. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولنا، قَوْلُ النَّبِيّ ﷺ للأعْرابِي، حينَ سَألَه عن ما فَرَض الله عليه مِن الصلاةِ في اليوم والليْلَةِ، قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ». قال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ». فقال الأعْرَابي: والذى بَعَثَك بالحَقِّ لا أزِيدُ علها، ولا أنقُص منها. فقال: «أفْلَحَ الرجُلُ إنْ صَدَقَ». حديث صحيح (١). ورُوِي أن رجلًا مِن كِنانَةَ يُدْعَى المُخْدِجِيَّ (٢)، سَمِع رَجُلًا مِن أهلِ الشامِ، يُدْعَى أَبا محمدٍ، يقولُ: إن الوِتر واجِبٌ. قال: فرُحْت إلى عُبادَةَ بنِ الصامِتِ، فأخْبَرْتُه، فقال عُبادَةُ: كذَب أبو محمدٍ،
стр. 1647
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَمعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «خَمس صَلَوَاتٍ كَتَبَهُن الله تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِن لَمْ يُضَيعْ مِنْ حَقِّهِن شَيْئًا، اسْتِخْفَافًا بِحَقهِنَّ، كان له عندَ الله عَهْد أنْ يُدْخِلَهُ الْجَنةَ، وَمَنْ لم يَأتِ بِهن، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عهد، إنْ شَاءَ عَذبَه، وَإنْ شاءَ أدْخَلَهُ الجَنةَ». رَواه مسلمٌ (١). وعن عليٍّ، ﵁، قال: الوِتر ليس بحَتْمٍ، ولكنَّ رسولَ الله ﷺ أوْتَرَ، ثم قال: «يَا أهْلَ الْقُرْآنِ أوْتِرُوا، فَإنَّ الله يُحِبُّ الْوِتر». رَواه أحمدُ (٢). ولأنه يَجُوزُ فِعْلُه على الراحِلَةِ مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يَكُنْ واجِبًا، كالسننِ، فرَوَى ابنُ عُمَرَ، أن النَّبِيّ ﷺ كان يُوتِرُ على بَعيرِه. مُتفَق عليه (٣). وفي لَفْظٍ: كان يُسَبحُ على الراحِلَةِ قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ توَجهَ، ويُوتِرُ عليها، غيرَ أنَّه لا يُصَلِّي عليها المَكتُوبَةَ. رَواه مسلم (٤).
стр. 1648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأحادِيثُهم قد تُكُلِّمَ فيها، ثم إنَّ المرادَ بها تَأكدُه وفَضِيلته، وذلك حَقٌّ، وزِيادَةُ الصلاةِ يَجُوزُ أن تكونَ سُنة، والتَوَعُّدُ للمبالَغَةِ، كقَوْلِه: «مَنْ أكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا» (١). والله أعلمُ.
فصل: ووَقْتُه ما بينَ صلاةِ العشاءِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ. كذلك ذَكَرَه شيخُنا في كتاب «المغْنِي» (٢). وذَكَر في «الكَافِي» أنَّه إلى صلاةِ الصبح؛ لقولِ النَّبِيّ ﷺ : «إن اللهَ زَادَكُمْ صَلَاة فَصَلوهَا مَا بينَ الْعِشَاءِ إلَى صَلاةِ الصبحِ». رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» (٣). ووَجْهُ الأولِ ما رُوِيَ عن مُعاذ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتر، وَوَقتها مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَواه الإمامُ أحمدُ (٤). فإن أوْترَ قبلَ العِشاءِ، لم يَصِحَّ وِتره. وهو قولُ مالك،
стр. 1649
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافعيِّ، ويَعْقُوبَ، ومحمَّد. وقال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ: إن صَلَّاه قبلَ العشاءِ ناسِيًا، لم يُعدْ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن، ولأنه صَلاه قبل الوَقْتِ، أشْبهَ ما لو صَلاه نَهارًا. وإن أخَّرَه حتَّى طَلَع الصُّبْحُ، احْتمَلَ أن يكونَ أداءً؛ لحديثِ أبي بَصْرَةَ. وهو قولُ عليٍّ، وابن مسعودٍ، رَضىَ الله عنهما. قال شيخُنا (١): والصحِيحُ أن يَكُونَ قضاءً؛ لحديثِ مُعاذٍ، ولقوْلِ النَّبِيّ ﷺ : «فَإذَا خَشىَ أحَدُكُم الصبحَ صَلى رَكْعَة، فَأوْتَرَتْ لَه مَا قَدْ صَلَّى» (٢). وقال: «وَاجْعلُوا آخِرَ صَلاتكمْ بِالليْلِ وِترا». متفق عليه (٣). وقال: «أوْتِرُوا قَبلَ أنْ تُصْبحُوا». رَواه مسلمٌ (٤).
стр. 1650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والأفَضْلُ فِعلُه في آخِرِ اللَيْلِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: مِن كلِّ الليْلِ قد أوْترَ رسولُ الله ﷺ ، فانتهَى وِتره إلى السَّحَرِ. مُتَّفَق عليه (١). وقال النَّبِيّ ﷺ : «مَنْ خَافَ أنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِر الليْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أوَّلِه، وَمَنْ طَمعَ أنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإنَّ صلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مشهُودَةٌ، وَذَلِكَ أفْضَلُ». رَواه مسلمٌ (٢). وهذا صَريحٌ. فإذا كان له تَهَجُّر جَعَل الوِتر بعدَه؛ لأنَّ النَّبِيّ ﷺ فَعَل ذلك، وقال: «اجْعلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ باللَّيْلِ وِترًا». رَواه مسلم (٣). فأما إن خاف أن لا يَقُوم آخِرَ اللَّيْلِ، اسْتُحب أن يُوتِرَ مِن أولِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولأن
стр. 1651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّبِيّ ﷺ أوْصَى به أَبا هُرَيرةَ (١)، وأبا ذَر (٢)، وأبا الدرْداءِ (٣)، وكلها أحادِيثُ صحاحٌ. وروَى أبو داودَ (٤)، أن النَّبِيّ ﷺ قال لأبي بكرٍ: «مَتَى تُوتِرُ؟» قال: أوتِرُ مِن أولِ الليْلِ. وقال لعُمَرَ: «مَتَى تُوتِرُ؟» قال: آخِرَ الليْلِ. فقال لأبي بكر: «أخَذَ هَذَا بالْحَزْمِ، وَهَذَا بالْقُوةِ». وأيَّ وَقْتٍ أوْتَرَ مِن الليْلِ بعدَ العِشاءِ أجْزَأه، بغيرِ خِلافٍ. وقد دلَّتْ عليه الأخبارُ.
стр. 1652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَن أوْتَرَ أولَ اللَّيْلِ، ثم قام للتهَجُّدِ، صَلَّى مَثْنَى مَثْنَى، ولم يَنْقُضْ وِتره. رُوِي ذلك عن أبي بكر الصِّديقِ، وعَمَّارٍ (١)، وسعدِ بنِ أبي وَقاصٍ، وابنِ عباس، وأبي هُرَيْرَةَ، وعائشةَ. وبه قال طاوس، والنخَعي، ومالك، والأوزاعِي، وأبو ثَوْرٍ. قيل لأحمدَ: ولا تَرَى نَقضَ الوِتْرِ؟ فقال: لا. ثم قال: وإن ذَهَب إليه ذاهِب فأرْجُو، قد فَعلَه جَمَاعَة. رُوِي [عن عُمرَ] (٢)، وعلي، وأسامَةَ، وأبي هُرَيرةَ، وابنِ مسعود، وعُثْمانَ، وسعدٍ (٣)، وابنِ عُمَرَ، ﵃. وبه قال إسْحاقُ. ومَعْناه أنَّه إذا قام للتهَجُّدِ. يُصَلِّى رَكْعَة تشْفَعُ الوِتر الأولَ، ثم يُصَلى مَثْنَى مَثْنَى، ثم يُوتِرُ في آخِرِ التَّهَجُّدِ. ولَعلَّهم ذَهَبُوا إلى قولِ النبيِّ ﷺ : «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتكُمْ بِالليْلِ وِترًا». ولَنا، قولُ النَّبِيّ ﷺ : «لَا وِترانِ فِي لَيْلَةٍ». رَواه أبو داودَ، والترمِذِي (٤)، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ.
стр. 1653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وأقلُّه رَكْعَةٌ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي أيوبَ (١)، ولِما رُوِي أن النَّبِيّ ﷺ قال: «صَلَاة الليْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خَشيتَ الصبحَ فَأوْتِرْ بِوَاحِدَة» (٢). وروَى ابن عمَرَ، وابنُ عباس، أن النَّبِيّ ﷺ قال: «الْوِتر رَكْعَة مِنْ آخِرِ الليْلِ». رَواهما مسلمٌ (٣). وأكْثرُه إحْدَى عَشرةَ رَكْعَة، يُسَلمُ مِن كل رَكْعتَيْن، ويُوترُ برَكْعَةٍ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُصَلى باللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوترُ منها بواحِدَةٍ. رَواه مسلم (٤). وفي لَفْظٍ: كان رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي، فيما بينَ أن يَفْرُغَ مِن صلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ، إحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً، يُسَلمُ مِن كُل رَكْعَتَيْن، ويُوتِرُ بواحِدَةٍ. وذَكَر القاضي، في «المُجَرَّدِ»، أنَّه إن صَلى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أو ما شاء منهن بسَلام واحِدٍ، أجْزَأه. والأوْلَى الاقْتِداءُ بالنبيِّ ﷺ .
стр. 1654
وإنْ أوْتَرَ بتسْع سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ فَتَشَهَّدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، ثُم صَلَّى التاسِعَةَ وَتشَهَّدَ وَسَلَّمَ. وَكَذَلِكَ السبعُ. وإنْ أوْتَرَ بِخمْس، لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ.
ــ
٤٩١ - مسألة: (وإن أوْتَرَ بتسع سَرَد ثَمانِيًا، وجَلَس فتشهَّدَ (١) ولم يُسَلِّمْ، ثم صَلَّى التَّاسِعةَ وتَشَهدَ وسَلَّمَ، وكذلك السبعُ. وإن أوْتَرَ بخَمسْ، لم يَجلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ) وجُملته أنَّه يَجُوزُ أن يُوتِرَ بواحِدَة، وثَلاث، وخَمس، وسَبْع، وتَسْع، وإحْدَى عَشْرَةَ. وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ
стр. 1655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الواحِدَةِ، والإحْدَى عَشْرَةَ، وسنَذْكرُ الثلاثَ، إن شاء الله تعالى. قال الثوْرِي، وإسْحاق: الوتر ثَلاث، وخَمْس وسبْع، وتِسْع، وإحْدَى عَشرةَ. وقال ابنُ عباسٍ: إنما هي واحِدَةٌ، أو خَمسٌ، أو سبْعٌ، أو أكْثرُ مِن ذلك، يُوتِرُ بما شاءَ. فظاهِرُ قَوْلِه، أنَّه لا بَأس أن يُوتِرَ بأكْثَرَ مِن إحْدَى عَشرةَ، ويَدُلُّ عليه ما روَى عبدُ الله بن قَيْسٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: بكم كان رسول الله ﷺ يُوتِرُ؟ قالت: كان يُوترُ بأرْبَعٍ وثَلاثٍ، وسِت وثَلاثٍ، وثَمانٍ وثَلاثٍ، وعَشْرٍ وثَلاثٍ، ولم يَكنْ يُوتِرُ بأقل مِن سَبْعٍ، ولا بأكْثَرَ مِن ثَلاثَ عَشرةَ. رَواه أبو داودَ (١). وهذا صَرِيحٌ في أنَّه يَزِيدُ على إحْدَى عَشرةَ.
стр. 1656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن أوْتَرَ بتسْع سَرَد ثَمانِيًا، ثم جَلَس فتَشهَّدَ ولم يُسَلِّمْ، ثم صَلَّى التاسِعَةَ وتَشَهدَ وسَلَّمَ. ونَحْوَ هذا قال إسحاقُ. وذلك لِما روَى سعدُ (١) بنُ هِشام، قال: قلتُ، يعنى لعائشةَ: يَا أمَّ المُؤمِنين أنبِئِينِي عن وِتْرِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالت: كنا نُعِد له سِواكَه وطَهُورَه، فيَبْعثُه الله ما شاء أن يَبْعَثَه، فيَتَسَوَّكُ ويَتَوَضَّأ ويُصَلِّي تِسْعَ رَكَعاتٍ، لا يَجْلِسُ فيها إلَّا في الثَّامِنَةِ، فيَذْكُرُ اللهَ ويَحْمَدُه، ويَدْعُوه، ثم يَنْهَضُ ولا يُسَلِّمُ، ثم يَقُومُ فيُصَلى التاسِعَةَ، ثم يَقْعدُ فيَذْكُرُ الله ويَحْمَده ويَدْعُوه، ثم يُسَلم تَسْلِيمًا يُسْمِعُنا، ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن بعدَ ما يُسَلمُ وهو قاعِدٌ، فتلك إِحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً يَا بُنَي، فلَما أسَنَّ رسولُ الله ﷺ وأخَذَ اللَّحْمُ، أوْتَرَ بسَبْعٍ، وصَنَع في الركْعَتَيْن مثلَ صنِيعِه في الأولِ. قال: فانْطَلَقْتُ إلى ابنِ عباس، فحَدثتُه بحَدِيثها، فقال: صدَقتْ. رَواه مسلم (٢).
стр. 1657
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحُكْمُ السبعِ حُكْمُ التسْعِ؛ لأن في حَدِيثِ عائشةَ، من رِوايةِ أبي داودَ (١): أوْتَرَ بسَبْعٍ ولم يَجْلِسْ إلَّا في السادِسَةِ والسابِعَةِ، ولم يُسَلمْ إلَّا في السّابِعَةِ. وقال القاضي: لا يَجْلِسُ في السبع إلَّا في آخِرِهنُّ، كالخَمس؛ لِما روى ابنُ عباسٍ، عن النَّبِيّ ﷺ قال: فتَوضأ ثم صَلى سَبْعًا أو خَمْسًا، أوْترَ بهن، لم يُسَلمْ إلَّا في آخِرِهِن. رَواه مسلم، وأبو داودَ (٢). وليس في هذا الحَديثِ تَصْرِيح بأنه لم يَجْلِسْ عَقِيبَ السادِسَةِ، وحَدِيثُ عائشةَ حُجَّة عليه. وإن أوْتَرَ بخَمْسٍ، لم يَجْلِسْ إلَّا في آخِرِهن. رُوِيَ ذلك عن زيدِ (٣) بنِ ثابِتٍ؛ لِما روَى عُرْوَةُ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يصَلِّى مِن الليْلِ ثَلاثَ عَشرةَ رَكْعَة، يُوتِرُ من ذلك
стр. 1658
وَأدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ،
ــ
بخَمسٍ، لا يَجْلِسُ في شئٍ مِنها إلَّا في آخِرِها. مُتَّفَق عليه (١).
٤٩٢ - مسألة: (وأدْنَى الكَمالِ ثَلاثُ رَكَعاتٍ بتَسْلِيمَتَيْن) كذلك ذَكَرَه أبو الخَطابِ. وممن رُوِيَ عنه أنَّه أوْتَرَ بثَلاثٍ؛ عُمَرُ، وعَليٌّ، وأُبَيٌّ، وأنسٌ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وأبو أمامةَ، وعُمَرُ ابنُ عبدِ العَزِيزِ. وبه قال أصْحابُ الرأيِ. وقد دَلَّ على ذلك حَدِيثُ أبي
стр. 1659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أيوبَ (١). وقال أبو موسى: ثَلاث أَحَبُّ إليَّ مِن واحِدَةٍ، وخَمس أَحَبُّ إليَّ مِن ثَلاثٍ، وسَبْع أَحَبُّ إليَّ مِن خَمْس، وتسْعٌ أَحَبُّ إلى مِن سبْع (٢). إذا ثَبَت ذلك، فاخْتِيارُ أبي عبدِ اللهِ أن يَفْصِلَ بينَ الواحِدَةِ والثنتيْن بالتسْلِيمِ، قال: وإن أوْترَ بثلاث لم يُسَلمْ فيهن، لم يُضَيقْ عليه عندِي. وممن كان يُسَلّمُ مِن الركْعَتَيْن (٣)، ابنُ عُمَرَ، حتَّى يَأمُرَ ببعض حاجَتِه. وهو مَذْهَبُ مُعاذٍ القارِئُ (٤)، ومالك، والشافعي، وإسْحاقَ. وقال الأوْزاعِي: إن فَصَل فحَسَن، وإن لم يَفْصِلْ فحَسَن. وقال أبو حنيفةَ: لا يَفْصلُ بسَلام. واستَدَل بقَوْلِ عائشة، أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يُوتِرُ بأرْبَعٍ وثَلاثٍ، وسِتٍّ وثَلاثٍ، وثَمان وثَلاثٍ. وقوْلها: كان يُصَلِّي أرْبَعًا، فلا تَسْأل عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصَلِّي أربَعًا، فلا تَسْألْ عن حُسْنِهن وطُولِهنَّ، ثم يُصَلى ثَلَاثًا (٥). فظاهِرُ هذا أنَّه كان
стр. 1660
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُصلى الثَّلاثَ بتَسْلِيم واحِدٍ. ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، أن النَّبِيّ ﷺ كان يُصَلى، فيما بينَ أن يَفْرُغَ مِن صَلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ إحْدَى عَشرةَ رَكْعَة، يُسَلِّمُ ينَ كل رَكْعَتَيْن، ويوتِرُ بواحِدَة. رَواه مسلم (١). وعن نافِع، عن ابن عمَرَ، أن رجلًا سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن الوِتْرِ، فقال رسولُ الله ﷺ : «افْصِل بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثنتَيْن بالتَّسْلِيمِ». رَواه الأثْرَمُ. وعن ابن عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَفْصِلُ بينَ الشفْع والوِتْرِ بتَسْلِيمة يُسْمِعُناها. رَواه الإمامُ أحمدُ (٢). وهذا نَصٌّ. فأما حديث عائشةَ فليس
стр. 1661
يَقْرأُ فِي الأولَى ﴿سَبِّحِ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثالِثَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
ــ
فيه تَصْرِيح بأنَّها بتَسْلِيم وِاحِدٍ. فإن صَلى خلفَ إمام يُصَلى الثلاثَ. بتَسْلِيم واحدٍ (١)، تابَعه؛ لئلَّا يُخالِفَ إمامَه. وهو قوُل مالكٍ. والله أعلمُ.
٤٩٣ - مسألة؛ قال: (يَقْرَأ في الأولَى بـ ﴿سَبِّح﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّالِثَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. يُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ في ركَعاتِ الوِتْرِ الثلاثِ بذلك. وبه قال الثَّوريّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرأيِ. وقال الشَّافعيّ: يَقْرأ في الثَّالِثَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْن. ورُوِي نَحْوُه عن أحمدَ. وهو قولُ مالكٍ في الوتْرِ. وقال في الشفْع: لم يَبْلُغْنِي فيه شئٌ مَعْلُومٌ، لِما رَوَت عائشةُ، أنَّ رسول الله اللهِ ﷺ كان يقرأ في الرَّكْعَةِ الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانِيةِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثّالِثَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوذَتَيْن. رَواه ابنُ ماجه (٢). ولَنا، ما روَى أبَى بنُ كَعْب، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يوتِرُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. رَواه أبو داودَ، وابنُ
стр. 1662
وَيَقْنتُ فِيهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ،
ــ
ماجه (١). وحدِيثُ عائشةَ في هذا لا يَثْبُتُ، يَرْوِيه يحيى بنُ أيوبَ، وهو ضَعِيفٌ. وقد أنكَرَ أحمدُ ويحيى (٢) زِيادَة المُعَوِّذَتَيْن.
٤٩٤ - مسألة؛ قال: (ويَقْنُتُ فيها بعدَ الرُّكوعِ) القُنُوتُ مَسْنُونٌ في الركْعَةِ الأخِيرَةِ مِن الوِتْرِ في جَمِيع السنةِ في المَنْصُورِ (٣) عندَ أَصْحابِنا. وهو قولُ ابن مسعودٍ، وإبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرأيِ. وعنه، لا يَقْنُتُ فيه إلَّا في النِّصْفِ الأخِيرِ مِن رمضانَ. رُوِي ذلك عن عليٍّ، وأبيٍّ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعي،
стр. 1663
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واخْتارَه الأثْرَمُ؛ لِما رُوى أنَّ عُمَرَ جَمَع النَّاسَ على أبي بنِ كَعْبٍ، فكان يُصَلى بهم عِشْرِين (١)، ولا يَقْنُتُ إلَّا في النصفِ الباقِي (٢). رَواه أبو داودَ (٣). وهذا كالإجْماعِ. وقال قَتادَةُ: يَقْنُتُ في السَّنَةِ كلِّها إلَّا في النصْفِ الأوَّلِ مِن رمضان؛ لهذا الخَبَرِ. والرِّوايَةُ الأولَى هي المَشْهُورَةُ. قال أحمدُ، في رِواية المَرُّوذِي: كُنْتُ أذْهب إلى أنَّه في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رمضانَ، ثم إنِّي قَنَتُّ (٤)، هو دُعاءٌ وخَيْرٌ. وذلك لِما روَى أبَى، أن رسولَ الله ﷺ كان يُوتِرُ، فيَقْنُتُ قبلَ الرُّكُوعِ (٥). وحَدِيثُ عليٍّ، أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يقولُ في آخِرِ وِتْرِه: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ برضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ». الحديثُ (٦). وكان للدوام، وفِعْلُ أبي يَدُل على أنَّه رَأْيُه (٧). ونحن لا نُنكِرُ الاخْتِلاف في هذا، ولأنه وِتر، فيُشرعُ فيه القُنُوتُ، كالنِّصْفِ الأخِيرِ.
стр. 1664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَقْنُتُ بعدَ الرُّكُوعِ. نَصَّ عليه أحمدُ. رُوى نَحْو ذلك عن أبي بكر، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعليٍّ، ﵃. وبه قال الشَّافعيُّ. وقد قال أحمدُ: أنا أذْهَبُ إلى أنَّه بعدَ الرُّكُوعِ، وإن قَنَت قَبْلَه فلا بَأسَ. ونَحْوَه قال أيوبُ السخْتِيانى (١)؛ لِما روَى حُمَيْد، قال: سُئِل أنس عن القُنُوتِ في صَلاةِ الصبح، فقال: كنا نَقْنُتُ قبلَ الركُوعِ وبعدَه. رَواه ابنُ ماجه (٢). وقال مالك، وأبو حنيفةَ: يَقْنُتُ (٣) قبلَ الركُوعِ. ورُوِيَ ذلك عن أُبيٍّ، وابن مسعود، وأبي موسى، والبَراءِ، وابن عباس، وأنس، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز؛ لأن في حديثِ أبَيٍّ: ويَقْنُتُ قبلَ الركوعِ (٤). وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النَّبِيّ ﷺ قنَت قبلَ الركوعِ (٥). ولنا، ما روَى أبو هُرَيرةَ، وأنس أن النَّبِيّ ﷺ قَنَت بعدَ (٦) الرُّكُوعِ.
стр. 1665
فَيَقُولُ: اللهمَّ، إنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَئسْتَغْفِرُكَ، وَنتُوبُ إلَيْك، وَنُؤمِنُ بكَ، وَنَتَوكَّلُ عَلَيْكَ، وَنثْنِي عَلَيْكَ الْخَير كُلَّهُ، ونَشكُرُكَ وَلَا نَكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِي مَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِي مَنْ
ــ
رَواه مسلمٌ (١). وحَدِيث ابنِ مسعودٍ يَرْوِيه أَبان بنُ أبِي عَيَّاش، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. وحَدِيثُ أبي قد تكلمَ فيه أَيضًا. وقيل: ذِكْرُ القُنُوتِ فيه غيرُ صَحِيحٍ. والله أعلمُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنَّ يقولَ في قُنُوتِ الوترِ ما روِيَ عن النَّبِيّ ﷺ وأصْحابِه، فروَى الحسنُ بن عليّ، قال: عَلَمَنِي رسولُ اللهِ ﷺ كَلِماتٍ أقولهُنَّ في الوِتْرِ: («اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِي مَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الله عنه، أنَّه قنَت في صَلاةِ الفَجْرِ، فقال: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، (اللَّهم إنَّا نَسْتَعِينُك، ونَسْتَهْدِيك (١)، ونَسْتَغْفِرُك، ونُؤمِنُ بك، ونَتَوَكَّلُ عَلَيْك، ونُثنِي عَلَيْك الخَيْرَ كلَّه، ونَشْكُرُك، ولا نَكْفُرُك) بِسْم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم. (اللَّهُمَّ إيَّاك نَعْبُدُ، ولك نُصَلِّي ونَسْجُدُ، وإلَيْك نَسْعَى ونَحْفِدُ، نَرْجو رَحْمتَك، ونَخْشَى عَذابَك، إنَّ عَذابَك الجِد بالكفّارِ مُلْحِقٌ) اللهُمَّ عَذِّبْ كفَرَةَ أهلِ الكتابِ الذين يَصُدونَ عن سَبِيلك (٢). وهاتان سُورَتان في مُصْحَفِ أبَيٍّ. وقال ابنُ سِيرِينَ: كَتَبَهما أبَيٌّ في مُصْحَفِه. يَعْنِي إلى قوْلِه: بالكُفارِ مُلْحِق. «نَحْفِدُ»: نبادِرُ. وأصْل الحَفْدِ: مُدارَكَةُ الخَطْوِ والإسْراع. و «الجِدُّ» بكَسْرِ الجِيمِ: الحَقُّ اللَّعِبُ. و «مُلْحِقٌ» بكَسْرِ الحاءِ: لاحِقٌ. هكذا يروَى هذا الحَرْفُ، يقال: لَحِقْتُ القَوْمَ وألْحَقْتُهم بمعنى واحِدٍ. ومَن فَتَح الحاءَ أراد أنَّ الله يُلْحِقُه إياه، وهو مَعْنى صحيح، غيرَ أن الرِّوايَةَ هي الأولَى. قال الخَلالُ: سَألْتُ ثعْلبًا عن مُلْحِقٍ وملحَقٍ، فقال: العربُ تَقُولُهما مَعًا.
стр. 1668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا أخَذَ الإمام في القُنُوتِ، أمَّنَ مَن خَلْفَه. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال القاضي: وإن دَعا معه فلا بَأسَ. فإن لم يَسْمعْ قُنُوتَ الإمامِ، دَعا. نَص عليه. ويرفَعُ يَدَيْه في حالِ القُنوتِ. قال الأثْرَمُ: كان أبو عبدِ الله يَرْفَعُ يَديْه في القُنوتِ إلى صَدْرِه. يروَى ذلك عن ابنِ مسعود (١)، وعُمَرَ، وابنِ عباس. وهو قولُ إسْحاقَ، وأصْحابِ الرأيِ. وأنكَرَه الأوْزاعِي، ومالكٌ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيّ ﷺ : «إذَا دَعَوْتَ اللهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإذا فَرَغتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ». رَواه أبو داودَ، وابن ماجه (٢). وروَى السائِبُ بنُ يزِيدَ، أن رسول اللهِ ﷺ كان إذا دَعا رَفع يَدَيْه، ومَسَح وَجْهَه بيَدَيْه. رَواه أبو داودَ (٣).
стр. 1669
وَهَل يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
٤٩٥ - مسألة: (وهل يَمْسَحُ وَجْهَه بيَدَيْه؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهما، يَمْسَحُ. وهو قولُ الحسنِ، وهو الصحِيحُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن. والثانِيَة، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنه دُعاء في الصلاةِ، فلم يَمْسَحْ وَجْهَه فيه، كسائِرِ دُعائِها.
стр. 1670
وَلَا يَقْنُتُ فِي غيْرِ الْوِتْرِ،
ــ
٤٩٦ - مسألة: (ولا يَقْنُتُ في غيرِ الوِتْرِ) وبه قال الثَّوْرِيّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وابن مسعودٍ، وأبي الدَّرْداءِ. وقال مالكٌ، والشافعي: يُسَنُّ القُنُوتُ في صلاةِ الصُّبْحِ، في جَمِيع الزمانِ؛ لأنَّ أنسًا قال: ما زال رسولُ ﷺ يَقْنُتُ في الفَجْر حتَّى فارَقَ. الدُّنْيا. مِن «المُسْنَدِ» (١). ولأنَّ عُمَرَ كان يَقنُتُ في الصبحِ، بمَحْضَر مِن الصَّحابَةِ وغيرِهم (٢). ولَنا، ما روَى مسلم في
стр. 1671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صحيحِه (١)، عن أَنَسٍ، أن النبيَّ ﷺ قَنَت شَهرًا، يَدْعُو على حَيٍّ مِن أحْياءِ العَربِ، ثم تَرَكَه. وروَى أبو هُرَيْرَةَ (٢)، وابنُ مسعود (٣) نحوه مَرْفوعًا. وعن أبي مالكٍ الأشجَعِي، قال: قلتُ لأبي: يَا أبتِ إنّك قد صَلَّيْتَ خلف رسولِ الله ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وعليٍّ ها هنا بالكوفَةِ نَحْوَ خمس سِنِين، أكانوا يَقْنُتُون في الفجْرِ؟ قال: أيْ بُنَى مُحْدَثٌ. قال الترمِذِي: هذا حَدِيث حسنٌ صحيحٌ. ورَواه أحمدُ، وابنُ ماجه، والنَّسَائِيّ (٤). والعَمَلُ عليه عندَ أكْثَرِ أهْلِ العلمِ. وعن أبي هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ ﷺ كان لا يَقْنُتُ في صلاةِ الفَجْرِ، إلَّا إذا دَعا لقَوْمٍ، أو دَعا على قَوْمٍ. رَواه سَعِيدٌ (٥). وروَى سعيد أَيضًا، عن هُشَيم، عن عُرْوةَ الهَمْدانِيِّ، عن الشعْبِيِّ، قال: لَمّا قَنَت عليٌّ في صلاةِ الصبحِ،
стр. 1672
إلَّا أنْ تَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، فَلِلإِمَامِ خَاصَّةً الْقُنُوتُ فِي صلَاةِ الْفَجْرِ.
ــ
أنْكرَ ذلك النّاسُ. فقال عليٌّ: إنَّا إنَّما اسْتَنْصَرْنا على عَدُونا هذا. وحَدِيثُ أنس يَحْتَمِلُ أنَّه أراد طُولَ القِيامِ، فإنَّه يُسَمى قنُوتًا. ويَحْتَمِلُ أنَّه كان يَقْنُتُ إذا دَعا لقَوْم، أو دَعا على قَوْم؛ ليَكُونَ مُوافِقًا لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن. وقنُوتُ عُمَرَ يُحْمَلُ على أنَّه كان فِي أوْقاتِ النوازِل؛ فإنّ أكثَرَ الرواياتِ عنه أنَّه لم يَكُنْ يَقْنُتُ. وعن سعيدِ بنِ جُبَيْر. قال: أشْهدُ أنِّى سَمِعْتُ ابنَ عباس يَقُولُ: إن القُنُوتَ في صلاةِ الفَجْرِ بِدْعَة. رَواه الدّارَقُطْنِي (١).
٤٩٧ - مسألة؛ قال: (إلَّا أن تَنْزِلَ بالمسلمين نازِلَة، فللإمام خاصةً القُنُوتُ في صلاةِ الفَجْرِ) متى نَزَل بالمسلمين نازِلَة، فلِلإمامِ أن يَقْنُتَ في صلاةِ الصبحِ. في المَنْصُوص عن أحمدَ، في رِواية الأثْرَمِ. وقال
стр. 1673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِل عن القُنُوتِ في الفَجْرِ؟ فقال: لو قنت أيامًا مَعْلُومَة، ثم تَرَك، كما فَعَل النَّبِيّ ﷺ . وبه قال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، وفِعْلِ علي حينَ قال: إنما استنْصَرْنا على عَدُونا هذا. ولا يَقْنتُ آحادُ الناسِ. وعنه، يَقْنُتُ. رَواها القاضي عن أحمدَ. والمَشْهُورُ في «رُؤوس المَسائِلِ» الأوَّلُ. ويقولُ في قُنُوتِه نَحْوًا مِمّا رُوِيَ عن النَّبِيّ ﷺ وأصْحابِه. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه كان يَقُولُ في القُنُوتِ: اللهُم اغْفِرْ لِلْمؤمِنِين والمؤمِناتِ، والمُسْلِمين والمسْلِماتِ، وألِّفْ بينَ قلُوبِهِم، وأصْلِحْ ذاتَ بَينهم، وانْصرهم على عَدُوِّك وعَدُوهم، اللهُم الْعَنْ كَفَرَة أهْلِ الكِتابِ، الذين يُكذِّبُون رُسُلَك، ويُقاتِلُون أوْلِياءَك، اللَّهُمْ خالِفْ بينَ كَلِمَتِهم، وَزَلْزِلْ أقْدامَهم، وأنزِلْ بهم بَأْسَك الذى لا يُرَدُّ عن القَوْمِ المُجْرِمِين، بِسْمِ الله الرحْمَنِ الرحِيمِ، اللهُم إنّا نَسْتَعِينُك. رَواه أبو داودَ (١).
стр. 1674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يقْنُتُ في غيرِ الفَجْرِ والوِتْرِ. وقيل: يَقْنُتُ في صَلَواتِ الجَهرِ كلِّها، قِياسًا على الفَجْرِ. وقال أبو الخطابِ: يَقْنُتُ في الفَجْرِ والمَغْرِبِ؛ لأنهما صَلاتا (١) جَهْرٍ، في طَرَفَيِ النهارِ. وعنه، يَقنُتُ في جَميعِ الصَّلواتِ. وهو مذْهَبُ الشافعيِّ. والأولُ أوْلَى؛ لأنه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيّ ﷺ ، ولا عن أصحابِه، إلَّا في الفَجْرِ والوِتْرِ.
فصل: قال أحمدُ: الأحاديثُ التى جاءَتْ أنَّ النَّبِيّ ﷺ أوْتَرَ برَكْعَةٍ، كان قبلَها صلاة مُتَقَدمَةٌ. قيل له: أوْتَرَ في السفَرِ بواحِدَة؟ قال: يُصَلِّى قبلَها رَكْعَتَيْن. فقيلَ له: رجلٌ تنَفلَ بعدَ عِشاءِ الآخِرَةِ ثم تَعَشَّى، ثم أراد أن يُوتِرَ، يُعْجِبُك أن يَرْكَعَ رَكْعَتَيْن (٢) ثم يُوتِرُ؟ قال: نعم.
стр. 1675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسُئِل عن مَن صَلى مِن اللَّيْلِ، ثم نام ولم يُوتِرْ؟ قال (١): يُعْجِبُنِي أن يَرْكَعَ رَكْعَتَيْن، ثم يُسَلمَ، ثم يُوتِرَ. وسئل عن رجل أصبحَ ولم يُوتِرْ؟ قال: لا يُوتِرُ برَكْعَةٍ، إلَّا أن يَخافَ طلُوعَ الشَّمْس. قيل له: فإذا لَحِق مع الإمام رَكْعَةَ الوِتْرِ؟ قال: إن كان الإمامُ يَفْصِلُ بينَهُن بسَلام أجْزأتْه الركْعَةُ، وإلا تَبِعَه، ويَقْضِي ما مَضَى (٢) مثلَ ما صَلى، فإذا فَرَغ قام يَقْضى ولا يَقْنُتُ. قيل لأبي عبدِ الله: رجلٌ قام يَتَطَوعُ، ثم بَدا له، فجَعَلَ تلك الرَّكْعَةَ وِترًا؟ قال: لا، كيفَ يَكُونُ هذا؟ قد قَلَب نِيَّته. قيل له: أيبْتَدِئُ الوِتر؟ قال: نعم. قَال أبو عبدِ الله: إذا قنَت قبل الرُّكوعِ كَبَّر، ثم أخَذَ في القُنُوتِ. وقد رُوِي عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا فَرَغ مِن القراءَةِ كَبَّر، ثم قنَت، ثم كَبَّر حينَ يَرْكَعُ. ورُوِيَ ذلك عن عليًّ، وابنِ مسعودٍ، والبَراءِ، وهو قولُ الثَّوْرِيِّ. ولا يعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
стр. 1676
ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ، وَهِيَ عَشر رَكَعَاتٍ، رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعدَهَا، وَرَكْعتَانِ بَعدَ الْمَغرب، وَرَكْعتَانِ بَعدَ الْعشَاء، وَرَكْعتَانِ قبْلَ الْفَجْرِ، وَهُمَا آكَدُهَا. قَال أبو الْخَطَّابِ: وَأرْبَعٌ قبْلَ الْعَصْرِ.
ــ
فصل: وإذا فَرَغ مِن وتْرِه، اسْتُحِب أن يَقُولَ: سبحان المَلِكِ القُدوس. ثلاثًا، ويَمُدُّ بها صَوْتَه في الثّالِثَةِ، لِما روَى عبدُ الرَّحْمنِ بنُ أبزَى، قال: كان النَّبِيّ ﷺ يُوتِرُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وإذا أراد أن يَنْصَرِفَ مِن الوِتْرِ قال: «سبحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوس». ثَلاثَ مَرّات، ثم يَرْفَع صَوْتَه بها في الثالِثةِ. رَواه الإمامُ أحمدُ (١).
٤٩٨ - مسألة؛ قال: (ثم السننُ الرّاتِبَة، وهي عَشر رَكَعاتٍ؛ رَكْعَتان قبل الظهْرِ، ورَكْعَتان بَعْدَها، ورَكْعَتان بعدَ المَغْرِب، ورَكْعَتان بعدَ العِشاءِ، ورَكْعَتان قبلَ الفَجْرِ، وهما آكَدُها، قال أبو الخَطَّابِ: وأرْبَع قبلَ العَصْرِ) السننُ الرواتِبُ مع الفَرائِض عَشْرُ رَكَعات كما ذَكَر. وقال
стр. 1677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّافعيُّ: قبلَ الظهْرِ أَربَعٌ؛ لما روَى عبدُ الله بنُ شَقِيقٍ، قال: سأَلتُ عائشةَ عن صلاةِ رسول الله ﷺ فقالت: كان يُصَلِّي في بَيتِه قبلَ الظهْرِ أرْبَعًا، ثم يَخْرُجُ فيُصَلى بالنّاس، ثم يَدْخُلُ فيُصَلى رَكْعَتَيْن. رَواه مسلمٌ (١). وقال أبو الخَطَّاب: وأرْبَعٌ قبلَ العصْر؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ «رَحِمَ الله امْرَأ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أرْبَعًا». رَواه أبو داودَ (٢). وعن عليٍّ، ﵁، قال: كان النَّبِيّ ﷺ يُصَلى قبلَ العَصْرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، يَفْصِلُ بينَهُن بالتَّسْلِيمِ علي المَلائِكَةِ المُقَربِين، ومَن تَبِعهم (٣) مِن المسلمين والمُؤمِنين. رَواه الإمامُ أحمدُ، والترمِذِي (٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمرَ، قال:
стр. 1678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَفِظْتُ عن النَّبِيّ ﷺ عَشر رَكَعات؛ رَكعَتَيْن قبلَ الظهْرِ، ورَكْعَتَيْن بعدَها، ورَكْعَتَيْن بعدَ المَغربِ في بَيْته، ورَكْعَتَيْن بعدَ العِشاء في بيتِه، ورَكْعَتَيْن قبلَ الصبحِ، وكانت ساعَة لا يُدْخَل (١) على النَّبِيّ ﷺ فيها، حَدثَتْنِي حَفْصَةُ، أنَّه كان إذا أذنَ المُؤذنُ وطَلَع الفَجرُ صلى رَكعَتَيْن. مُتَّفَق عليه (٢). وروَى التِّرمِذِي مثلَ ذلك عن عائشةَ مَرْفُوعًا (٣)، وقال: هو حديث صحيح. وقولُ النَّبِيّ ﷺ : «رَحِمَ الله امْرَأً صلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أرْبَعًا». ترغِيب فيها، ولم يَجْعَلْها من السننِ الرواتِبِ، بدَلِيلِ أن ابنَ عمَرَ لم يَحْفَظْها مِن النَّبِيّ ﷺ . وحَدِيث عائشةَ قد اخْتُلِفَ فيه، فرُوِيَ عنها مثلُ رِوايةِ ابنِ عُمرَ.
стр. 1679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وآكَدُها رَكْعَتا الفَجْرِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لم يَكُنْ على شيء مِن النَّوافِلِ أشَدَّ مُعاهدَةً منه على رَكْعَتَيْن قبلَ الصبحِ. مُتَّفَق عليه (١). وقال: «رَكْعَتَا الْفجْرِ خَيْر مِنَ الدنيا وَمَا فِيهَا». رَواه مسلم (٢). وقال ﷺ : «صَلُّوهُمَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ». رواه أبو داودَ (٣). ويسْتَحَبُّ تَخْفِيفهما؛ فإنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ الله ﷺ يصَلى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فيُخَففُ، حتَّى إنِّي لأقولُ: هل قرأ فيهما بأم الكتابِ؟. مُتفَق عليه (٤). ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ فيهما، وفي رَكْعَتَي
стр. 1680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَغْرِبِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؛ لِما روَى ابنُ مسعود، قال: ما أحْصِي ما سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقْرَأ في الرَّكْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، وفي الرَّكْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ رَواه الترمِذِي، وابنُ ماجه (١). وعن أبي هُرَيرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قرأ في الركْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. قال الترمِذِي: هو حديثٌ
стр. 1681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حسنٌ (١). وعن ابنِ عباس، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرأ في رَكْعَتَى الفجْرِ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التى في البَقَرَةِ (٢)، وفي الآخِرَةِ منهما ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣). رَواه مسلم (٤).
стр. 1682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضْطَجِعَ بعدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ على جَنْبِه الأيمَنِ، وكان أبو موسى، ورافِعُ بنُ خَدِيجٍ، وأنس يَفْعَلُونَه، وأنكَرَه ابنُ مسعودٍ، واخْتَلَف (١) فيه عن ابنِ عمَرَ. ولَنا، ما رَوَتْ عائشة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا صَلى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، اضْطَجَعَ على شِقه الأيمَن. متفَق عليه (٢). واللفْظُ للبُخارِي. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذَا صَلى أحدُكُمُ الركْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصبحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأيْمَنِ». رَواه الإمامُ أَحْمد، وأبو داودَ، والتِّرمذيّ (٣)،
стр. 1683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه ليس بسُنَّةٍ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ أنكَرَه. واتباعُ النَّبِيّ ﷺ أوْلَى. ويُسْتَحَب فِعْلُ الركْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ، والرَّكْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، وبعدَ العِشاءِ في بَيْته؛ لِما ذكرْنا مِن حديث ابنِ عُمَرَ. قال أبو داودَ: ما رَأيتُ أحمدَ رَكَعَهما، يَعْنِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، في المَسْجِدِ قَطُّ، إنما كان يَخرُجُ فيَقْعدُ في المَسْجِدِ حتَّى تُقامَ الصلاةُ. قال الأثْرَمُ: سمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْأل عن الرَّكْعَتَيْن بعد الظهْرِ، أين يُصَليان؟ قال: في المَسْجدِ، ثمَّ قال: أما الركْعَتان قبلَ الفَجْرِ ففي بيْته، وبعدَ المَغْرِبِ ففي بَيْته. ثم قال: ليس هاهُنا شيء آكَدُ مِن الركْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، يَعْنِي فِعْلَهما في البَيْتِ. قيل له: فإن كان مَنْزِلُ الرجلِ بَعِيدًا؟ قال: لا أدْرِي. وذلك لِما روَى سعدُ بنُ إسحاقَ، عن أَبيه، عن جَده، أن النَّبِيّ ﷺ أتاهم في مَسْجِدِ بنى عبدِ الأشْهَلِ، فصَلَّى المَغْرِبَ، فَرَآهم يَتَطَوعُون بعدَها، فقال: «هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ». رَواه أبو داودَ (١). وعن رافِع بنِ خَدِيج، قال: أتانا رسولُ الله ﷺ في بنِي عبدِ الأشْهَلِ، فَصَلى بنا المَغْرِبَ في مَسْجِدِنا، ثم قال: «ارْكَعُوا هَاتينِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ» رَواه ابنُ ماجه (٢).
стр. 1684
وَمَنْ فَاتهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ السننِ، سُنَّ لَهُ قَضَاؤهُ.
ــ
فصل: وكلُّ سُنَّةٍ قبلَ الصلاةِ، فوَقتُها مِن دُخُولِ وَقتِها إلى فِعْلِ الصلاة، وكلُّ سُنَّةٍ بعدَها، فوَقتُها مِن فِعْلِ الصلاةِ إلى خرُوجِ (١) وَقتِها. والله أعلمُ.
٤٩٩ - مسألة: (ومَن فاتَه شيء مِن هذه السننِ، سُنَّ له قَضاؤُه)
стр. 1685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ؛ لأن النَّبِيّ ﷺ قَضَى بَعْضَها، فرُوِي عنه، ﵇، أنَّه قَضَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ مع الفَجْرِ، حينَ نام عنها (١)، وقَضَى الركْعَتَيْن اللَّتَيْن قبلَ الظهْرِ بعدَ العَصْرِ (٢)، وقِسْنا الباقِيَ عليه. وروَى أبو سعيدٍ الخُدْرِي، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ نَامَ عَن الْوتْرِ أو نَسِيَهُ، فَلْيُصَلهِ إذا أصبَحَ أو ذَكَرَ». رَواه أبو داودَ، والترمِذِي (٣)، مِن رِواية عبدِ الرحمنِ بنِ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ. قال أحمدُ: أحِب أن يَكُونَ للرجل شيء مِن النوافِلِ يُحافِظُ عليه، إذا فات قَضاه. وقال بعضُ أصحابِنا: لا يُقضَى إلَّا رَكْعَتا الفَجْرِ، إلى وقْت الضحَى، ورَكْعَتا الظهْرِ؛ فإن أحمدَ قال: ما أعْرِفُ وترًا بعدَ الفَجْرِ، ورَكعَتا الفَجْرِ تُقْضَى إلى وَقْتِ الضُّحْى. وقال مالك: تُقْضَى إلى وقْتِ الزوالِ، ولا تُقْضَى بعدَه. وقال النَّخَعِيّ، وسعيد ابنُ جُبَير، والحسنُ: إذا طَلَعَتِ الشَّمْس فلا وِتر. والصحِيحُ الأول؛ لما ذَكَرْنا مِن النص والمَعْنَى.