فَإنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
ــ
المَأمُومون، وإن أخْطَأ سَبَّحُوا به فرَجَعَ إليهمِ، فيَحْصُلُ له الصوابُ في الحالَيْن، بخِلافِ المُنْفَردِ، إذ ليس له مَن يُذكرُه، فَيَبْنِيَ على اليَقِينِ؛ ليَحْصُل له إتمامُ صَلاتِه. وما قالَه أصحابُ الرأيِ فيُخالِفُ السنةَ الثَّابِتَةَ عن رسول الله ﷺ ، وقد روَى أبو هُرَيرةَ، أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ أحَدَكمْ إذَا قامَ يُصَلى، جَاءَهُ الشيطَان فَلَبَس عَلَيْهِ (١)، حَتى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلى؟ فَإذَا وَجَدَ ذَلِك أحَدُكُمْ، فليَسْجُدْ سَجْدَتيْن وَهُوَ جَالِس». مُتفَق عليه (٢). وقولُه ﵇: «لَا غرَارَ فِي صَلَاة» (٣). يَعْنِي لا ينْقصُ مِن صلَاته. ويَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ أنَّه لا يَخرجُ منها وهو شاكٌّ في إتمامِها، ومَن بنى على اليَقين لم يَخْرُجْ وهو شاكٌّ، وكذلك الإمامُ إذا بَنَى على غالِب ظنه فوافَقَه المأمُومون، أو رُدَّ عليه، فرَجَعَ إليهم.
٤٧٩ - مسألة (فإنِ استوَى الأمْرانِ عندَه، بَنَى على اليَقِين) إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا، وأتُى بما بَقِيَ عليه مِن صلَاته، وسَجَد للسَّهْوِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، ولأن الأصْلَ البِناءُ على اليَقين، وإنما جاز تركُه في حَق الإمامِ، لمُعارَضةِ الظن الغالِبِ، فيَبْقَى فيما عَداه على الأصْلِ.
стр. 1615
وَمَنْ شَكَّ في تَرْكَ رُكْنٍ، فَهُوَ تَرْكِهِ: وإنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُود؟ عَلَى وَجْهيْنِ.
ــ
٤٨٠ - مسألة: (ومَن شَكَّ في تَرْكِ رُكْن فهو كترْكِه) إذا شكَّ في تركِ رُكْن مِن أرْكانِ الصلاةِ وهو فيها، فحُكْمُه حُكمُ تركِه، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا؛ لأن الأَصْل عَدَمُه. (وإن شَك في تركِ واجِبٍ) يُوجِبُ تركه السُّجُودَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا سُجُودَ عليه. قاله ابنُ حامِدٍ؛ لأنه شَكَّ في سَبَبِه، فلم يَجِبِ السُّجودُ له، كما لو شَكَّ في الزيادَةِ. والثاني،
стр. 1616
وإنْ شَك فِي زِيَادَةٍ لَمْ يَسْجُدْ.
ــ
يسْجُدُ له. قالَه القاضي؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه. والصَّحِيحُ وُجُوبُ السُّجُودِ، إلَّا على الرِّوايةِ التى تَقُولُ: إن هذه سُنَن. فلا يَجِبُ. والله أعلمُ. (وإن شَك في زِيادَةٍ (تُوجِبُ السجودَ، فلا سُجُودَ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها، فلا يَجِبُ السجُودُ بالشك فيها. ولو شَك في عَدَدِ الركَعاتِ، أو في رُكْن، ثم ذَكَرَه في الصلاةِ لم يَسْجُدْ؛ لأنَّ السُّجُودَ لزِيادَةٍ أو نقص أو احْتِمالِ ذلك، ولم يُوجَدْ، وإنما يُؤثِّر الشك في الصلاةِ إذا وُجِد فيها. فإن شك بعدَ سَلامِها، لم يلْتَفِتْ إليه، لأن الظاهِرَ أنَّه أتى بها على الوَجْهِ المَشْرُوعِ، ولأن ذلك يَكْثُرُ فيَشُق الرُجُوعُ إليه، وهكذا الشك في سائِرِ العِباداتِ.
стр. 1617
وَلَيْسَ عَلَى الْمَأمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ، إلَّا أنْ يَسْهوَ إمَامُهُ، فَيَسْجُدَ،
ــ
٤٨١ - مسألة: (وليس على المَأمُومِ سُجُودُ سَهْو، إلَّا أن يَسْهُوَ إمامُه، فيَسْجُدَ) وجُمْلته أن المَأمُومَ إذا سَها دُونَ إمامِه، لم يَلْزَمْه سُجودٌ،
стр. 1618
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في قوْلِ عامةِ أهْلِ العِلْم. وحُكِيَ عن مَكْحُولٍ أنَّه قام عن قعُودِ إمامه فسَجَدَ. ولَنا، أن مُعاوِيَةَ بنَ الحَكَم تَكَلَّمَ خلفَ النَّبِيّ ﷺ فلم يَأمُرْه بسُجُودٍ (١). وعن ابنِ عُمَرَ، أن النَّبِيّ ﷺ قال: «لَيْس عَلَى مَنْ خلفَ الإمَامِ سَهْوٌ، فَإنْ سَهَا إمَامهُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَن خَلْفَهُ». رَواه الدَّارَقُطنِي (٢). فأمَّا إذا سَها الإمامُ، فعلى المَأمومِ مُتابَعَتُه في السُّجُودِ، سَواء سَها معه، أو انْفرَدَ الإمامُ بالسهو، إجْماعًا، كذلك حَكاه إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وسواء كان السجُودُ قبلَ السلامِ أو بعدَه، لحديثِ ابن عُمَرَ، ولقَوْلِ النَّبِيّ ﷺ : «إنمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيؤتَمَّ بِهِ، فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (٣).
فصل: وإذا كان المَأمُومُ مَسْبوقًا، فسَها الإمامُ فيما لم يدْرِكْه فيه، فعليه مُتابَعَتُه في السجودِ، سَواء كان قبلَ السلام أو بعدَه. رُوي هذا عن عطاءٍ، والحسين، والنخَعِي، وأصْحابِ الرأي. وقال ابنُ سِيرِينَ: يَقْضى ثم يَسْجُدُ. وقال مالك، والليْثُ، والأوزاعِي، والشافعي، في السجودِ قبلَ السَّلامِ، كقَوْلِنا، وكقوْلِ ابن سيرِينَ فيما بعدَه. ورُوِي ذلك عن أحمدَ؛ لأنه فِعل خارج في الصلاةِ، فلم يَتْبَع الإمامَ فيه، كصلاةٍ أخْرَى. وعن أحمدَ رِوايَة أخْرَى، أنَّه مخَير بينَ مُتابَعَةِ إمامه وتَأخِيرِ السجودِ إلى آخِر صَلاتِه. حَكاها ابنُ أبي مُوسى. ولَنا، قولُ النَّبِيّ ﷺ : «فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا». وقوْلُه في حديثِ ابنِ عُمَر: «فإن سَهَا إمَامُهُ
стр. 1619
فَإنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإمَام، فَهَلْ يَسْجدُ الْمأمُومُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ». ولأن السُّجُودَ مِن تَمامِ الصلاة، فيُتابِعُه فيه، كالذى قبلَ السلامِ، وكغيرِ المسْبُوقِ، وفارَقَ صلاةً أخْرَى، فإنَّه غيرُ مُوتَم به فيها. إذا ثَبَت أنَّه يُتابع إمامَه، فإذا قَضَى ففي إعادَةِ السجُودِ رِوايتان؛ إحْداهما، يُعيدُه؛ لأَنه قد لَزِمَه حُكْمُ السهْوِ؛ وما فَعَلَه مِن السجُودِ مع الإمامِ كان مُتابَعةً له، فلا يَسْقُطُ به ما لَزِمَه، كالتشَهدِ الأخِيرِ. والثانِيَةُ، لا يَلْزَمُه السجُودُ؛ لأن سُجُودَ إمامِه قد كَمُلَتْ به الصلاةُ في حَقِّهما، وحَصَل به الجُبْرانُ، فلم يَحْتَجْ إلى سُجُودٍ ثانٍ، كالمَأمُومِ إذا سَها وَحْدَه. وللشافعى قوْلان كالروايَتَيْن. فإن نَسىَ الإمامُ (١) السجُودَ، سَجَد المسْبُوقُ في آخر صَلَاِته، رِوايَة واحِدَة؛ لأنه لم يُوجَدْ مِن الإمامِ ما يُكْمِلُ به صلاةَ المَأمُومِ، وكذلك إن لم يَسْجُدْ مع الإمام. وإذا سَها المَأمُومُ بعدَ مُفارَقَةِ إمامِه في القَضاء، سَجَد، رِوايَة واحِدَةً؛ لأنه قد صار مُنْفَرِدًا، فلم يَتَحَملْ عنه الإمامُ السُّجُودَ. وكذلك لو سها، فسلمَ مع إمامه، قام فأتم وسجد بعدَ السَّلامِ، كالمنْفَردِ.
٤٨٢ - مسألة: (فإن لم يَسْجُدِ الإمامُ، فهل يَسْجُدُ المَأمُومُ؟ على رِوايَتَيْن) يُريدُ غيرَ المسْبُوقِ، إذا سَها إمامه فلم يَسْجُدْ، [فهل يَسْجُدُ (٢) المَأمُومُ؛ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَسْجُدُ. اخْتارَها ابنُ
стр. 1620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَقِيلٍ، وقال: هي أَصَحُّ؛ لأنَّ صلاةَ المَأمُومِ نَقَصَتْ بسَهْوِ إمامِه، ولم تَنْجبِرْ بسُجودِه، فيلْزَم المَأمومَ جَبْرها. وهذا مَذْهب ابنِ سيرِينَ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعي. والثانيةُ، لا يَسْجُدُ. رُوىَ ذلك عن عطاءٍ، والحسن، والقاسِمِ، وحمادِ بنِ أبي سُلَيْمانَ، والثوْرِي، وأصْحابِ الرأيِ؛ لأن المَأمُومَ إنَّما يَسْجُد تَبَعًا، فإذا لم يَسْجدِ الإمامُ لم يوجَدِ المُقْتَضِي لسجودِ المَأمُومِ. هذا إذا تَرَكَه الإمامُ لعُذْرٍ، فإن تَرَكَه قبلَ السلام عَمْدًا، وكان مِمن لا يَرَى وُجُوبه، فهو كتركِه سَهْوًا، وإن كان يَعْتقِد وجُوبَه، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ عَمْدًا. وهل تَبْطُلُ صلاةُ المَأمومِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ؛ لبُطْلانِ صلاةِ الإمَام، كما لو تَرَك التَّشهدَ الأوَّلَ. والثَّانِي، لا تَبْطلُ؛ لأنَّه لم يَبْقَ مِن الصلاةِ إلَّا السلامُ.
стр. 1621
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا قام المَأمُوم لقضاءِ ما فَاتَه، فسَجَدَ إمامُه بعدَ السَّلامِ، وقلْنا: تَجِبُ عليه مُتابَعَةُ إمامه. فحُكْمُه حُكْم القائمِ عن التَّشهدِ الأولِ؛ إن (١) لم يسْتَتِمَّ قائِمًا لَزِمَه الرُّجُوعُ، وإنِ اسْتَتَمَّ قائِمًا لم يَرْجِعْ، وإن رَجَع جاز، وإن شَرَع في القِراءَة لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ. نَصّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثرَم، لأَنه قام عن واجِب إلى رُكْن، أشْبَهَ القِيامَ عن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيل فيه ثلاثَ رِوايات؛ إحْداها، يَرْجِعُ؛ لأنَّ إمامَه بَعُدَ (٢) في الأداءِ، ولأنه سجُود في الصلاةِ، أشبهَ سُجُودَ صُلْبها. والثّانِيَةُ، لا يَعُودُ؛ لأنه نَهَض إلى رُكْن. والثّالِثَةُ، هو مُخير؛ لأنَّ سُجُودَ السَّهوِ أخَذَ شَبَهًا مِن سُجُودِ صُلْبِ الصلاةِ، مِن حيث إنه سُجُود، وشَبَها مِن التشهدِ الأولِ؛ لكَوْنِه يَسْقطُ بالسهْوِ، فلذلك جُبِر. وما ذَكَرْناه أوْلَى.
стр. 1622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وليس على المَسْبُوقِ ببعض الصلاةِ سُجُود لذلك، في قوْلِ أكثَرِ أهلِ العِلْمَ. ويروَى عن ابنِ عُمَر، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي سعيدٍ، ومُجاهِدٍ، وإسحاقَ، في مَن أدرَكَ وَترا مِن صلاةِ إمامِه، سَجَد للسَّهْوِ؛ لأنه يَجْلِسُ للتَّشَهُّدِ في غيرِ مَوْضِع التَّشهدِ. ولَنا، قولُ النَّبِيّ ﷺ : «وَما فَاتَكُمْ فَأتمُّوا» (١). ولم يَأمُرْ بسُجُودٍ. وقد فات النَّبِيّ ﷺ بَعْضُ الصلاةِ مع عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ فقَضَى، ولم يَكُنْ لذلك سُجُود.
فَصْلٌ: وَسُجُودُ السهو لِمَاُ يبطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِب،
ــ
فصل: قال، ﵀: (وسُجُودُ السَّهْوِ لِما يبطلُ عَمْده الصلاةَ واجب) في ظاهِر المَذْهَب. وعن أحمدَ، أنَّه غيرُ واجِب. قال شيخُنا (١): ولَعَل مَبْنَى هذه الروايةِ على أنَّ الواجبَاتِ التى شُرِع السُّجُودُ لجَبْرِها غيرُ واجِبَةٍ، فيَكُونُ جَبْرُها غيرَ واجِبٍ. وهذا قَوْلُ الشَّافعيّ، وأصْحابِ الرأيِ، لقَوْلِ النَّبِيّ ﷺ : «كَانَتِ الركْعَة وَالسجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ» (٢). ولَنا، أن النَّبِيّ ﷺ أمَرَ به في حديثِ ابنِ مسعود (٣) وأبي سعيد (٤)، وفَعَلَه. وقَوْله: «نَافِلَةً»: يَعْنِي أن له ثَوابًا فيه، كما سُميَتِ الرَّكْعَةُ أَيضًا نافِلَةً، وهي واجِبَة على الشَّاك بغيرِ خِلافٍ. فأمَا المَشْروعُ لِما لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاةَ فغيرُ واجِبٍ. قال أحمدُ: إنَّما يَجِبُ السجُودُ فيما روِي عن النَّبِيّ ﷺ . يَعْنِي وما كان في مَعْناه، فنَقِيسُ على زِيادَةِ خامِسَةٍ
стр. 1625
وَمَحَلُّهُ قَبْل السَّلَامِ، إلَّا فِي السلَامِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاِتهِ، وَفِيمَا إذَا بَنَى الْإمَامُ عَلَى غالِبِ ظَنه. وَعَنْهُ، أَن الْجَمِيِعَ قَبْلَ السَّلَامِ. وَعَنْهُ، مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَان مِنْ نقص كَانَ قَبْلَهُ.
ــ
سائِرَ (١) زِياداتِ الأفْعالِ مِن جِنْس الصلاةِ، وعلى تركِ التشَهُّدِ الأوَّلِ تَرْكَ غيرِه مِن [الواجِباتِ، وعلى] (٢) التَّسْلِيمِ مِن نُقْصان زِياداتِ الأقْوالِ المُبْطِلَةِ عَمْدًا.
٤٨٣ - مسألة: (ومَحَله قبل السَّلام، إلَّا في السَّلامِ قبلَ إتْمامِ صَلاتِه، وفيما إذا بَنَى الإمامُ على غالب ظنه. وعنه، أنَّ الجَمِيعَ قبلَ السَّلامِ. وعنه، ما كان مِن زِيادَةٍ فهو بعدَ السلامِ، وما كان مِن نَقص كان قبلَه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ سجُودَ السَّهْوِ كله قبلَ السَّلامِ في ظاهِرِ قوْلِ
стр. 1626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحمدَ، إلَّا في المَوْضِعَيْن المَذْكُورَيْن، وهما إذا سَلَّمَ عن نقْصٍ في صلَاته؛ لحديثِ ذى اليَدَيْن (١) وعِمْرانَ بنِ حصَين (٢). والثاني، إذا بَنَى الإمامُ على غالِبِ ظنه، لحديثِ ابْنِ مسعود. نَص على ذلك في روايةِ الأثرَمِ، فقالَ: أنا أقولُ: كُل سَهْو جاء عن النبيِّ ﷺ أنَّه سَجَد فيه بعدَ السلام، فإنَّه يَسْجُدُ فيه بعدَ السلامِ، وسائِرُ السهْوِ يَسْجُدُ فيه قبلَ السلامِ. وهو أَصَحُّ في المَعْنَى، لأنه مِن شأنِ الصلاةِ، فيَقْضِيه قبلَ التَّسْلِيمِ، كسُجُودِ صُلْبِها. وهذا قولُ سُلَيْمانَ بن داودَ (٣)، وابنِ المُنْذِر. قال القاضي: لا يَختَلِفُ قولُ أحمدَ في هذين المَوْضِعَين، أنَّه يَسْجُدُ لهما بعدَ السلَامِ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقى. والروايَتان الأخْرَيان ذَكَرَهما أبو الخَطابِ؛ إحْداهما، أن جَمِيعَ السُّجُودِ قبلَ السلامِ. رُوِيَ ذلك عن أبي هُرَيرةَ، والزهْرِي، والليْثِ، والأوْزاعِي. وهو مَذْهَبُ الشَّافعيّ؛ لحديثِ ابن بُحَيْنَة (٤)، وأبي سعيدٍ. قال الزُّهْرِي: كان آخِرُ الأمْرَيْن السُّجُودَ قبلَ السلامِ. ولأنه تَمام للصلاةِ، فكان قبلَ سَلامِها، كسائِرِ أفعالِها.
стр. 1627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثَّانِيَةُ، ما كان مِن زِيادَةٍ كان بعدَ السَّلامِ؛ لحديثِ ذى اليَدَيْن، وحديثِ ابنِ مسعودٍ، حينَ صَلى النَّبِيّ ﷺ خمسًا. وما كان مِن نَقْص كان قَبْلَه؛ لحديثِ ابن بُحَيْنَةَ. وهذا مَذْهَبُ مالك، وأبي ثَوْر، والمُزَنِي (١). وقال أصحابُ الرأيِ: جَمِيعُ سُجُودِ السهْو بعدَ السلامِ، وله فِعلُهما (٢) قبلَ السلامِ. رُوِي نحوُ ذلك عن على، وسعد، وابنِ مسعودٍ، وعَمار، وابنِ عباس، وابنِ الزُّبير، وأنس، والحسنِ، لحديثِ ذى اليَدَيْن، وابن مسعود. وروَى ثَوْبانُ، قال: قال رسولُ - الله ﷺ : «لِكل سَهْو سجدتان بَعْدَ التسْلِيمِ». رَواه سعيد. وعن عبدِ الله بن جَعْفَر، قال:
стр. 1628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدتيْنِ بَعدَمَا يُسَلِّمُ». رَواهما أبو داودَ (١). ولَنا، أنَّه قد ثَبَت عن النَّبِيّ ﷺ السجُودُ قبلَ السلامِ وبعدَه في أحاديثَ صَحِيحَةٍ، وفيما ذَكَرْناه عَمَل (٢) بالأحاديثِ كلِّها، وجمع (٣) بينَها، وذلك واجِب مَهْما أمْكَنَ؛ فإنَّ خَبَرَ النبيِّ ﷺ حُجَّة يَجِبُ المَصِيرُ إليه، والعَمَلُ به، ولا يُتركُ إلَّا لمُعارِض مِثْلِه، أو أقْوَى منه، وليس في سُجُودِه في مَوْضِع ما يَنْفِي سُجُودَه في مَوْضِع آخَرَ، ودَعْوَى نسْخِ حديثِ ذى اليَدَيْن لا وَجْهَ له؛ لأنَّ راوِيَيْه (٤) أبو هُرَيرةَ وعِمْرانُ بنُ حُصَيْن، وهِجْرَتُهما مُتَأخرَةَ. وقولُ الزُّهْرِيّ مُرْسَل، ثم لا يَقْتَضى نسخًا، فإنَّه يَجُوزُ أن يَكُونَ آخِرُ الأمْرَيْن سُجُودَه قبلَ السلامِ؛ لوُقُوعِ السَّهْوِ آخِرًا فيما يَسْجُدُ له قبلَ السلامِ.
стр. 1629
وإن نَسِيَهُ قَبْل السَّلام، قَضَاه، مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصلُ، أو يَخْرُجْ من المسْجِدِ. وَعَنهُ، أنهُ يَسْجُدُ وإنْ بَعُدَ.
ــ
وحديث ثَوْبانَ يَروِيه إسْماعِيلُ بن عَيّاش عن (١) زهيرِ بين سالِمٍ، وفي رِوايَتِه عن أهْلِ الحِجازِ ضَعْف. وحديث ابنِ جَعفر مِن رِوايةِ مُصْعَبِ ابنِ شَيْبَةَ. قال أَحْمد: يَروِي المناكيرَ. وقال النَّسائِيُّ: مُنْكرُ الحديث. وفيه ابنُ أبي لَيْلَى، وهو ضَعِيف. قال الأثْرَمُ: لا يَثبُتُ واحِد منهما. واللهُ أعْلَمُ.
٤٨٤ - مسألة: (وإن نَسِيه قبلَ السلامِ قضاه، ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، أو يخْرُجْ مِن المَسجِدِ. وعنه، أنَّه يَسجُدُ وإن بَعد) متى نَسي سُجُودَ السهوِ قبل السَّلام قضاه بعدَ السلامِ، ما لم يَطُلِ الفصلُ، ما دام في المَسجِدِ وإن تَكَلم. وبه قال مالك، والأوْزاعِيُّ، والشافعي، وأبو ثَوْرٍ.
стр. 1630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ: إذا صرف وَجْهَه عن القِبْلَةِ، لم يَبْنِ، ولم يَسْجُدْ. وقال أبو حنيفةَ: إن تَكَلَّمَ بعدَ الصلاةِ، سَقَط عنه سُجُودُ السَّهْوِ، لأنه أتَى بما يُنافِيها، أشبهَ ما لو أحْدَثَ. ولَنا، ما روَى ابنُ مسعودٍ، (١) أنَّ النَّبِيّ ﷺ سَجَد بعدَ السلامِ والكَلام. رَواه مسلم (٢). وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ أَيضًا] (١)، أن النَّبِيّ ﷺ صَلى خَمْسًا، فلما انْفَتَلَ تَوَشْوَش القَوْمُ فيما بينَهم، ثم سَجَد بعدَ انْصِرافِه عن القِبْلَةِ (٣). ولأنه إذا جاز إتْمامُ الركْعَتَيْن مِن الصلاةِ بعدَ الكَلام والانْصِرافِ، كما جاء في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْن، وعِمْرانَ بنِ حُصَيْن، فالسجُودُ أوْلَى.
стр. 1631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأما إن طال الفَصْلُ، أو خَرَج (١) مِن المسْجِدِ لم يَسْجُدْ. والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقصَرِه إلى العادَةِ. وذَكَر القاضي، أنَّه يَسْجُدُ ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، [وإن خَرَج] (٢)؛ لأن النَّبِيّ ﷺ رَجَع إلى المسْجِدِ بعدَ خُرُوجه منه في حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْن (٣)؛ لإتْمامِ الصلاةِ، فالسُّجُودُ أَوْلَى. وهذا قول للشافعي. وقال الخِرَقِي: يَسْجُدُ ما كان في المسْجدِ، فإن خَرَج لم يَسْجُدْ. وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ شبْرُمَةَ. وعنه، أنَّه يَسْجُدُ وإن بَعُد (٤). وقد حَكاها ابنُ أبي مُوسي، عن أحمدَ.
стр. 1632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو أحدُ قَوْلَي الشَّافعيّ؛ لأنه جُبْران فأتَى به بعد طُول الفَصلِ والخرُوجِ، كجُبْراناتِ الحج. وهذا قول مالك، إذ كان لزيادَةٍ، وإن كان لنَقْصٍ أتي به ما لم يَطلِ الفَصْل؛ لأَنَّه لتَكْمِيلِ الصلاةِ. ووَجْهُ الأولى، أنَّه لتَكْمِيلِ الصلاةِ، فلا يَأتِي به بعدَ طُولِ الفَصْلِ، كَرُكن من أرْكانِها، وإنما ضَبَطْناه بالمسْجِدِ؛ لأنه محَل الصلاةِ، فاعْتُبِرَتْ فيه المُدةُ، كخِيارِ المَجْلِس.
فصل: فإن نَسِيَه حتَّى شَرَع في صلاة أخْرَى، سجَد بعدَ فَراغِه منها، في ظاهِرِ (١) كلام الخِرَقِي، ما كان في المَسْجِدِ. وعلى قولِ غيره، إن طال الفصْلُ لم يَسجُدْ، وإلا سجَد.
стр. 1633
وَيَكفِيهِ لجَمِيعِ السهْوِ سَجْدَتَانِ، إلَّا أنْ يَخْتَلِفَ مَحَلهُمَا، فَفيهِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهُمَا، تُجْزِئُهُ سَجْدَتَانِ.
ــ
٤٨٥ - مسألة: (ويَكفِي لجَميعِ السَّهْوِ سَجْدَتان، إلَّا أن يَخْتَلِفَ مَحَلُّهما، ففيه وَجْهان) إذا سَها سَهْوَيْن أو أكثرَ مِن جِنْس، كَفاه سَجْدَتان، بغيرِ خِلاف عَلِمْناه. وإن كان السَّهْوُ مِن جِنْسَيْن، فكذلك. حَكاه ابن المُنْذِرِ، عن أَحْمد. وهو قولُ أكْثَرِ أهل العلمِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأيِ. وذَكَر أبو بكرٍ فيه وَجْهَيْن؛
стр. 1634
وَالْآخَرُ، يَسْجُدُ لِكُل سَهْو سَجْدَتيْنِ.
ــ
أحَدُهما، ما ذَكَرْناه. والثاني، يَسْجُدُ سُجُودَيْن. وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وابن أبي حازِم (١)، وعبدِ العزيز بن أبي سَلَحَةَ (٢)، إذا كان أحَدُهما قبلَ السلامِ، والآخَرُ بعدَه؛ لقوْلِ النَّبِيّ ﷺ : «لِكُل سَهْو سَجْدَتَانِ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (٣). وهذان سَهْوان. ولأنَّ كل سَهْو يَقْتضِي سُجُودًا، وإنما يَتَداخَلان في الجِنْس الواحِدِ. ولَنا، قولُ النَّبِيّ ﷺ : «إذَا سَهَا أحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (٤). وهذا يَتَناولُ السهْوَ في مَوْضِعين، ولأن النَّبِيّ ﷺ سها فسَلمَ (٥)، وتَكَلَّمَ بعدَ سَلَامِه، فسَجَدَ لهما سُجُودًا واحِدا، ولأنه شُرِع للجَبْرِ، فكَفَى فيه سُجُودٌ واحد، ما لو كان مِن جِنْس واحِد. وحَدِيثهم في إسْنادِه مَقالٌ. ثم إنَّ المُرادَ به، لكل سَهْو في صَلاة. والسَّهْوُ وإن كَثُر داخِلٌ في لَفْظِ السَّهْوِ؛ لأنه اسْمُ جنْس، فيَكونُ التَّقْدِيرُ، لكل صلاة فيها سَهْو سَجْدَتان. يدُلُّ على ذلك أنَّه قال: «لكُل سَهْوٍ سَجْدَتانِ بَعْدَ السلام» (٦). كذا رِوايَةُ
стр. 1635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبي داودَ. ولا يَلْزَمُه بعدَ السلامِ سُجُودان.
فصل: ومعنى اخْتِلافِ مَحَلِّهما أن يكونَ أحَدُهما قبلَ السَّلامِ، والآخَرُ بعدَه؛ لاخْتِلافِ سَبَبِهما وأحْكامِهما. وقال بعضُ أصحابِنا: هو أن يكون أحَدُهما مِن نَقْص، والآخَرُ مِن زِيادَةٍ. قال شيخُنا (١): والأوَّلُ أوْلى، إن شاء الله تعالى. فإذا قلْنا: يَسْجُدُ لهما سُجُودًا واحِدًا. سجده قبل السَّلامِ؛ لأنه أسْبَقُ وآكدُ؛ ولأن الذى قبلَ السَّلامِ قد وُجد سبَبُه، ولم يُوجَدْ قبْلَه ما يَمنَعُ (٢) وُجُوبَه، ولا يَقُومُ مَقامَه، فلَزِمَه الإتْيانُ به، وإذا سجَد له، سَقَط الثّانِي؛ لإغْناء الأوَّلِ عنه.
стр. 1636
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولو أحْرَمَ مُنْفَرِدا، فصَلى ركْعَة، ثم نَوى مُتابَعَةَ الإمام، وقُلْنا بجَواز ذلك، فسها فيما انْفَرَدَ فيه، وسَها إمامه فيما تابَعَه فيه، فإن صَلَاته تَنْتَهِي قبلَ صلاةِ إمامِه. فعلى قَوْلِنا، هما مِن جِنْس واحِدٍ إن (١) كان مَحَلهما واحِدًا، وعلى قولِ مَن فَسَّرَ الجِنْسَيْن بالزيادَةِ والنَّقْص، يَحْتَملُ كوْنُهما ين جِنْسَيْن. وهكذا لو صَلى مِن الرباعِيةِ رَكْعَةً، ودَخَل مع مُسافِر، فنَوَى مُتابَعَتَه، فلمّا سَلمَ إمامُه، قام ليُتمَّ ما عليه، فقد حَصَل مَأمُومًا في وَسَطِ صَلاتِه، مُنْفرِدا في طَرَفَيْها. فإذا سَها في الوَسطِ والطَّرَفين جميعًا، فعلى قَوْلنا، إن كان مَحَل سُجُودِهما واحِدًا، فهي جِنْسٌ واحِدٌ. وإنِ اخْتَلَفَ مَحَل السُّجُودِ، فهي جِنْسان. وقال بعضُ أصْحابنا: هي جِنْسان. ولأصْحابِ الشافعية فيها وَجْهان كهَذَيْن، ووَجْه ثالِث، أنَّه يَسْجُدُ سِت سَجَداتٍ، لكلَّ سَهْو سَجْدَتان.
стр. 1637
وَمَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، جَلَسَ فَتَشَهَّدَ، ثُم سَلَّمَ.
ــ
٤٨٦ - مسألة: (ومتى سَجَد بعدَ السَّلامِ، جَلس فتَشَهَّدَ، ثم سَلَّمَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه متى سجَد للسهْوِ، كَبر للسجودِ والرَّفْع منه، سَواءٌ كان قبلَ السلامِ أو بعدَه. فإن كان قبلَ السلامِ سَلمَ عَقِيبَه. وإن كان بعدَه، تَشَهد وسَلمَ، سَواء كان مَحَله بعدَ السلامِ، أو كان قبلَه فنَسِيَه إلى ما بعدَه. وبهذا قال ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِي، وقتادَةُ،
стр. 1638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحَكمُ، والثوْرى، والأوْزاعِي، والشافعي، وأصْحابُ الرأيِ، في التشَهُّدِ والتَّسْلِيمِ. وقال أنس، والحسنُ، وعَطاء: ليس فيهما تَشَهُّد ولا تَسْلِيم. وقال ابنُ سِيرينَ، وابنُ المُنْذِرِ: فيهما تَسْلِيم بغير تَشَهُّد. وعن عَطاءٍ: إن شاء تَشَهدَ، وإن شاء تَرَك. ولَنا، على التكْبيرِ، قولُ ابنِ بُحَيْنَةَ: فلَما قَضَى الصلاةَ سَجَد سَجْدَتيْن، كَبر في كل سَجْدَةٍ وهو جالِس قبل أن يُسَلِّمَ (١). وقولُ أبي هُرَيْرَةَ: ثم كَبر وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رَفَع رَأسَه فكَبر (٢). وأما التسلِيمُ، فقد ذَكَرَه عِمرانُ بنُ حُصيَن، في حديثه الذى رَواه مسلم (٣)، قال فيه: سَجَد سَجْدَتَيِ السهْوِ، ثم سَلمَ. وفي حديثِ ابن مسعودٍ (٤): ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سلمَ. وأمّا التَّشَهُّدُ، فرَوى عِمرانُ بنُ حُصَيْن، أن النَّبِيّ ﷺ صَلى بهم فسَها، فسَجَدَ سَجْدَتين، ثم تشَهدَ، ثم سلمَ. رَواه أبو داودَ، والترمِذِي (٥)، وقال: حديث حسن. ولأنه سُجُود له تَسْلِيم، فكان له تَشَهُّدٌ، كسُجُودِ صُلْب الصلاةِ. ويحتَمِلُ أن لا يَجبَ التشَهدُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الحَدِيثيْن الأوليَن أنَّه سَلمَ مِن غيرِ تَشَهد، وهما أصحُّ مِن هذه الروايةِ، ولأنه سُجُود مُفرَد، أشْبَهَ سُجُودَ التلاوَةِ.
стр. 1639
وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قبْلَ السلَامِ عَمْدًا، بَطلتِ الصلَاةُ، وإنْ تَرَكَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ السلَامِ، لَمْ تَبْطلْ.
ــ
فصل: وإذا نَسِيَ سُجُودَ السَّهْو حتَّى طال الفَصْلُ، لم تبْطُلْ صَلَاتُه. وهو قولُ الشَّافعيّ، وأصْحابِ الرأيِ. وعن أحمدَ، إن خَرَج مِن المَسْجِدِ أعاد الصلاةَ. وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وقولُ مالك، وأبي ثَور، في السُّجُودِ قبل السلامِ. ووَجْهُ الأولِ، أنَّه جابِر للعِبادَةِ بعدَها، فلم تَبْطُلْ بتَرْكِه، كجُبْراناتِ الحَج.
٤٨٧ - مسألة: (وإن تَرَك السُّجُودَ الواجِبَ قبلَ السلامِ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُه) لأنه تَرَك واجِبًا في الصلاةِ عمدًا. (وإن تَرَك المَشْرُوعَ (١) بعدَ السَّلامِ، لم تَبْطُلْ) لأنه جَبْرٌ للعِبادَةِ خارِجٌ مها، فلم
стр. 1640
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَبْطُلْ بتَرْكِه، كجُبْراناتِ الحَجِّ، وسَواء كان مَحَله بعدَ السلامِ أو كان قبلَه، فنَسِيَه، فصار بعدَه. وقد نُقِل عن أحمدَ ما يَدُل على بُطْلانِ الصلاةِ، ونُقِل عنه التوَقفُ، فإنَّه قال، في مَن نسِيَ سجُودَ السَّهْوِ: إن كان في سهو خَفِيف، فأرْجُو أن لا يَكُونَ عليه. قال الاُثْرَمُ: قلتُ [لأبي عبدِ اللهِ] (١): فإن كان فيما سَها فيه النَّبِيّ ﷺ ؟ فقال: هاه. ولم يُجِبْ، فبَلَغَنِي عنه أنه يَسْتَحِب أن يُعِيدَ. فإذا كان هذا في السَّهْوِ، ففي العَمْدِ أوْلَى. والأولُ (٢) ظاهِر المَذْهَبِ.
فصل: ويقولُ في سُجُودِ السهْوِ ما يَقُولُ في سُجُودِ صُلْبِ الصلاةِ، قياسًا عليه. والله تعالى أعلمُ.
وَآكَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ،
ــ
٤٨٩ - مسألة: (وآكَدُها صلاةُ الكُسُوفِ والاسْتِسْقاءِ) لأن النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَها وأمَرَ بصلاةِ الكُسُوفِ، في حديثِ أبي (١) مسعودٍ، فذَكَرَ الحديثَ إلى أن قال: «فَصَلوا وَادْعُوا حَتى يُكشَفَ مَا بِكُمْ». مُتَّفَق عليه (٢)، وفي حَدِيثِ عائشةَ، مِن رِوايةِ أبي داودَ (٣)، أمَرَ بمنْبَرٍ، فوُضعَ له، ووَعَد النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه، أي: في الاستِسْقاءِ. وهذا يَدُل
стр. 1643
ثُمَّ الْوِتْرُ، وَلَيْس بِوَاجِبٍ، وَوَقْتُهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأقَلُّهُ رَكْعَة، وَأكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ، وَيُوترُ بِرَكْعَةٍ.
ــ
على الاعْتِناءِ بها، والمُحافَظَةِ عليها.
٤٩٠ - مسألة؛ قال: (ثم الوِتر، وليس بواجِب، ووَقْتُه ما بينَ صلاةِ العِشاء وطُلُوعِ الفَجْرِ، وأقلُّه رَكْعَةٌ، وأكثرُه إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَة، يُسَلِّمُ مِن كل رَكْعَتَيْن، ويُوتِر برَكْعَةٍ) الوِترُ سُنةْ مُؤكدَة، في المَنْصُوص
стр. 1644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنه. قال أحمدُ: مَن تَرَك الوِتْر عَمْدًا] (١) فهو رَجُلُ سوء، ولا يَنْبغى أن تُقْبَلَ له شَهادَة. أراد بذلك المُبالَغَةَ في تَأكيدِه، ولم يُرِدِ الوُجُوبَ؛ فإنَّه قد صَرحَ، في رِوايَةِ حَنبلٍ، فقال: الوِتر ليس بمَنْزِلَةِ الفَرْض، فإن شاء قضَى الوِتر، وإن شاء لم يقضه. وذلك لأنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يداوِمُ عليه حَضَرًا وسَفَرًا. وروَى أبو أيوبَ، أن النَّبِيّ ﷺ قال: «الْوِتر حَقٌّ؛ فَمَنْ أَحَبُّ أن يُوتِرَ بِخمس فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَن أحَبَّ أنْ يُوترَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ». رَواه أبو داودَ (٢).
فصل: واخْتَلفَ أصحابُنا في الوِتْرِ ورَكْعَتَيِ الفَجْرِ، فقال القاضي: رَكْعَتا الفَجْرِ آكَدُ؛ لاخْتِصاصِهما بعَدَدٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ. وقال غيرُه: الوِتر آكَدُ. وهو أَصَحُّ؛ لأنه مُخْتَلَف في وُجُوبِه، وفيه مِن الأخْبار ما لم يَأْتِ مِثْلُه في رَكْعَتَى الفَجْرِ، لكنْ رَكْعَتا الفَجْرِ تَلِيه في التَّأكِيدِ.
стр. 1645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وليس الوِتر واجِبًا. وبهذا قال مالك، والشافعي. وذَهَب أبو بكر إلى وجُوبِه. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ أبي أيُّوبَ، ولقَوْلِ النَّبِيّ ﷺ : «فَإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» (١). وعن بُرَيْدَةَ، قال: سَمعْتُ رسولَ اللهَ ﷺ يقولُ: «الوِتر حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنا». رَواه الإمامُ أَحْمد (٢). وعن خارِجَةَ بنِ حُذافَةَ، قال: خَرَج علينا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ غَداةٍ، فقال: «إنَّ اللهَ قدْ أمَدكُمْ بِصَلَاة، وَهِيَ خَيْر لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الوِتر، فجَعلَها لَكمْ فِيما بَيْنَ العِشاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَواه الإمام أحمدُ (٣)، وأبو داودَ (٤). وعن أبي بَصْرَةَ (٥)، قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إن اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، فَصَلوهَا مَا بَيْنَ العِشاءِ إلى صَلَاةِ الصبحِ». رَواه الأثْرَمُ (٦).
стр. 1646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولنا، قَوْلُ النَّبِيّ ﷺ للأعْرابِي، حينَ سَألَه عن ما فَرَض الله عليه مِن الصلاةِ في اليوم والليْلَةِ، قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ». قال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ». فقال الأعْرَابي: والذى بَعَثَك بالحَقِّ لا أزِيدُ علها، ولا أنقُص منها. فقال: «أفْلَحَ الرجُلُ إنْ صَدَقَ». حديث صحيح (١). ورُوِي أن رجلًا مِن كِنانَةَ يُدْعَى المُخْدِجِيَّ (٢)، سَمِع رَجُلًا مِن أهلِ الشامِ، يُدْعَى أَبا محمدٍ، يقولُ: إن الوِتر واجِبٌ. قال: فرُحْت إلى عُبادَةَ بنِ الصامِتِ، فأخْبَرْتُه، فقال عُبادَةُ: كذَب أبو محمدٍ،
стр. 1647
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَمعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «خَمس صَلَوَاتٍ كَتَبَهُن الله تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِن لَمْ يُضَيعْ مِنْ حَقِّهِن شَيْئًا، اسْتِخْفَافًا بِحَقهِنَّ، كان له عندَ الله عَهْد أنْ يُدْخِلَهُ الْجَنةَ، وَمَنْ لم يَأتِ بِهن، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عهد، إنْ شَاءَ عَذبَه، وَإنْ شاءَ أدْخَلَهُ الجَنةَ». رَواه مسلمٌ (١). وعن عليٍّ، ﵁، قال: الوِتر ليس بحَتْمٍ، ولكنَّ رسولَ الله ﷺ أوْتَرَ، ثم قال: «يَا أهْلَ الْقُرْآنِ أوْتِرُوا، فَإنَّ الله يُحِبُّ الْوِتر». رَواه أحمدُ (٢). ولأنه يَجُوزُ فِعْلُه على الراحِلَةِ مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يَكُنْ واجِبًا، كالسننِ، فرَوَى ابنُ عُمَرَ، أن النَّبِيّ ﷺ كان يُوتِرُ على بَعيرِه. مُتفَق عليه (٣). وفي لَفْظٍ: كان يُسَبحُ على الراحِلَةِ قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ توَجهَ، ويُوتِرُ عليها، غيرَ أنَّه لا يُصَلِّي عليها المَكتُوبَةَ. رَواه مسلم (٤).
стр. 1648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأحادِيثُهم قد تُكُلِّمَ فيها، ثم إنَّ المرادَ بها تَأكدُه وفَضِيلته، وذلك حَقٌّ، وزِيادَةُ الصلاةِ يَجُوزُ أن تكونَ سُنة، والتَوَعُّدُ للمبالَغَةِ، كقَوْلِه: «مَنْ أكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا» (١). والله أعلمُ.
فصل: ووَقْتُه ما بينَ صلاةِ العشاءِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ. كذلك ذَكَرَه شيخُنا في كتاب «المغْنِي» (٢). وذَكَر في «الكَافِي» أنَّه إلى صلاةِ الصبح؛ لقولِ النَّبِيّ ﷺ : «إن اللهَ زَادَكُمْ صَلَاة فَصَلوهَا مَا بينَ الْعِشَاءِ إلَى صَلاةِ الصبحِ». رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» (٣). ووَجْهُ الأولِ ما رُوِيَ عن مُعاذ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتر، وَوَقتها مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَواه الإمامُ أحمدُ (٤). فإن أوْترَ قبلَ العِشاءِ، لم يَصِحَّ وِتره. وهو قولُ مالك،
стр. 1649
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافعيِّ، ويَعْقُوبَ، ومحمَّد. وقال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ: إن صَلَّاه قبلَ العشاءِ ناسِيًا، لم يُعدْ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن، ولأنه صَلاه قبل الوَقْتِ، أشْبهَ ما لو صَلاه نَهارًا. وإن أخَّرَه حتَّى طَلَع الصُّبْحُ، احْتمَلَ أن يكونَ أداءً؛ لحديثِ أبي بَصْرَةَ. وهو قولُ عليٍّ، وابن مسعودٍ، رَضىَ الله عنهما. قال شيخُنا (١): والصحِيحُ أن يَكُونَ قضاءً؛ لحديثِ مُعاذٍ، ولقوْلِ النَّبِيّ ﷺ : «فَإذَا خَشىَ أحَدُكُم الصبحَ صَلى رَكْعَة، فَأوْتَرَتْ لَه مَا قَدْ صَلَّى» (٢). وقال: «وَاجْعلُوا آخِرَ صَلاتكمْ بِالليْلِ وِترا». متفق عليه (٣). وقال: «أوْتِرُوا قَبلَ أنْ تُصْبحُوا». رَواه مسلمٌ (٤).
стр. 1650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والأفَضْلُ فِعلُه في آخِرِ اللَيْلِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: مِن كلِّ الليْلِ قد أوْترَ رسولُ الله ﷺ ، فانتهَى وِتره إلى السَّحَرِ. مُتَّفَق عليه (١). وقال النَّبِيّ ﷺ : «مَنْ خَافَ أنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِر الليْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أوَّلِه، وَمَنْ طَمعَ أنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإنَّ صلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مشهُودَةٌ، وَذَلِكَ أفْضَلُ». رَواه مسلمٌ (٢). وهذا صَريحٌ. فإذا كان له تَهَجُّر جَعَل الوِتر بعدَه؛ لأنَّ النَّبِيّ ﷺ فَعَل ذلك، وقال: «اجْعلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ باللَّيْلِ وِترًا». رَواه مسلم (٣). فأما إن خاف أن لا يَقُوم آخِرَ اللَّيْلِ، اسْتُحب أن يُوتِرَ مِن أولِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولأن