← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

فَإنْ لَمْ يَجُدِ الْقَارِئُ، لَمْ يَسْجدْ. ــ والجوزَجانِيُّ (١)، في «المتَرْجَمِ»، عن عَطاءٍ، عن النَّبِيّ ﷺ . فإن كان التّالى أميًّا، سَجَد [القارِئُ المُسْتَمِعُ] (٢) بسُجودِه؛ لأن القِراءَةَ ليست برُكْن في السجودِ. وإن كان صَبِيًّا ففي سُجُودِ الرجلِ بسُجُودِه وجْهان؛ بِناءً على صِحةِ إمامتِه في النفل. ٥١١ - مسألة: (فإن لم يَسْجدِ القارِئُ، لم يَسْجُدْ) يَعْنِي إذا لم

стр. 1752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَسْجُدِ التالي لم يَسْجُدِ المُسْتَمِعُ. وقال الشافعيُّ: يَسْجُد: لوُجُودِ الاسْتِماعِ، وهو سَبَبُ السُّجُودِ. وقال القاضي: إذا كان التالِي في غيرِ صلاةٍ، وهناك مسُتمع للقِراءَةِ فلم يَسْجُدِ التالِي، لم يَسْجُدِ المُسْتَمِعُ، في ظاهِرِ كَلامِه. فدَلَّ على أنَّه قد رُوِيَ عنه السُّجُودُ. ولَنا، ما رَوَيْنا من الحَدِيثِ، ولأنه تابع له، فلم يَسْجُدْ بدُونِ سُجُودِه، كما لو كانا في الصلاةِ. وإن كان التّالِي في صلاة دُونَ المُسْتَمع، سَجَد معه. وإن كان المُسْتَمِعُ في صلاةٍ أخْرَى لم يَسْجُدْ، ولا يَنْبَغِي له الاسْتِماعُ؛ لقولِ النَّبِيّ ﷺ : «إنَّ في الصَّلَاةِ لَشُغْلا». مُتفَق عليه (١). فعلى هذا، لا يَسْجُدُ إذا فَرَغ مِن الصلاةِ. وقال أبو حنيفةَ: يَسْجُدُ؛ لأنَّ سَبَبَ السجُودِ وُجِدَ، وامْتَنَعَ لمُعارِض (٢)، فإذا زال المُعارِضُ سَجَد. ولَنا، أنَّه لو تَرِك السجُودَ لتِلاوَتِه في الصلاةِ لم يَسْجُدْ بعدَها، فلِئَلَّا يَسْجُدَ ثم بحُكْمِ تِلاوَةِ غيرِه أولَى. وعن أحمدَ في المسْتَمِعِ، أنَّه يَسْجُدُ إذا كان في تَطَوُّع؛ سَواء كان التالِي في صلاةٍ أخْرَى، أو لم يَكُنْ. قال شيخُنا (٣): والأولُ أصَحُّ؛ لأنه ليس بإمام له، فلا يَسْجُدُ لتِلاوَتِه، كما لو كان في فَرْضٍ.

стр. 1753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والرُّكُوعُ لا يَقُومُ مَقامَ السُّجُودِ. وحَكَى صاحِبُ «المسُتوْعِبِ» رِوايَة عن أحمدَ، أن رُكُوعَ الصلاةِ يَقُومُ (١) [مَقامَ السُّجُودِ. وقال أبو حنيفةَ: يَقُومُ] (٢) مَقامَه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٣). ولَنا، أنَّه سُجُود مَشروع، فلم يَقُمِ الرُّكُوعُ مقامَه، كسُجُودِ الصلاةِ، والآيَةُ أُريدَ بها السُّجُودُ، وعَبر عنه بالركُوعِ؛ بدَلِيلِ أنّه قال: ﴿وَخَرَّ﴾. ولا يُقالُ للراكِع: خَر. وإنما رُوِيَ عن داودَ ﵇ السُّجُودُ، ولو قُدِّرَ أنَّ داودَ رَكَع حَقِيقَةً، لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّه إنما فَعَل ذلك توْبَةً، لا لسُجُودِ التلاوَةِ.

стр. 1754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذا قَرَأ السَّجْدَةَ في الصلاةِ في آخِرِ السُّورَةِ؛ فإن شاء رَكَع، وإن شاء سَجَد، ثم قام فقَرَأ شيئًا مِن القُرآنِ ثم رَكَع، وإن شاء سَجَد ثم قام فرَكَعَ مِن غيرِ قراءَة. نَص عليه أحمدُ. وهذا قولُ ابنِ مسعود، والربِيعِ بنِ خُثَيْم (١)، وإسحاق، وأصحابِ الرأيِ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه قَرَأ بالنَّجْمِ فسَجَدَ فيها، ثم قام فقَرَأ سُورَةً أخْرَى. فصل: وإذا قَرَأ السَّجْدَةَ على الراحِلَةِ في السَّفَرِ، أوْمَأ بالسجودِ حيث كان وَجْهه. وقال القاضي: إن أمْكَنَه أن يَسْتَفتِحَ بها القِبْلَةَ فَعلَه، وإن كان لا تُطِيقُ دابتُهُ، احْتَمَلَ أن لا يَسْتَفْتِحَ بها، واحْتَمَلَ أنَّه لا بُد مِن الاسْتِفْتاحِ. وقد رُوِيَ الإيماءُ به على الراحِلةِ عن عليٍّ، وسعيدِ بنِ زَيْدٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ الزبَيْرِ. وبه قال مالك والشافعي، وأبو ثَوْر، وأصحابُ الرَّأيِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قَرَأ عامَ الفَتْح سَجْدَةً،

стр. 1755

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فسَجَدَ النَّاسُ كلهم؛ منهم الراكِب والسَّاجدُ بالأرض، حتَّى إن الرّاكِبَ ليَسْجُدُ على يده. رَواه أبو داودَ (١). ولأَنه صلاةُ تَطَوُّع، أشْبَهَ سائِرَ التَّطَوعِ. وإن كان ماشيًا سَجد بالأرض، وبه قال أبو العالِيَةِ، وأبو ثوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْيِ؛ لِما ذَكَرْنا. وقال الأسْودُ بنُ يَزِيدَ (٢)، وعَلْقَمةُ، وعَطاء، ومجاهِد: يُومِئُ. وقد قال أبو الحسنِ الآمِدِي، في صلاةِ الماشِي: يومِئُ. وهذا مثله.

стр. 1756

وَهُوَ أربَعَ عَشَرةَ سَجْدَةً، ــ ٥١٢ - مسألة؛ قال: (وهو أربَعَ عشرةَ سَجْدَة) اخْتَلَفُوا في سُجُودِ القُرآنِ، فالمشهُورُ في المَذهْبَ أن عَزائِمَ السُّجُودِ أربَعَ عَشرةَ سَجْدَة؛ منها ثَلاث في المُفَصَّلِ، وليس منها سَجْدَةُ ص، ومنها اثْنَتان في الحَجِّ. وهذا أحَدُ قَوْلَى أبي حنيفةَ، والشافعيّ، إلَّا أن أَبا حنيفةَ جَعَل سَجْدَةَ ص بَدلًا من السَّجْدَةِ الثَّانِيَة مِن الحَجِّ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّها خَمسَ عشرةَ، منها سَجْدَةُ ص. ورُوِيَ ذلك عن عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ، وهو قولُ إسحاقَ، لِما رُوىَ عن عَمرِو به. العاص، أن رسولَ اللهِ ﷺ أقْرَأه خمسَ عشرةَ سَجْدَة، منها ثَلاث في المُفَصَّلِ، وفي الحَجِّ سَجْدَتان (١). رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (٢). وقال مالك في رِواية، والشافعي في قول: عَزائِمُ السُّجُودِ إحدَى عَشرةَ سَجْدَةً. ويروَى هذا القولُ عن ابن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، منها سَجْدَةُ ص، وأولُ الحَجِّ دُونَ آخِرِها، وليس فيها سَجَداتُ المفَصَّلِ. ورُوِيَ عن ابن عباس أنَّه عدَّها عَشرًا، وأسْقَطَ منها سَجْدَةَ ص، لِما روَى أبو الدرداءِ، قال: سَجَدتُ مع النبيّ ﷺ إحدَى عشرةَ سَجْدَة (٣)، ليس فها مِن المُفَصَّلِ شيءٌ.

стр. 1757

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رواه ابنُ ماجه (١). وقال ابنُ عباسٍ: إنَّ النَّبِيّ ﷺ لم يَسْجدْ في شئٍ مِن المُفَصَّلِ منذُ تَحَوَّلَ إلى المَدِينَةِ. رواه أبو داودَ (٢). ولَنا، ما روَى أبو رافِع، قال: صَليْتُ خلفَ أبي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ، فقَرَأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. فسَجَدَ، فقُلْتُ: ما هذه السَّجْدَةُ؟ قال: سَجَدتُ بها خلفَ أبي القاسِمِ ﷺ فلا أزالُ أسْجُدُ فيها حتَّى ألْقاه. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن أبي هُرَيرةَ، قال: سَجَدنا مع رسولِ اللهِ ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. أخْرَجَه مسلمٌ (٤). وعن عبدِ اللهِ

стр. 1758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ، فسَجَدَ فيها، وما بَقِيَ مِن القَوْمِ أحَدٌ إلَّا سَجَد. مُتَّفَقٌ عليه (١). وهذا مُقَدَّم على قولِ ابنِ عباس؛ لأنه إثْبات، والإثْباتُ مُقَدَّمٌ على النَّفْيِ، وأبو هُرَيرةَ إنَّما أسْلَمَ بعدَ الهِجْرَةِ فِي السنةِ السابِعَةِ، ويمكِنُ الجَمعُ بينَ الأحادِيثِ بحَملِ السُّجُودِ على الاسْتِحبابِ، وتركِه السُّجودَ يَدُلُّ على عَدَمِ الوُجُوب، فلا تَعارُضَ إذًا. وأمّا رِوايَةُ كَوْنِ السُّجُودِ خَمسَ عَشْرَةَ، فمَبْناه على أنَّ منها سَجْدَةَ ص. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ، وابنه، وعثمانَ، أنَّهم سَجَدُوا فيها، وهو قَوْلُ الحسنِ، ومالكٍ، والثَّوْري، وأصحابِ الرأيِ؛ لِما روَى ابنُ عباس، أن النَّبِيّ ﷺ سَجَد فيها (٢). وظاهِرُ المَذْهبِ أنَّها ليست مِن عَزائِمَ السُّجُودِ. رُوِيَ ذلك عن [بنِ مسعودٍ] (٣) وابنِ عباسٍ،

стр. 1759

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعَلْقَمَةَ. وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قَرَأ رسولُ اللهِ ﷺ على المِنبَرِ ص، فنَزَلَ فسَجَدَ، وسَجَد النَّاسُ معه، فلَمّا كان يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فلما بَلَغ السجْدَة تَشَزَّنَ النَّاسُ (١) للسُّجُودِ، فقال رسولُ الله ﷺ : «إنَّما هِيَ تَوْبَةُ نَبيٍّ، وَلَكنِّي رَأيْتُكم تَشزَّنتُم لِلسجُودِ». فنَزَلَ، فسَجَدَ، وسَجَدُوا. رواه أبو داودَ (٢). وعن ابنِ عباس، أنّ النبيَّ ﷺ سَجَد في ص، وقال: «سَجَدَها دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنحنُ نَسْجُدُها شُكْرًا». أَخْرَجه النَّسائيُّ (٣). وقال ابنُ عباس: ليست ص مِن عَزائِمِ السُّجُودِ. والحديثُ الذى ذَكَرنَاه للروايةِ الأولَى مِن أن النَّبِيّ ﷺ سَجَد فيها، يَدُلُّ على أنَّه إنما سَجَد فيها [شُكْرًا، كما بَينَ في حَدِيثِ ابنِ عباس. فإذا قُلْنا: ليست مِن عَزائمِ السجُودِ، فسَجَدَهَا] (٤) في الصلاةِ، احتَمَلَ أن لا تَبْطُلَ صلاتُه؛ لأنَّ سَبَبَها القِرَاءَةُ في الصلاةِ، أشْبَهَتْ عَزائِمَ السجُودِ، واحتَمَلَ أن تَبْطُلَ صلاتُه إذا فَعَل ذلك عَمدًا، كسائِرِ سُجُودِ الشكْرِ. والله أعلمُ.

стр. 1760

فِي الْحَجِّ مِنْها اثْنَتَانِ. ــ ٥١٣ - مسألة؛ قال: (في الحَجِّ منها اثْنَتان) وهذا قول الشَّافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وممَن كان يَسْجُدُ فها سَجْدَتَيْن؛ عُمَرُ، وعليٌّ، وعبدُ الله بن عُمَرَ (١)، وأبو الدرداءِ، وأبو موْسى. وقال ابنُ عباس: فَضُلَتِ الحَج بسَجْدَتَيْن. وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، والنخَعيُّ، ومالك، وأصحابُ الرأيِ: ليستِ الثانِيَةُ بسَجْدَةٍ (٢)، لأنَّه جَمَع فيها بينَ الركُوعِ والسُّجُودِ، فلم تَكُنْ سَجدَة، كقولِه: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٣). ولَنا، حديثُ عمرِو بنِ العاص، الذى ذكَرْناه (٤). وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر، قال: قلتُ لرسولِ الله ﷺ : في سُورَةِ الحَج سَجْدَتان؟ قال: «نَعَم، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدهُمَا فَلَا يَقْرَأهمَا». رَواه أبو داودَ (٥). وقال أبو إسْحاقَ: أدرَكْتُ النَّاسَ منذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَسْجُدُون في الحَجِّ سَجْدَتَيْن. وقال ابنُ عُمَرَ: لو كُنْتُ تارِكًا إحداهما، لتَرَكْتُ الأولَى. وذلك لأن الأولَى أخبار، والثانِيَةَ أمْرٌ، واتباعُ الأمرِ أوْلَى. فصل: ومَواضِعُ السَّجَدات؛ آخِرُ، الأعرافِ، وفي

стр. 1761

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرَّعْدِ: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (١). وفي النخلِ: ﴿ويَفْعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ﴾ (٢). وفي بنِي إسرائِيلَ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٣). وفي مَريَمَ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٤). وفي الحَج: ﴿الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. والثانِيَةُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥). وفي الفُرقانِ: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٦). وفي النملِ: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٧). وفي ألمَ تنزيل السجْدَةُ: ﴿وَهمْ لَا يَسْتَكبِرُون﴾ (٨). وفي حمَ السَّجْدَةُ: ﴿وَهمْ لَا يَسْئَمونَ﴾ (٩). وآخِرُ النَّجْمِ، وفي سُورَةِ الانْشِقاقِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (١٠). وآخِرُ اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّك: ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ (١١). ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أن السُّجُودَ في حمَ عندَ قَولِه: ﴿إيَّاهُ تَعبُدُونَ﴾ (١٢). وحَكاه ابنُ أبي موسى. وبه قال

стр. 1762

وَيكَبِّرُ إذَا سَجَدَ، وإذَا رَفَعَ، ــ الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وِأصحابُ عبدِ اللهِ، والليْثُ، ومالكٌ؛ لأنَّ الأمرَ بالسجُودِ فيها. ولَنا، أنَّ تَمامَ الكَلامِ في الثانيةِ، فكان السُّجُودُ بعدَها، كما في سَجْدَةِ النَّحْلِ عندَ قَوْلِه: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وذِكرُ السَّجْدَةِ في التى قَبْلَها. ٥١٤ - مسألة؛ قال: (ويُكَبِّرُ إذا سَجَد، وإذا رَفَع) (١) متى سَجَد للتلاوَةِ فعليه التَّكبِيرُ للسجُودِ والرَّفْع منه، في الصلاةِ وغيرِها. وبه قال الحسن (٢)، وابنُ سيرِينَ، والنخَعيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ

стр. 1763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرَّأْيِ. وبه قال مالكٌ، إذا سَجَد في الصلاة. واخْتَلَفَ (١) عنه في غيرِ الصلاةِ. وقال ابنُ أبي موسى: في التكْبِيرِ، إذا رَفَع رَأسَه مِن سُجودِ التلاوَةِ، اخْتِلافٌ في (٢) الصلاةِ وغيرِها. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأ علينا القرآنَ، فإذا مَر بالسجْدَةِ كَبر وسَجَد، وسَجَدنا معه. قال عبدُ الرزّاقِ: كان الثوْرِي يعجبُه هذا الحديثُ. قال أبو داودَ: يعجبُه؛ لأنه كَبر. رَواه أبو داودَ (٣). ولأنَّه سُجُود مُنْفردٌ، فشُرِعَ التكْبِير في ابْتِدائِه والرفع منه، كسُجُودِ السهْوِ بعدَ السلامَ. فصل: ولا يُشْرَعُ في ابتداءِ السجُودِ أكثرُ من تَكبِيرَةٍ. وقال الشَّافعيّ: إذا سَجَد خارِجَ الصلاةِ كَبر تَكبِيرَتَيْن؛ للافْتِتاحِ، والسُّجُودِ، كما لو صَلى رَكْعَتَيْن. ولَنا، حديثُ ابنِ عُمَرَ، وظاهِره أنَّه كبر واحِدَةً، ولأنَّ معرِفَةَ ذلك مِن الشرعَ، ولم يرد به، ولأنه سُجُود مُفْرَد، فلم يُشرع فيه تَكبِيرَتان، كسُجُودِ السَّهْوِ، وقِياسُهُم يَبْطُلُ بسُجُودِ السهْوِ، وقِياسُ هذا على سُجُودِ السَّهوِ أوْلَى مِن قِياسِه على الركْعَتَيْن؛ لشَبَهِه به، ولأن الإحرامَ بالركْعَتَيْن يَتَخلل بينَه وبينَ السُّجُودِ أفْعال كثيرَةَ، فلذلك لم يُكتَفَ بتَكْبِيرَةِ الإحرام عن تَكبِيرَةِ السُّجُودِ، بخِلافِ هذا.

стр. 1764

وَيَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ، وَلَا يَتَشَهدُ. ــ ٥١٥ - مسألة: (ويَجْلِسُ ويسَلمُ، ولا يَتَشَهَّدُ) المشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّ التسْلِيمَ واجِبٌ في سُجُودِ التِّلاوَةِ. وبه قال أبو قلابَة، وأبو عبدِ الرحمنِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «تَحرِيمها التكْبِير، وَتَحلِيلُها التَّسْلِيم» (١). ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ إحرامٍ، فوَجَبَ السَّلامُ فيها، كسائِرِ الصلواتِ. وفيه رِوايَة أخْرَى، لا تَسْلِيمَ فيه (٢). وبه قال النخعيُّ،

стр. 1765

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبير. ورُوِيَ ذلك عن أبي حنيفةَ. واخْتَلَف قولُ الشَّافعيّ فيه. قال أحمدُ: أمَا التَّسْلِيمُ فلا أدرِي ما هو؛ لأنه لم ينقَلْ عن النَّبِيّ ﷺ [فيه سَلامٌ] (١). فعلى قَوْلنا بوُجُوبِ السلامِ يُجْزِئُه تَسْلِيمَة واحِدة (٢). نص عليه أحمدُ. وبه قال إسحاقُ، قال: يقولُ: السلامُ عليكم. وذَكَر القاضي في «المُجَردِ» عن أبي بكر، رِوايَة، لا تُجْزِئُه إلَّا اثْنَتان. والصحِيحُ الأولُ؛ لأنَّها صلاةٌ ذات إحْرام لا رُكُوعَ فيها، أشبهتْ صلاةَ الجنازَةِ، ولا تَفْتَقِرُ إلى تَشَهُّدٍ. نَص عليه أحمدُ؛ لأنه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيّ ﷺ ، ولا عن أحَدٍ مِن أصحابه. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه يَفْتَقِر إلى التشَهدِ، قِياسًا على الصلاةِ. ولَنا، أنها صلاة لا رُكوعَ فيها، فلم تفْتَقر إلى تَشهدٍ، كصلاةِ الجِنازَةِ، ولا يَسْجُدُ فيه للسَّهْوِ، كصلاةِ الجِنازَةِ. فصل: ويقولُ في سُجُودِه ما يَقُولُ في سُجُودِ صلْبِ الصلاةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن قال ما رُوِيَ عن النَّبِيّ ﷺ فحَسَن. قالَتْ عائشةُ: إن النَّبِيّ ﷺ كان يَقولُ في سُجُودِ القُرآنِ بالليْلِ: «سَجَدَ وَجْهى لِلذِي خَلَقَهُ

стр. 1766

وَإنْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ رَفَع يَدَيْهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يرفَعُهُا. ــ وَصَوَّرهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» (١). قال الترمِذِي: هذا حديث حسن صحيح. وعن ابنِ عباس، قال: جاء رجل إلى النَّبِيّ ﷺ ، فقال: يَا رسولَ الله إنِّي رَأيْتُنِي اللَّيْلَةَ أُصَلِّي خلفَ شَجَرَةٍ، فقَرَأْتُ السجْدَةَ، فسَجَدْتُ، فسْجَدَتِ الشجرَةُ لسُجُودِي، فسَمعْتُها وهي تقولُ: اللَّهُمَّ اكتب لي بها عندَك أجْرًا، وضَع عَنى بها وِزْرًا، واجْعَلْها لِي عندَكْ ذُخْرا، وتَقَبلَها مِنِّي كما تَقَبَّلْها مِن عَبْدِك داودَ. فقَرَأ النبيُّ ﷺ سَجدَةً ثم سَجَد، فقالَ ابنُ عباس: فسَمِعتُه يقُولُ مثلَما أخْبرَه الرجلُ عن قولَ الشَّجَرَةِ. رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِيّ (٢)، وقال: غريب. ومهما قال مِن نحوِ ذلك فحَسَنٌ. ٥١٦ - مسألة؛ قال: (وإذا سَجَد في الصلاةِ رَفَع يدَيْه. نَصَّ عليه. وقال القاضي: لا يرفَعُهما) متى سَجَد للتِّلاوَةِ خارِجَ الصلاةِ رَفَع

стр. 1767

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَدَيْه في تَكْبِيرَةِ الابتِداءِ؛ لأنَّها تَكْبِيرَةُ إحرام (١)، وإن كان في الصلاةِ فكذلك. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْر، قال: قلْتُ لأنظُرَن إلى صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ فكان يُكبر إذا خَفَض ورَفَع، ويَرفَعُ يَدَيْه في التكبيرِ (٢). قال أحمدُ: هذا يدخُلُ في هذا كلِّه. وفي رِوايَةِ أخْرَى، لا يرفعُ يَدَيْه في الصلاةِ. اخْتَاره القاضي. وهوِ قِياسُ المَذْهبَ، لقولِ ابنِ عُمَرَ، وكان لا يَفْعَلُ ذلك في السُّجُودِ. مُتفق عليه (٣). ويَتَعينُ تقْدِيمُه على حديثِ وائِلِ بنِ حُجْر؛ أنَّه أخَص منه، ولذلك قُدِّمَ عليه في سُجُودِ الصلاةِ، كذلك هاهُنا.

стр. 1768

وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْإمَامِ السُّجُودُ فِي صَلَاةٍ لَا يُجْهرُ فِيها، ــ فصل: ويُكْرَهُ اخْتِصارُ السُّجُودِ، وهو أن يَنْتَزِعَ الآيات التى فيها (١) السُّجُودُ، فيَقْرَأَها، ويَسْجُدَ فيها. وبه قال الشَّعبِي، والنخعيُّ، والحسنُ، وإسحاقُ. ورَخَّصَ فيه أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثَورٍ. وقِيل: اخْتِصارُ السُّجُودِ أن يَحْذِف في القِراءَةِ آياتِ السُّجُودِ. وكِلاهما مَكْرُوهٌ؛ لأنه لم يروَ عن السلَفِ، ﵏، بل المَنْقُولُ عنهم كَراهتُه. ٥١٧ - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ للإمامِ السُّجُودُ في صلاةٍ لا يُجْهرُ فيها) قال بعضُ أصحابِنا: يكرهُ للإمام قراءةُ السجْدَةِ في صلاةِ السِّر، فإن قَرأ لم يَسْجدْ. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأَنَّ فيه إيهامًا على المَأمُومِ. وقال الشَّافعيّ: لا يُكرهُ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن النَّبِيّ ﷺ سَجَد في الظهْرِ، ثم قام فرَكَعَ، فَرأَى أصحابُه أنَّه قرَأ سُورَةَ السجْدَةِ. رَواه أبو داودَ (٢).

стр. 1769

فَإنْ فَعَلَ، فَالْمَأمُومُ مُخَير بَيْنَ أتباعِهِ وتَركِهِ. ــ قال شيخُنا (١): واتِّباعُ سُنةِ النَّبِيّ ﷺ أوْلَى. ٥١٨ - مسألة: (فإن سَجَد، فالمَأمُومُ مُخَيَّر بينَ اتباعِه وتَركِه) كذلك قال بعضُ أصحابِنا؛ لأنه ليس بمَسْنُونٍ للإمامِ، ولم يُوجَدْ الاسْتِماع المُقْتَضِي للسُّجُودِ. قال شيخُنا (٢): والأوْلَى السجُودُ؛ لقول النَّبِيّ ﷺ : «إنمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (٣). وما ذَكَرُوه يَبْطُل بما إذا كان المَأمُومُ بَعِيدًا، أو أُطْرُوشًا في صلاةِ الجَهْرِ، فإنَّه يَسْجد بسُجُودِ إمامِه، وإن لم يَسْمَع.

стр. 1770

وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النَّعَمِ، وَانْدِفَاعِ النَّقَمَ، ــ ٥١٩ - مسألة: (ويُسْتَحَب سُجُودُ الشُّكر عندَ تَجَدُّدِ (١) النِّعَمِ، وانْدِفاعِ النِّقَمِ) وبهذا قال الشَّافعيّ، وإسحاقُ، وأبو ثَور، وابن المُنْذِرِ. وقال النَّخَعيُّ، ومالك، وأبو حنيفةَ: يُكْرهُ؛ لأَنَّ النَّبِيّ ﷺ كان في أيامِه الفُتُوحُ، واسْتَسْقَى فسُقِيَ، ولم يُنْقَلْ أنَّه سَجَد، ولو كان مُسْتَحبا لم يُخِلَّ به. ولَنا، ما روَى أبو بَكْرَةَ، أن النَّبِيّ ﷺ إذا أتاهُ أمرٌ [يُسَرُّ به] (٢) خرَّ ساجِدًا. رَواه ابنُ المُنْذِرِ (٣). وسَجَد الصديقُ حينَ

стр. 1771

وَلَا يَسْجُدُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ. ــ بُشِّرَ بفَتْحِ اليَمامَةِ (١)، وعليٌّ حينَ وَجَد ذا الثُّدَيَّة (٢)، ورُوِيَ عن غيرِهما مِن الصحابَةِ، فثَبَتَ ظُهُورُه وانْتشارُه. وتَرْكه تارَةً لا يَدُل على عَدَمِ اسْتِحْبابِه، فإن المُسْتَحَب يفْعَلُ تارَةً، ويُتْرَكُ أخْرَى. وصِفَة سُجُودِ الشُّكْرِ كصِفَةِ سُجُودِ التلاوَةِ في أفْعالِه وأحْكامِه وشُرُوطِه، على ما بَيَّنَّا. ٥٢٠ - مسألة: (ولا يَسْجُدُ له في الصلاةِ) لا يَجُوزُ أن يَسْجُد

стр. 1772

فَصْلٌ: فِي أوْقَاتِ النَّهْيِ، وَهِيَ خَمسَةٌ؛ بعدَ طُلُوعِ الْفَجْر ــ للشُّكْرِ في الصلاةِ؛ لأن سَبَبَه ليس منها، فإن فَعَل بَطَلَتْ صلاتُه إن كان عَمدًا، كما لو زاد فيها سُجُودًا غيرَه، وإن كان ناسِيًا، أو جاهِلًا بتَحرِيم ذلك لم تَبْطُلْ صلاتُه، كما لو زاد في الصلاةِ سُجُودًا ساهِيًا. والله أعلمُ. وقال ابن الزاغونيِّ: يَجُوزُ في الصلاةِ. والأوَّلُ أوْلَى. فصل: في أوْقاتِ النهْيِ، وهي خَمسَة؛ بعدَ طُلُوعِ الفَجْر حتَّى تَطْلُع

стр. 1773

حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمس، وَبَعدَ الْعَصرِ، وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمس حَتَى ترتَفِعَ قِيدَ رمْح، وَعِنْدَ قِيَامها حَتَى تَزُولَ، وإذا تَضَيَّفَتْ لِلْغُرُوبِ حَتى تَغْرُبَ. ــ الشمسُ، وبعدَ العصرِ، وعندَ طُلُوعِها حتَّى ترتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ، وعندَ قِيامِها حتَّى تَزُول، وإذا تَضَيَّفَتْ (١) للغرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ) كذلك عَدَّها

стр. 1774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أصحابُنا خمسَةَ أوْقاتٍ كما ذَكرنا. وقال بعضُهم: الوَقْتُ الخامس مِن حينِ شُرُوعِ الشَّمس في الغُرُوبِ إلى تَكامُلِه؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمس فَأخرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإذَا غَابَ حَاجبُ الشَّمس فَأخرُوا الصلَاةَ حَتى تَغِيب» (١). ووَجْهُ القولِ الأَولِ حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامِر الذى نَذْكُرُه، إن شاء الله تَعالَى. قال شيخُنا (٢): والمَنْهِيُّ عنه مِن الأوْقاتِ عندَ أَحْمد: بعدَ الفَجْرِ حتَّى تَرتَفِعَ الشَّمس، وبعدَ العَصرِ حتَّى تَغْرُبَ، وعندَ قِيامِها حتَّى تَزُولَ. وهو في مَعنَى قول الأصحابِ. وهذه الأوْقاتُ مَنْهىٌّ عن الصلاةِ فيها، وهو قولُ الشَّافعيّ، وأصحابِ الرأيِ. والأصلُ فيها ما روَى ابنُ عباس، قال: شَهِد عندِي رجال مَرضِيُّونَ، وأرضاهم عندِي عُمَرُ، أنَّ النَّبِيّ ﷺ نَهى عن الصلاةِ بعدَ الصُّبحِ حتَّى تُشْرِقَ الشمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ

стр. 1775

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشمسُ. وعن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لَا صَلَاةَ بعدَ الصُّبحِ حَتى ترتَفِعَ الشَّمس، وَلَا صَلَاةَ بعدَ الْعصرِ حَتى تَغِيبَ الشَّمسُ». مُتفَق عليهما (١). وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر، قال: ثَلاث ساعات كان النَّبِيُّ ﷺ يَنْهانا أن نُصَلِّيَ فيهِن، وأن نَقْبرَ فيهِن مَوْتانا؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمس بازِغَة حتَّى ترتَفِعَ، وحِينَ يَقُومُ قائمُ الظهِيرَةِ حتَّى تَمِيلَ، وحِينَ تتَضَيَّفُ الشَّمس للْغُرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ. وعن عمرِو بنِ عَبَسَة (٢)، قال: قلتُ يَا رسولَ الله، أخْبرني عن الصلاةِ قال: «صَلِّ صَلَاةَ الصبح، ثُمَّ أقصر عَنِ الصلَاةِ حَتى (٣) تَطْلُعَ الشَّمس حَتَّى ترتَفِعَ؛ فَإنها تَطْلُعُ حِينَ

стр. 1776

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَطْلُعُ بَيْنَ قرنَيْ شَيْطَان، وحِينَئذٍ يَسْجُدُ لَها الْكُفارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإنَّ الصَّلَاةَ مَحضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمْحِ، ثم أقصر عن الصَّلَاةِ؛ فإنَّه حيِنَئِذٍ تُسْجَرُ جهنَّمُ، فَإذَا أقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ، فإنَّ الصلَاة مَشْهُودَةٌ مَحضورَةٌ، حَتَّى تُصَلىَ الْعصرَ، ثُم أقْصر فَي الصَّلَاةِ حَتَى تَغْربَ الشَّمس؛ فإنَّها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرنيْ شَيْطَانٍ، وَحِينئذٍ يَسْجُدُ لَها الْكُفَّارُ». رَواهما مسلمٌ (١). وقال ابن المُنْذِرِ: إنَّما المَنْهِيُّ عنه الأوْقاتُ الثَّلَاثةُ التى في حديثِ عُقْبَةَ؛ بدَليل تَخْصِيصِها بالنَّهْيِ في حدِيثِه. وقَوْلُه: «لَا تُصَلُّوا بَعدَ الْعصرِ إلَّا أنْ تُصَلُّوا وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ». رَواه أبو داودَ (٢). وقالت

стр. 1777

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عائشةُ: وَهِمَ عُمَرُ، إنَّما نَهى رسولُ الله ﷺ أن يَتَحَرَّى طُلُوع الشَّمس أو غرُوبَها (١). ولَنا، ما ذَكَرنا مِن الأحاديث، فإنّها صحيحِةٌ صَرِيحَةٌ. والتَّخْصِيصُ في بعض الأحاديثِ لا يُعارِضُ العُمُومَ الموافِقَ له، بل يَدُلُّ على تَأكُّدِ الحُكْمِ فيما خَصَّه، وقولُ عائشةَ في رَدِّ خَبَر عمَرَ غيرُ مَقْبولٍ، فإنَّه مُثْبِتٌ لروايَتِه عن النَّبِيِّ ﷺ ، وهي تَقُولُ برَأْيِها، ثم هي قد رَوَتْ ذلك أَيضًا، فرَوَتْ أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يُصلِّى بعدَ العصرِ، ويَنْهى عنها. رَواه أبو داودَ (٢). فكيف يُقْبَلُ رَدُّها لِما قد أقَرَّتْ بصِحَتِه؟ وقد رَواه أبو سعيدٍ، وأبو هُرَيرةَ، وعمرو بنُ عَبسَةَ، وغيرُهم، كنَحوِ رِوايَةِ عُمَرَ، فكيف يُتركُ هذا بمُجَرَّدِ رَأى مُخْتَلفٍ؟

стр. 1778

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والنَّهْىُ بعدَ العَصرِ عن الصلاةِ مُتَعلقٌ بفِعلِها، فمن لم يُصَلِّ العَصر أُبِيحَ له التنفلُ، وإن صَلَّى غيرُه. ومَن صَلَّى فليس له التَّنفُّلُ، وإن صَلَّى وحدَه. لا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا عندَ مَن مَنَع الصلاةَ بعدَ العَصرِ. فأمّا النَّهْىُ بعدَ الفَجْرِ، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، يَتَعلَّقُ بفعلِ الصلاةِ أَيضًا. يُرْوَى ذلك عن الحسنِ والشافعيِّ؛ لِما روَى أبو سعيد، أن النبيَّ ﷺ قال: «لَا صلَاةَ بعدَ صلَاةِ (١) الْعصرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشمسُ، وَلَا صَلَاةَ بعدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتى تطْلُعَ الشَّمس». وروَى أبو داودَ حديثَ عُمَرَ بهذا اللَّفْظِ. وفي حديثِ عمرِو بنِ عَبَسَةَ: «صَلِّ صلَاةَ الصبحِ ثُمَّ أقْصر عَنِ الصلَاةِ». رَواه مسلمٌ. وفي رِوايَةِ أبي داودَ، قال: قُلْتُ يَا رسولَ اللهِ، أي الليْلِ أسْمَعُ؟ قال: «جَوْفُ اللَّيْلِ الآخرِ، فَصَلِّ مَا شئتَ، فَإنَّ الصلَاةَ [مَشْهُودَة مَكْتُوبَةٌ] (٢) حَتى تُصَلِّىَ الصبحَ، ثُمَّ أقصر حَتى تَطْلُعَ الشَّمس،

стр. 1779

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَتَرتَفِعَ قِيسَ (١) رُمْحٍ أوْ رُمحَيْن». ولأنَّ النهْىَ بعد العصر مُتَعَلق بفعلِ الصلاةِ. فكذلك بعد الفَجْرِ. والروايَةُ الثّانِيَةُ، أنَّ النهْىَ مُتَعَلِّقٌ بطُلوعِ الفَجْرِ. وبه قال ابن المُسَيبِ، وحُميْدُ بنُ عبدِ الرَّحْمَن (٢)، وأصحابُ الرأيِ. وقد رُوِيَتْ كَراهتُه عن ابنِ عُمرَ، وابنِ عمرو، وهو المَشْهُورُ في المَذْهبِ؛ لِما روَى يَسارُ مَوْلَى ابنِ عُمرَ، قال: رآني ابنُ عُمَرَ وأنا أُصَلِّي بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فقال: يَا يَسارُ، إنَّ رسولَ الله ﷺ خَرَج علينا ونحن نُصَلِّي هذه الصلاةَ، فقال: «لِيُبَلِّغ شَاهِدُكُم غَائِبَكم، لَا تُصَلوا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتيْنِ». رَواه أبو داود (٣). وعن أبي هُرَيرةَ، رَضىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا صلَاة إلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْر» (٤). وهذا يُبَيِّنُ مرادَ النَّبِيّ ﷺ مِن اللفْظِ المُجْمَلِ، ولا يُعارضُه تَخصِيصُ ما بعدَ الصلاةِ بالنهْيِ (٥) فإنَّ ذلك دَلِيلُ خِطابٍ، فالمَنْطُوقُ أوْلَى منه، وحديثُ عمرِو بن عَبَسَةَ قد اخْتَلَفَتْ ألفاظُ الرُّواةِ فيه، وهو في سننِ ابنِ ماجه: «حَتى يَطْلُعَ الْفَجْر».

стр. 1780

وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ فِيها. ــ ٥٢١ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ قضاءُ الفَرائِض فيها) يَجُوزُ قضاءُ الفرائض الفائتُةِ في جميع أوْقاتِ النهْيِ وغيرِها. رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن عليٍّ، ﵁، وغيرِ واحدٍ مِن الصحابَةِ. وبه قال أبو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ»، والشعبِي، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أصحابُ الرأيِ: لا تُقْضَى الفَوائِتُ في الأوْقاتِ الثلَاثةِ التى في حديثِ عُقْبَةَ بني عامر، إلَّا عَصْرَ يومِه يُصَليها قبلَ غُروب الشَّمس؛ لعُمُومِ النَّهْي، ولأن النَّبِيّ ﷺ لَمّا نام عنِ صلاةِ الفَجْرِ حتَّى طَلَعَتِ الشمسُ، أخرَها حتَّى ابْيَضَّتِ الشمسُ. مُتفق عليه (١).

стр. 1781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولَنا، قولُ النَّبِيّ ﷺ : «مَنْ نامَ عَنْ صَلَاةٍ أوْ نَسِيَها، فَلْيُصَلها إذَا (١) ذَكَرَها». مُتَّفقْ عليه (٢). وفي حديثِ أبي قتادَةَ: «إنَّمَا التفْرِيطُ في اليَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَل الصلَاةَ حَتى يَجِيءَ وقْتُ الأخْرَى فَمَنْ (٣) فَعَل ذَلِكَ فَلْيُصَلِّها حِينَ يَنْتَبهُ لَها». مُتَّفَقْ عليه (٤). وخَبَرُ النهْيِ مَخْصُوص بالقَضاءِ في الوَقْتَين الآخَرَين، فنَقِيسُ مَحَلَّ النِّزاعِ على المَخْصُوص وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بذلك أَيضًا، وحديثُهم يَدُلُّ على جَوازِ التأخير، لا على تَحرِيمَ الفعلِ.

стр. 1782

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولو طَلَعَتِ الشَّمَس وهو في صلاةِ الصبحِ، أتمَّها. وقال أصحابُ الرأيِ: تَفْسُدُ؛ لأنها صارَتْ في وقْتِ النَّهْي. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال: «إذا أدرَكَ أَحَدُكم سَجْدَة مِنْ صَلَاةِ الْعصر قَبْلَ أنْ تَغِيبَ الشمسُ، فَلْيتِمَّ صلاتهُ، لَماذَا أدرَكَ سَجْدَة مِنْ صَلَاةِ الصبحِ قبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشمسُ فليتم صلاتهُ». مُتفَق عليه (١). وهذا نَص خاص يُقَدَّمُ (٢) على عُموم ما ذَكَروه. فصل: ويَجُوز فِعل الصلاةِ المَنْذورَةِ في وقْتِ النهْيِ؛ سَواء كان النذْرُ مطْلَقا أو موقتا. ويَتَخَرَّجُ لنا (٢) أنَّه لا يجوز بِناءً على صَوْم الواجِبِ في أيامِ التَّشريقِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لعُمُومِ النهْيِ. ولَنا، أنَّها صلاة واجِبَةٌ، فأشْبَهتِ الفَوائتَ مِن الفَرائِضِ وصلاةَ الجِنازَةِ، فإنَّه قد وافَقَنا فيما بعدَ صَلاةِ العَصرِ والصبحِ.

стр. 1783

وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وإعَادَةُ الجَماعَةِ إذَا أقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، بَعْدَ الْفَجْرِ والعصرِ. وهل يَجُوزُ فِي الثلَاثةِ الْبَاقِيَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ ٥٢٢ - مسألة: (وتَجُوزُ صلاةُ الجِنازَةِ، ورَكْعَتا الطَوافِ (١)، وإعادَةُ الجَماعَةِ إذا أقيمَتْ وهو في المسجدِ، بعد الفَجْرِ والعصرِ. وهل يَجُوزُ في الثلاثةِ البَاقيةِ؟ علَى رِوايَتَين) تَجُوزُ صلاةُ الجِنازَةِ بعدَ الصُّبْحِ

стр. 1784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حتى تَطْلعَ الشمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتى تَمِيلَ الشمسُ للغُرُوبِ، بغير خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: إجْمَاعُ المسلمين في الصلاةِ على الجِنازَةِ بعدَ العصرِ والصبحِ. فأما الصلاةُ عليها في الأوْقاتِ الثلاثةِ التي في حديثِ عُقْبَةَ فلا تَجُوز. ذَكَره القاضي، وغيرُه، وحَكاه الأثْرَمُ عن أحمدَ. وقد رُوِيَ عن جابر، وابن عُصَرَ نحوُ هذا القولِ. قال الخَطَابي: هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلم. وفيه رِواية أخْرى، أنه يَجُوزُ. حَكاها أبو الخَطَّاب. وهو مَذهبُ الشافعي؛ لأنَّها صلاة تُباحُ بعدَ الصبحِ والعصرِ (١)، فأبِيحَتْ في سائِر الأوْقاتِ، كالفَرائض. ولنا، قولُ عُقْبَةَ بين عامِر: ثَلاثُ ساعاتٍ كان النبي ﷺ يَنْهانا عن الصلاةِ فهن، وأن نَقْبُرَ فيهِنُّ مَوْتانا (٢). وذِكْرُه

стр. 1785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للصلاةِ مَقْرونًا بالدَّفْنِ يَدُل على إرادَةِ صلاةِ الجنازَةِ. ولأنها صلاة عِن غيرِ الصلواتِ الخَمس، أشْبَهتِ النوافِلَ، وإنما أبِيحَتْ بعدَ الصبحِ والعَصرِ لطُولِ مدَّتِهما، فالانتِظارُ يُخافُ منه عليها؛ بخِلافِ هذه الأوْقاتِ، وقِياسُهم على الفَرائِض لا يَصِح؛ لتَأكدِها، ولا يَصِحُّ قِياسُ الأوْقاتِ الثلاثةِ على الوَقْتَين الطويلَين؛ لِما ذَكَرنا. فصل: وتَجُوزُ رَكْعَتا الطوافِ بعده في هذين الوَقْتَين، وممن طاف بعدَ الصبحِ والعَصرِ وصَلى رَكْعَتَين؛ ابنُ عُمَرَ، وابنُ الزُّبَيرِ، وابنُ عباس، والحسن، والحسينُ، ومُجاهِد، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وفَعَلَه عُروَة بعدَ الصبحِ، وهو قولُ الشافعي، وأبي ثَور. وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا يَجُوزُ؛ لعُمومِ أحاديثِ النهْي. ولَنا، ما روَى جُبَيرُ بنُ مُطْعِم، أن رسولَ الله ﷺ قال: «يَا بنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمنَعُوا أحَدًا طَافَ بِهذَا الْبَيتِ، وَصلَّى فِيهِ في آية سَاعَةٍ شَاءَ، عِنْ لَيل أوْ نهارٍ» رَواه

стр. 1786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأثْرَم، والترمذِي (١)، وقال: حديث حَسَن صحيح. ولأن رَكْعتي الطوافِ تابِعَة له، فإذا أبِيحَ المَتْبُوعُ أبيح التبعُ، وحديثُهم مَخْصُوص بالفَوائِتِ، وحديثنا لا تَخْصِيص فيه، فيكونَ أوْلَى. وهل يَجُوزُ في الثلاثةِ الباقِيَةِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهما، يَجُوزُ؛ لِما ذَكرنا، وهو مَذْهبُ الشافعي، [وأبي ثور] (٢). والثانِيَةُ، لا يَجوز، لحديثِ عُقْبَة بنِ عامِرٍ، ولتأكدِ النهْي في هذه الأوْقاتِ الثلاثةِ، وقَصرها، وكَوْنِها لا يَشُق تَأخِيرُ الرُّكوعَ للطَّوافِ فيها بخِلافِ غيرِها.

стр. 1787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل (١): وتَجُوز إعادَة الجَماعَةِ إذا أقيمتْ وهو في المسجدِ، أو دَخَل وهم يُصَلُّون بعدَ الفَجْرِ والعصر. وهذا قول الحسنِ، والشافعي. واشْتَرَطَ القاضي لجَوازِ الإعادَةِ ههُنا أن يكونَ مع إمامِ الحيِّ، ولم يفرِّقْ (٢) ههُنا بينَ إمامِ الحَي وغيرِه، ولا بينَ المُصَلِّي جَماعَةً أو فُرادَى. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرقِيِّ. وكلامُ أحمدَ يَدُلُّ على ذلك أيضًا. قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عبدِ الله عمَّن صَلَّى في جَماعَةٍ، ثم دَخَل المسجدَ وهم يُصَلون، أيصَلي معهم؟ قال: نَعَم. وقال أبو حنيفةَ: لا تُعاد الفَجْرُ ولا العصرُ في وَقتِ النَّهْي؛ لعُمُومِ النهي. ولَنا، ما روَى جابِرُ بنُ [يزِيدَ بين الأسْوَدِ] (٣)، عن أبِيه، قال: شَهدتُ مع رسولِ الله ﷺ حَجتَه، فصَلّيتُ

стр. 1788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ معه صلاةَ الفَجْرِ في مسجدِ الخَيفِ، وأنا غُلام شاب، فلما قَضَى صلاته إذا هو برَجُلَين في آخِرِ القومِ لم يُصَليا معه، فقال: «عَلَيَّ بِهما». فأُتِيَ بهما ترعَدُ فرائِصُهما، فقال: «مَا مَنَعَكمَا أنْ تُصَليَا مَعَنَا؟»، فقالا: يا رسولَ اللهِ قد صلَينا في رحالِنا. قال: «لَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَيتُمَا فِي رِحَالِكمَا، ثُمَّ أتيتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصليَا مَعَهُم؛ فَإنَّها لَكُمَا نَافِلَةً». رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ، والترمِذي (١). وهذا صَرِيح في إعادَةِ الفَجْرِ، والعَصرُ مِثْلُها. والحدِيثُ بإطْلاقِه يَدُل على الإعادَةِ، سَواء كان مع إمامِ الحَي أو غيرِه، وسواء صَلَّى وحدَه أو في جَماعَةٍ، وهل يَجُوزُ في الأوْقاتِ الباقِيَةِ؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، يَجُوزُ؛ لِما روَى أبو ذر، قال: إن خَلِيلي، يَعنِي النبيَّ ﷺ ، أوْصانِي أن أصَلي الصلاةَ لوَقْتِها (٢): «فَإذا أدرَكتها مَعَهم فصَل مَعَهم، فَإنها لَك نَافِلَة». رَواه

стр. 1789

وَلَا يَجوزُ التَطَوُّعُ بغَيرِها فِي شَيء مِنْ هذهِ الْأوْقَاتِ الْخَمسَةِ، إلَّا مَا لَهُ سَبَبٌ؛ كَتَحِيَّةِ الْمَسجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَصلَاةِ الْكُسُوفِ، وَقَضَاءِ السننِ الرَّاتِبَةِ، فَإنها عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ مسلم (١)، وقِياسا على الوَقْتَينْ الآخَرَين. والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ؛ لحديثِ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، ولِما بينَها وبينَ هذين الوَقْتَين مِن الفَرقِ. ٥٢٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بغيرِها في شيء مِن هذه (٢) الأوْقاتِ الخمسَةِ، إلَّا ما له سَبب؛ كتَحِيَّةِ المسجدِ، وسُجُود التلاوَةِ، وصلاةِ الكُسُوفِ، وقَضاءِ السُّنَن الرّاتِبَةِ، فإنها على روايَتَين) أرادَ بغيرِ ما ذكَر مِن الصَّلَواتِ، وهي صلاةُ الجِنازَةِ، ورَكْعَتا الطَوافِ، وإعادَةُ الجماعَةِ، وليس في المَذْهبِ خِلاف نَعلَمُه في أنَّه لا يَجُوز أن يَبْتَدِئَ في هذه الأوْقاتِ تَطَوُّعًا لا سَبَبَ له. وهذا قولُ الشافعي، وأصحابِ الرأي.

стр. 1790

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال ابن المُنْذر: رَخَّصت طائِفةً في الصلاة بعدَ العَصرِ، يروَى ذلك عن على، والزُّبَيرِ، وابنِه، وتمِيم الدارِي، والنعمانِ بنِ بَشِيرٍ، وأبي أيُّوبَ الأنْصاري، وعائشةَ، ﵁، وجَماعَةٍ مِن أهلِ العِلْمِ سِواهم. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنه قال.: لا نَفْعَلُه ولا نعِيبُ فاعِلَه؛ لقَوْلِ عائشةَ: ما تَرَك رسولُ اللهِ ﷺ رَكعَتَين بعدَ العَصرِ عندِي قط. وقولِها: وهِمَ عُمَرُ، إنما نَهى رسولُ الله ﷺ يَتَحَرَّى طُلُوعَ الشمس أو غُرُوبَها. رَواهما مسلم (١). وقولُ علي، ﵁، عن النبي ﷺ : «لَا صَلَاة بعدَ الْعصرِ إلّا وَالشمس مُرتَفِعَة» (٢). ولَنا، الأحاديثُ المذْكُورَةُ، وهي
следующие страницы →