وَمَا سِوَى هَذَا مِنْ سُنَنِ الْأَفْعَالِ لَا تَبْطُل الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهُ.
ــ
٤٦٠ - مسألة: (وما سِوَى هذا مِن سُنَنِ الأفْعالِ لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها، ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لها) فأمّا سُنَنُ الأفْعالِ، فهي: رَفْعُ اليَدَيْن عندَ الافْتِتاحِ، والرُّكُوعِ، والرَّفع منه، ووَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، وجَعْلُهما تحتَ السُّرَّةِ، على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ فيه، والنَّظَرُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِه، ووَضْعُ اليَدَيْن على الرُّكْبَتَيْن في الرُّكُوعِ، والتَّجافِي [فيه، و] (١) في السُّجُودِ، ومَدُّ ظَهْرِه مُعْتَدِلًا، وجَعْلُه حِيالَ رَأْسِه، والبُدَاءَةُ بوَضْع الرُّكْبَتَيْن قبلَ اليَدَيْن في السُّجُودِ [ورَفْعُ اليَدَيْن قبلَ الرُّكْبَتَيْن في القِيامِ مِن السُّجُودِ ومِن التَّشَهدِ الأوَّلِ، بحيث لا يَعْتَمِدُ بيَدَيْه على الأَرْض، والتَّفْرِيق بينَ رُكْبَتَيْه في السُّجُودِ] (١)، ووَضْعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه وأُذُنَيْه فيه،
стр. 1545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونَصْبُ قَدَمَيْه وفَتْحُ أصابِعِهما فيه، وفي الجُلُوسِ، والافْتِراشُ في الجُلُوسِ بينَ السَّجْدَتَيْن، وفي التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، والتَّوَرُّكُ في الثّانِي، ووَضْعُ اليَدِ اليُمْنَى على الفَخِذِ اليُمْنَى مَقْبُوضةً مُحَلَّقَةً، والإشارَةُ بالسَّبّابَةِ، ووَضْعُ اليَدِ اليُسرى على الفَخِذِ اليُسْرَى مبْسُوطَةً، والالِتفاتُ عن اليَمِينِ والشِّمالِ في التَّسْلِيمَتَيْن، والسُّجُودُ على الأنفِ، وجَلْسَةُ الاسْتِراحَةِ، ونِيَّةُ الخُرُوجِ مِن الصلاةِ في سَلامِه، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيهِنَّ. فهذه لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتَرْكِها عَمْدًا ولا سَهْوًا، ولا يُشْرَعُ السُّجُودُ لها بحالٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرزُ مِن تَرْكِها، فلو شُرِعَ السُّجُودُ لها لم تَخْلُ صلاةٌ مِن
стр. 1546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سُجُودٍ في الغالِبِ. وقال أبو الخَطّابِ: فيها روايَتان. وقال ابنُ عَقِيل: يُخَرَّجُ في مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ لسَهْوِها رِوايَتان بِناءٌ على سُنَنِ الأقْوالِ. والأولُ أوْلَى. القِسْمُ الثالثُ مِن السُّنَنِ، ما يَتَعَلَّقُ بالقَلْبِ، وهو الخُشُوعُ في الصلاةِ، ونِيَّةُ الخُرُوجِ. وقد ذَكَرْناه. واللهُ أعلمُ.
стр. 1547
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م
المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة
تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣
ص. ب: ٦٣ إمبابة
стр. 1548
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
стр. 1549
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بَابُ سُجُودِ السَّهوِ
وَلَا يُشرعُ فِي الْعَمْدِ،
ــ
بابُ سُجُودِ السَّهْوِ
قال الإمامُ أحمدُ، ﵀: تُحْفَظُ عن النبيِّ ﷺ خَمْسَةُ أشْياءَ، سَلَّمَ مِن اثنَتَيْن فسَجَدَ، وسَلَّمَ مِن ثَلاثٍ فسَجَدَ، وفي الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وقام مِن اثْنَتَيْن ولم يَتَشَهَّدْ. وقال الخَطّابِيُّ (١): المُعْتَمَدُ عندَ أهلِ العلمِ هذه الأِحِادِيثُ الخمْسَةُ، حَدِيثا ابنِ مسعودِ، وأبي سعيدٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ بُحَيْنَةَ.
٤٦١ - مسألة؛ قال: (ولا يُشْرَعُ في العَمْدِ) وهو قولُ أبي حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: يَسجُدُ لتَرْكِ التَّشَهُّدِ والقُنُوتِ عَمْدًا؛ لأنَّ ما تَعَلَّقَ الجَبْرُ بسَهْوِه تَعَلَّقَ بحَمْدِه، كَجُبْراناتِ الحَجِّ. ولَنا، أنَّ السُّجُودَ يُضافُ إلى
стр. 1550
وَيُشرعُ لِلسَّهْوِ فِي زِيَادَة، وَنَقْص، وَشَكٍّ، لِلنَّافِلَةِ وَالْفَرْضِ،
ــ
السَّهْوِ، فدَلَّ على اخْتِصاصِه به. والشَّرْعُ إنَّما وَرَد به فيه، ولا يَلْزَمُ مِن انْجِبارِ السَّهْوِ به انْجِبارُ العَمْدِ، لوُجُودِ العُذْرِ في السَّهْوِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بزِيادَة رُكْنٍ أو رَكْعَةٍ، أو قِيام في مَوْضِعِ جُلُوسٍ.
٤٦٢ - مسألة: (وَيُشْرَعُ للسَّهْوِ في زِيادَةٍ، ونَقْصٍ، وشَكٍّ) لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَد به في ذلك. فأمَّا حديثُ النَّفْسِ فلا يُشْرَعُ له السُّجُودُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ به فيه (١)، ولأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وهو مَعْفُوٌ عنه.
٤٦٣ - مسألة: (للنّافِلَةِ والفَرْضِ) لا فَرْقَ بينَ النّافِلَةِ والفَرْضِ في سُجُودِ السَّهوِ، أنَّه يُشْرَعُ فيهما، في قولِ عَوامِّ أهلِ العلمِ. وقال ابنُ
стр. 1551
فَأمَّا الزِّيَادَةُ، فَمتَى زَادَ فِعْلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، قِيَامًا، أوْ قُعُودًا،
ــ
سِيرِينَ: لا يُشْرَعُ في النّافِلَةِ. ولَنا، عُمُومُ قول النبيِّ ﷺ : «إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». وقَوْله: «إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَزَادَ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (١). ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ، فشُرِع لها السُّجُودُ كالفَرِيضَةِ.
فصل: ولا يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ في صلاةِ (٢) الجِنازَةِ؛ لأَنَّها لا سُجُودَ في صُلْبِها، ففي جَبْرِها أوْلَى. ولا في سُجُودِ تِلاوَةٍ؛ لأنَّه لو شُرِع كان الجَبْرُ زائِدًا على الأصْلِ. ولا في سُجُودِ السَّهْوِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولأنَّه إجْماعٌ، حَكاه إسحاقُ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ. ولو سَها بعدَ سُجُودِ السَّهْوِ لم يَسْجُدْ لذلك. والله أعلمُ.
٤٦٤ - مسألة: (فمتى زاد فِعْلًا مِن جِنْسِ الصلاةِ، قيامًا، أو
стр. 1552
أوْ رُكُوعًا، أوْ سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وَإنْ كَانَ سَهْوًا، سَجَدَ لَهُ.
ــ
قُعُودًا، أو رُكُوعًا، أو سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَتِ الصلاةُ، وإن كان سَهْوًا سَجَد له) الزِّيادَةُ في الصلاةِ تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن، زِيادَةُ أقْوالٍ، وزِيادَةُ أفْعالٍ. وزِيادَةُ الأفْعالِ تَتَنوَّعُ نَوْعَيْن، أحَدُهما، زِيادَة من جِنْسِ الصلاةِ، مِثْلَ أن يَقُومَ في مَوْضِع جُلُوسٍ، أو يَجْلِسَ في مَوْضِعِ قِيامٍ، أو يَزِيدَ رَكْعَةً أو رُكْنًا. فإن فَعَلَه عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاُتُه إجْماعًا، وإن كان سَهْوًا سَجَدَ له، قَلِيلًا كان أو كَثيرًا، لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : «إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». رَواه مسلمٌ (١).
стр. 1553
وَإنْ زَادَ رَكْعَةً، فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، سَجَدَ لَهَا، وَإِنْ عَلِمَ فِيها، جَلَسَ فِي الْحَالِ، فَتَشَهَّدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ، وَسَجَدَ، وَسَلَّمَ.
ــ
٤٦٥ - مسألة: (وإن زاد رَكْعَةً، فلم يَعْلَمْ حتَّى فَرَغ مِنها، سَجَد لها) لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: صَلى بنا رسولُ اللهِ ﷺ خَمسًا، فلمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ القَوْمُ بَيْنَهم، فقال: «مَا شَأنُكُمْ»؟ قالُوا: يَا رسولَ الله، هل زِيدَ في الصلاةِ؟ قال: «لَا». قالُوا: فإنَّك صَلَّيْتَ خَمسًا. فانْفَتَلَ، ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم قال: «إنَّما أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ [سَجْدَتَيْنِ». وفي رِوايةٍ، قال: «إنَّما أنا بَشَرٌ، أذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأنْسَى كَمَا تَنْسَونَ». ثم سَجَد] (١) سَجْدَتيِ السَّهْوِ. وفي روايَةٍ، قال: «إذَا زَادَ الرَّجُلُ أوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». رَواه بطُرُقِه مسلمٌ (٢).
٤٦٦ - مسألة: (وإن عَلِم فيها، جَلَس في الحالِ، فتَشَهَّدَ إن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ، وسَجَد، وسَلَّمَ) متى قام إلى خامِسَةٍ في الرُّباعِيَّةِ، أو إلى
стр. 1554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رابِعَةٍ في المَغْرِب، أو إلى الثّالِثَةِ في الصُّبحِ، لَزِمَه الرُّجُوعُ متى ذَكَر، ويَجْلِسُ، فإن كان قد تَشَهَّدَ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ التى تَمتْ بها صَلاتُه، سَجَد للسَّهْو، ثم سَلَّمَ. وإن كان تَشَهَّدَ ولم يُصَلِّ على النبيِّ ﷺ صَلَّى عليه، ثم سَجَد للسُّهْو وسَلَّمَ. وِإن لم يَكُنْ تَشَهَّدَ، تَشَهَّدَ وسَجَد للسَّهْوِ، ثم سَلَّمَ. وإن لم يَذْكُرْ حتَّى فرَغ مِن الصلاةِ، سَجَد عَقِيبَ ذِكْرِه، وتَشَهَّدَ وسَلَّمَ، وصَحَّتْ صَلاتُه. وبهذا قال عَلْقَمَةُ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخعيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: إن ذَكَر قبل أن يَسْجُدَ، جَلَسَ للتَّشَهُّدِ، وإن ذَكَر بعدَ السُّجُودِ، وكان جَلَس عَقِيبَ الرابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ، صَحَّتْ صَلاتُه، ويُضِيفُ إلى الزِّيادَةِ أُخْرَى، لتَكُونَ نافِلَةً. وإن لم يكُنْ جَلَس بَطَلَ فَرْضُه، وصارت صَلَاتُه نافِلَةٌ، ولَزِمَه إعادَةُ الصلاةِ. ونَحْوَه قال حَمّادُ بنُ أبي سُلَيْمانَ. وقال قَتادَة، والأوْزاعِيُّ، في مَن صَلَّى المَغْرِبَ أرْبَعًا: يُضِيفُ إليها أُخْرَى، فتكونُ الرَّكْعَتان تَطَوُّعًا، لقَوْلِ النبيِّ ﷺ في حديثِ أبي سعيدٍ: «فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْن لَهُ صَلَاتَهُ». رَواه مسلمٌ (١). ولَنا، حديثُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، الذى تَقَدَّمَ. والظّاهِرُ منه
стр. 1555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَجلِسْ عَقِيبَ الرَّابِعَةِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لو فَعَلَه لنُقِلَ، ولأنَّه لو (١) قام إلى الخامسةِ يَعْتَقِدُ أنَّه قام عن ثالِثَةٍ، لم تَبْطُلْ صَلَاتُه بذلك، ولم يُضِفْ إلى الخامِسَةِ أخْرَى. وحديثُ أبي سعيدٍ حُجَّةٌ عليهم أَيضًا؛ لأنَّه جَعَل الزِّيادَةَ نافِلَةً مِن غيرِ أن يَفْصِلَ بَيْنَها وبينَ التى قَبْلَها بجُلُوسٍ، وجَعَل السَّجْدَتَيْن يَشْفَعُها بها، ولم يَضُمَّ إليها رَكْعَةً أُخْرَى، وهذا كلُّه يُخالِفُ ما قالُوه، فقد خالَفُوا الخَبَرَيْن جَمِيعًا.
فصل: ولو قام إلى ثالِثَةٍ في صلاةِ اللَّيْلِ، فهو كما لو قام إلى ثالِثَةٍ في صلاةِ (٢) الفَجْرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال مالكٌ: يُتِمُّها أرْبَعًا، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ في اللَّيْلِ والنَّهارِ. وهو قولُ الشافعيِّ بالعِراقِ. وقال الأوْزاعِيُّ في صلاةِ النَّهارِ، كقَوْلِه، وفي صلاةِ اللَّيْلِ إن ذَكر قبلَ رُكُوعِه في الثالِثَةِ، كقَوْلِنا، وإن ذَكَر بعدَ (٣) رُكُوعِه، كقَوْلِ مالكٍ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (٤). ولأنَّها صلاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْن، أشْبَهَتْ صلاةَ الفَجْرِ، فأمّا صلاةُ النَّهارِ فيُتِمُّها أرْبَعًا.
стр. 1556
وَإِنْ سَبَّحَ بِهِ اثْنَانِ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ،
ــ
فصل: إذا جَلَس للتَّشَهُّدِ في غيرِ مَوْضِعِه قَدْرَ جَلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ، فقال القاضي: يَلْزَمُه السُّجُودُ، سَواءٌ قُلْنا باسْتِحْبابِ جَلْسَةِ الاسْتِراحَةِ، أو لم نَقُلْ؛ لأنَّه لم يُرِدْها بجُلُوسِه، إنَّما أراد التَّشَهُّدَ سَهْوًا. قال الشيخُ (١): ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه؛ لأنَّه فِعْلٌ لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاة، فلم يَسْجُدْ لسَهْوِه، كالعَمَلِ اليَسِيرِ مِن غيرِ جِنْس الصلاةِ.
٤٦٧ - مسألة: (وإن سَبَّحَ به اثْنان، لَزِمَه الرُّجُوعُ) متى سَبَّحَ به اثْنان يَثِقُ بقَوْلِهما، لَزِمَه الرُّجُوعُ إليه، سَواءٌ غَلَب على ظَنِّه صَوابُ قَوْلِهما، أو خِلافُه. وقال الشافعيُّ: إن غَلَب على ظَنِّه خَطَوُّهما لم يَعْمَلْ
وإنْ أكَلَ أَوْ شَرِبَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاُتهُ، قَلَّ أوْ كَثُرَ، وَإنْ كَانَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ إذَا كَانَ يَسِيرًا.
ــ
وعَمَل مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، كالحَكِّ والمَشْيِ والتَّرَوُّحِ، فهذا تَبْطُلُ الصلاةُ بكثِيرِه، عَمْدًا كان أو سَهْوًا، بالإجْماعِ. وإن كان مُتَفَرِّقًا لم تَبْطُلْ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ حَمَل أُمامَةَ في الصلاةِ، إذا قام حَمَلَها، وإذا سَجَد وَضَعَها (١). وهذا لو اجْتَمَعَ كان كَثِيرًا. وإن كان يَسيرًا، لم يُبْطِلْها، لِما ذَكَرْنا. والمَرْجِعُ في الكَثِيرِ واليَسِيرِ إلى العُرْفِ، وقد ذَكَرْناه فيما مَضَى. ولا يُشْرَعُ له سُجُودٌ؛ لأنَّه لا يكادُ تَخْلُو منه صلاةٌ، ويَشُقُّ التَّحَرُّرُ منه.
٤٧٠ - مسألة: (وإن أكَلَ أو شَرِب عَمْدًا، بَطلَت صَلَاتُه، قَلَّ أو كَثُر، وإن كان سَهْوًا، لم تَبْطُلْ إذا كان يَسِيرًا) إذا أكَل أو شَرِب عامِدًا في الفَرْضِ، بَطَلَت صَلَاتُه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ
стр. 1564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، على أنَّ المُصَلِّيَ مَمْنُوعٌ مِن الأكْلِ والشُّرْبِ، وأجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْم، على أنَّ مَن أكَل أو شَرِب في صلاةِ الفَرْضِ عامِدًا، أنَّ عليه الإِعادَةَ. وإن فَعَله في التَّطَوُّعِ أبْطَلَه، في الصَّحِيح مِن المذهبِ، وهو قولُ أكثَرِ الفقهاء؛ لأنَّ ما أبْطَلَ الفَرْضَ أبْطَلَ التَّطَوُّعَ، كسائِرِ المُبْطِلاتِ. وعن أحمدَ، أنَّه لا يُبْطِلُها. ويُرْوَى عن ابن الزُّبَيْرِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر، أنَّهُما شَرِبا في التَّطَوُّعِ (١). وهذا قولُ إسحاقَ؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسِيرٌ، أشْبَهَ غيرَ الأكْلِ. فأمّا إن كَثُر فإنَّه يُفسِدُها بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ غيرَ الأكْلِ مِن الأعْمالِ يُبْطِلُ الصلاةَ إذا كَثُر، فالأكْلُ والشُّرْبُ أوْلَى. فإن كان سَهْوًا وكَثُر (٢) أبْطَلَ الصلاةَ أَيضًا بغيرِ خلافٍ، لِما ذَكَرْنا. وإن كان يَسِيرًا، لم يَبْطُلْ به الفَرْضُ ولا التَّطَوُّعُ،
стр. 1565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو قولُ عطاءٍ والشافعيِّ. وقال الأوْزاعِيُّ: يُبْطِلُ الصلاةَ؛ لأنَّه فِعْلٌ مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، يُبْطِلُ عَمْدُه، فأبْطَلَ سَهْوُه، كالعَمَلِ الكَثِيرِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (١). ولأنَّه يُسَوَّى بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه حالَ العَمْدِ، فعُفِيَ عنه في الصلاةِ إذا كان سَهْوًا، كالعَمَلِ مِن جِنْسِها.
فصل: إذا تَرَك في فِيهِ ما يَذُوبُ كالسُّكَّرِ، فذاب منه شئٌ، فابْتَلَعَه، أفْسَدَ الصلاةَ؛ لأنَّه أكَل. وإن بَقِي بينَ أسْنانِه، أو في فِيهِ، مِن بَقايا الطَّعامِ يَسِيرٌ يَجْرِي به الرِّيقُ، فابْتَلَعَه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه يَشُقُّ الاحْتِراز منه. وإن تَرَك في فِيهِ لُقْمَةً ولم يَبْتَلِعْها، كُرِهَ؛ لأنَّه يَشْغَلُه عن خُشُوعِ الصلاةِ، وعن الذِّكْرِ والقِراءَةِ فيها، ولا يُبْطِلُها؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسِيرٌ، فهو كما لو أمْسَكَ شيئًا في يَدِه. واللهُ أعلمُ.
стр. 1566
وإنْ أتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِه، كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، لَمْ تَبْطُلِ الصَّلَاةُ بعَمْدِه، وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ.
ــ
٤٧١ - مسألة: (وإن أتَى بقولٍ مَشْرُوعٍ في غيرِ مَوْضِعِه، كالقِراءَةِ في السُّجُودِ والقُعُودِ، والتَّشَهُّدِ في القِيامِ، وقِراءَةِ السُّورَةِ في الأُخْرَيَيْن، لم تَبْطُلِ الصلاةُ بعَمْدِه) لأنَّه مَشْرُوعٌ في الصلاةِ (ولا يَجِبُ السُّجُودُ لسَهْوِه) لأنَّ عَمْدَه لا يُبْطِلُ الصلاةَ، فلم يَجِبِ السُّجُودُ لسَهْوِه، كسائِرِ
стр. 1567
وَهَلْ يُشْرَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
ما لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاةَ (وهل يُشْرَعُ؛ فيه رِوايَتان) إحْداهما، يُشْرَعُ، لعُمُومِ قَوْله ﵇: «إذا نَسِيَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ». رَواه مسلمٌ (١). والثانيةُ، لا يُشْرَعُ؛ لأنَّ عَمْدَه لا يُبْطِلُ الصلاةَ، فلم يُشْرَعِ السُّجُودُ لسَهْوِه، كتَرْكِ سُنَنِ الأفْعالِ.
فصل: فإن أتَى فيها بذِكْرٍ أو دُعاءٍ لم يَرِدْ به الشَّرْعُ فيها، كقَوْلِه: آمِينَ رَبَّ العالَمِينْ. وقوله في التَّكْبيرِ: اللهُ أكْبَرُ كَبيرًا. ونحوِه. لم يُشْرَعْ له سُجُودُ؛ لأنَّه رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنَّه سَمِع رجَلًا، يَقُولُ في الصلاةِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلَ إتْمامِ صَلاتِه ساهِيًا، ثم عَلِم قبلَ طُولِ الفَصْلِ، [ونَقْضِ وُضُوئِه] (١)، فصَلاتُه صَحِيحَة لا تَبْطُلُ بالسَّلامِ، وعليه أن يَأْتِيَ بما بَقِي منها، ثم يَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ. فإن لم يَذكُرْ حتَّى قام، فعليه أن يَجْلِسَ ليَنْهَضَ إلى الإتْيانِ بما بَقِيَ عن جُلُوسٍ؛ لأنَّ هذا القيامَ واجِبٌ للصلاةِ، ولم يَأْتِ به لها، فلَزِمَه الإتْيانُ به مع النِّيَّةِ. ولا نَعْلَمُ في جَوازِ الإِتْمامِ في حَقِّ مَن نَسِيَ رَكْعَةً فما زاد خِلافًا. والأصْلُ في هذا ما روَى ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: صَلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ إحْدَى صَلَاتيِ العَشِيِّ، قال ابنُ سِيرِينَ: سَمّاها لنا أبو هُرَيْرَةَ، ولكنْ أنا نَسِيتُ، فصَلَّى رَكعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فقام إلى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ في المَسْجِدِ، فوَضَعَ يَدَه عليها، كأنَّه غَضْبانُ، وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه، ووَضَع يَدَه اليُمْنَى على ظَهْرِ كَفه اليُسْرَى، وخَرَجَتِ السَّرْعَانُ مِن المَسْجِدِ،
стр. 1570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقالُوا: قُصِرَتِ الصَّلاةُ، وفي القَوْمِ أبو بكر وعُمَرُ، فهاباه أن يُكلِّماه، وفي القَوْمِ رجلٌ في يَدَيْه طُولٌ، يُقالُ له: ذو اليَدَيْن. فقال: يَا رسولَ اللهِ، أنسِيتَ أم قُصِرَتِ الصلاةُ؟ قال: «لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ»، فقال: «أكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟». قالوا: نَعَمْ. قال: فتَقَدَّمَ فَصَلَّى ما تَرَك مِن صلاتِه، ثم سَلَّمَ، ثم كبَّر وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رَفع رَأْسَه، فكَبَّرَ، وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رفَع رَأْسَه، فكَبَّرَ. قال: فرُبَّما سَألُوه: ثم سَلَّمَ قال: نُبِّئْتُ (١) أنَّ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ قال: ثم سَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢) ورَواه أبو داودَ (٣). وزاد قال: قُلْتُ، فالتَّشَهُّدُ؟ قال: لم
стр. 1571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أسْمَعْ في التَّشَهُّدِ، وأحَبُّ إلَيَّ أن يَتَشَهَّدَ. وروَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ، قال: سَلَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ في ثَلاثِ رَكَعات [مِن العَصْرِ] (١)، ثم قام فدَخَلَ الحُجْرَةَ، فقام رجلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فقال: أقُصِرَتِ الصَّلاةُ يَا رسولَ اللهِ؟ فخَرَجَ مُغْضَبًّا، فصَلَّى الرَّكْعَةَ التى كان تَرَك، ثم سَلَّمَ، ثم سَجَد سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ثم سَلَّمَ. رَواه مسلمٌ (٢).
فصل: فأمّا إن طال الفَصْلُ، أو انْتَقَض وُضُوءُه، اسْتَأْنَفَ الصلاةَ. كذلك قال الشافعيُّ، إن (٣) ذكَر قَرِيبًا، مِثْلَ فِعْلِ النبيِّ ﷺ يَوْمَ ذِي اليَدَيْن ونَحْوَه، بَنَى. وقال مالكٌ نَحْوَه. وقال اللَّيْثُ، ويحيى الأنْصارِيُّ، والأوْزاعِيُّ: يَبْنِي ما لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُه. . ولَنا، أنَّها صلاةٌ واحِدَةٌ، فلم يَجُزْ بِناءُ بَعْضِها على بَعْضٍ مع طُولِ الفَصْلِ، كما لو انتقَضَ وُضُوءُه. والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العادَةِ. ولأصحابِ الشافعيِّ في ذلك خلافٌ قد ذَكَرْناه فيما إذا تَرَك رُكْنًا، في البابِ قَبْلَه (٤). والصحِيحُ أنَّه لا حَدَّ له، إذ (٥) لم يَرِدْ بتَحْدِيدِه نَصٌّ،
стр. 1572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيُرْجَعُ فيه إلى العَادَةِ والمُقاربَةِ لمِثْلِ حالِ النبيِّ ﷺ في حديثِ ذى اليَدَيْن. فصل: فإن لم يَذْكُرْه حتَّى شَرَع في صلاةٍ أُخْرَى، فإن طال الفَصْلُ، بَطَلَتِ الأُولَى، لِما ذَكَرْنا. وإن لم يَطُلِ الفَصْلُ، عاد إلى الأُولَى فأتَمَّها. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال الشيخُ أبو الفَرَجِ، في «المُبْهِجِ»: يَجْعَلُ ما شَرَع فيه مِن الصلاةِ الثّانِيَةِ تَمامًا للأُولَى، فيَبْنِي إحْداهما على الأُخْرَى، ويصيرُ وُجُودُ السَّلامِ كعَدَمِه؛ لأنَّه سَهْوٌ مَعْذُورٌ فيه، وسَواءٌ كان ما شَرَع فيه نَفْلًا أو فَرْضًا. وقال الحسنُ، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ: إنْ شَرَع في تَطَوُّعٍ بَطلَتِ المَكْتُوبَةُ. وقال مالكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أن يَبْتَدِيَّها. ورُوِي عن أحمدَ، مِثْلُ قولِ الحسن، فإنَّه قال، في روايَةِ أبي الحارِثِ، إذا صَلَّى رَكْعَتَيْن مِن المَغْرِبِ وسَلَّمَ، ثم دَخَل في التَّطَوُّعِ (١): إنَّه بمَنْزِلَةِ الكَلامِ، يَسْتَأنِفُ الصَّلاةَ. ولَنا، أنَّه عَمِل (٢) عَمَلًا مِن جنسِ الصلاةِ سَهْوًا، فلم تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، كما لو زاد خامِسَةً. وأمّا إتْمامُ الأُولَى بالثّانِيَةِ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد خَرَج مِن الأُولَى بالسَّلامِ ونِيَّةِ الخُروجِ منها، ولم يَنْوِها بعدَ ذلك، ونِيَّةُ غيرِها لا تُجْزِئُ عن نِيَّتِها، كحالَةِ الابْتِداءِ.
стр. 1573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن تَكَلَّمَ في هذه الحالِ، يَعْنِي إذا سَلَّمَ يَظُنُّ أنَّ صَلَاته قد تَمَّت، لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، كقَوْلِه: يَا غُلامُ اسْقِنِي ماءً. ونحوِه، بَطَلَت صَلاتُه. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ يُوسُفَ بن مُوسَى (١)، وجماعَةٍ سِواه، لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». رَواه مسلمٌ (٢). وعن زيدِ بنِ أرْقَمَ، قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنا صاحِبَه وهو إلى جَنْبِه، حتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣). فأُمِرْنا بالسُّكوتِ ونُهِينا عن الكلامِ. رَواه مسلمٌ (٤). وفيه روايةٌ ثانيةٌ، أنَّ الصَّلاةَ لا تَفْسُدُ بالكَلامِ في تلك الحالِ بحالٍ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ،
стр. 1574
وَإِنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا، فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ، إِحْدَاهُن، لا تَبْطُلُ. وَالثَّانِيَةُ، تَبْطُلُ. وَالثَّالِثَةُ، تَبْطُلُ صَلَاةُ المَأْمُومِ دُونَ الْإمَامِ. اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ.
ــ
والشافعيِّ؛ لأنَّه نَوْعٌ مِن النِّسْيانِ، ولذلك (١) تَكلَّمَ النبيُّ ﷺ وأَصْحابُه، وبَنَوْا على صَلاتِهم.
٤٧٣ - مسألة: (وإن تَكَلَّمَ لمَصْلَحَتِها، ففيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا تَبْطُلُ. والثَّانِيَةُ، تَبْطُلُ. والثَّالِثَةُ، تَبْطُلُ صلاةُ المأْمُومِ دُونَ الإِمام. اخْتارَها الخِرَقِيُّ) وجُمْلَةُ ذلك أن مَن سَلَّمَ عن نَقْصٍ في صَلاتِه، كما ذَكَرْنا، ثم تَكلَّمَ لمَصْلَحَتِها، ففيه ثلاثُ رِواياتٍ، إِحْداهُنَّ، أنَّ الصلاةَ لا تَفْسُدُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وأصْحابَه تَكَلَّمُوا في صَلاِتهم، في حَدِيثِ ذى اليَدَيْن، وبَنَوْا على صَلاِتهم. وفي رسولِ اللهِ ﷺ لنا أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ،
стр. 1575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ، ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَة جَماعَةٍ مِن أصْحابِه. ومِمِّن رُوِيَ أنَّه تَكَلَّمَ بعدَ أن سَلَّمَ، وأتَمَّ صَلَاته، الزُّبَيْرُ، وابْناه، وصَوَّبَه ابنُ عباسٍ. وهو الصَّحيحُ، إن شاء اللهُ تعالى. والثّانِيَةُ، تَفْسُدُ صَلَاتُهم. وهو قولُ الخلّالِ [وصاحِبِه] (١)، وَمَذْهَبُ أصْحابِ الرّأْيِ، لعُمُومِ أحادِيثِ النَّهْيِ. والثّالِثَةُ، أنَّ صلاةَ الإمام لا تَفْسُدُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان إمامًا، فتَكَلَّمَ وبَنَى على صَلاتِه، وصلاةَ المَأْمُومِين تَفْسُدُ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ اقتِدَاؤهم بأبي بكرٍ وعُمَرَ؛ لأنَّهما تَكَلَّما مُجِيبَيْن للنبيِّ ﷺ وإجابَتُه واجِبَةٌ عليهما، ولا بذى اليَدَيْن؛ لأنَّه تَكَلَّمَ سائِلًا عن نَقْصِ الصلاةِ في وَقْتٍ يُمْكِنُ ذلك فيها، وهذا غيرُ مَوجُودٍ في زَمانِنا. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. وإنَّما (٢) خَصَصْناه بالكَلامِ في شَأْنِ الصلاةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه إنَّما تَكَلمُوا في شَأْنِ الصلاةِ.
стр. 1576
وَإنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ، بَطَلَتْ. وَعَنْهُ، لَا تَبْطُلُ إذَا كَانَ سَاهِيًا أوْ جَاهِلًا، وَيَسْجُدُ لَهُ.
ــ
٤٧٤ - مسألة؛ قال: (وإن تَكلَّمَ في صُلْبِ الصلاةِ بَطَلَتْ. وعنه، لا تَبْطُلُ إذا كان ساهِيًا، أو جاهِلًا، ويَسْجُدُ له) متى تَكَلَّمَ عامِدًا عالِمًا أنَّه في الصلاةِ مع عِلْمِه بتَحْرِيمِ ذلك لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، ولا لأمْرٍ يُوجبُ الكلامَ، بَطَلَتْ صَلَاتُه إجْماعًا. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ». وعن زيدِ بن أرْقَمَ، قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنا صاحِبَه إلى جَنْبِه، حتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فأُمِرْنا بالسُّكُوتِ، ونُهِينا
стр. 1577
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن الكَلام. رَواهما مسلمٌ (١). وعن ابنِ مسعودٍ، قال: كُنّا نُسَلِّمُ على النبيِّ ﷺ وهو في الصلاةِ فيَرُدُّ علينا، فلمّا رَجَعْنا مِن عندِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، كُنّا نُسَلِّمُ عليكَ في الصَّلاةِ (٢) فتَرُدُّ علينا. قال: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا». مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأبى داودَ (٤): «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ».
стр. 1578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا إن تَكَلَّمَ جاهِلًا بتَحْرِيمِ الكلامِ (١) في الصلاةِ، فقال القاضي في «الجامِعِ»: لا أعْرِفُ عن أحمدَ نَصًّا في ذلك. وقد ذَكَر شَيْخُنا (٢) فيه هاهُنا رِوَايَتَيْن، إحْداهما، تَبْطُلُ صَلَاتُه؛ لأنَّه ليس مِن جِنْسِ ما هو مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، أشْبَهَ العمَلَ الكَثِيرَ، ولعُمُومِ أحاديثِ النَّهْيِ. والثّانِيَةُ، لا تَبْطُلُ، لِما روَى معاوِيَةُ بنُ الحَكمِ السُّلَمِيُّ، قال: بَيْنا أنا أُصَلِّي مع النبيِّ ﷺ إذ عَطَس رجلٌ مِن القَوْمِ، فقُلْتُ: يرحَمُك اللهُ. فرَمانِي القَوْمُ بأبْصارِهِم، فقُلْتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهُ، ما شَأنكمْ تَنْظُرُون إليَّ؛ فجَعَلُوا يَضْرِبون بأيْدِيهم على أفْخاذِهم، فلمّا رَأيْتُهم يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فلمّا صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ فبِأبِي هو وأُمِّي، ما رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبْلَه ولا بعدَه أحسنَ تَعْلِيمًا منه، فوالله مِا كَهَرَنى، ولا ضَرَبَنِي ولا شَتَمَنِي،
стр. 1579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم قال: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شيْءُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ والتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». أو كما قال رسولُ اللهِ ﷺ . رَواه مسلمٌ (١). فلم يَأْمُرْه بالإِعادَةِ، فدَلَّ على صِحَّتِها. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وفي كَلام النّاسى رِوايَتانِ، إحْداهما، لا تَبْطُلُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لَأنَّ النبيَّ ﷺ تَكلَّمَ في حديثِ ذِي اليَدَيْن، وقد ذَكَرْنا حديثَ مُعاوِيَةَ، وما عُذِر فيه بالجَهْلِ عُذِر فيه بالنِّسْيانِ. والثَّانِيَةُ، تَفْسُدُ صَلاتُه. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، لعُمُومِ أحاديثِ المَنْع مِن الكلامِ. وإذا قُلْنا: إنَّه لا يُبْطِلُ الصلاةَ. سَجَد، لعُمومِ الأحادِيثِ، ولأنَّ عَمْدَه يُبْطِلُ الصلاةَ، فوَجَبَ السُّجُودُ لسَهْوِه، كتَرْكِ الواجِباتِ. واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن تَكَلَّمَ في صُلْبِ الصلاةِ لمَصْلَحَةِ الصلاةِ، مع عِلْمِه أنَّه في الصلاةِ، بَطَلتْ صَلَاتُه، لعُمُومِ الأحادِيثِ. وذَكَر القاضي في ذلك
стр. 1580
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرِّواياتِ الثَّلاثَ التى ذَكَرْناها في المَسْألةِ التى قَبْلَها، ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ، لعُمُوم لَفْظِه، وهو مَذْهَبُ الأوْزاعِيِّ، فإنَّه قال: لو أنَّ رجلًا قال للإمام، وقَد جَهَر بالِقراءَةِ في العَصْرِ (١): إنَّها العَصْرُ. لم تَفْسُدْ صَلَاتُه. وَلأنَّ الإمامَ [قد تَطْرُقُه] (٢) حالٌ يَحْتاجُ إلى الكلامِ فيها، وهو ما لو نَسِيَ القِراءةَ في رَكْعَةٍ، فذَكَرَها في الثّانِيَةِ، فقد فَسَدَتْ عليه رَكْعَةٌ، فيَحْتاجُ أن يُبْدِلَها برَكْعَةٍ، هي في ظَنِّ المَأمُومِين خامِسَةٌ، ليس لهم مُوافَقَتُه فها، ولا سَبِيلَ إلى إعْلامِهم بغيرِ الكَلامِ، وقد يَشُكُّ في صَلاتِه، فيَحْتاجُ إلى السُّؤْالِ. قال شيخُنا (٣): ولم أعْلَمْ عن النبيِّ ﷺ ولا عن صَحابَتِه، ولا عن الإمامِ نَصًّا في الكلامِ في غيرِ الحالِ التى سَلَّمَ مُعْتَقِدًا تَمامَ صَلاتِه، ثم تَكلَّمَ بعدَ السَّلام، وقِياسُ الكَلامِ في صُلْبِ الصلاةِ عالِمًا بها على هذه الحالِ مُمْتَنِع؛ لأنَّ هذه حالُ نِسْيانٍ. لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ من الكَلامِ فيها، وهي أَيضًا حالٌ يَتَطَرَّقُ الجَهْلُ إلى صاحِبِها بتَحْرِيمِ الكَلام فيها، فلا يَصِحُّ قِياسُ ما يُفارِقُها في هذين الأمْرَيْن عليها، وإذا عُدِم النَّصُّ والقِياسُ والإجْماعُ، امْتَنَعَ ثُبُوتُ الحُكْمِ؛ لأنَّه بغيرِ دَلِيل، ولا سَبِيلَ إليه. والله أعلمُ.