← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وَإنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ، بَطَلَتْ. وَعَنْهُ، لَا تَبْطُلُ إذَا كَانَ سَاهِيًا أوْ جَاهِلًا، وَيَسْجُدُ لَهُ. ــ ٤٧٤ - مسألة؛ قال: (وإن تَكلَّمَ في صُلْبِ الصلاةِ بَطَلَتْ. وعنه، لا تَبْطُلُ إذا كان ساهِيًا، أو جاهِلًا، ويَسْجُدُ له) متى تَكَلَّمَ عامِدًا عالِمًا أنَّه في الصلاةِ مع عِلْمِه بتَحْرِيمِ ذلك لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، ولا لأمْرٍ يُوجبُ الكلامَ، بَطَلَتْ صَلَاتُه إجْماعًا. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ». وعن زيدِ بن أرْقَمَ، قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنا صاحِبَه إلى جَنْبِه، حتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فأُمِرْنا بالسُّكُوتِ، ونُهِينا

стр. 1577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن الكَلام. رَواهما مسلمٌ (١). وعن ابنِ مسعودٍ، قال: كُنّا نُسَلِّمُ على النبيِّ ﷺ وهو في الصلاةِ فيَرُدُّ علينا، فلمّا رَجَعْنا مِن عندِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، كُنّا نُسَلِّمُ عليكَ في الصَّلاةِ (٢) فتَرُدُّ علينا. قال: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا». مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأبى داودَ (٤): «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ».

стр. 1578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا إن تَكَلَّمَ جاهِلًا بتَحْرِيمِ الكلامِ (١) في الصلاةِ، فقال القاضي في «الجامِعِ»: لا أعْرِفُ عن أحمدَ نَصًّا في ذلك. وقد ذَكَر شَيْخُنا (٢) فيه هاهُنا رِوَايَتَيْن، إحْداهما، تَبْطُلُ صَلَاتُه؛ لأنَّه ليس مِن جِنْسِ ما هو مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، أشْبَهَ العمَلَ الكَثِيرَ، ولعُمُومِ أحاديثِ النَّهْيِ. والثّانِيَةُ، لا تَبْطُلُ، لِما روَى معاوِيَةُ بنُ الحَكمِ السُّلَمِيُّ، قال: بَيْنا أنا أُصَلِّي مع النبيِّ ﷺ إذ عَطَس رجلٌ مِن القَوْمِ، فقُلْتُ: يرحَمُك اللهُ. فرَمانِي القَوْمُ بأبْصارِهِم، فقُلْتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهُ، ما شَأنكمْ تَنْظُرُون إليَّ؛ فجَعَلُوا يَضْرِبون بأيْدِيهم على أفْخاذِهم، فلمّا رَأيْتُهم يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فلمّا صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ فبِأبِي هو وأُمِّي، ما رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبْلَه ولا بعدَه أحسنَ تَعْلِيمًا منه، فوالله مِا كَهَرَنى، ولا ضَرَبَنِي ولا شَتَمَنِي،

стр. 1579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم قال: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شيْءُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ والتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». أو كما قال رسولُ اللهِ ﷺ . رَواه مسلمٌ (١). فلم يَأْمُرْه بالإِعادَةِ، فدَلَّ على صِحَّتِها. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وفي كَلام النّاسى رِوايَتانِ، إحْداهما، لا تَبْطُلُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لَأنَّ النبيَّ ﷺ تَكلَّمَ في حديثِ ذِي اليَدَيْن، وقد ذَكَرْنا حديثَ مُعاوِيَةَ، وما عُذِر فيه بالجَهْلِ عُذِر فيه بالنِّسْيانِ. والثَّانِيَةُ، تَفْسُدُ صَلاتُه. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، لعُمُومِ أحاديثِ المَنْع مِن الكلامِ. وإذا قُلْنا: إنَّه لا يُبْطِلُ الصلاةَ. سَجَد، لعُمومِ الأحادِيثِ، ولأنَّ عَمْدَه يُبْطِلُ الصلاةَ، فوَجَبَ السُّجُودُ لسَهْوِه، كتَرْكِ الواجِباتِ. واللهُ أعلمُ. فصل: فإن تَكَلَّمَ في صُلْبِ الصلاةِ لمَصْلَحَةِ الصلاةِ، مع عِلْمِه أنَّه في الصلاةِ، بَطَلتْ صَلَاتُه، لعُمُومِ الأحادِيثِ. وذَكَر القاضي في ذلك

стр. 1580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرِّواياتِ الثَّلاثَ التى ذَكَرْناها في المَسْألةِ التى قَبْلَها، ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ، لعُمُوم لَفْظِه، وهو مَذْهَبُ الأوْزاعِيِّ، فإنَّه قال: لو أنَّ رجلًا قال للإمام، وقَد جَهَر بالِقراءَةِ في العَصْرِ (١): إنَّها العَصْرُ. لم تَفْسُدْ صَلَاتُه. وَلأنَّ الإمامَ [قد تَطْرُقُه] (٢) حالٌ يَحْتاجُ إلى الكلامِ فيها، وهو ما لو نَسِيَ القِراءةَ في رَكْعَةٍ، فذَكَرَها في الثّانِيَةِ، فقد فَسَدَتْ عليه رَكْعَةٌ، فيَحْتاجُ أن يُبْدِلَها برَكْعَةٍ، هي في ظَنِّ المَأمُومِين خامِسَةٌ، ليس لهم مُوافَقَتُه فها، ولا سَبِيلَ إلى إعْلامِهم بغيرِ الكَلامِ، وقد يَشُكُّ في صَلاتِه، فيَحْتاجُ إلى السُّؤْالِ. قال شيخُنا (٣): ولم أعْلَمْ عن النبيِّ ﷺ ولا عن صَحابَتِه، ولا عن الإمامِ نَصًّا في الكلامِ في غيرِ الحالِ التى سَلَّمَ مُعْتَقِدًا تَمامَ صَلاتِه، ثم تَكلَّمَ بعدَ السَّلام، وقِياسُ الكَلامِ في صُلْبِ الصلاةِ عالِمًا بها على هذه الحالِ مُمْتَنِع؛ لأنَّ هذه حالُ نِسْيانٍ. لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ من الكَلامِ فيها، وهي أَيضًا حالٌ يَتَطَرَّقُ الجَهْلُ إلى صاحِبِها بتَحْرِيمِ الكَلام فيها، فلا يَصِحُّ قِياسُ ما يُفارِقُها في هذين الأمْرَيْن عليها، وإذا عُدِم النَّصُّ والقِياسُ والإجْماعُ، امْتَنَعَ ثُبُوتُ الحُكْمِ؛ لأنَّه بغيرِ دَلِيل، ولا سَبِيلَ إليه. والله أعلمُ.

стр. 1581

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن تَكَلَّمَ مَغْلُوبًا على الكلامِ، فهو ثَلاثَةُ أنْواعٍ، أحَدُها، أن تَخْرُجَ الحُرُوفُ مِن فِيهِ بغيرِ اخْتِيارِه، مِثْلَ أن يَتَثاءَبَ، فيَقُولَ: هاه. أو يَتَنَفَّسَ، فيَقُولَ: آه. أو يَسْعُلَ، فيَنْطِقَ بحَرْفَيْن. أو يَغْلَطَ في القُرْآنِ فيَأتِيَ بكلِمَةٍ مِن غيرِ القُرْآنِ، أو يَغْلِبَه البُكاءُ، فلا تَفْسُدُ صَلاتُه في المَنْصُوصِ عنه في مَن غَلَبَه البُكاءُ، وقد كان عُمَرُ يَبْكِي، حتَّى يُسْمَعَ له نَشِيجٌ. وقال مُهَنًا: صَلَّيْتُ إلى جَنْبِ أبي عبدِ اللهِ، فَتَثاءَبَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وسَمِعْتُ لتَثاؤُبِه: هاه هاه. وهذا لأنَّ الكَلامَ ها هُنا لا يُنْسَبُ إليه، ولا يَتَعَلقُ به حُكْمٌ مِن أحْكامِ الكَلام. وقال القاضي في مَن تَثاءَبَ، فقال: هاه: تَفْسُدُ صَلاتُه. وهذا مَحْمُولٌ على مَن فَعَل ذلك غيرَ مَغْلُوبٍ عليه، لِما ذَكَرْنا. وذَكَر ابنُ عَقِيل فيه احْتِمالَيْن، أحَدُهما، تَبْطُلُ صَلاتُه، لأنَّه لا يُشرَعُ جِنْسُه في الصلاةِ، أشْبَهَ الحَدَثَ (١). والثّانِي، لا تَبْطُلُ، لِما ذَكَرْنا. النَّوْعُ الثّانِي، أن يَنام فيَتَكلَّمَ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن الكَلامِ فيه. والأوْلَى إلْحاقُه بالفَصْلِ الذى قَبْلَه؛ لأنَّ القَلَمَ مَرْفُوعٌ عنه. وكذلك ليس لعِتْقِه ولا طَلاقِه حُكْمٌ. وقال ابنُ عَقِيل، في النّائِمِ إذا تَكَلَّمَ بكَلامِ الآدَمِيِّين: انْبَنَى على كَلامِ النّاسِي في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ.

стр. 1582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّوْعُ الثّالِثُ، أن يُكْرَهَ على الكَلامِ، فيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ ككَلامِ النّاسِي؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ جَمَع بَينَهما في العَفْوِ، بقَوْلِهِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه» (١). قال القاضي: وهذا أوْلَى بالعَفْوِ، وصِحَّةِ الصلاةِ؛ لأنَّ الفِعْلَ غيرُ مَنْسُوبٍ إليه، ولهذا. لو أُكْرِهَ على إتْلافِ مالٍ لم يَضْمَنْه، والنّاسِي يَضْمَنُ ما أتْلَفَه. قال شيخُنا (٢): والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، أنَّ صَلَاته تَفْسُدُ؛ لأنَّه أتَى بما يُفْسِدُ الصلاةَ عَمْدًا، أشْبَهَ ما لو أُكْرِهَ على صلاةِ الفَجْرِ أرْبَعًا، وقِياسُه على النَّاسى لا يَصِحُّ لوَجْهَيْن، أحَدُهما، أنَّ النِّسْيانَ يَكْثُرُ، بخِلافِ الإكْراهِ. والثّانِي، أنَّه لو نَسِيَ، فزاد في الصلاةِ أو نَقَص، لم تَفْسُدْ صَلَاتُه، ولم يَثْبُتْ مِثْلُه في الإكْراهِ. والصَّحِيحُ عندَ أصحابِ الشافعِيِّ أن الصَّلاةَ لا تَبْطُلُ بشئٍ مِن هذه الأنْواعَ.

стр. 1583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن تَكَلَّمَ بكَلام واجِبٍ، كمَنْ خَشِيَ على ضَرِيرٍ أو صَبِيٍّ، أو رَأى حَيَّةً ونَحْوَها تَقْصِدُ غافِلًا، أو يَرَى نارًا يَخْافُ أن تَشْتَعِلَ في شئٍ، ونَحْوَ هذا، ولم يُمْكِنِ التَّنْبِيه بالتَّسْبِيحِ، فقال أصْحابُنا: تَبْطُلُ الصلاةُ. وهو قولُ بَعْضِ [أصْحابِ الشّافعيِّ] (١)، لِما ذَكَرْنا في كَلامِ المُكْرَهِ. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ الصلاةُ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال في حَدِيثِ ذى اليَدَيْن: إنَّما كَلَّمَ النبيَّ ﷺ القَوْمُ (٣) حينَ كَلَّمَهم؛ لأنَّهم كان عليهم أن يُجِيبُوهْ. فعَلَّل صِحَّةَ صَلاِتهم بوُجُوبِ الكَلام عليهم. وهذا كذلك، وهذا ظاهِرُ مَذْهَب الشافعيِّ، والصَّحِيحُ عندَ أصْحابِه.

стр. 1584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وكلُّ كَلامٍ حَكَمْنا بأنَّه لا يُفْسِدُ الصلاةَ فإنَّما هو اليَسِيرُ منه، فإن كَثُر وطال أفْسَدَ الصلاةَ. وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ. قال القاضي، في «المُجَرَّدِ»: كَلامُ النّاسِي إذا طال يُفْسِدُ، رِوايَةً واحِدَةً. وقال، في «الجامِعِ»: لا فَرْقَ بينَ القَليلِ والكثِيرِ في ظاهِرِ كلام أحمدَ؛ لأنَّ ما عُفِيَ عنه بالنِّسْيانِ اسْتَوَى قَلِيلُه وكَثِيرُه، كالأكْلِ في الصيامِ. وهو قولُ بَعْضِ الشافعيَّةِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ دَلالَةَ الأحَادِيثِ المانِعَةِ مِن الكَلامِ عامة، تُرِكَتْ في اليَسِيرِ [بما وَرَد فيه مِن الأخْبارِ، فتَبْقَى فيما عَداه على مُقْتَضَى العُمُوم، ولا يَصِحُّ قِياسُ الكثِيرِ عليه، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ مِنَ اليَسِيرِ] (١)، ولأَنَّ اليَسِيرَ قد عُفِيَ عنه في العَمَلِ مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، بخِلافِ الكَثِيرِ. والكَلامُ المُبْطِلُ ما انْتَظَمَ حَرْفَيْن فصاعِدًا. هذا قولُ أَصْحابِنا، وأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الحَرْفَيْن يُكَوِّنان (٢) كَلِمَةً، كقَوْلِه: أبٌ وأخٌ ويَدٌ ودَمٌ. وكذلك الأفْعالُ. والحُرُوفُ لا تَنْتَظِمُ كَلِمَةً مِن أقلَّ مِن حَرْفَيْن. ولو قال: لا. أفْسَدَ (٣) صَلَاته؛ لأنَّها حَرْفان لامٌ وألِفٌ.

стр. 1585

وَإِنْ قَهْقَهَ، أَوْ نَفَخَ، أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى. قَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبى عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ كان يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاِته، وَلَا يَرَاهَا مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ. ــ ٤٧٥ - مسألة: (وإن قَهْقَهَ، أو نَفَخ، أو انْتَحَبَ، فبان حَرْفان فهو كالكلامِ، إلَّا ما كان مِن خَشْيَةِ اللهِ تعالى. قال أصحابُنا في النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذلك. وقد رُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، أَنَّه كان يَتَنَحْنَحُ في صلاِته ولا يَراها مُبْطِلَةً للصلاةِ) إذا ضَحِك فبان حَرْفان، فَسَدَت صَلَاتُه. وكذلك إن قَهْقَهَ ولم يَتَبَيَّنْ حَرْفان. وهو قولُ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ. وكذلك ذَكَرَه شَيْخُنا في «المُغْنِي» (١). وقال القاضي، في «المُجَرَّدِ»: إن

стр. 1586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَهْقَهَ فبان حَرْفٌ واحِدٌ، لم تَبْطُلْ صلاتُه، فإن بان (١) حَرْفان، القافُ والهاءُ، فهو كالكلامِ، تَبْطُلُ إن كان عامِدًا. وإن كان ساهِيًا، أو جاهِلًا، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن. وهو ظاهِرُ قولِ الشَّيْخِ في هذا الكِتابِ (٢). قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ الضَّحِكَ يُفْسِدُ الصلاةَ، وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّ التَّبَسُّمَ لا يُفْسِدُها. وقد روَى الدّارَقُطْنِيُّ (٣) في سُنَنِه، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: «الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ». فصل: فأمَّا النَّفْخُ، فمتى انْتَظَمَ حَرْفَيْن أفْسَدَ الصلاة؛ لأنَّه كلام، وإلَّا لم يُفْسِدْها. وقد قال أحمدُ: النَّفْخُ عِنْدِي بمَنْزِلَةِ الكَلامِ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: مَن نَفَخ في الصلاةِ فقد تَكَلَّمَ (٤). ورُوِيَ عن

стр. 1587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبي هُرَيْرَةَ. إلَّا أنَّ ابنَ المُنْذِرِ، قال: لا يَثْبُتُ عن ابنِ عباسٍ، ولا أبي هُرَيْرَةَ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أكْرَهُه، ولا أقولُ: يَقْطَعُ الصلاةَ، ليس هو كَلامًا. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقَ. وجَمَع القاضي بينَ قَوْلَيْ أحمدَ، فقال: المَوْضِعُ الذى قال أحمدُ: يَقْطَعُ الصلاةَ. إذا انْتَظَمَ حَرْفيْن، والمَوْضعُ الذى قال: لا يَقْطَعُ الصلاةَ. إذا لم يَنْتَظِمْ منه حَرْفان. وقال أبو حنيفةَ: إن سُمِع فهو بمَنْزِلَةِ الكَلامِ، وإلَّا فلا يَضُرّ. قال شيخُنا (١): والصَّحِيحُ أَّنه لا يَقْطَعُ الصلاةَ ما لم يَنْتَظِمْ منه حَرْفان؛ لِما روَى عبدُ الله ابنُ عمرِو (٢)، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ . فذَكَرَ الحديثَ إلى أن قال: ثم نَفَخ [في آخِرِ سُجُودِ] (٣) فقال: «أُفِّ أْفِّ» (٤). وأما قولُ أبي حنيفةَ، فإن أراد ما لا يَسْمَعُه الإِنْسانُ مِنٍ نَفْسِه، فليس ذلك بنَفْخٍ، وإن أراد مالا يَسْمَعُه غيرُه فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما أبْطَلَ الصلاةَ إظْهَارُه أبْطَلَها إسْرارُه، كالكَلامِ.

стр. 1588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا البُكاءُ والتّأوُّهُ والأنِينُ، فما كان مَغْلُوبًا عليه لم يُوَّثِّرْ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ. وما كان غيرَ ذلك؛ فإن كان لغيرِ خَشْيَةِ اللهِ أفْسَدَ الصلاةَ، وإن كان مِن خَشْيَةِ اللهِ، فقال القاضي، وأبو الخَطّاب: التَّأَوُّهُ والبُكاءُ لا يُفْسِدُ الصلاةَ، وكذلك الأَنِينُ. وقال القاضي: التَّأَوُّهُ ذِكْرٌ، مَدَح الله تعالى إبراهيمَ به، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١). والذِّكْرُ لا يُفْسِدُ الصلاةَ، ولأنَّ اللهَ مَدَح الباكِين، فقال: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٢). وروَى مُطَرِّفٌ، عن أَبِيه، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلّى ولِصَدْرِه أزِيزٌ كأزِيزِ المِرْجَلِ [مِن البُكاءِ] (٣) (٤). رَواه الخَلّالُ (٥). وقال عبدُ اللهِ بنُ شَدّادٍ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وأنا في آخِرِ الصُّفُوفِ. وقال شيخُنا (٦): لم أرَ عن أحمدَ في التَّأوُّهِ (٧) ولا في الأنِينِ شَيْئًا، والأشْبَهُ بأَصُولِه، أنَّه متى فَعَلَه مُخْتارًا أفْسَدَ (٨) صلَاته؛

стр. 1589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنَّه قال في رِوايَةِ مُهَنّا، في البُكاءِ الذى (١) لا يُفْسِدُ الصلاةَ: ما كان مِن غَلَبَةٍ. ولأنَّ الحُكْمَ لا يَثْبُتُ إلَّا بنَصٍّ، أو قِياسٍ، أو إجْماع. وعُمُومُ النُّصُوصِ تَمْنَعُ مِن الكَلامِ كُلِّه، ولم يَرِدْ في الأنِينِ والتَّأوُّهِ نَصٌّ خاصٌّ. والمَدْحُ على التَّأوُّهِ لا يُخَصِّصُه، كتَشْمِيتِ العاطِس، ورَدِّ السّلامِ، والكَلِمَةِ الطَّيَّبَةِ. فصل: فأمّا النَّحْنَحَةُ، فقال أصْحابُنا: هي كالنَّفْخِ، إن بان منها حَرْفان بَطَلَت صَلاتُه. وقد روَى المَرُّوذِيّ، قال: كُنْتُ آتِي أَبا عبدِ اللهِ فيتَنَحْنَحُ في صَلاتِه، لأعْلَمَ أنَّه يُصَلِّي. وقال مُهَنّا: رَأيْتُ أَبا عبدِ اللهِ يَتَنَحْنَحُ في الصلاةِ. قال أصْحابُنا: وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه لم يَأتِ بحَرْفَيْن. قال شيخًا (٢): وظاهِرُ حالِ أحمدَ أنَّه لم يَعْتَبِرْ ذلك؛ لأنَّها لا تُسَمَّى كَلامًا، وتَدْعُو الحاجَةُ إليها. وقد رُوِيَ عن عليٍّ، رَضىَ الله عنه، قال: كانت لى ساعَةٌ في السَّحَرِ، أدْخُلُ فيها على رسولِ الله ﷺ ، فإن كان في صلاةٍ تَنَحْنَحَ، فكان ذلك إذْنِي. رَواه الخَلّالُ (٣). واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ فِي كَراهِيَةِ تَنْبِيهِ المُصَلِّي بالنَّحْنَحَةِ، فقال في مَوْضِعٍ:

стр. 1590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يَتَنَحْنَحُ في الصلاةِ، قال النبيُّ ﷺ : «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاِتكُمْ. [فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، ولتُصَفِّقِ النِّسَاءُ] (١) (٢). وقد روَى عنه الأثْرَمُ، أنَّه كان يَتَنَحْنَحُ؛ ليُعْلِمَه أنَّه يُصَلِّي. وحديثُ عليٍّ يَدُلُّ عليه، وهو خاصٌّ فيُقَدَّمُ على العامِّ. فصل: إذا سُلِّمَ على المُصَلِّي، لم يَكُنْ له رَدُّ السَّلامِ بالكَلامِ، فإن فَعَل ذلك بَطَلَت صَلَاتُه. رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن أبي ذَرٍّ (٣). وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ. وكان سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وقَتادَةُ، لا يَرَوْن به بَأْسًا. ورُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّه أمَر بذلك (٤). وقال إسحاقُ: إن فَعَلَه مُتَأوِّلًا، جازَت صَلاتُه. ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: كُنّا نُسَلِّمُ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو في الصلاةِ فيَرُد علينا، فلمّا رَجَعْنا مِن عندِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، كُنّا نُسَلِّمُ عليك في الصلاةِ فَتُردُّ علينا؟ قال: «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا». مُتَّفَقٌ عليه (٥). ولأبى داودَ (٦): «إن اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ». وروَى جابِرٌ، قال: كُنّا مع رسولِ اللهِ ﷺ

стр. 1591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فبَعَثَنِي في حاجَةٍ، فرَجَعْتُ وهو يُصَلِّي على راحِلَتِه، ووَجْهُه إلى غيرِ القِبْلَةِ، فسَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فلمّا انْصَرَفَ، قال: «أمَا إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ إلَّا أنِّي كنْتُ أُصَلِّي» (١). ولأنَّه كَلامُ آدَمِيٍّ، فأشْبَهَ تَشْمِيتَ العاطِسِ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَرُدُّ السَّلامَ بالإِشارَةِ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ، أنَّ مُوسَى ابنَ جَمِيلٍ سَلَّمَ عليه وهو يُصَلِّي، فقَبَضَ ابنُ عباس على ذِراعِه (٢). فكان ذلك رَدًّا مِن ابنِ عباسٍ، وذلك لِما روَى صُهَيْبٌ، قال: مَرَرْتُ بالنبيِّ ﷺ وهو يُصلِّي، فسَلَّمْتُ عليه، وكَلمْتُه، فرَدَّ عليَّ إشارَةً. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: خَرَج رسولُ اللهِ ﷺ إلى مسجدِ (٣) قُباءَ فصَلّى فيه (٣)، فجاءَتْه الأنْصارُ، فسَلَّمُوا عليه وهو يُصَلّى، قال: قُلْتُ لبلالٍ: كيف رَأيْتَ رسولَ اللهِ ﷺ يَرُدُّ عليهم حينَ كانوا يُسَلِّمُون عليه وهو يُصَلِّي؟ قال: يَقُولُ هكذا. وبَسَط، يَعَنِي كَفَّه، وجَعَل بَطْنَه أسْفَلَ،

стр. 1592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وظَهْرَه إلى فَوْقَ. رَواهما أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (١)، وقال: كلا الحَدِيثَيْن صحيحٌ. وإن رَدَّ عليه بعدَ فَراغِه مِن الصلاةِ فحَسَنٌ، لأنَّ في حديثِ ابنِ مسعودٍ، قال: فقَدِمْتُ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو يُصَلِّي، فسَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فأخَذَنِي ما قدُم وما حَدُث، فلمَّا قَضَى رسولُ اللهِ ﷺ الصلاةَ، قال: «إنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِن أمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ أحْدَثَ أنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» [فرَدَّ عليَّ السَّلامَ] (٢). فصل: وإذا دَخَل على قَوْم وهم يُصَلُّونَ، فلا بَأْسَ أن يُسَلِّمَ عليهم. قالَه أحمدُ. وروَى ابنُ المُنْذِرِ عنه، أنَّه سَلمَ على مُصَلٍّ. وفَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ (٣). وقال ابنُ عَقِيل: يُكْرَهُ. وكَرِهَه عطاءٌ، وأبو مِجْلَزٍ، والشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ، لأنَّه رُبَّما غَلِطَ المُصَلَّى فَردَّ بالكَلامِ. ووَجْهُ تَجْوِيزِه قوْلُه تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٤): أي على أهلِ دِيِنكم، ولأنَّ النبيَّ ﷺ حينَ سَلمَ عليه أصْحابُه لم يُنكِرْ ذلك.

стр. 1593

فَصْلٌ: وَأَمَّا النَّقْصُ؛ فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا، وَإِنْ ذَكرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، عَادَ فَأَتَى بهِ وَبِمَا بَعْدَهُ, فَإنْ لَمْ يَعُدْ، بُطَلَتْ صَلَاُتهُ، ــ ٤٧٦ - مسألة؛ قال ﵀: (وأمّا النَّقْصُ، فمتى تَرَك رُكْنًا، فذَكَرَه بعدَ شُرُوعِه في قِراءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتِ التى تَرَكَه منها. وإن ذَكَرَهُ قبلَ ذلك (١)، عاد فأْتَى به وبما بَعْدَه، فإن لم يَعُدْ (٢) بَطَلَت صَلَاتُه) وجُمْلَتُه أنَّه متى تَرَك رُكْنًا؛ سُجُودًا، أو رُكُوعًا، ساهِيًا، فلم يَذْكُرْهُ حتَّى شَرَع في قِراءَةِ الرَّكعَةِ التى تَلِيها، بَطَلَتِ (٣) الرَّكْعَةُ التى تَرَك منها الرُّكْنَ،

стр. 1594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وصارتِ التى تَلِيها مَكانَها. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ جَماعَةٍ. قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ، عن رجلٍ صَلَّى ركعَةً، ثم قام ليُصَلِّيَ أُخْرَى، فذَكَرَ أنَّه إنَّما سَجَد للرَّكعَةِ الأُوْلَى سَجْدَةً واحِدَةً؟ فقال: إن كان أوَّلَ (١) ما قام قبلَ أن يُحْدِثَ عَمَلًا للأُخْرَى، فإنَّه يَنْحَطُّ ويَسْجُدُ، ويَعْتَدُّ بها، وإن كان قد أحْدَثَ عَمَلًا للأُخْرَى، ألْغَى الأُولَى (٢)، وجَعَل هذه الأُولَى. قُلْتُ: فيَسْتَفْتِحُ أو يَجْتَزِئُ بالاسْتِفْتاحِ الأوَّلِ؟ قال: يُجْزِئُه

стр. 1595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأوَّلُ. قلتُ: فنَسِيَ سَجْدَتَيْن مِن رَكْعَتَيْن؟ قال: لا يَعْتَدُّ بتَيْنك (١) الرَّكْعَتَيْن. وهذا قولُ إسحاقَ. وقال الشافعيُّ: إن ذَكَر الرُّكْنَ المَتْرُوكَ قبلَ السُّجُودِ في الثانيةِ، فإنَّه يَعُودُ إلى سَجْدَةِ الأُولَى، وإن ذَكَرَه بعدَ سُجُودِه في الثانيةِ، وَقَعَتْ عن الأُولَى؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأُولَى قد صَحَّت، وما فَعَلَه في الثّانيةِ سَهْوًا لا يُبْطِلُ الأُولى، كما لو ذَكَر قبلَ القِراءَةِ. وقد ذَكَرَ أحمدُ هذا القَوْل عن الشافِعِيِّ وَقَرَّ بِه، إلَّا أنَّه اخْتارَ الأوَّلَ. وقال مالكٌ: إن تَرَك سَجْدَةً فذَكَرَها قبلَ رَفْعِ رَأْسِه مِن رُكُوعِ الثانيةِ، [سَجَدَها، واعْتَدَّ بالرَّكْعَةِ الأُولَى، وإن ذَكَرَها بعدَ رَفْعِ رَأْسِه مِن رُكُوعِ الثّانِيَةِ] (٢)، ألْغَى الأُولَى. وقال الحسنُ؛ والأوْزاعِيُّ: مَن نَسِيَ سَجْدَةً، ثم ذَكَرَها في الصَّلاةِ، سَجَدَها متى ذَكَرَها. وقال الأوْزاعِيُّ:

стр. 1596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَرْجِعُ إلى حيث كان مِن الصَّلاةِ وَقْتَ ذِكْرِها، فيَمْضِي فيها. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ نَحْوَ قولِ الحسنِ. ولَنا، أن المَزْحُومَ في الجُمُعَةِ، إذا زال الزِّحامُ والإمامُ راكِعٌ في الثانيةِ، فإنَّه يَتْبَعُه ويَسْجُدُ معه، ويكونُ السُّجُودُ مِن الثانيةِ دُونَ الأُولَى، كذَا هنا. وأمّا إذا ذكَرَها قبلَ ذلك، عاد فأتَى به وبما بعدَه؛ لأنه ذَكَرَه في موْضِعِه، فلَزِمَه الإتْيانُ به، كما لو تَرَك سَجْدَةٌ مِن الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ، فذَكَرَها قبلَ السَّلامِ، فإنَّه يَأْتِي بها في الحالِ.

стр. 1597

وَإنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَهُوَ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ. ــ (وَإنْ عَلِم بعدَ السَّلامِ، فهو كتَرْكِ رَكْعَةٍ كامِلَةٍ) إن طال الفَصْلُ، أو أحْدَثَ، ابْتَدَأَ الصلاةَ؛ لتَعَذُّرِ البِناءِ، وإن ذَكَر قَرِيبًا، أتَى برَكْعَةٍ كامِلةٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ الرَّكْعَةَ التى تَرَك الرُّكْنَ منها، بَطَلَت بالشُّرُوع في غيرِها.

стр. 1598

وَإنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَربَع رَكَعَاتٍ؛ ــ فصل: فإن مَضَى في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، أو رَجع في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه المُضِيُّ، عالِمًا بتحْرِيمِه، بَطَلَت صَلاتُه؛ لتَرْكِه الواجِبَ عَمْدًا. وإن فَعَلَه يَعْتَقِدْ جَوازَه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه تَرَكَه (١) غيرَ مُتَعَمِّدٍ، أشْبَهَ ما لو مَضَى قبل ذِكْرِ المَتْرُوكِ، لكنْ إذا مَضَى في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الرُّجُوعُ، فَسَدَتِ الرَّكْعَةُ التى تَرَك رُكْنَها، كما لو لم يَذْكُرْه إلَّا بعدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ. وإن رَجَع في موْضِعِ المُضِيَّ لم يَعْتَدَّ بما يَفْعَلُه في الرَّكْعَةِ التى تَرَكَه منها؛ لأنَّها فَسَدَت بشُرُوعِه في قِراءَةِ غيرِها، فلم يَعُدْ إلى الصِّحَّةِ بحالٍ. ٤٧٧ - مسألة: (وإن نَسِيَ أرْبَعَ سَجَداتٍ مِن أرْبَع ركَعاتٍ ،

стр. 1599

وَذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بثَلَاثِ رَكَعَاتٍ. وَعَنْهُ، تَبْطُلُ صلَاُتهُ. ــ وذَكَر وهو في التَّشَهُّدِ، سَجَد سَجْدَةً، فصَحُّت له رَكْعَةٌ، ويَأْتِي بثَلاثِ رَكَعاتٍ (١). وعنه، تَبْطُلُ صَلاتُه) هذه المَسْأَلةُ مَبْنِيِّةٌ على المَسْأَلَةِ التى قَبْلَها، وهو أنَّه متى تَرَك رُكْنًا مِن رَكْعَةٍ، فلم يذْكُرْه حتَّى شَرَع في قِراءَةِ التى بَعْدَها، بَطَلَت. فهاهنا لمّا شَرَع في قِراءَةِ الثانِيَةِ بَطَلَتِ الأُولَى، فلمّا شَرَع في قِراءَةِ الثّالِثَةِ قبلَ إتْمام الثّانِيَةِ، بَطَلَتِ الثانيةُ. وكذلك الثالثةُ تَبْطُلُ بشُرُوعِه في الرّابِعَة، فبَقِيَتِ الرابعةُ، ولم يَسْجُدْ فيها إلَّا سَجْدَةً واحِدَةً، فيَسْجُدُ الثانيةَ حينَ يذْكُرُ، وتَتِمُّ له رَكْعَةٌ، ويَأْتِي بثَلاثِ رَكَعاتٍ.

стр. 1600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبهذا قال مالكٌ، واللَّيْثُ. وفيه رِوايَةٌ، أنَّ صَلَاته تَبْطُلُ؛ لأنَّ هذا يُؤَدِّي إلى التَّلاعُبِ بالصلاةِ، ويُلْغِي عَمَلًا كثيرًا في الصلاةِ، وهو ما بينَ التَّحْرِيمَةِ والرَّكْعَةِ الرّابِعَةِ. وهذا قَوْلُ إسحاقَ. وقال الشافعيُّ: تَصِحُّ له رَكْعَتان. على ما ذَكَرْنا في المَسْأَلةِ التى قَبْلَها، وهو أنَّه إذا قام إلى الثّانِيَةِ سَهْوًا، قبل تَمامِ الأُولَى، كان عَمَلُه فيها لَغْوًا، فلمّا سَجَد فيها انْضَمَّت سَجْدَتُها إلى سَجْدَةِ الأُولَى، فكَمُلَت له رَكْعَةٌ، وهكِذا الحُكْمُ في الثالثةِ والرابعةِ. وحَكَى الإمامُ أحمدُ هذا القولَ عن الشافعيِّ، ثم قال: هو أشْبَهُ (١) مِن قَولِ أصْحابِ الرَّأْيِ. قال الأَثْرَمُ: فقلتُ له، فإنَّه إذا فَعَل لا يَسْتَقِيمُ؛ لأنَّه إنَّما نَوَى بهذه السَّجْدَةِ عن الثانيةِ. قال: فكذلك (٢) أقولُ، إنَّه يَحْتاجُ أن يَسْجُدَ لكل رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْن. قال شيخُنا (٣): ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ القَوْلُ المَحْكِيُّ عن الشافعيِّ هو الصَّحِيحَ، وأن يكُونَ قَوْلًا لأحمدَ؛ لأنَّه قد حَسَّنَه، واعْتَذَرَ عن المَصِيرِ إليه، بكَوْنِه إنَّما نَوَى بالسَّجْدَةِ الثانيةِ عن الثانِيَةِ، وهذا لا يَمْنَعُ جَعْلَها عن الأُولَى، [كما لو سَجَد في الرَّكْعَةِ الأُولَى يَحْسَبُ أنَّه في الثّانِيَةِ، أو في الثّانِيَةِ يَظُنُّ أنَّه في الأُولَى] (٤). وقال الثَّوْرِيُّ،

стр. 1601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأصْحابُ الرَّأْيِ: يَسْجُدُ في الحالِ أرْبَعَ سَجَداتٍ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ تَرْتِيبَ الصلاةِ شَرْطٌ لا يَسْقطُ بالسَّهْوِ، كما لو نَسِيَ فقَدَّمَ السُّجُودَ على الرُّكُوعِ. فإن لم يَذْكُرْ حتَّى سَلَّمَ، ابْتَدَأ الصلاةَ؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ بَطَلَتْ بسَلامِه، في مَنْصُوصِ أحمدَ، فحِينَئِذٍ يَسْتَأْنِفُ الصَّلاةَ. فصل: إذا تَرَك رُكْنًا، [ثم ذَكَرَه] (١)، ولم يَعْلَمْ مَوْضِعَه، بَنَى الأمْرَ فيه على أسْوَإِ الأحْوالِ؛ مِثْلَ أن يَتْرُكَ سَجْدَةً لا يَعْلَمُ أمِن الرابعةِ هي أم مِن غيرِها، يَجْعَلُها ممّا قبلَها؛ لأَنَّه يَلْزَمُه رَكْعَةٌ كامِلَةٌ، ولو جَعَلَها مِن الرَّابعةِ، أجْزَأه سَجْدَةٌ. فإن تَرَك سَجْدَتَيْن لا يَعْلَمُ أمِن رَكْعَتَيْن أم مِن رَكْعَةٍ، جَعَلَهما مِن رَكْعَتَيْن؛ ليَلْزَمَه رَكْعَتان. وإن تَرَك رُكْنًا مِن رَكْعَةٍ، وعَلِم وهو فيها، ولم يَعْلَمْ أرْكُوعٌ هو أم سُجُودٌ، جَعَلَه رُكُوعًا. وعلى قِياسِ هذا، يَأْتِي بما يَتَيَقَّنُ به إتْمامَ صَلاتِه؛ لئَلَا يَخْرُجَ فها وهو شاكٌّ فيها، فيَكُونَ مُغَرِّرًا (٢) بها. وقد قال النبيُّ ﷺ : «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ». رَواه أبو داودَ (٣). وقال الأثْرَمُ: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ عن تَفْسِيرِ هذا الحدِيثِ. فقال: أمّا أنا فأرَى أن لا يَخْرُج منها إلَّا على يَقِينِ أنَّها قد تَمَّتْ.

стр. 1602

وَإنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَ، لِزَمَهُ الرُّجُوعُ، مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا، فَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، لَمْ يَرْجِعْ، وَإنْ رَجَعَ، جَازَ. وإنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ. وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلَّهِ. ــ ٤٧٨ - مسألة: (وإن نَسِيَ التَّشَهُّدَ الأوَّلَ ونَهَض، لَزِمَه الرُّجُوعُ، ما لم يَنْتَصِبْ قائِمًا، فإنِ اسْتَتَمَّ قائِمًا، لم يَرْجِعْ، وإن رَجَع، جاز. وإن شَرَع في القِراءَةِ، لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، وعليه السُّجُودُ لذلك كلِّه) إذا تَرَك التَّشَهُّدَ الأوَّلَ ناسِيًا وقام، لم يَخْلُ مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَذكرَه قبلَ أن يَعْتَدِلَ قائِمًا، فيَلْزَمُه الرُّجُوعُ للتَّشَهُّدِ. وممَّن قال: يَجْلِسُ.

стр. 1603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلْقَمَةَ، والضَّحّاك (١)، وقَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ: إن فارَقَتْ ألْيَتاهُ (٢) الأرْضَ، لم يَرْجِعْ. وقال حَسّانُ بنُ عَطِيَّةَ (٣): إذا تَجافَتْ رُكْبَتاه عن الأرْضِ مَضَى. ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: «إذَا قَامَ أحَدُكُمْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَتمَّ قَائِمًا، فلْيَجْلِسْ، فإذا اسْتَتَمَّ (٤) قَائِمًا، فَلَا يجْلِسْ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (٥). الثّانِي، ذِكْره بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا، وقبلَ شُرُوعِه في القِراءَةِ، فالأوْلَى أن لا يَرْجِعَ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ،

стр. 1604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن رَجَع، جاز. نَصَّ عليه (١). كما لو (٢) ذَكَرَه قبلَ الاعْتِدالِ. وقال النَّخَعِيُّ: يَلْزَمُه الرُّجُوعُ ما لم يَسْتَفْتِحِ القِراءَةَ. قال شيخنا (٣): ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ له الرُّجُوعُ ها هنا؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولأنَّه شَرَع في رُكْنٍ، فلم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، كما لو شَرَع في القِراءَةِ. الأمْرُ الثّالثُ، ذِكْرُه بعدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، فلا يَجُوزُ له الرُّجُوعُ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. ومِمَّن رُوِي عنه أنَّه لا يَرْجِعُ؛ عُمَرُ، وسعدٌ (٤)، وابنُ مسعودٍ، والمُغِيرَةُ، بنُ شُعْبَةَ، والنُّعْماد بنُ بَشِيرٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وغيرُهم. وقال الحسنُ: يَرْجِعُ ما لم يَرْكَعْ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولأنَّه شَرَع في رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فلم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، كما لو شَرَع في الرُّكُوعَ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَسْجُدُ للسَّهْوِ في جَمِيعِ هذه المَسائِلِ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولِما روَى عبدُ اللهِ بنُ مالكِ بنِ بُحَيْنَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى بهم الظُّهْرَ، فقام في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن، ولم يَجْلِسْ، فقام النّاسُ معه، فلمّا قَضَى الصلاةَ وانْتَظَرَ (٥) النّاسُ تَسْلِيمَه، كَبَّرَ وهو جالِسٌ، فسَجَدَ سَجْدَتَيْن قبلَ أن يُسَلِّمَ، [ثم سَلَّمَ] (٦). مُتَّفَقٌ عليه (٧).

стр. 1605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن عَلِم المَأْمُومُون بتَرْكِه التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، قبلَ قِيامِهم، وبعدَ قِيام الإِمام، تابَعُوه في القِيامِ، ولم يَجْلِسُوا. حَكاه الآجُرِّيّ عن أحمدَ. وهوَ قولُ مَالكٍ، والشافعيِّ، وأهلِ العِراقِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، لأنَّ النبيَّ ﷺ لَمّا قام حينَ سَها عن التَّشَهُّدِ، قام النّاسُ معه. وفَعَلَه جَماعَةٌ مِن الصَّحابَةِ، فرَوَى الإمامُ أحمدُ، بإسْنادِه، عن زِيادِ (١) بن عِلاقَةَ (٢)، قال: صَلَّى بنا المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، فلَمّا صَلَّى رَكْعَتَيْن، قام ولم يَجْلِسْ، فسَبَّحَ به مَن خَلْفَه، فأشارَ إليهم أنْ (٣) قُومُوا، فلَمّا فَرَغ مِن صَلاتِه سَلَّمَ، وسَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم قال: هكذا صَنَع رسولُ اللهِ ﷺ (٤). رَواه الآجُرِّيُّ، عن عُقَبَةَ بن عامِرٍ (٥)، وقال: إنِّي سَمِعْتُكم تَقُولُون: سبحانَ اللهِ، لكَيْما أجْلِسَ، وليست تلك السُّنَّةَ، إنَّما السُّنَّةُ التى صَنَعْتُ (٦). فأمّا إن

стр. 1606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [سَبَّحُوا به] (١) قبلَ قِيامِهِ ولم يَرْجِعْ، تَشَهَّدُوا لأنْفُسِهِم، ولم يُتابِعُوه؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا عليه، فلم يَكُنْ لهم مُتابَعَتُه في تَرْكِه. ولو رَجَع إلى التَّشَهُّدِ بعدَ شُرُوعِه في القِرَاءَةِ، لم يُتابِعُوه أَيضًا؛ لأنَّه أخْطَأَ. فأمّا الإِمامُ، فإن فَعَل ذلك عالِمًا بتَحْرِيمِه، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه زاد في الصلاةِ مِن جِنْسِها عَمْدًا، أو تَرَك واجِبًا عَمْدًا. وإن فَعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا بالتَّحْرِيمِ، لم تَبْطُلْ، لأنَّه زادَه سَهْوًا. ومتى عَلِم بتَحْرِيم ذلك وهو في التَّشَهُّدِ، نَهَض ولم يُتِمَّ الجُلُوسَ. فصل: فإن ذَكَر الإمامُ التَّشَهُّدَ قبلَ انْتِصابِه، وبعدَ (٢) قِيامِ المَأْمُومين، وشُرُوعِهم في القِراءَة، فرَجَعَ، لَزِمَهم الرُّجُوعُ؛ لأنَّه رجع إلى واجِبٍ، فلَزِمَهم مُتابَعَتُه، ولا اعْتِبارَ بقِيامِهم قَبْلَه.

стр. 1607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن نَسِيَ التَّشَهُّدَ دُونَ الجُلُوسِ، فالحُكْمُ فيه كما لو نَسِيَهما؛ لأنَّ التَّشَهُّدَ هو المَقْصُودُ. فأمّا إن نَسِيَ شيئًا مِن الأذْكارِ (١) الواجِبَةِ غيرَ التَّشَهُّدِ؛ كَتسْبِيحِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقولِ: رَبِّ اغفِرْ لِي، بينَ السَّجْدَتَيْن، وقَوْلَ: رَبَّنا ولك الحَمْدُ. فإنَّه لا يَرْجِعُ إليه بعدَ الخُرُوجِ مِن مَحَلِّه؛ لأنَّ مَحَلَّ الذِّكْرِ رُكْنٌ قد وَقَع مُجْزِئًا صحِيحًا. فلو رَجَع إليه لكان زِيادَةً في الصلاةِ، وتَكْرارًا لرُكْنٍ، ثم يَأْتِي بالذِّكْرِ في رُكْنٍ غيرِ مَشْرُوعٍ، بخِلافِ التَّشَهُّدِ، لكنْ يَمْضِي ويَسْجُدُ للسَّهْوِ، كتَرْكِ التَّشَهُّدِ. فصل: فإن قام مِن السَّجْدَةِ الأُولَى، ولم يَجْلِسْ جَلْسَةَ الفَصْلِ، فهذا قد تَرَك جَلْسَةَ الفَصْلِ، والسَّجْدَةَ الثانيةَ. ومتى ذَكَر قبلَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، لَزِمَه الرُّجُوعُ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فإذا رَجَع جَلَس جَلْسَةَ

стр. 1608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفَصْلِ، ثم سَجَد الثانيةَ. وقال بعضُ [أصحابِ الشافعيِّ] (١): لا يَحْتاجُ إلى الجُلُوسِ (٢)؛ لأن الفَصْلَ قد حَصَل بالقِيامِ. ولا يصِحُّ؛ لأنَّ الجلْسَةَ واجِبَةٌ، فلم يَنُبْ عنها القِيامُ كما لو قَصَد ذلك. فأمّا إن كان قام بعدَ أن جَلَس للفَصْلِ، فإنَّه يَسْجُدُ، ولا يَلْزَمُه جُلُوسٌ. وقيل: يَلْزَمُه؛ ليَكُونَ سُجُودُه عن جُلُوسٍ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد أتَى بالجَلْسَةِ، فلم تَبْطُلْ بالسَّهْوِ بعدَها، كالسَّجْدَةِ الأُولَى. فإن كان يَظُنُّ أنَّه سَجَد سَجْدَتَيْن، وجَلَس للاسْتِراحَةِ، لم يُجْزِئْه عن جَلْسَةِ الفَصْلِ؛ لأنَّها سُنَّةٌ، فلا تَنُوبُ عن الواجِب، كما لو تَرَك سَجْدَةً مِن رَكْعَةٍ، ثم سَجَد للتِّلاوة، فإنَّها لا تُجْزِئُ عن سَجْدَةِ الصلاةِ. واللهُ أعلمُ.

стр. 1609

فَصْلٌ: وَأَمَّا الشَّكُّ؛ فَمَتَى شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، بَنَى عَلَى اليَقِينِ. وَعَنْهُ، يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإمَامُ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ، ــ فصل: قال الشيخُ، ﵀: (وأمّا الشَّكُّ؛ فمتى شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، بَنَى على اليَقِينِ. وعنه، يَبْنِي على غالِبِ ظَنِّه. وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُنْفَرِدَ يَبْنِي على اليَقِينِ، والإمامُ يَبْنِي (١) على غالِبِ ظَنِّه) متى شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، ففيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، أنَّه يَبْنِي على اليَقِينِ، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا. اخْتارَها أبو بكرٍ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عَمْرٍو. وهو قولُ رَبِيعَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلَمْ يَدْرِكَمْ صَلَّى، ثَلَاثًا أمْ أرْبَعًا؛ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتهُ، وَإنْ كَانَ صَلَّى

стр. 1610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَمَامَ الْأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ». رَواه مسلمٌ (١). وعن عبدِ الرحمنِ ابنِ. عَوْفٍ، أنَّ رسولَ اللهَ ﷺ قال: «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلَمْ يَدْرِ أزَادَ أوْ نَقَصَ، فَإنْ كَانَ شَكَّ فِي الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ، فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً، فَإنْ لَمْ يَدْرِ اثْنَتَيْنِ صَلَّى أوْ ثَلَاثًا، فَلْيَجْعَلْهُمَا اثْنَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أوْ أرْبَعًا، فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا، حَتَّى يَكُونَ الشَّكُ فِي الزِّيَادَةِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْل أنْ يُسَلِّمَ» (٢). رَواه ابنُ ماجه،

стр. 1611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والتِّرْمِذِيُّ (١)، وقال: حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ما شَكَّ فيه، فيَبْنِي على عَدَمِه، كما لو شَكَّ في رُكُوعٍ أو سُجُودٍ. والثانيةُ، أنَّه يَبْنِي كل غالِب ظَنِّه، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا. نَقَلَها عنه الأثْرَمُ. رُوِيَ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وابنِ مسعودٍ، ﵄، وهو قولُ النَّخَعِيِّ. وبه قال أصْحابُ الرَّأْيِ، إذا تَكَرَّرَ ذلك منه. وإن كان أوَّلَ ما أصابَه أعاد الصلاةَ (٢)؛ لقَوْلِه ﵇: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا

стр. 1612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَسْلِيمٍ» (١). ووَجْهُ هذه الرِّوايَةِ ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وللبُخارِيِّ: «بَعْدَ التَّسْلِيمِ». وفي لفظٍ لمسلمٍ (٣): «فَلْيَتَحَرَّ أقْرَبَ ذَلِكَ إلَى الصَّوَاب». ولأبى داودَ (٤): «إذَا كُنْتَ فِي صَلَاةٍ، فَشَكَكْتَ فِي ثَلَاثٍ أو أرْبَعٍ، وَأكْثَرُ ظَنِّكَ عَلَى أرْبَعٍ، تَشَهَّدْتَ، ثُمَّ سَجَدْتَ سَجْدَتَيْنِ وَأنْتَ جَالِسٌ».

стр. 1613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [والروايةُ الثّالِثَةُ، أنَّ المُنْفرِدَ يَبْنِي على اليَقِينِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن والمَعْنَى] (١)، والإمامُ يَبْنِي على غالِبِ ظَنِّه؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ، جَمْعًا بينَ الأحاديثِ. وهذه المَشْهُورَةُ، عن أحمدَ، اخْتارَها الخِرَقِيُّ. وإنَّما خَصَصْنا الإمامَ بالبِناءِ على غالِبِ ظَنَّه؛ لأنَّ له مَن يُنَبِّهُه ويُذَكِّرُه إذا أخْطَأ، فيَتَأكَّدُ عندَه صَوابُ نَفْسِه، ولأنَّه إن أصاب أقَرَّه

стр. 1614

فَإنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. ــ المَأمُومون، وإن أخْطَأ سَبَّحُوا به فرَجَعَ إليهمِ، فيَحْصُلُ له الصوابُ في الحالَيْن، بخِلافِ المُنْفَردِ، إذ ليس له مَن يُذكرُه، فَيَبْنِيَ على اليَقِينِ؛ ليَحْصُل له إتمامُ صَلاتِه. وما قالَه أصحابُ الرأيِ فيُخالِفُ السنةَ الثَّابِتَةَ عن رسول الله ﷺ ، وقد روَى أبو هُرَيرةَ، أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ أحَدَكمْ إذَا قامَ يُصَلى، جَاءَهُ الشيطَان فَلَبَس عَلَيْهِ (١)، حَتى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلى؟ فَإذَا وَجَدَ ذَلِك أحَدُكُمْ، فليَسْجُدْ سَجْدَتيْن وَهُوَ جَالِس». مُتفَق عليه (٢). وقولُه ﵇: «لَا غرَارَ فِي صَلَاة» (٣). يَعْنِي لا ينْقصُ مِن صلَاته. ويَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ أنَّه لا يَخرجُ منها وهو شاكٌّ في إتمامِها، ومَن بنى على اليَقين لم يَخْرُجْ وهو شاكٌّ، وكذلك الإمامُ إذا بَنَى على غالِب ظنه فوافَقَه المأمُومون، أو رُدَّ عليه، فرَجَعَ إليهم. ٤٧٩ - مسألة (فإنِ استوَى الأمْرانِ عندَه، بَنَى على اليَقِين) إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا، وأتُى بما بَقِيَ عليه مِن صلَاته، وسَجَد للسَّهْوِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، ولأن الأصْلَ البِناءُ على اليَقين، وإنما جاز تركُه في حَق الإمامِ، لمُعارَضةِ الظن الغالِبِ، فيَبْقَى فيما عَداه على الأصْلِ.

стр. 1615

وَمَنْ شَكَّ في تَرْكَ رُكْنٍ، فَهُوَ تَرْكِهِ: وإنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُود؟ عَلَى وَجْهيْنِ. ــ ٤٨٠ - مسألة: (ومَن شَكَّ في تَرْكِ رُكْن فهو كترْكِه) إذا شكَّ في تركِ رُكْن مِن أرْكانِ الصلاةِ وهو فيها، فحُكْمُه حُكمُ تركِه، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا؛ لأن الأَصْل عَدَمُه. (وإن شَك في تركِ واجِبٍ) يُوجِبُ تركه السُّجُودَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا سُجُودَ عليه. قاله ابنُ حامِدٍ؛ لأنه شَكَّ في سَبَبِه، فلم يَجِبِ السُّجودُ له، كما لو شَكَّ في الزيادَةِ. والثاني،
следующие страницы →