← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ خَتْمَةَ النهارِ في رَكْعَتَي الفَجْر أو بعدَهما، وخَتْمةَ اللَّيْلِ في رَكْعَتَيِ المَغْرِبِ أو بعدَهما. فصل: وكَرِه أحمدُ قراءَةَ القُرْآنِ بالألْحانِ، وقال: هي بِدْعَةٌ، لِما رُوِيَ أن النَّبِيّ ﷺ ذَكَر في أشْراطِ السّاعَةِ أن يُتَّخَذَ القُرآنُ مَزامِيرَ، يُقَدِّمُون أحَدَهم ليس بأقرَئِهم ولا أفْضَلِهم، إلَّا ليُغنيهم غِناءً (١). ولأنَّ مُعْجزَةَ القُرْآنِ في لَفْظِه ونَظْمِه، والألْحانُ تُغَيره. قال شيخُنا (٢): وكلامُ أَحمدَ في هذا مَحْمُولٌ على الإفْراطِ في ذلك, بحيث يَجْعَلُ الحَرَكاتِ حُرُوفًا، ويَمُدُّ في غير مَوْضِعِه. وأمّا تحْسِينُ القُرآنِ والترجِيعُ فلا يُكْرَهُ، فإن عبدَ اللهِ بنَ المُغفلِ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ. قال: فقَرَأ ابنُ مغَفل، ورَجَّعَ في قِراءَتِه. وفي لَفْظٍ، قال: قَرَأ النَّبِيّ ﷺ عامَ الفَتْحِ في مَسِيرٍ له سُورَةَ الفَتْحِ على راحِلَتِه، فرَجَّعَ في قِراءَتِه. قال مُعاوِيَةُ (٣) بنُ قرَّةَ: لولا أنِّي أخافُ أن يَجْتَمعَ عليَّ النّاسُ لحَكَيْتُ لكم قراءَتَه. رَواهما مسلم (٤). وفي لفظٍ

стр. 1717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال (١): «أأ أ». وروَى أبو هُريَرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَا أذِنَ الله لِشَيْء كأذَنِه لِنَبِيٍّ يَتَغَنى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِه». رَواه مسلمٌ (٢). وقال ﷺ : «زَيِّنوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكمْ» (٣). وقال: «لَيْس مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغنَّ بِالْقُرْآنِ». رَواه البخارِي (٤). قال أبو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ:

стр. 1718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَتَغَنَّى بالقرْآنِ يَسْتَغْنِي به. وقالت طائفَةٌ: مَعْناه يُحْسِنُ قِراءَتَه، ويَتَرَنَّمُ به، ويَرْفَعُ صَوْتَه به. كما قال أبو موسى للنبي ﷺ : لو عَلِمْتُ أنَّك تسْمَعُ قِراءَتِي لحبَّرتُه لك تَحْبِيرًا. وقال الشَّافعيّ: يَرْفَعُ صَوْتَه به. وقال أبو [عبدِ اللهِ] (١): يَقْرَأ بحُزْنٍ مثلِ صَوْتِ أبي موسى. وعلى كلِّ حالٍ فتَحْسِينُ الصوْتِ بالقُرْآنِ وتطريبُه مُسْتَحبٌّ، ما لم يَخْرُجْ بذلك إلى تَغْيِيرِ لَفْظِه، أو زيادَة حُرُوفٍ فيه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ. ورُوِيَ عن عائشةَ، أنها قالَت للنبي ﷺ : كُنْتُ أسمع قراءَةَ رجل في المَسْجِدِ لم أسمعْ قِراءَةً أحسنَ مِن قِراءته. فقام النَّبِيّ ﷺ فاسْتَمَعَ، ثم قال: «هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي جَعَلَ في أمتِي مِثْلَ هَذَا» (٢).

стр. 1719

وَصَلَاةُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهارِ، ــ ٥٠٣ - مسألة: (وصلاةُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِن صلاةِ النهارِ) قد ذَكَرْنا النَّوافِلَ المعَيَّنَةَ. فأمَّا النَّوافِلُ المُطْلَقَةُ فتُسْتَحَبُّ في جَمِيع الأوْقاتِ، إلَّا في أوْقاتِ النُّهْيِ؛ لِما سيَأتي بَيانُه، إن شاء الله تعالى. وتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِن تَطَوُّعِ النَّهارِ. قال أحمدُ: ليس بعدَ المَكْتُوبَةِ عندِي أفْضَلُ مِن قِيامِ اللَّيْلِ. وقد أمِر النبيُّ ﷺ بذلك، بقَوْلِه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (١). وكان قِيامُ اللَّيْلِ مَفْرُوضًا بقَوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢). ثم نُسِخ بآخِر السُّورَةِ. وعن أبي هُرَيرةَ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «أفْضَلُ الصلَاةِ بَعدَ الْفَرِيضَةِ

стр. 1720

وَأَفْضَلُهَا وَسَطُ الليْلِ، وَالنَّصْف الأخِيرُ أفْضَلُ مِنَ الْأَوَّلَ. ــ صَلَاةُ (١) اللَّيْلِ». رَواه مسلمٌ، والتِّرمِذِي (٢)، وقال: هذا حديث حسن. ٥٠٤ - مسألة: (وأفْضَلُها وَسَطُ اللَّيْلِ، والنِّصْفُ الأخِيرُ أفْضَلُ مِن الأولِ) لِما روَى عَمْرُو بنُ عَبَسَةَ (٣)، قال: قلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أي اللَّيْلِ أسْمَعُ؟ قال: «جَوْفُ اللَّيلِ الْآخِرِ، فَصَل مَا شِئْتَ». رَواه أبو داودَ (٤). وقال النَّبِيّ ﷺ : «أفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ الليْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَام سُدُسَهُ» (٥). وفي حديثِ ابن عباسٍ في

стр. 1721

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صِفَة تَهَجُّد رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه نام حتَّى انتصَفَ الليْلُ، أو قَبْلَه بقَليلٍ، أو بعدَه بقَلِيلٍ، ثم اسْتَيْقَظَ، فوَصَفَ تَهَجُّدَه، قال: ثم أوْتَرَ، ثم اضْطجعَ حتَّى جاءَه المُؤذِّنُ. وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَنامُ أولَ الليْلِ، ويُحْيى آخِرَه، ثم إن كان له حاجَةٌ إلى أَهْلِه قضَى حاجَتَه، ثم يَنامُ، فإذا كان عندَ النداء الأوَّلِ وَثب، فأفاضَ عليه الماءَ، وإن لم يَكُنْ له حاجَة تَوَضَّأْ. وقالت: ما ألْفَى رسولَ اللهِ ﷺ السَّحَرُ (١) الأعْلَى في بيتِي إلَّا نائِمًا. مُتَّفق عَلَيهِن (٢). ولأنَّ آخِرَ اللَّيْل يَنْزِلُ فيه الرَّبُّ ﵎ إلى السماءِ الدُّنْيا؛ فرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «يَنْزِلُ رَبنا ﵎ إلَى سَمَاءِ الدُّنيا حِينَ يَبْقَى ثُلثُ اللَّيلِ الْآخِرُ، فَيَقولُ: مَنْ يَدْعونِي فَأستَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْألني فَأعْطِيَه؟ وَمَنْ يَستغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ؟» (٣) قال أبو عبدِ الله: إذا أغْفَى، يَعْنِي بعدَ التهَجُّدِ، فإنَّه لا يَبِينُ

стр. 1722

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه السَّهَرُ، فإذا لم يُغْفِ يَبِينُ عليه. فصل: ويُسْتَحبُّ أن يقولَ عندَ انْتِباهِه ما روَى عُبادَة، عن النَّبِيّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ الليْلِ، فَقَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدِيرٍ، الحَمدُ لله وَسبحَانَ الله، وَلَا إلَهَ إلَّا الله، وَاللهُ أكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قوةَ إلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي. أوْ دَعَا، اسْتُجيبَ لَهُ، فَإنْ تَوَضَّأ وَصَلَّى، قُبِلَتْ صَلَاتُه». رَواه البُخارِي (١). وعن ابنِ عباس، قال:

стр. 1723

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان رسول الله ﷺ إذا قام يَتَهَجَّدُ مِن اللَّيْل، قال: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنتَ قَيَّامُ (١) السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ مَلِك السَّمَوَاتِ وَالأرْض وَمَن فِيهِن، وَلَكَ الحَمْدُ، أنتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤكَ حَقٌّ، وَالجَنةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنبِيُّونَ حَقٌّ، وَمحَمَّد ﷺ حَقٌّ، اللَّهُم لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِك آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكلْتُ، وإلَيْكَ أنبْتُ، وَبك خَاصَمْتُ، وإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدمْتُ وَمَا أخرْتُ، وَمَا أسررْت وَمَا أعْلَنْتُ، أنتَ المُقَدِّمُ وَأنتَ المُؤخرُ، لَا إلهَ إلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْل وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِك (٢)». مُتَّفَق عليه (٣). وفي مسلم: «أنتَ رَبُّ السمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ».

стр. 1724

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفيه: «أَنْتَ الَهِي لَا الَهَ إلَّا أَنْتَ». وعن عائشةَ، قالت: كان النَّبِيّ ﷺ إذا قام مِن الليلِ افْتَتَح صَلاتَه، قال: «اللَّهُمَّ رَب جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإسْرَافِيلَ، فاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشهَادَةِ، أنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا (١) فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِني لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذْنِكَ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقيم». [رَواه مسلم] (٢) (٣).

стр. 1725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَسَوَّك؛ لِما روَى حُذَيْفَةُ، قال: كان النَّبِيّ ﷺ إذا قام مِن الليْلِ يَشُوصُ فاهُ بالسواكِ. مُتفَق عليه (١). وعن عائشةَ، قالت: كُنا نُعِدُّ لرسول الله ﷺ سِواكَه وطَهورَه، فيَبْعَثُه الله ما شاء أن يَبْعَثَه، فيَتَسوكُ، ويَتَوَضأ، ويُصَلِّي. أخْرَجَه مسلمٌ (٢). ويُسْتَحَبُّ أن يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَه برَكْعَتَيْن خَفِيفَتيْن، لِما روَي أبو هُرَيرةَ، عن النَّبِيّ ﷺ قال: «إذا قامَ أحَدُكُم مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتهُ بِرَكْعَتَيْن خَفِيفتَيْنِ» (٣). وعن زيدِ بنِ خالِدٍ، أنَّه قال: لَأرْمُقَنَّ صلاةَ رسولِ الله ﷺ الليلَةَ, فصلى رَكْعَتَيْن خَفِيفَتَيْن، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن طَويلَتَيْن طَوِيلَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن، وهُما دُونَ اللَّتَيْن قَبْلَهما، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن وهما دُونَ اللَّتَيْن قَبْلَهما، ثم صَلى رَكْعَتَيْن وهما دُونَ اللَّتَيْن قبْلَهما، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن وهما دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهما، ثم أوْتَرَ، فذلك ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَة. وقال ابنُ عباسٍ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّى مِن اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشرةَ رَكْعَةً.

стр. 1726

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أخْرَجَهما مسلمٌ (١). وقد اخْتُلِف في عَدَدِ الركَعاتِ في تَهَجدِ النَّبِيّ ﷺ ، ففي هذين الحَدِيثَيْن أنَّه ثَلاثَ عشرَةَ رَكْعَةً، وقالت عائشة: ما كان يزيدُ في رمضانَ ولا في غيره على إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلى أرْبَعًا، فلا تَسألْ عن حُسنِهِن وطُولِهِنَّ، ثم يصَلِّي أربَعًا فلا تَسْألْ عن حُسْنِهِن وطُولهِن، ثم يُصَلى ثلاثًا. وفي لفظٍ [قالت: كانت صَلاتُه في رمضان وغيرِه بالليْلِ ثَلاثَ عشرَةَ رَكْعَةً، منها الوِتْرُ ورَكْعَتا الفَجْرِ. وفي لفْظٍ] (٢). كان يصلي ما بينَ صلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ إحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِن (٣) كلِّ رَكْعَتَيْن، ويُوتِرُ بواحِدةٍ. مُتَّفَق عليهن (٤). فلَعَلَّها لم تَعُد الركْعَتَيْن الخفِيفَتَيْن اللَّتَيْن ذَكَرَهما غيرُها، ويَحْتَمِلُ أنَّه صَلَّى في لَيْلَةٍ ثَلاثَ عَشرةَ، وفي لَيْلَةٍ إحْدَى عَشْرَةَ. فصل: ويُسْتَحبُّ أن يَقْرَأَ جُزْءَه (٥) مِن القُرْآن في تَهَجدِه؛ فإنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يَفْعَلُه. وهو مُخَيَّر بينَ الجَهْرِ في القِراءَةِ والإسْرارِ، فإن كان

стр. 1727

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجَهْرُ أنشَطَ له في القِراءَةِ، أو بحَضرتِه مَن يَسْتَمِعُ قِراءَتَه، أو يَنْتَفِعُ بها، فالجَهْرُ أفْضَلُ، وإن كان قرِيبًا منه مَن يَتَهَجَّدُ، أو مَن يَسْتَضِرُّ برَفْعِ صَوْتِه، فالإسْرارُ أوْلى؛ لِما روى أبو سعيدٍ، قال: اعْتَكَفَ رسولُ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ، فسمِعَهم يَجْهَرُون بالقِراءَةِ، فكَشفَ السترَ (١)، فقال: «ألَا إنَّ كلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضكمْ عَلَى بَعْض في الْقِراءَة». أو قال: «في الصلَاةِ». رواه أبو داودَ (٢). وإلا فلْيَفْعَلْ ما شاء. قَالَ عبدُ الله بنُ أبي قَيْس: سَألْتُ عائشةَ: كيف كانت قِراءَةُ رسولِ الله ﷺ ؟ فقالت: ربما أسَرَّ ورُبَّما جَهَر (٣). قال الترمِذِي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابنُ عباس: كانت قِراءَةُ رسولِ الله ﷺ على قدْرِ ما يَسْمَعه مَن في الحُجْرَةِ، وهو في البَيْتِ. رَواه أبو داودَ (٤). وعن أبي قَتادَةَ، أن النَّبِيّ ﷺ خَرَج، فإذا هو بأبي بكر يُصَلى، يَخْفِضُ مِن (٥) صَوْتِه، ومَرَّ بعُمَرَ وهو يُصَلِّي رافِعًا صَوْتَه،

стр. 1728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: فلَما اجْتَمَعا عندَ النَّبِيّ ﷺ قال: «يَا أَبا بَكْرٍ، مَرَرْتُ بكَ وَأنتَ تصلِّي تخْفِضُ صَوْتَكَ» قال: إنِّي أسْمَعْتُ مَن ناجيْتُ يَا رسولَ اللهِ. قال: «ارْفَعْ قَلِيلًا». وقال لعُمَرَ: «مَرَرْتُ بِكَ وَأنتَ تُصَلى رَافِعا صَوْتَكَ». قال: فقال: يَا رسولَ الله أوقِظُ الوَسنانَ، وأطْرُدُ الشيطانَ. قال: «اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا». رَواه أبو داودَ (١). فصل: ومَن كان له تَهَجُّدٌ ففاتَه، اسْتُحب له قضاؤه بينَ صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ (٢) الظهْرِ؛ لقَوْل رسولِ الله ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أوْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ، فَقَرَأهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأنمَا قَرَأهُ مِنَ اللَّيْل». وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا عَمِل عَمَلًا أَثْبَتَه، وكان إذا نام مِن الليلِ، أو مَرِض، صلى مِن النهارِ ثِنْتَى عشرةَ رَكْعَة. قالت: وما رَأيتُ رسولَ الله ﷺ قام لَيْلَة حتَّى الصباحِ، وما صام شَهْرًا مُتَتابِعًا إلَّا رمضان. أخْرَجَهما مسلمٌ (٣).

стр. 1729

وَصَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى. وإنْ تَطوَّعَ في النَّهَارِ بِأرْبَعٍ فَلَا بَأسَ، وَالْأَفْضَلُ مَثْنَى. ــ ٥٠٥ - مسألة: (وصلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإن تَطوَّعَ في النهارِ بأرْبعٍ فلا بَأسَ، والأفْضَلُ مَثْنَى) قَوْلُه، مَثْنَى مَثْنَى. يَعْنِي يُسَلِّمُ مِن كلِّ ركْعَتَيْن. والتَّطَوُعُ قِسْمان؛ تَطوُّعُ الليْلِ، وتَطَوُّعُ النهارِ، فلا يَجُوزُ [تَطوُّعُ اللَّيْلِ] (١) إلَّا مَثْنَى مَثْنَى. وهذا قولُ كثير مِن أهْلِ العِلْمِ؛ منهم أبو يُوسُف، ومحمدٌ. وقال القاضي: لو صَلى سِتًّا في لَيْلٍ أو نَهارٍ، كُرِهَ, وصَحَّ. وقال أبو حنيفةَ: إن شِئْتَ رَكْعَتيْن، وإن شِئْتَ أرْبَعًا، وإن شِئْتَ سِتًّا، وإن شِئْتَ ثَمانِيًا. ولَنا، قَوْل النَّبِيّ ﷺ : «صَلَاة الليل مَثْنَى مثْنى». مُتَّفَق عليه (٢).

стр. 1730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا صلاةُ النهارِ فتَجُوزُ أرْبَعًا، فَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ. وقال إسحاقُ: صلاةُ النَّهارِ أخْتارُ أرْبَعًا، وإن صَلَّى رَكْعَتَيْن جاز؛ لِما رُوِيَ عن أبي أَيوب، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: «أرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا يُسَلَّمُ فِيهِنَّ تُفْتَحُ لَهنَّ أبوَابُ السَمَاءِ». رَواه أبو داودَ (١). [والأفْضَلُ مَثْنَى. وقال إسحاقُ: الأفْضَلُ أرْبَعًا. ويُشْبِهُه قَوْلُ الأوْزاعِي، وأصْحاب الرأيِ، وحديثُ أبي أيوبَ. ولَنا، ما روَى عليُّ بنُ عبدِ الله البارِقي، عن ابنِ عُمَرَ، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: «صلَاةُ اللَّيْلِ وَالنهَار مَثْنَى مَثْنَى». رَواه أبو داود] (٢). ولأنه أبْعَد [مِن السهْوِ] (٣)، وأشبَهُ بصلاةِ اللَّيْلِ. وتَطَوعات النَّبِيّ ﷺ في الصَّحِيحِ رَكْعَتان. وذَهَب الحَسَنُ، وسَعِيد بنُ جُبَيْر، ومالك، إلى أنَّ تَطَوُّعَ النَّهارِ والليْلِ (٤) مَثنَى مَثنَى؛ لحديثِ علي ابنِ عبدِ الله البارِقيِّ، وقد ذَكَرْنا حديثَ أبي أَيوبَ، وحديثُ البارِقي تَفَرّدَ بذِكْرِ النَّهارِ مِن بينِ سائِرِ الرُّواةِ، ونَحْمِلُه على الفَضِيلَةِ جَمعًا بينَ الحَدِيثَيْن.

стр. 1731

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: قال بعضُ أصحابِنا: لا تجوز الزيادة في النَّهارِ على أربع. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرقِي. وقال القاضِي: يَجُوز ويكْرهُ. ولَنا، أنَّ الأحْكامَ إنما تُتَلَقَى مِن الشارِعِ، ولم يَرِدْ شيءٌ مِن ذلك. واللهُ أعلمُ. فصل: ويُسْتَحَبُّ التنفّل بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ؛ لِما روِيَ عن أنس ابنِ مالكٍ في هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (١). الآيةُ. قال: كانوا يَتَنَفلون بينَ المَغْرِب والعِشاءِ، يُصَلُّون. رَواه أبو داود (٢). وعن عائشةَ، عن النَّبِيّ ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغرِبِ عِشْرِين رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَه بَيْتًا في الْجَنة» (٣). قال الترمِذِي: هذا حديثٌ غريبٌ. فصل: وما وَرَد عن النَّبِيّ ﷺ تَخْفِيفُه أو تَطْوِيلُه، فالأفْضَلُ اتباعُه فيه؛ فإنَّه ﵇ لا يَفْعَل إلَّا الأفْضَلَ، وقد ذَكَرْنا بعضَ ما كان النَّبِيّ ﷺ يُخَفِّفُه ويُطولُه. وما عَدا ذلك، ففيه ثَلاث رِواياتٍ؛ إحْداها، الأفْضَل كَثْرَةُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، لقَوْلِ ابنِ مسعودٍ: إنِّي لأعْلَمُ النَّظائِرَ التي كان رسولُ الله ﷺ يقْرِنُ بينَهُنَّ سُورَتَيْن في كلِّ رَكْعَةٍ، عِشْرُون

стр. 1732

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سُورَةٌ مِن المُفَصَّلِ. رَواه مسلمٌ (١). ولقَولِ النَّبِيّ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسجدُ سَجْدَةً، إلَّا كتب اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَة، وَمَحَا عَنْهُ بِهَا سَيئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً» (٢). والثَّانِيَةُ، التَّطْوِيل أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ الله ﷺ : «أفْضَلُ الصلَاةِ طُولُ (٣) القُنُوتِ». رَواه مسلم (٤). ولأن النَّبِيّ ﷺ كان أكْثَرَ صلَاته التَّهَجدُ وكان يُطِيلُه، على ما قد ذَكَرْنا. والثالثةُ، هما سَواءٌ؛ لتَعارُضِ الأخْبارِ في ذلك. واللهُ أعلمُ.

стр. 1733

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والتطَوُّعُ في البَيْتِ أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ الله ﷺ : «عَليْكُمْ بِالصلَاةِ في بُيُوتِكمْ، فَإِنْ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ في بَيتهِ إلَّا الْمكْتُوبَة». وقال ﵇: «إذا قضَى أحدُكُمُ الصلَاةَ في مَسْجِدِه، فَلْيَجْعَلْ لِبَيتهِ نَصيبًا مِنْ صَلَاِتهِ؛ فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ في بَيتهِ مِنْ صَلَاِتهِ خَيْرًا». رَواهما مسلم (١). وعن زيدِ بنِ ثابِتٍ، أن النَّبِيّ ﷺ قال: «صَلَاةُ المَرْءِ في بَيتهِ أفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ في مَسْجدِي هذَا, إلَّا الْمكْتُوبَةَ». رَواه أبو داودَ (٢). ولأن الصَّلاة في البَيْتِ أَقرَبُ إلى الإخْلاصِ، وأَبْعَدُ مِن الرياءِ، وهو مِن عَمَلِ السرِّ، والسرُّ أفْضَلُ مِن العَلانِيَة. فصل: ويُسْتَحَب أن يكونَ للإنْسانِ تَطوعاتٌ يُداوِمُ عليها، وإذا فاتَت يَقْضِيها؛ لقَوْلِ عائشةَ: سئِل رسولُ الله ﷺ : أي الأعْمالِ أفْضَل؟ قال:

стр. 1734

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «أدْوَمُهُ وَإنْ قَلَّ». مُتفَق عليه (١). وقالت: كان النَّبِيّ ﷺ إذا صَلى صلاةً أحَبَّ أن يُداوِم عليها، وكان إذا عَمل عَمَلًا أَثْبَتَه. رَواه مسلم (٢). وقال ابنُ عَمْرٍو (٣). قال لي رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ الليْلَ، فَتَرَكَ [قِيامَ اللَّيْلِ] (٤)». مُتَّفَق عليه (٥). ولأنه إذا قَضَى ما تَرَك مِن تَطَوُّعِه، كان أبعَدَ له مِن التَّرْكِ.

стр. 1735

وَصَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ، وَيَكُونُ في حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا. ــ فصل: ويَجُوزُ التَّطوُّعُ في جَماعَةٍ وفرادَى؛ لأن النَّبِيّ ﷺ فَعَل الأمْرَيْن كِلَيْهما، وكان أكثرُ تَطَوُّعِه مُنْفَرِدًا، وصَلَّى بحُذَيْفةَ مَرة (١)، وبابنِ عباسِ مَرةً (٢)، وبأنَس وأمه واليَتيمِ مَرة (٣)، وأمَّ أصْحابَه في ليالي رمضان ثَلاثًا (٤). وقد ذَكَرْنا بعضَ ذلك فيما مَضَى، وسنَذْكُرُ الباقِيَ، إن شاء اللهُ تعالى، وهي كلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ. ٥٠٦ - مسألة: (وصلاةُ القاعِدِ على النِّصْفِ مِن صلاةِ القائِمِ، ويَكُونُ في حالِ القِيامِ مُتَربعًا) يَجُوزُ التَّطَوعُ جالِسًا مع القُدْرَةِ على القِيامِ،

стр. 1736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، والصلاةُ قائِمًا أفْضَلُ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : «من صَلى قَائِمًا فَهُوَ أفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قاعِدا فَلَهُ نِصْف أجْر الْقَائِمِ». مُتفَق عليه (١). وفي لَفْظِ مسلم: «صَلَاةُ الرجُلِ قاعِدًا نِصْف الصلَاة» (٢). وقالت عائشةُ: إنَّ النَّبِيّ ﷺ لم يَمُتْ حتَّى كان كَثِيرٌ (٣) مِن صلَاتِه وهو جالِس. رَواه مسلمٌ (٤). ولأن كَثِيرًا مِن النَّاس يَشُقُّ عليه طُولُ القِيامِ، فلو وَجَب في التَّطوُّعِ لتُرِكَ أكْثَرُه، فسامَحَ الشارِعُ في تَرْكِ القِيامِ فيه تَرْغيبًا في تَكثِيرِه، كما سامَحَ في فِعْلِه على الرّاحِلَةِ في السفَرِ، وسامَح في نِيةِ صَوْمِ التطوُّعِ مِن النهارِ

стр. 1737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويسْتَحَبّ للمُتَطوعِ جالِسًا أن يكونَ في حالِ القِيامِ مُتَرَبِّعًا، رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وأنس، وابنِ سِيرِينَ، ومالك، والثوْرِيِّ، والشافعي، وإسحاقَ. وعن أبي حنيفةَ، كقَوْلِنا. وعنه، يَجْلِسُ كيف شاء؛ لأن القِيامَ سَقَط، فسَقَطَت هَيْئته. ورُوىَ عن (١) ابنِ المسَيبِ، وعُرْوَةَ، وابنِ سِيرِينَ، وعُمَرَ بين عبدِ العزيز، أنَّهم كانوا يَحْتَبُون في التَّطوُّع. واخْتُلِفَ فيه عن عَطاء، والنخَعيِّ. ولَنا، ما رُوِي عن أنس، أنَّه صَلى مُتَرَبعًا. ولأن ذلك أبعَدُ مِن السَهوِ والاشْتِباهِ، ولأنَّ القِيامَ يُخالِف القُعُودَ، فيَنْبَغِي أن تُخالِفَ هيْئته في بَدَلِه هَيْئَةَ غيرِه، كمُخالَفَةِ القِيامِ غيرَه، ولا يَلْزَمُ مِن سُقُوطِ القِيامِ لمَشَقَتِه سُقُوطُ ما لا مشقَّةَ فيه، كمَن سَقَط عنه الركُوعُ والسجودُ، ولا يَلْزَمُ سُقوطُ الإيماءِ بهما. وهذا الذي ذَكَرْنا مِن صِفةِ الجُلُوس مُسْتَحَب غيرُ واجِبٍ، إذ (٢) لم يَرِدْ بإيجابه دَلِيل.

стр. 1738

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويثْنِي رِجْلَيْه في الركُوعِ والسُّجُودِ. كذلك ذَكرَه الخِرَقيُّ؛ لأنَّ ذلك يروَى عن أُنسٍ، وهو قولُ [سعيدِ بنِ جُبَيْر و] (١) الثَّوْرِي. وحُكِيَ عن أحمدَ، وإسحاقَ، أنَّه لا يَثْنِي رِجْلَيْه إلَّا في السُّجُودِ خاصةً، ويكونُ في الركُوعِ على هَيْئَةِ القِيامِ. وحكاه أبو الخطابِ. وهو قولُ أبي يوسفَ، ومحمَّد، وهو أقْيَسُ؛ لأن هَيْئَةَ الرَّاكِع (٢) في رِجْلَيْه هَيْئَةُ القائِمِ، فيَنْبَغِي أن يكونَ على هَيْئَتِه. قال شيخُنا (٣): وهذا أصَحُّ في

стр. 1739

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّظرَ، إلَّا أن أحمدَ ذَهَب إلى فِعْلِ أَنَسٍ، وأخَذَ به. وهو مُخيَّرٌ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، إن شاء مِن قِيام، وإن شاء مِن قُعُودٍ؛ لأن النَّبِيّ ﷺ فَعَل الأمْرَيْن. قالت عائشةُ: لم أر رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلى صلاةَ اللَّيْلِ قاعِدًا قَط، حتَّى أسَن، فكانَ يَقْرأ قاعِدًا، حتَّى إذا أراد أن يَرْكَعَ، قام فقَرَأ نَحْوًا مِن ثَلاثِين آيَةً، أو أرْبَعِين آيَة، ثم رَكَع. مُتَّفَق عليه (١). وعنها، أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يصَلى لَيْلًا طَوِيلا قائمًا, ولَيْلًا طَوِيلًا قاعِدًا، وكان إذا قَرَأ وهو قائِم رَكَع وسَجد وهو قائِمٌ، وإذا قَرَأ وهو قاعِد رَكَع وسَجَد وهو قَاعِدٌ. رَواه مسلمٌ (٢).

стр. 1740

وَأدْنَى صَلَاةِ الضُّحَى رَكْعَتَانِ، وَأكثرُهَا ثَمانٍ، وَوَقْتُهَا إِذَا عَلَتِ الشَّمْسُ. ــ ٥٠٧ - مسألة: (وأدْنَى صلاةِ الضُّحَى رَكْعَتان، وأكْثَرها ثَمانٍ، ووَقْتُها إذا عَلَتِ الشمسُ) صلاةُ الضُّحَى مُستحَبةٌ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أوْصاني خَلِيلى بثَلاث؛ صِيامِ ثَلاثةِ أيام مِن كلِّ شَهرٍ، ورَكْعَتَيِ الضُّحَى، وأن أُوترَ قبلَ أن أنامَ. وعن أبي الدَّرداءِ

стр. 1741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نحوُه. مُتَّفق عليه (١). وروَى أبو ذَرٍّ، عن النَّبِيّ ﷺ قال: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى (٢) مِنْ أحَدِكُمْ صَدَقَة، فَكُلُّ (٣) تَسْبِيحَةٍ صَدَقةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَة، وَكُلُّ تَهْلِيلَة صَدَقَة، وَأمْر بِالْمَعْرُوفِ صَدَقةٌ، وَنَهْى عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَة، ويُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يركَعُهُما مِنَ الضُّحَى». رَواه مسلم (٤). وأقلُّ صَلاةِ الضُّحَى رَكْعَتان لهذا الحَدِيثِ. قال أصْحابُنا: وأكثَرُها ثَمانِي رَكَعاتٍ؛ لِما رَوَت أمُّ هانِئٍ، أنَّ النَّبِيّ ﷺ دخل بَيْتَها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وصَلَّى ثَمانِي رَكَعاتٍ، فلم أر صلاةً قَطُّ أخَفَّ منها، غيرَ أنَّه يتمَّ الركُوعَ والسُّجُود. مُتَّفَق عليه (٥). ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أكثَرُها اثنَتَى عشرةَ رَكْعَة؛ لِما روَى أنس، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ

стр. 1742

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقولُ: «مَنْ صلي الضُّحَى ثِنْتَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَى الله لَهُ قصْرًا في الْجَنَّةِ - مِنْ ذَهَبٍ». رَواه ابنُ ماجه، والتِّرمذيّ (١)، وقال: حديثٌ غريبٌ. وأفْضَلُ وَقْتِها إذا عَلَتِ الشَّمسُ واشْتَدَّ حَرُّها؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ ترمَضُ الْفِصَالُ (٢)». رَواه مسلمٌ (٣). ويَمْتَدُّ وَقْتُها إلى زَوالِ الشَّمس، وأوَّلُه حينَ تَبْيَضُّ الشمسُ. فصل: قال بعضُ أَصْحابِنا: لا تُسْتَحَبُّ المُداوَمَةُ عليها؛ لأن النبيَّ ﷺ لم يكنْ يُداوِمُ عليها. قالت عائشةُ: ما رَأيتُ النَّبِيّ ﷺ يُصَلِّى

стр. 1743

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الضُّحَى قَطُّ. مُتَّفَقْ عليه (١). وعن عبدِ الله بنِ شَقِيقٍ، قال: قُلْتُ لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قالَتْ: لا، إلَّا أن يَجِيءَ مِن مَغيبه. رَواه مسلمٌ (٢). وقال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي لَيْلَى: ما حَدثَنِي أحدٌ قَط أنَّه رَأى النَّبِيّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أم هانِئٍ، فإنَّها حَدَّثَتْ أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَل بَيْتَها يَوْمَ فتحِ مَكةَ، فصَلى ثَمانِيَ رَكَعاتٍ، ما رأيتُه قَط صَلى صلاة أخَفَّ منها، غيرَ أنَّه كان يتم الركُوعَ والسجُودَ مُتفَق عليه (٣). ولأنَّ في المُداوَمَةِ عليها تَشْبِيهًا بالفَرائِض. وقال أبو الخطَّابِ: تُسْتَحَب المُداوَمَة عليها؛ لأن النَّبِيّ ﷺ وَصى بها أصحابَه، وقال: «منْ حَافَظَ عَلَى شَفْعَةِ (٤) الضُّحَى غُفِرَتْ لَهُ ذنوبُهُ وَإنْ كَانَتْ مثْلَ زَبد البَحْرِ». رَواه الترمِذِي، وابنُ ماجه (٥). ورَوَتْ عائشة، قالَتْ: كان رسولُ الله ﷺ يُصَلى الضُّحَى أرْبَعًا، ويزيدُ ما شاء اللهُ.

стр. 1744

وَهَلْ يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ رَواه مسلمٌ (١). ولأن أَحَبُّ العملِ إلى اللهِ ما داوَمَ عليه صاحِبُه، على ما

стр. 1745

فَصْلٌ: وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ، ــ ٥٠٨ - مسألة؛ قال الشيخُ، ﵀: (وسُجُودُ التِّلاوَةِ صلاةٌ) يَعْنِي يُشترَطُ له ما يُشتَرَطُ لصلاةِ النَّافِلَةِ؛ مِن سَتْرِ العَوْرَةِ، واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، والنية، والطهارَةِ مِن الحَدَثِ والنَّجَسِ، في قولِ عامةِ أهلِ العِلْمِ. ورُوِيَ عن عثمانَ، ﵁، في الحائِض تسْتَمِعُ السَّجْدَةَ، تُومِئُ برَأْسِها. وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: وتقولُ:

стр. 1746

وَهُوَ سُنة لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ دُونَ السَّامِعِ. ــ اللهمَّ لك سجَدْتُ. وقال الشعبي، في مَن سمَع السجْدَةَ على غيرِ وُضُوءٍ: يَسجدُ حيث كان وَجْهه. ولَنا، قوله ﷺ : «لَا يَقْبَل الله صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» (١). فيَدْخُل في عُمومِه السُّجُودُ. ولأنه سُجُود، فأشْبَهَ سُجُودَ السهْوِ. فعلى هذا إن سَمِع السجْدَةَ (٢) وهو مُحْدِث، لم يَلْزَمْه الوُضوءُ ولا التَّيْمُّمُ. وقال النَّخَعِي: يَتَيَمَّمُ، ويَسْجُدُ. [وعنه، يَتَوَضأ، ويَسْجُدُ (٣). وبه قال الثَّوْرِي، وإسحاقُ، وأصحابُ الرأيِ. ولَنا، أنها تَتَعلقُ بسَبَبٍ، فإذا فات لم يَسْجُدْ] (٤)، كما لو قَرَأ سَجْدَةً في الصلاةِ، فلم يَسْجدْ، [لم يَسْجُدْ] (٥) بعدَها. فعلى هذا، إن تَوَضأ لم يَسْجُدْ لفَواتِ سببِها, ولا يَتَيَمَّمُ لها مع وُجُودِ الماءِ؛ لأن الله تعالى شَرَط لجَوازِ التيممِ المَرَضَ أو عَدَمَ الماء، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما. فإن كان عادِمًا للماءِ فتَيمم، فله السُّجُودُ إذا لم يَطُلِ الفَصْلُ (٦)، لأنه لم يَبْعُدْ سَببُها، ولم يَفُتْ، بخِلافِ الوُضُوءِ. ٥٠٩ - مسألة: (وهو سُنَّة للقارئ والمُسْتَمِع دُونَ السّامعِ)

стр. 1747

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سُجُودُ التِّلاوَةِ سُنة مُؤكَّدَةٌ، وليس بواجِبٍ. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِه. وبه قال مالك، والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه بوُجُوبِه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (١). وهذا ذَمّ، ولا يُذَمُّ إلَّا على تَرْكِ الواجِبِ. ولأنَّه سُجُود يُفْعَلُ في الصلاةِ، أشْبَهَ سجُودَ صُلْبِها. ولَنا، ما رُوِيَ عن عُمَرَ، ﵁، أنَّه قَرَأ يومَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ سُورَةَ النّحْلِ (٢)، حتَّى إذا جاء السَّجْدَةَ [نَزَل، فسَجَدَ وسَجد النَّاس، حتَّى إذا كانَتِ الجُمُعَة القابِلَة قَرَأ بها، حتَّى إذا جاءَتِ السَّجْدَةُ] (٣) قال: يَا أيُّها

стр. 1748

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النّاسُ، إنما نمُرُّ بالسجُودِ، فمَن سَجَد فقد أصابَ، ومَن لم يَسْجُدْ فلا إثْمَ عليه. ولم يَسْجُدْ عُمَرُ. وفي لَفْظٍ: إن الله لم يَفْرِضْ علينا السجُودَ، إلَّا أن نَشاءَ. رَواه البُخارِي (١). وهذا كان يومَ الجُمُعَةِ بمَحْضَرٍ مِن الصحابَةِ وغيرِهم، ولم يُنْكرْ، فيَكُونُ إجْماعًا. وروَى زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، قال: قَرَأتُ على النَّبِيّ ﷺ سُورَةَ النَّجْمِ، فلم يَسْجُدْ منّا أَحَد. مُتفَق عليه (٢). فأما الآيَةُ فإنَّما ذَم فيها تارِكَ السجودِ غيرَ مُعْتَقِدٍ فَضْلَه، ولا مَشْرُوعِيته، وقِياسُهم يَنتَقِضُ بسُجُودِ السهْوِ، فإنَّه في الصلاةِ، وهو غيرُ واجِبٍ عندَهم. فصل: ويُسَنُّ للتالِي والمسُتمِع، وهو الذي يَقْصِدُ الاسْتِماعَ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمناه، سَواء كان التّالي في الصلاةِ، أو لم يكُنْ. فإن كان المسُتمِعُ في صلاةٍ فهل يَسْجُدُ بسُجُودِ التالي؛ على رِوايَتيْن؟ وذلك لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يَقْرأ علينا القُرْآنَ، فإذا [مَرّ بالسجْدَةِ] (٣) كَبر وسَجَد، وسَجَدْنا معه. رَواه أبو داودَ (٤). وروَى

стр. 1749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَيضًا، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأ علينا السُّورَةَ في غير الصلاةِ، فيَسْجُدُ، ونَسْجُدُ معه، حتَّى لا يَجِدَ أحَدُنا مَكانًا لموْضع جَبْهَتِه. مُتَّفَق عليه (١). فأمّا السامِعُ الذي لا يَقْصِدُ الاسْتِماعَ فلا يُسَن له، رُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وابنِ عباس، وعِمْرانَ بنِ حُصَيْن، ﵃. وبه قال مالكٍ. وقال أصْحابُ الرأيِ: عليهِ السجُودُ. ورُوِيَ نَحْوُه عن ابنِ عُمَرَ، والنخعِي، وإسحاقَ؛ لأنَّه سامِع للسَّجْدَةِ، أشبهَ المُسْتَمِعَ. وقال الشَّافعيّ: لا أؤكِّدُ عليه السجُودَ، وإن سَجَد فحَسَن. ولَنا، ما رُوِي عن عثمانَ، أنَّه مَر بقاصٍّ، فقَرَأ القاصُّ سَجْدَة ليَسْجُدَ عثمانُ معه، فلم يَسْجُدْ. وقال: إنما السَّجْدَةُ على مَن اسْتَمَعَ. وقال [ابنُ مَسْعُودٍ] (٢)، وعِمْرانُ: ما جَلَسْنا لها (٣). ولم يُعْلَم لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم. فأمَّا ابنُ عُمَرَ فإنَّما رُوِيَ عنه أنَّه قال: إنَّما السجْدَةُ على من سمِعَها.

стр. 1750

وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ القَارِئُ يَصْلُحُ إِمَامًا لَهُ، ــ فيَحْتَمِل أنَّه أراد مَن سَمِعَها قاصِدًا، ويَنْبَغِي أن يُحْمَلَ على ذلك، جَمْعًا بينَ أقْوالِهم، ولأنَّ السامِع لا يُشارِكُ التالِيَ في الأجْرِ، فلم يُشارِكْه في السجودِ كغيرِه، أمّا المستمِع فقد قال ﵇: «التَّالِي وَالْمسْتَمِع شَرِيكَانِ في الْأَجْرِ» (١). فلا يُقاس غيرُه عليه. ٥١٠ - مسألة: (ويُعْتَبَرُ أن يَكونَ القارِئُ يَصْلحُ إمامًا له) يُشْتَرَطُ لسُجُودِ المستمِع (٢) كَوْنُ التَّالِي يَصْلُح إمامًا له، فإن كان امرأةً، أو خُنثى مُشكلًا، لم يَسْجُدِ الرَّجل باسْتِماعِه، رِوايَةً واحِدَةً. وبهذا قال مالك، والشافعي، وإسحاق. ورُوِيَ ذلك عن قتادَةَ. والأصْلُ في ذلك ما رُوِيَ، أن رسولَ الله ﷺ أتَى إلى نَفَر مِن أصحابه، فقَرَأ رجلٌ منهم سَجْدَةً، ثم نَظَر إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : «إنَّكَ كنْتَ إمَامَنَا، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا». رَواه الشَّافعيّ، في «مُسْنَدِه» (٣).

стр. 1751

فَإنْ لَمْ يَجُدِ الْقَارِئُ، لَمْ يَسْجدْ. ــ والجوزَجانِيُّ (١)، في «المتَرْجَمِ»، عن عَطاءٍ، عن النَّبِيّ ﷺ . فإن كان التّالى أميًّا، سَجَد [القارِئُ المُسْتَمِعُ] (٢) بسُجودِه؛ لأن القِراءَةَ ليست برُكْن في السجودِ. وإن كان صَبِيًّا ففي سُجُودِ الرجلِ بسُجُودِه وجْهان؛ بِناءً على صِحةِ إمامتِه في النفل. ٥١١ - مسألة: (فإن لم يَسْجدِ القارِئُ، لم يَسْجُدْ) يَعْنِي إذا لم

стр. 1752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَسْجُدِ التالي لم يَسْجُدِ المُسْتَمِعُ. وقال الشافعيُّ: يَسْجُد: لوُجُودِ الاسْتِماعِ، وهو سَبَبُ السُّجُودِ. وقال القاضي: إذا كان التالِي في غيرِ صلاةٍ، وهناك مسُتمع للقِراءَةِ فلم يَسْجُدِ التالِي، لم يَسْجُدِ المُسْتَمِعُ، في ظاهِرِ كَلامِه. فدَلَّ على أنَّه قد رُوِيَ عنه السُّجُودُ. ولَنا، ما رَوَيْنا من الحَدِيثِ، ولأنه تابع له، فلم يَسْجُدْ بدُونِ سُجُودِه، كما لو كانا في الصلاةِ. وإن كان التّالِي في صلاة دُونَ المُسْتَمع، سَجَد معه. وإن كان المُسْتَمِعُ في صلاةٍ أخْرَى لم يَسْجُدْ، ولا يَنْبَغِي له الاسْتِماعُ؛ لقولِ النَّبِيّ ﷺ : «إنَّ في الصَّلَاةِ لَشُغْلا». مُتفَق عليه (١). فعلى هذا، لا يَسْجُدُ إذا فَرَغ مِن الصلاةِ. وقال أبو حنيفةَ: يَسْجُدُ؛ لأنَّ سَبَبَ السجُودِ وُجِدَ، وامْتَنَعَ لمُعارِض (٢)، فإذا زال المُعارِضُ سَجَد. ولَنا، أنَّه لو تَرِك السجُودَ لتِلاوَتِه في الصلاةِ لم يَسْجُدْ بعدَها، فلِئَلَّا يَسْجُدَ ثم بحُكْمِ تِلاوَةِ غيرِه أولَى. وعن أحمدَ في المسْتَمِعِ، أنَّه يَسْجُدُ إذا كان في تَطَوُّع؛ سَواء كان التالِي في صلاةٍ أخْرَى، أو لم يَكُنْ. قال شيخُنا (٣): والأولُ أصَحُّ؛ لأنه ليس بإمام له، فلا يَسْجُدُ لتِلاوَتِه، كما لو كان في فَرْضٍ.

стр. 1753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والرُّكُوعُ لا يَقُومُ مَقامَ السُّجُودِ. وحَكَى صاحِبُ «المسُتوْعِبِ» رِوايَة عن أحمدَ، أن رُكُوعَ الصلاةِ يَقُومُ (١) [مَقامَ السُّجُودِ. وقال أبو حنيفةَ: يَقُومُ] (٢) مَقامَه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٣). ولَنا، أنَّه سُجُود مَشروع، فلم يَقُمِ الرُّكُوعُ مقامَه، كسُجُودِ الصلاةِ، والآيَةُ أُريدَ بها السُّجُودُ، وعَبر عنه بالركُوعِ؛ بدَلِيلِ أنّه قال: ﴿وَخَرَّ﴾. ولا يُقالُ للراكِع: خَر. وإنما رُوِيَ عن داودَ ﵇ السُّجُودُ، ولو قُدِّرَ أنَّ داودَ رَكَع حَقِيقَةً، لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّه إنما فَعَل ذلك توْبَةً، لا لسُجُودِ التلاوَةِ.

стр. 1754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذا قَرَأ السَّجْدَةَ في الصلاةِ في آخِرِ السُّورَةِ؛ فإن شاء رَكَع، وإن شاء سَجَد، ثم قام فقَرَأ شيئًا مِن القُرآنِ ثم رَكَع، وإن شاء سَجَد ثم قام فرَكَعَ مِن غيرِ قراءَة. نَص عليه أحمدُ. وهذا قولُ ابنِ مسعود، والربِيعِ بنِ خُثَيْم (١)، وإسحاق، وأصحابِ الرأيِ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه قَرَأ بالنَّجْمِ فسَجَدَ فيها، ثم قام فقَرَأ سُورَةً أخْرَى. فصل: وإذا قَرَأ السَّجْدَةَ على الراحِلَةِ في السَّفَرِ، أوْمَأ بالسجودِ حيث كان وَجْهه. وقال القاضي: إن أمْكَنَه أن يَسْتَفتِحَ بها القِبْلَةَ فَعلَه، وإن كان لا تُطِيقُ دابتُهُ، احْتَمَلَ أن لا يَسْتَفْتِحَ بها، واحْتَمَلَ أنَّه لا بُد مِن الاسْتِفْتاحِ. وقد رُوِيَ الإيماءُ به على الراحِلةِ عن عليٍّ، وسعيدِ بنِ زَيْدٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ الزبَيْرِ. وبه قال مالك والشافعي، وأبو ثَوْر، وأصحابُ الرَّأيِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قَرَأ عامَ الفَتْح سَجْدَةً،

стр. 1755

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فسَجَدَ النَّاسُ كلهم؛ منهم الراكِب والسَّاجدُ بالأرض، حتَّى إن الرّاكِبَ ليَسْجُدُ على يده. رَواه أبو داودَ (١). ولأَنه صلاةُ تَطَوُّع، أشْبَهَ سائِرَ التَّطَوعِ. وإن كان ماشيًا سَجد بالأرض، وبه قال أبو العالِيَةِ، وأبو ثوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْيِ؛ لِما ذَكَرْنا. وقال الأسْودُ بنُ يَزِيدَ (٢)، وعَلْقَمةُ، وعَطاء، ومجاهِد: يُومِئُ. وقد قال أبو الحسنِ الآمِدِي، في صلاةِ الماشِي: يومِئُ. وهذا مثله.
следующие страницы →