَوْبًا مِن (١) مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ، لم يَجُزْ. وقال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ: يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ مِن غيرِ الجنْسِ مُطْلَقًا؛ لأنَّه وَرَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ولُغةِ العَرَبِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٢). وقال سُبحانَه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا
стр. 14898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَلَامًا﴾ (١). وقال الشاعرُ (٢):
وبَلْدَةٍ ليس بها أَنِيسُ ... إلَّا اليَعافِيرُ، وإلَّا العِيسُ
وقال آخَرُ (٣):
أعْيَتْ جَوابًا وَمَا بالرَّبْعِ مِن أحدِ
إلَّا أوارىُّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها
ولنا، أنَّ الاسْتِثْناءَ صَرْفُ اللَّفْظِ بِحَرْفِ الاسْتِثناءِ عمّا كان يَقْتَضِيه لَوْلَاه. وقيل: إخْراجُ بعضِ ما تَنَاوَلَه المُسْتثْنَى منه، مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِه: ثَنَيْتُ فُلانًا عن رَأْيِه. إذا صَرَفْتَه عن رَأْىٍ كان عازِمًا عليه. وثَنَيْتُ عِنَانَ
стр. 14899
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دابَّتِى (١). إذا صَرَفْتُها به عن وِجْهَتِها التى كانَتْ تَذْهَبُ إليها. وغيرُ الجِنْسِ المَذْكُورِ ليس بِدَاخِلٍ في الكَلامِ، فإذا ذَكَرَه، فما صَرَفَ الكَلَامَ عن صَوْبِه، ولا ثَنَاه عن وَجْهِ اسْتِرْسالِه، فلا يكونُ اسْتِثْناءً، وإنَّما يُسَمَّى اسْتِثْناءً تَجَوُّزًا، وإنَّما هو في الحَقِيقَةِ اسْتِدْراكٌ. وإلَّا ههُنا بمَعْنَى «لكن». هكذا قال أهْلُ العَرَبِيَّةِ؛ منهم ابنُ قُتَيْبةَ، وحَكَاه عن سِيبَوَيْهِ. والاسْتِدْراكُ لا يَأْتِى إلَّا بعدَ الجَحْدِ، ولذلك لم يَأْتِ الاستثناءُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن غيرِ الجِنْسِ إِلَّا بعدَ النَّفْى، ولا يأتِى بعدَ الإِثْباتِ إلَّا أن يُوجَدَ بعدَه (٢) جُملةٌ. إذا تَقَرَّرَ هذا فلا مدْخَلَ للاسْتِدْراكِ في الإِقْرارِ؛ لأنَّه إثْباتٌ للمُقَرِّ به، فإذا ذَكَر الاسْتِدْراكَ بعدَه كان باطِلًا، وإن [ذكَرَه بعدَ] (٣) جُمْلةٍ كأنَّه قال: له عِنْدِى مائةُ دِرْهمٍ إلَّا ثَوْبًا لِى عليه. فيكونُ مُقِرًّا لشئٍ مُدَّعِيًا لشئٍ سِواه، فيُقْبَلُ إقْرارُه، وتَبْطُلُ دَعْواه، كما لو صَرَّحَ بذلك بغيرِ لَفْظِ الاسْتِثْناءِ. وأمّا قولُه تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾. فإنَّ إبْلِيسَ كان مِن الملائكةِ، بدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ تعالى لم يَأْمُرْ بالسُّجُودِ غيرَهُم، فلو لم يَكُنْ منهم، لَما (٤) كان مَأْمُورًا بالسُّجُودِ، ولا عاصِيًا، بتَرْكِه، ولا قال اللَّهُ تعالى في حَقِّه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٥). ولا
стр. 14900
فَإذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا، لَزِمَتْهُ المِائَةُ.
ــ
قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (١). وإذا لم يكُنْ مَأْمُورًا فَلِمَ أبْلَسَه اللَّهُ وأهْبَطَه ودَحَرَه؟ ولم (٢) يأْمُرِ اللَّهُ بالسُّجُودِ إلَّا المَلائكةَ (٣). فإن قالوا: بل قد تَناوَلَ الأمْرُ المَلائكةَ ومَن كان معهم، فدَخَلَ إبْلِيسُ في الأَمْرِ؛ لكَوْنِه معهم. قلنا: فقد سَقَطَ اسْتِدْلالُكُم، فإنَّه متى كان إبْلِيسُ داخِلًا في المُسْتَثْنَى منه مأْمُورًا بالسُّجُودِ، فاسْتِثْناؤُه مِن الجِنْسِ، وهو ظاهِرٌ لمَن أَنْصَفَ، إن شاء اللَّهُ تعالى.
٥١٥٠ - مسألة: فعَلَى هذا (متى قال: له عَلَىَّ مائةُ دِرْهمٍ إلَّا ثَوْبًا. لَزِمَتْه المائةُ) لأَنَّ الاسْتِثْناءَ باطِلٌ على ما بَيَّنًا.
стр. 14901
إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِىَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ، فَيَصِحُّ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ. فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا. فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
٥١٥١ - مسألة: (إلَّا أن يَسْتَثْنِىَ عَيْنًا مِن وَرِقٍ، أو وَرِقًا مِن عَيْنٍ، فيَصِحُّ. ذكَره الخِرَقِىُّ. وقال أبو بكرٍ: لا يَصِحُّ. فإذا قال: له عَلَىَّ مائةُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينارًا. فهل يَصِحُّ؟ على وجهينِ) اخْتَلَفَ أصحابُنا
стр. 14902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في صِحَّةِ اسْتِثْناءِ أحَدِ النَّقْدَيْنِ (١) مِن الآخَرِ، فذَهَبَ أبو بكرٍ إلى أنَّه لا يَصِحُّ؛ لِما ذكَرْنا. وهو قولُ محمدِ بنِ الحَسَنِ. وقال ابنُ أبى مُوسى: فيه رِوايتان. واخْتارَ الخِرَقِىُّ صِحَّتَه؛ لأَنَّ قَدْرَ أحَدِهما مَعْلُومٌ مِن الآخَرِ، ويُعَبَّرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ، فإنَّ قَوْمًا يُسَمُّونَ تِسْعةَ (٢) دَراهِمَ دِينارًا، وآخَرُون يُسَمُّونَ ثمانِيةَ دَراهِمَ دينارًا، فإذا اسْتَثْنَى أحَدَهما مِن الآخَرِ، عُلِمَ أنَّه أرادَ التَّعْبِيرَ بأحَدِهما عن الآخَرِ، فإذا قال: له عَلَىَّ دِينارٌ إلَّا ثَلاثةَ دَرَاهِمَ. في مَوْضِعٍ يُعَبَّرُ فيه بالدِّينارِ عن تِسْعةٍ، كان معناه: له عَلَىَّ تِسْعةُ دَراهِمَ إلَّا ثَلاثةً. ومتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ على وَجْهٍ صَحِيحٍ، لم يَجُزْ إلغاؤُه، وتد أمكنَ بهذا الطَّرِيقِ، فوَجَبَ تَصحِيحُه. وقال أبو الخَطّابِ: لا فَرْقَ بينَ العَيْنِ والوَرِقِ وبينَ غيرِهما، فيَلْزَمُ مِن صِحَّةِ اسْتِثْناءِ أحَدِهما مِن الآخَرِ صِحّةُ اسْتِثْناءِ الثِّيابِ وغيرِها. وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ، [ويمكنُ الجَمْعُ] (٣) بينَ الرِّوايَتَيْنِ بِحَمْلِ رِوايةِ الصِّحَّةِ على ما إذا كان
стр. 14903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدُهما يُعَبَّرُ به عن الآخَرِ، أو يُعْلَمُ قَدْرُه منه، ورِوايةِ البُطْلانِ على ما إذا انْتَفَى ذلك. واللَّهُ أعْلَمُ.
فصل: ولو ذَكَرَ نَوْعًا مِن جِنْسٍ، واسْتَثْنَى نَوْعًا آخَرَ مِن (١) ذلك الجِنْسِ، مثلَ أن يقولَ: له عَلَىَّ عَشَرَةُ آصُعٍ تَمْرًا بَرْنِيًّا، إلَّا ثلاثةً تَمْرًا مَعْقِليًّا. لم يَجُزْ؛ لِما ذَكَرْنا في الفَصْلِ الأَوَّلِ. ويُخالِفُ العَيْنَ والوَرِقَ؛ لأَنَّ قِيمةَ أحَدِ النَّوْعينِ غيرُ مَعْلُومةٍ مِن الآخَرِ، ولا يُعَبَّرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ. ويَحْتَمِلُ على قولِ الخِرَقِىِّ جَوازُه؛ لِتَقارُبِ المَقاصِدِ مِن النَّوْعَيْنِ، فهما كالعَيْنِ والوَرِقِ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأَنَّ العِلَّةَ الصَّحِيحةَ في العَيْنِ والوَرِقِ غيرُ ذلك.
стр. 14904
فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ. ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا. أَوْ: صِغَارًا. أَوْ: إِلَى شَهْرٍ. لَزِمَهُ أَلْفٌ جِيَادٌ وَافِيَةٌ حَالَّةٌ.
ــ
فصل: قال، [﵀] (١): (إذا قال: له عَلَىَّ ألْفُ درْهَمٍ. ثم سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُه الكَلَامُ فيه، ثم قال: زُيُوفًا. أو: صِغَارًا. أو: إلى شَهْرٍ. لَزِمَه ألْفٌ جِيَادٌ وافِيَةٌ حالَّةٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن أقَرَّ بدَرَاهِمَ وأطْلَقَ، اقْتَضَمى إقْرارُه الدَّرَاهِمَ الوافِيةَ، وهى دَرَاهِمُ الإِسْلامِ، كلُّ عَشَرَةٍ منها وَزْنُ (٢) سَبْعةِ مَثاقِيلَ، واقْتَضَى أن تكونَ جِيادًا حالَّةً، كما لو باعَه بعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وأطْلَقَ، فإنَّها تَلْزَمُه كذلك، فإذا سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُه الكَلَامُ فيه، أو أخَذَ في كَلامٍ آخَرَ غيرِ ما كان فيه، اسْتَقَرَّتْ عليه كذلك، فإن عادَ فقال: زُيُوفًا. أو: صِغَارًا. وهى الدَّراهِمُ النّاقِصَةُ، وهى دَرَاهِمُ
стр. 14905
إلَّا أَنْ يَكُونَ فِى بَلَدٍ أَوْزانُهُمْ نَاقِصَةٌ، أَوْ مَغْشُوشَةٌ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ مِنْ دَرَاهِمِ الْبَلَدِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
طَبَرِيَّةَ، كان كلُّ دِرْهَمٍ منها أرْبَعةَ دَوَانِيقَ، وذلك ثُلُثَا دِرْهَمٍ. أو: إلى شَهْرٍ. يَعْنِى مُؤَجَّلةً، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه يَرْجِعُ عن بعضِ ما أقَرَّ به، ويَرْفَعُه بكلامٍ مُنْفَصِلٍ، فلم يُقْبَلْ، كالاسْتِثْناءِ المُنْفَصِلِ. وهذا مذهبُ الشّافعىِّ. ولا فَرْقَ بينَ الإِقْرارِ بها دَيْنًا، أو وَدِيعةً، أو غَصْبًا. وقال أبو حنيفةَ: يُقْبَلُ قولُه في الغَصْبِ والوَدِيعةِ؛ لأنَّه إقْرارٌ بِفِعْلٍ في عَيْنٍ، وذلك لا يَقْتَضِى سَلامَتَها، فأَشْبَهَ ما لو أقَرَّ بِغَصْبِ عَبْدٍ، ثم جاءَ به (١) مَعِيبًا. ولَنا، أنَّ إطْلاقَ الاسْمِ يَقْتَضِى الوازِنةَ الجِيَادَ، فلم يُقْبَلْ تَفْسِيرُه بما يُخالِفُ ذلك، كالدَّيْنِ، ويُفارِقُ العَبْدَ، فإنَّ العَيْبَ لا يَمْنَعُ إطْلاقَ اسْمِ العَبْدِ عليه.
٥١٥٢ - مسألة: (إلَّا أن يكونَ في بَلَدٍ أَوْزانُهم ناقِصَةٌ، أو مَغْشُوشةٌ، فهل يَلْزَمُه مِن دَرَاهِمِ البَلَدِ، أو مِن غَيْرِها؟ على وَجْهَيْن)
стр. 14906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أولُهما، أنَّه يَلْزَمُه مِن دَراهِمِ البَلَدِ؛ لأَنَّ مُطْلَقَ كَلامِهِم يُحْمَلُ على عُرْفِ بَلَدِهِم،؛ في البَيْعِ والصَّداقِ وغيرِ ذلك. والثانى، يَلْزَمُه (١) الوازِنةُ الخالِصَةُ مِن الغِشِّ؛ لأنَّ إطْلاقَ الدَّراهِمِ في الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إليها، بدَلِيلِ أنَّ بها تُقَدَّرُ نُصُبُ الزَّكَواتِ ومَقادِيرُ الدِّيَاتِ، فكذلك إطْلاقُ الشَّخْصِ. وفارَقَ البَيْعَ، فإنَّه إيجابٌ في الحالِ، فاخْتَصَّ بدَرَاهِمِ المَوْضِعِ الذى هما فيه، والإِقْرارُ إخْبارٌ عن حَقٍّ سابِقٍ، فانْصَرَفَ إلى دَرَاهِمِ (٢) الإِسْلامِ.
فصل: فإن أقَرَّ بدَرَاهِمَ وأَطْلَقَ، ثم فَسَّرَها بسَكَّةِ البَلَدِ الذى أَقَرَّ بها فيه، قُبِلَ؛ لأَنَّ إطْلاقَه (٣) يَنْصَرِفُ إليه، وإن فَسَّرَها (٤) بسَكَّةٍ غيرِ سَكّةِ (٥) البَلَدِ أجْوَدَ منها، قُبِلَ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أغْلَظُ، وكذلك إن كانت مِثْلَها؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ في ذلك، وإن كانت أدْنَى
стр. 14907
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إِلَى شَهْرٍ. فَأنْكَرَ المُقَرُّ لَهُ الْأَجَلَ، لَزِمَهُ مُؤَجَّلًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ حَالًّا.
ــ
مِن سَكَّةِ البَلَدِ، لكنّها مُساوِيةٌ في الوَزْنِ، احْتَملَ أن لا يُقْبَلَ؛ لأَنَّ إطْلاقَها يَقْتَضِى دَرَاهِمَ البَلَدِ ونَقْدَه، فلا يُقْبَلُ منه دُونَها، كما لا يُقْبَلُ في البَيْعِ، ولأنَّها ناقِصَةُ القِيمةِ، أشْبَهتِ النّاقِصَةَ في الوَزْنِ. ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ منه. وهو قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما فَسَّرَه به. وفارَقَ النّاقِصَةَ (١)؛ [فإنَّ في الشَّرْعِ الدَّراهِمَ] (٢) لا يَتَنَاوَلُها، بخِلافِ هذه، ولهذا يتعَلَّقُ بهذه مِقْدارُ النِّصابِ في الزَّكَاةِ وغيرِه، وفارَقَ الثَّمَنَ، فإنَّه إيجابٌ في الحالِ، وهذا إخْبارٌ عن حَقٍّ سابِقٍ.
٥١٥٣ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إلى شَهْرٍ. لَزِمَه مُؤَجَّلًا. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه حالًّا) إذا أقَرَّ بها مُؤَجَّلةً بكلامٍ مُتَّصِلٍ، قُبِلَ
стр. 14908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه، وكذلك إن سَكَتَ للتَّنَفُّسِ، أو اعْتَرَضَه (١) سُعْلةٌ (٢) ونحو ذلك. ويَحْتَمِلُ أن [يَلْزَمَه حالًّا] (٣). ذَكَره أبو الخَطّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وبعضِ الشّافِعِيَّةِ؛ لأَنَّ التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفاءَ الحَقِّ في الحالِ، فلم يُقْبَلْ، كما لو قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ قَضَيْتُه (٤) إيّاها.
стр. 14909
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ. وَفَسَّرَهُ بِمَا لَا فِضَّةَ فِيهِ، لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَغْشُوشَةٍ، قُبِلَ.
ــ
٥١٥٤ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ زُيُوفٌ. وفَسَّرَه بما لا فِضَّةَ فيه، لم يُقْبَلْ. وإن فَسَّرَه بمَغْشُوشةٍ، قُبِلَ) وكذلك إن فَسَّرَها بمَعِيبةٍ عَيْبًا يَنْقُصُها، قُبِلَ؛ لأنَّه صادِقٌ، وإن فَسَّرَها برَصَاصٍ أو نُحاسٍ أو ما لا قِيمةَ له، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ تلك لَيْسَتْ دَرَاهِمَ على الحَقِيقةِ، فيكونُ تَفْسِيرُه بها (١) رُجُوعًا عمّا أقَرَّ به، فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ.
стр. 14910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٥١٥٥ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ ناقِصَةٌ. لَزِمَتْه ناقِصةً) وقال بعضُ (١) أصحابِ الشّافعىِّ: لا يُقْبَلُ تَفسِيرُه بالناقصةِ. وقال القاضى: إذا قال: له عَلَىَّ دَراهِمُ ناقصةٌ. قُبِلَ قَوْلُه، وإن قال: صِغَارٌ. وِللناسِ دَرَاهِمُ صِغَارٌ، قُبِلَ قولُه، وإن لم يكُنْ لهم دَراهِمُ صِغَارٌ، لَزِمَه وازِنةٌ، كما لو قال: دُرَيْهِمٌ. فإنَّه يَلْزَمُه درْهَمٌ وازِنٌ. وهذا قولُ ابنِ القَاصِّ مِن أصْحابِ الشّافعىِّ. ولَنا، أنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما يَحْتَمِلُه بكلامٍ مُتَّصِلٍ، فَقُبِلَ منه، كاسْتِثْناءِ البعضِ، وذلك لأَنَّ الدَّراهِمَ يُعَبَّرُ بها عن الوازِنةِ والناقِصَةِ والزُّيُوفِ والجَيِّدةِ، وكَوْنُها عليه يَحْتَمِلُ الحُلُولَ
стр. 14911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتأَجِيلَ، فإذا وَصَفَها بذلك، تَقَيَّدَتْ به (١)، كما لو وَصَفَ الثَّمنَ به، فقال: بِعْتُكَ بعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مُؤَجَّلةٍ، أو: ناقِصَةٍ. وثُبُوتُها على غيرِ هذه الصِّفَةِ حالَةَ الإِطْلاقِ، لا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ تَقْيِيدِها به، كالثمنِ. وقولُهم: إنَّ التأجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفاءَها. لا يَصِحُّ، وإنَّما يُؤَخِّرُه، فأشْبَهَ الثَّمنَ المُؤَجَّلَ، يُحَقِّقُه أنَّ الدَّراهِمَ ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ على هذه الصِّفاتِ، فإذا كانت ثابِتةً بهذه الصِّفَةِ، لم تَقْتَضِ الشَّرِيعةُ المُطَهَّرةُ سَدَّ بابِ الإِقْرارِ بها على صِفَتِها، وعلى ما ذَكَرُوه، لا سَبِيلَ إلى الإِقْرارِ بها إلَّا على وَجْهٍ يُؤاخَذُ بغيرِ ما هو الواجِبُ عليه، فيَفْسُدُ بابُ الإِقْرارِ. وقولُ مَن قال: إنَّ قَوْلَه: صِغَارًا. يَنْصَرِفُ إلى مِقْدارِها. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مِسَاحةَ الدَّرَاهِمِ (٢) لا تُعْتَبرُ في الشَّرْعِ، ولا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بمِساحَةٍ مُقَدَّرةٍ، وإنَّما يُعْتَبَرُ الصِّغَرُ والكِبَرُ في الوَزْنِ، فيُرْجَعُ إلى تَفْسِيرِ المُقِرِّ.
стр. 14912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ كبيرٌ. لزِمَه دِرْهَمٌ مِن دَراهِمِ الإِسْلامِ؛ لأنَّه كَبِيرٌ في العُرْفِ. وَإن قال: له عَلَىَّ دُرَيْهِمٌ (١). فهو كما لو قال: دِرْهَمٌ. لأَنَّ التَّصْغِيرَ (٢) قد يكونُ لِصِغَرِه في ذاتِه، أو لقِلَّةِ قَدْرِه عندَه وتَحْقِيرِه، وقد يكونُ لمَحَبَّتِه، كما قال الشاعرُ (٣):
بِذَيَّالِكَ الوادِى أَهِيمُ ولم أَقُلْ ... بِذَيّالِكَ الوادِى وذَيَّاكَ مِن زُهْدِ
ولكنْ إذا ما حُبَّ شَئٌ تَوَلَّعَتْ ... به أَحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِنْ شِدَّةِ الوَجْدِ
وإن قال: له عَلَىَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَدَدًا. لَزِمَتْه عَشَرَةٌ مَعْدُودةٌ وازَنِةٌ؛ لأَنَّ إطْلاقَ الدِّرْهَمِ (٤) يَقْتَضِى الوازِنَ (٥)، وذِكْرُ العَدَدِ لا يُنافِيها،
стр. 14913
وَإِنْ قَالَ. لَهُ عِنْدِى رَهْنٌ. وَقَالَ الْمَالِكُ: وَدِيعَةٌ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مع يَمِينِهِ.
ــ
فوَجَبَ الجَمْعُ بينَهما. فإن كان في بَلَدٍ [يَتَعامَلُون بها عَدَدًا مِن غيرِ وَزْنٍ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أَقَرَّ بها في بلدٍ] (١) أَوْزانُهم ناقِصةٌ، أو دَرَاهِمُهم مَغْشُوشةٌ (٢)، على ما فُصِّلَ فيه.
٥١٥٦ - مسألة: (وإن قال: له عندِى رَهْنٌ. وقال المالِكُ) بل (وَدِيعةٌ. فالقولُ قولُ المالِكِ) لأنَّ العَيْنَ ثَبَتتْ بالإِقْرارِ له. و (٣) ادَّعَى المُقِرُّ دَيْنًا لا يَعْتَرِفُ له (٤) به المُقَرُّ له، [والقولُ] (٥) قولُ المُنْكِرِ، ولأنَّه أقَرَّ بمالٍ لغيرِه وادَّعَى أنَّ له به تَعَلُّقًا، فلم يُقْبَلْ، كما لو ادَّعاه بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ، ولذلك لو أقَرَّ له بدارٍ، وقال: اسْتَأْجَرْتُها. أو أقَرَّ له بثَوْبٍ وادَّعَى أنَّه قَصَّرَه أو خاطَه بأجْرٍ يلزمُ المُقَرَّ له، لم يُقْبَلْ، لأنَّه مُدَّعٍ على غيرِه حَقًّا، فلا يُقْبَلُ قولُه إلَّا بِبَيِّنةٍ، ومِن ذلك (٦) لو قال: هذه الدارُ له، ولِى سُكْناهَا سَنَةً (٧).
стр. 14914
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ. وَقَالَ المُقَرُّ لَهُ: بَلْ هُوَ دَيْنٌ فِى ذِمَّتِكَ. فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
٥١٥٧ - مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ لم أقْبِضه. وقال المُقَرُّ له: بل هو دَيْنٌ في ذِمَّتِكَ. فعلى وَجْهَيْن) أحَدُهما، القولُ قولُ المُقَرِّ له (١)؛ لأنَّه اعْتَرفَ له بالألْفِ، وادَّعَى عليه مَبِيعًا، فأشْبَهَ المسألةَ التى قبلَها، أو كما لو قال: له عَلَىَّ ألْفٌ، [ولى عندَه مَبِيعٌ لم أَقْبِضه. والثانى، القولُ قولُ المُقِرِّ. قال القاضى: هو قياس المذهَبِ. وهو قولُ الشّافعىِّ، وألى يوسفَ؛ لأنَّه أَقَرَّ بحقٍّ في مُقابَلَةِ حقٍّ له، لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخَرِ، فإذا لم يُسَلِّمْ له ما قال، لم يُسَلِّمْ للمقَرِّ له ما عليه، كما لو قال لرجُلٍ: بعتُك هذا العبدَ بألفٍ. فقال: بل ملَّكْتَنِيه بغيرِ شئٍ. وفارقَ ما لو قال: له عندى رهنٌ. فقال المالِكُ: بل وديعةٌ. لأَنَّ الدَّيْنَ يَنْفَكُّ عن الرَّهنِ، فلو قال السيَّدُ لعبدِه: بعتُكَ نفسَكَ بألفٍ. فأنكرَ العبدُ، عَتَقَ، ولا شئَ للسيِّدِ؛ لأَنَّ العتْقَ ينفَكُّ عن الثَّمنِ. إذا ثبت هذا] (٢)
стр. 14915
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِى أَلْفٌ. وَفَسَّرَهُ بدَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، قُبِلَ مِنْهُ.
ــ
[فلا فرقَ بينَ أن يقولَ: لم أَقْبِضْه. مُنفصلًا أو مُتَّصِلًا، فلو قال: له عَلَىَّ ألفٌ مِن ثَمنِ مَبيعٍ. ثم سَكَت، ثم قال: لم أقبِضْه. قُبِل قولُه، كما لو كان مُتَّصِلًا؛ لأَنَّ إقرارَه تَعلَّقَ بالمبِيعِ، والأصلُ عدمُ القبضِ، فقُبِلَ قولُه فيه. فأمّا إن قال: له عَلَىَّ ألفٌ. ثم سَكَت، ثم قالْ: مِن ثمنِ مَبيعٍ. لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه فَسَّر إقرارَه بما يُسْقِطُ وُجُوبَ تسليمِه بكلام مُنفَصلٍ، فلم يُقْبَلْ، كما لو قال: له عَلَىَّ ألفٌ] (١). [ثم سَكَت] (٢)، ثم قال: مُؤَجَّلٌ.
٥١٥٨ - مسألة: (ولو قال: له عندى أَلْفٌ. وفَسَّرَه بدَيْنٍ أو وَدِيعةٍ، قُبِلَ منه) لا نَعْلَمُ فيه بينَ أَهْلِ العلمِ خِلافًا (٣)، سواءٌ فَسَّرَه