. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُعْتَبَرُ للجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى وُجُودُ العُذْرِ حالَ افْتِتاحِ الصَّلَاتيْن والفَراغِ مِن الأُولَى؛ لأنَّ افْتِتاحَ الأُولَى مَوْضِعُ النِّيَّةِ، وبافْتِتاحِ الثَّانِيَةِ يَحْصُلُ الجَمْعُ، فاعْتُبِرَ العُذْرُ في هَذَيْن الوَقتَيْن، فمتى زال العُذْرُ في أحَدِ هذه الثَّلاثَةِ لم يُبَحِ الجَمْعُ. وإن زال المَطرُ في أثْناءِ الأُولَى، ثم عاد قبلَ تَمامِها، أو انْقَطَعَ بعدَ الإِحْرامِ بالثّانِيَةِ، جاز الجَمْعُ، ولم يُؤثِّرِ انْقِطاعُه؛ لأنَّ العُذْرَ وُجِدَ في وَقْتِ اشْتِراطِه، فلم يَضُرَّ عَدَمُه في غيرِه. فأمَّا المُسافِرُ إذا نَوَى الإِقامَةَ في أثْناءِ الصَّلاةِ الأُولَى انْقَطَعَ الجَمْعُ والقَصْرُ، ولَزِمَهُ الإِتْمامُ. فلو عاد فنَوَى السَّفَرَ، لم يُبَحْ له التَّرَخُّصُ حتَّى يُفارِقَ البَلَدَ الذى هو فيه. وإن نَوَى الإِقامَةَ بعدَ الإِحْرامِ بالثَّانِيَةِ، أو دَخَلَتْ به السَّفِينَةُ البَلَدَ في أثْنائِها، احْتَمَلَ أنَ يُتِمَّها، ويَصِحُّ قِياسًا على انْقِطاعِ المَطرَ. قال بعضُ أصحابِ الشَّافعىّ: هذا الذى يَقْتَضِيه مَذْهَبُ
стр. 2110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشافعىِّ. واحْتَمَلَ أن تَنْقَلِبَ نَفْلًا، ويَبْطُل الجَمْعُ؛ لأنَّه أحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ، فبَطَلَ بذلك، كالقَصْرِ والمَسْحِ، ولأنَّه زال شَرْطها في أثْنائِها، أشْبَهَ سائِرَ شُرُوطِها. ويُفارِقُ انْقِطاعَ المَطرَ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْقِطاعُه، لاحْتِمالِ عَوْدِه في أثْناءِ الصَّلاةِ. والثَّانِى، أنَّه يَخْلُفُه عُذْرٌ مُبِيحٌ، وهو الوَحْلُ، بخِلافِ مَسْأَلتِنا. وهكذا الحُكْمُ في المَرِيضِ يَزُولُ عُذْرُه في أثْناءِ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ. فأمَّا إن لم يَزُلَ العُذْرُ إلَّا بعدَ الفَراغِ مِن الثَّانِيَةِ قبلَ دُخُولِ وَقْتِها، صَحَّ الجَمْعُ، ولم يَلْزَمْه إعادَةُ الثَّانِيَةِ في وَقْتِها؛ لأنَّ الصلاةَ وَقَعَت صَحِيحَةً مُجْزِئَةً مُبْرِئَةً للذِّمَّةِ، فلم تَشْتَغِلِ الذِّمَّةُ بها بعدَ ذلك، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ في الوَقْتِ بعدَ فَراغِه مِن الصَّلاةِ.
فصل: وإذا جَمَع في وَقْتِ الأُولَى، فله أن يُصَلِّى سُنَّةَ الثَّانِيَةِ منهما،
стр. 2111
وَإنْ جَمَعَ في وَقْتِ الثَّانِيَةِ كَفَاهُ نِيَّةُ الْجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِهَا، واسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا،
ــ
ويُوتِرَ قبلَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ؛ لأنَّ سُنَّتَهَا تابِعَةٌ لها، فَتَتْبَعُها في فِعْلِها ووَقْتِها، ولأنَّ الوِتْرَ وَقْتُه ما بينَ صلاةِ العِشاءِ والصُّبْحِ، وقد صَلَّى العِشاءَ، فدَخَلَ وَقْتُه.
٦١٤ - مسألة: (وإن جَمَع في وَقْتِ الثَّانيةِ كَفَاهُ نِيَّةُ الجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، ما لم يَضِقْ عن فِعْلِها، واسْتِمْرارُ العُذْرِ إلى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ
стр. 2112
وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ.
ــ
منهما, ولا يُشْتَرَطُ غيرُ ذلك) متى جَمَع في وَقْتِ الثَّانيةِ، فلا بُدَّ من نِيَّةِ الجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، فمَوْضِعُ النِّيَّةِ في وَقْتِ الأُولَى من أوَّلِه إلى أن يَبْقَى منه قَدْرُ ما يُصَلِّيها، هكذا ذَكَرَه أصحابُنا؛ لأنَّه متى أخَّرَها عن ذلك بغيرِ نِيَّةٍ صارَتْ قَضاءً لا جَمْعًا, ولأنَّ تأْخِيرَها عن القَدْرِ الذى يَضِيقُ عن فِعْلِها حَرامٌ. قال شيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أن يكونَ وَقْتُ النِّيَّةِ أن يَبْقَى منه قَدْرُ ما يُدْرِكُها به، وهو رَكْعَةٌ، أو تَكْبِيرَةٌ، على ما ذَكَرْنا مُتَقَدِّمًا. ويُعْتَبَرُ بَقاءُ العُذْرِ إلى حينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فإن زال في وَقْتِ الأُولَى،
стр. 2113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالمَرِيضِ يَبْرَأُ، والمُسافِرِ يَقْدَمُ، والمَطرَ يَنْقَطِعُ، لم يُبَح الجَمْعُ لزَوالِ سَبَبِه، وإنِ اسْتَمَرَّ إلى وَقْتِ الثَّانِيَةِ جَمَع وإن زال العُذْرُ؛ لأنَّهما صارَتا واجِبَتَيْن في ذِمَّتِه، فلا بُدَّ له مِن فِعْلِهما (١).
فصل: ولا تُشْتَرَطُ المُواصَلَةُ بينَهما إذا جَمَع في وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ لأنَّه متى صلَّى الأُولَى، فالثّانِيَةُ في وَقْتِها لا يَخرُجُ بتَأْخِيرِها عن كَوْنِها مُؤَدّاةً.
стр. 2114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفيه وَجْهٌ، أنَّ المُواصَلَةَ مُشْتَرَطَةٌ؛ لأنَّ حَقِيقَةَ الجَمْعِ ضَمُّ الشَّىْءِ إلى الشئِ، ولا يَحْصُلُ مع التَّفْرِيقِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأُولَى بعدَ وُقُوعِها صَحِيحَةً لا تَبْطُلُ بشئٍ يُوجَدُ بعدَها، والثَّانِيَةُ لا تَقَعُ إلَّا في وَقْتِها.
فصل: وإذا صَلَّى إحْدَى صَلاتَى الجَمْعَ مع الإِمامَ، والثّانِيَةَ مع إمامٍ آخَرَ، أو صَلَّى معه مَأْمُومٌ في إحْدَى الصلاتَيْن، وصَلَّى معه في الثّانِيَةِ مَأْمُومٌ آخَرُ، صَحَّ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الإِمام والمَأْمُومِ أحدُ مَن يَتِمُّ به الجَمْعُ، فاشْتُرِطَ دَوامُه (١)، كالعُذْرِ. ولَنا، أنَّ لكلِّ صلاةٍ حُكْمَ نَفْسِها، وهي مُنْفَرِدَةٌ بنِيَّتِها، فلم يُشْتَرَطِ اتَّحادُ الإِمامِ والمَأْمُومِ، كغيرِ المَجْمُوعَتَيْن. وقولُه: إنَّ الإمامَ والمَأْمُومَ أحَدُ مَن يَتِمُّ به الجَمْعُ. لا يَصِحُّ في المُسافِرِ والمَرِيضِ؛ لجَوازِ الجَمْعِ لكلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، وفى المَطَرِ في أَحَد الوَجْهَيْن. وإن قُلْنا: إنَّ الجَمْعَ في المَطرَ لا يَجُوزُ للمُنْفَرِدِ. فالذي يَتِمُّ به الجَمْعُ الجَماعَةُ، لا عَيْنُ الإِمامِ والمَأْمُومِ، ولم تَخْتَلَّ الجماعةُ. وعلى ما قُلْنا، لو ائْتَمَّ المَأْمُومُ بإمامٍ (٢) لا يَنْوِي الجَمْعَ ونَواهُ المَأْمُومُ (٣)، فلَمَّاْ سَلَّمَ الإِمَامُ صَلَّى المأْمُومُ الثّانِيَةَ،
стр. 2115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جازَ؛ لأنَّنا أبَحْنا له مُفارَقَةَ إمامِه في الصَّلاةِ الواحِدَةِ لعُذْرٍ، ففي الصَّلاتَيْنِ أَولَى، وإنَّما نَوَى أن يَفْعَلَ في غيرِها، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو نَوَى المُسافِرُ في الأُولَى إتْمامَ الثانِيَةِ، فلم تَخْتَلِفْ نِيَّتهما في الصّلاةِ الأُولَى. وهكذا لو صَلَّى المُسافِرُ بِمُقِيمِينَ، ونَوَى الجمْعَ، فلَمَّا صَلَّى بهم الأُولَى قام فصَلَّى الثانِيَةَ، جازَ. وهكذا لو صَلَّى إحْدَى صَلاتَى الجَمْع مُنْفَرِدًا، ثم حَضَرَتْ جماعَةٌ يُصَلُّونَ الثانيةَ، فأمَّهُم فيها، أو صَلَّى (١) معهم مَأْمُومًا، جاز. وقولُ ابنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِى أن لا يَجُوزَ شئ مِن ذلك. واللَّهُ أعلمُ.
стр. 2116
فَصْلٌ في صَلَاةِ الْخَوْفِ
ــ
قال المُصَنِّفُ ﵀: (فصلٌ في صلاةِ الخَوْفِ) وهي جائِزَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (١) الآية. وأمّا السُّنَّةُ، فثَبَتَ أنَّ النبىَّ ﷺ كان يُصَلِّى صلاةَ الخَوْفِ، وحُكْمُها باقٍ في قَوْلِ جُمْهورِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو يُوسُف: إنَّما كانت مُخْتَصَّةً بالنبىِّ ﷺ ، بدَلِيلِ قولِه سُبْحانَه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾. وما قاله غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ ما ثَبَت في حَقِّ النَّبِىِّ ﷺ ثَبَت في حَقِّنا ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمَرَنا باتِّباعِه، ولمّا سُئِل ﷺ عن القُبْلَةِ للصّائِمِ؟ أجاب بـ: «إنِّى أفْعَلُ ذلك». فقال السّائِلُ: لَسْتَ مِثْلَنا، فغَضِبَ وقال: «إنِّى لَأرْجُو أنْ أكُونَ أخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأعْلَمَكُمْ بِمَا أتَّقِى» (٢). ولو اخْتَصَّ بفِعْلِه لَما حَصَل جَوابُ السّائِلِ بالإِخْبارِ بفِعْلِه، ولا غضِبَ مِن قَوْلِ السّائِلِ: لَسْتَ مِثْلَنا؛ لأنَّ قَوْلَه إذًا كان صَوابًا. وقد كان أصْحابُ النَّبِىّ ﷺ يَحْتَجُّون بأفْعالِه، ويَرَوْنَها مُعارِضَةً لقَوْلِه وناسِخَةً له، ولذلك لمّا أخْبَرَتْ عائشةُ وأُمُّ سَلَمَةَ، بأنَّ النبىَّ ﷺ كان يُصْبِحُ جُنُبًا مِن غيرِ احْتِلام، ثم يَغْتَسِلُ
стр. 2117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَصُومُ ذلك اليَوْمَ (١). تَرَكُوا به خَبَرَ أبى هُرَيْرَةَ: «مَنْ أصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ له» (٢) ولمَّا ذَكَرُوا ذلك لأبى هُرَيْرَةَ، قال: هُنَّ أعْلَمُ، إنَّما حَدَّثَنِى به الفَضْلُ بنُ عباسٍ، ورَجَع عن قَوْلِه. وأيضًا فإنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أجْمَعُوا على صلاةِ الخَوْفِ، فصَلَّاها علىٌّ لَيْلَةَ الهَرِيرِ (٣) بصِفِّينَ، وصَلّاها أبو مُوسى الأشْعَرِىُّ بأصْحابِه (٤)، ورُوِىَ أنَّ سَعيدَ (٥) بنَ العاصِ كان أمِيرًا على الجَيْشِ بِطَبَرِستْانَ، فقالَ: أيُّكُم صَلَّى مع رسولِ اللَّهِ ﷺ
стр. 2118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صلاةَ الخَوْفِ؟ فقال حُذَيْفَةُ: أنا. فَقَدَّمَه، فصَلَّى بهم (١). فأمّا تَخْصِيصُ النبىِّ ﷺ بالخِطابِ، فلا يُوجِبُ تَخْصِيصَه بالحُكْمِ؛ لِما ذَكَرْنا, ولأنَّ الصَّحابةَ أنْكَرُوا على مانِعِى الزَّكاةِ قَوْلَهم (٢): إنَّ اللَّه تَعالَى خَصَّ نَبِيَّه يأخْذِ الزَّكاةِ. بقَوْلِه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣). فإن قِيلَ: فالنبىُّ ﷺ أخَّرَ الصلاةَ يَوْمَ الخَنْدَقِ, ولم يُصَلِّ. قُلْنا: هذا (٤) الاعْتِراضُ باطِلٌ في نَفْسِه؛ إذْ لا خِلافَ في أنَّ النبىَّ ﷺ كان له أن يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ، وقد أمَرَه اللَّهُ بها في كِتابِه، فلا يَجُوزُ الاحْتِجاجُ بما يُخالِفُ الكِتابَ والإِجْماعَ، وإنَّما كان ذلك قبلَ نُزُولِ صلاةِ الخَوْفِ، وإنَّما يُوخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ مِن أمْرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . ويَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ ﷺ [أَخَّرَ الصلاةَ نِسْيانًا، فإنَّه رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَألَهُم عن صلاِتِهم، قالوا: ما صَلَّيْنا. ورُوِىَ أنَّ عُمرَ، قال: ما صَلَّيْتُ العَصْرَ. فقال النبىُّ ﷺ : «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» (٥). أو: كما جاءَ] (٦). ومِمّا يَدُلُّ على ذلك أنَّه
стр. 2119
قَالَ الإمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَحَّ عَنِ النَّبىِّ ﷺ صَلَاةُ الْخَوْفِ مِنْ خَمْسَةِ أَوجُهٍ، أو سِتَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ فَعلَهُ.
ــ
لم يَكُنْ ثَمَّ قِتالٌ يَمْنَعُه مِن الصَّلاةِ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّما تَجُوزُ صَلاةُ الخَوْفِ إذا كان العَدُوُّ مُباحَ القِتالِ، ويُشْتَرَطُ أن لا يُؤْمَنَ هُجُومُه على المُسلِمين، وتَجُوزُ على كلِّ صِفَةٍ صلّاها رسولُ اللَّهِ ﷺ .
٦١٥ - مسألة؛ (قال الإِمامُ أبو عبدِ اللَّهِ: صَحَّ عن النَّبِىّ ﷺ صلاةُ الخَوْفِ مِن خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، أو سِتَّةٍ) . [أو قال: سِتَّةٍ أوسَبْعَةٍ] (١)، (كُلُّ ذَلك جائِزٌ لمَن فَعَلَه). قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللَّهِ: تَقُولُ بالأحادِيثِ كُلِّها، أو تَخْتارُ واحِدًا منها؟ قال: أنا أقولُ مَن ذَهَب إليها كُلِّها فحَسَنٌ، وأمّا حَدِيثُ سَهْلٍ (٢) فأنا أخْتارُه. فنَذْكُرُ الوُجُوهَ التى بَلَغَتْنا؛
стр. 2120
فَمِنْ ذَلِكَ، إِذَا كَان الْعَدُوُّ في جِهَةِ الْقِبْلَةِ، صَفَّ الإمَامُ الْمُسْلِمِينَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِهِم جَمِيعًا إِلَى أنْ يَسْجُدَ فَيَسْجُدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِى يَلِيهِ، وَيَحْرُسَ الْآخرُ حَتَّى يَقُومَ الإمَامُ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَيَسْجُدَ وَيَلْحَقَهُ، فَإِذَا سَجَدَ في الثَّانِيَةِ، سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِى حَرَسَ، وَحَرَسَ الْآخَرُ حَتَّى يَجْلِسَ في التَّشَهُّدِ، فَيَسْجُدَ وَيَلْحَقَهُ، فَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ.
ــ
فأوَّلُها: (إذا كان العَدُوُّ في جِهَةِ القِبْلَةِ) بحيثُ (١) لا يَخْفَى بَعْضُهم على المسلمين، ولم يَخَافُوا كَمِينًا، فيُصَلِّى بهم، كما روَى جابِرٌ، قال: شَهِدْتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ صلاةَ الخَوْفِ فصَفَّنا خَلْفَه صَفَّيْن، والعَدُوُّ بَيْنَنا وبينَ القِبْلَةِ، فكَبَّرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرْنا جَمِيعًا، ثم رَكَع ورَكَعْنا، ثم رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ ورَفَعْنا جميعًا، ثم انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفُّ الذى يَلِيه، وقامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ (٢)، فلَمّا قَضَى النبىُّ ﷺ السُّجُودَ، وقام الصَّفُّ الذى يَلِيهِ، انْحَدَرَ (٣) الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بالسُّجُودِ وقامُوا، ثم تَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ، وتَأخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، ثم
الْوَجْهُ الثَّانِى، إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، جَعَلَ طَائِفَةً حِذَاءَ الْعَدُوِّ،
ــ
الأُولَى، والثَّانِى في الثّانِيَةِ، أوْ لم يَتَقَدَّم الثانِى إلى مَقَامِ الأوَّلِ، أو حَرَس بعضُ الصَّفِّ وسَجَد الباقُون، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ، لَكِنَّ الأوْلَى أن تُفْعَلَ مثلَ ما فَعَل النبىُّ ﷺ .
و (الوَجْه الثّانِى، إذا كان العَدُوُّ في غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ) فيُصَلِّى بهم كما
стр. 2123
وَطَائِفَةً تُصَلِّى مَعَهُ رَكْعَةً، فَإذَا قَامُوا إلَى الثَّانِيَةِ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأتَمَّتْ لِأنْفُسِهَا أُخْرَى، وَسَلَّمَتْ وَمَضتْ إِلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الأُخْرَى فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإذا جَلَسَ للِتَّشَهُّدِ أتَمَّتْ لِأنْفُسِهَا أُخْرَى، وَتَشَهَّدَتْ وَسَلَّمَ بِهِمْ.
ــ
روَى صالحُ بنُ خَوّاتٍ، عنِ مَن صَلَّى مع النبىِّ ﷺ يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ صلاةَ الخَوْفِ، أنَّ طائِفَةً صَفَّتْ معه، وطائِفَةً وِجاهَ العَدُوِّ. فصَلَّى بالتى معه رَكْعَةً، ثم ثَبَت قَائِمًا، وأتمُّوا لأنْفُسِهِم، ثم انْصَرُفوا فصَفُّوا وِجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتِ الظّائِفَةُ الأخْرَى، فصَلَّى بهم الرَّكْعَةَ التى بَقِيَتْ مِن صلاتِه، ثم ثَبَت جالِسًا، وأتمُّوا لأنْفُسِهم، ثم سَلَّمَ بهم. رَواه مسلمٌ (١). وروَى سَهْلُ بنُ أبى حَثْمَةَ نَحْوَ ذلك. واشْتَرَطَ القاضى لهذه الصَّلاةِ كَوْنَ العَدُوِّ في غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ. ونَصَّ أحمدُ على خِلافِ ذلك،
стр. 2124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في رِوايَةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قُلْتُ له: حَدِيثُ سَهْلٍ، نَسْتَعْمِلُه مُسْتَقْبِلِين القِبْلَةَ كانوا أو مَسْتَدْبِرِين؟ قال: نعم، هو أنْكَى. ولأنَّ العَدُوَّ قد يكونُ في جِهَةِ القِبْلَةِ على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ أن يُصَلِّىَ بهم صلاةَ عُسْفانَ؛ لانْتِشارِهم، أو لخَوْفٍ مِن كَمِينٍ، فالمَنْعُ مِن هذه الصَّلاةِ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِها. قال أبو الخَطّابِ: ومِن شَرْطِها أن يكونَ المُصَلّونَ يُمْكِنُ تَفْرِيقُهم طائِفَتَيْن، كُلُّ طائِفَةٍ ثَلَاثَةٌ فأكْثَرُ. وقال القاضى: إن كانت كلُّ فِرْقَةٍ أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ كَرِهْناه. ووَجْهُ قَوْلِهما أنَّ اللَّهَ سبحانه ذَكَر الطّائِفَةَ بلَفْظِ الجَمْعِ، بقَوْلِه: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾. وأقَلُّ الجَمْعِ ثَلَاثةٌ، ولأنَّ أحمدَ ذَهَب إلى ظاهِرِ فِعْلِ النبىِّ ﷺ . قال شيخُنا (١): والأَوْلَى أن لا يُشْتَرَطَ هذا؛ لأنَّ ما دُونَ الثَّلاثةِ تَصِحُّ به الجَماعَةُ، فجازَ أن يكونُوا طائِفَةً كالثَّلَاثةِ، فأمّا فِعْلُ النبىِّ ﷺ فإنَّه لا يُشْتَرَطُ في صلاةِ
стр. 2125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخَوْفِ أن يَكُونَ المُصَلُّون مثلَ أصحابِ النبىِّ ﷺ في العَدَدِ، وَجْهًا واحِدًا.
ويُسْتَحَبُّ أن يُخَفِّفَ بهم الصلاةَ، لأنَّ مَوْضُوعَ صلاةِ الخَوْفِ على التَّخْفِيفِ، وكذلك الطّائِفَةُ التى تُفارِقُه تُخَففُ الصلاةَ، ولا تُفارِقُه حتى يَسْتَقِلَّ قاِئمًا؛ لأنَّ النُّهُوضَ يَشْتَرِكُون فيه جَمِيعًا، فلا حاجَةَ إلى مُفارَقَتِهم إيّاه قبلَه، لأنَّ المُفارَقَةَ إنَّما جازَتْ للعُذْرِ. ويَقْرأُ في حالِ الانْتِظارِ، ويُطِيلُ التَّشَهُّدَ حتى يُدْرِكُوه. وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَقْرأُ في
стр. 2126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حالِ (١) الانْتِظَارِ، بل يُؤخِّرُ القِراءَةَ؛ ليَقْرَأ بالطّائِفَةِ الثَّانيةِ، فتَحْصُلَ التَّسْوِيَةُ بينَ الطّائِفَتَيْن. ولَنا، أنَّ الصلاةَ ليس فيها حالُ سُكُوتٍ، والقِيامُ مَحَلٌّ للقِراءَةِ، فيَنْبَغِى أن يَأتِىَ بها فية، كما في التَّشَهُّدِ إذا انْتَظَرَهم فإنَّه لا يَسْكُتُ، والتّسْوِيَةُ بينَهم تَحْصُلُ بانْتِظارِه إيّاهُم في مَوْضِعَيْن، والأولَى في مَوْضِعٍ واحِدٍ. إذا ثَبَت هذا، فقال القاضى: إن قَرَأ في انْتِظارهِم قَرَأ (٢) بعدَ مَجِيئهم بقَدْرِ فاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةٍ خفِيفَةٍ، وإن لم يَقْرَأ في انْتِظارِهِم قَرَأ إذا جاءُوا بفَاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةٍ. وهذا على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ، فلو قَرَأ قبلَ مَجِيئهم ثم رَكَع عندَ مَجِيئهِم أو قبلَه فَأدْرَكُوه
стр. 2127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
راكِعًا رَكَعُوا معه، وصَحَّتْ لهم الركْعَةُ مع تَرْكِه للسُّنَّةِ، وإذا جَلَس للتَّشَهُّدِ قامُوا فصَلَّوْا رَكْعَةً أُخْرَى، وأطالَ التَّشَهُّدَ والدُّعاءَ حتى يُدْرِكُوه ويَتَشَهَّدُوا، ثم يُسَلِّمُ بهم. وقال مالكٌ: يَتَشَهَّدُونَ معه، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ قامُوا فقَضَوْا ما فاتهُم كالمَسْبُوقِ. والأَوْلَى ما ذَكَرْناه؛ لمُوافَقَتِه الحَدِيثَ، ولأنَّ قَوْلَه تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. يَدُلُّ على أنَّ صَلَاتهُم كُلَّها معه، ولأنَّ الأُولَى أدْرَكَتْ معه فَضِيلَةَ الإِحْرام، فيَنْبَغِى أن يُسَلِّمَ بالثانيةِ؛ ليُسَوِّىَ بينَهم. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ. واخْتارَ أبو حنيفةَ أن يُصَلِّىَ على ما في حَدِيثِ ابنِ عمرَ، وسوف نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى في الوَجْهِ الثّالِثِ. والأَوْلَى والمُخْتارُ عندَ أحمدَ، ﵀، هذا الوَجْهُ الثّانِى؛ لأنَّه أشْبَهُ بكِتابِ اللَّهِ تعالى، وأحْوَطُ للصلاةِ والحَرْبِ، أمّا مُوافَقَةُ الكِتابِ، فإنَّ قَوْلَه تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. يَقْتَضِى
стр. 2128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ جميعَ صَلاتها معه، وعلى ما اخْتارَه أبو حنيفةَ، لا تُصَلِّى معه إلَّا رَكْعَةً على ما يَأتِى، وعلى ما اخْتَرْنا تُصَلِّى جَمِيعَ صلاِتها معه، إحْدَى (١) الرَّكْعَتَيْن مُوافِقَةً في أفْعالِه، والثّانِيَةَ تَأْتِى بها قبلَ سلامِه، ثم تُسَلِّمُ معه. وأمَّا الاحْتِياطُ للصلاةِ، فإنَّ كلَّ طائِفَةٍ تَأتِى بصلاتِها مُتَوالِيَةً، بَعْضُها تُوافِقُ (٢) للإِمامِ فيها فِعْلًا، وبَعْضُها تُفارِقُه، وتَأتِى به وَحْدَها كالمَسْبُوقِ. وعلى ما اخْتارَه يَنْصَرِفُ إلى جِهَةِ العَدُوِّ، وهى في الصَّلاةِ ماشِيَةً أو رَاكِبَةً، ويَسْتَدْبِرُ القِبْلَةَ، وهذا يُنافِى الصلاةَ. وأمّا الاحْتِياطُ للحَرْبِ، فإنَّه يَتَمَكَّنُ مِن الضَّرْبِ والطَّعْنِ والتَّحْرِيضِ، وإعْلامِ غيرِه بما يَراهُ مِمَّا خَفِىَ عليه، وتَحْذِيرِه، وإعْلامِ الذين مع الإِمامِ بما يَحْدُثُ، ولا يُمْكِنُ هذا على اخْتِيارِه.
стр. 2129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا تَجبُ التَّسْوِيَةُ بينَ الطّائِفَتَيْن؛ لأنَّه لم يَرِدْ بذلك نَصٌّ ولا قِياسٌ. ويَجِبُ أن تَكونَ الطّائِفَةُ التى بِإزاءِ العَدُوِّ مِمَّن يَحْصُلُ الثِّقَةُ بكِفايتها وحِراسَتِها، ومتى خُشِىَ اخْتِلالُ حالِهم واحْتِيجَ إلى مَعُونتِهم بالطَّائِفَةِ الأخْرَى، فللإِمامِ أن يَنْهَدَ إليهم بمَن معه، ويَبْنُوا (١) على ما مَضَى مِن صلاتِهم.
فصل: وإن صَلَّوُا الجُمُعَةَ صلاةَ الخَوْفِ جاز، إذا كانت كلُّ طائِفَةٍ أرْبَعِين. فإن قِيلَ: فالعَدَدُ شَرْطٌ في الجُمُعَةِ كلِّها، ومتى ذَهَبَتِ الطَّائِفَةُ الأُولَى بَقِىَ الإِمامُ مُنْفَرِدًا، فبَطَلَتِ الجُمُعَةُ، كما لو نَقَص العَدَدُ. فالجَوابُ، أنَّ هذا جاز لأجْلِ العُذْرِ، ولأنَّه يتَرَقَّبُ مَجِئَ الطّائِفَةِ الأُخْرَى، بخِلافِ الانْفِضاضِ. ولَنا أيضًا في الأصْلِ مَنْعٌ. ولا يَجُوزُ أن يَخْطُبَ بإحْدَى الطّائفَتَيْن، ويُصَلِّىَ بالأخْرَى، حتى يُصَلِّىَ معه مَن حَضَر الخُطْبَةَ. وبهذا قال الشافعىُّ.
فصل: والطّائِفَةُ الأُولَى في حُكْمِ الائْتِمامِ قبلَ مُفارَقَةِ الإِمامِ، فإنْ سَها لَحِقَهُم حُكْمُ سَهْوِه فيما قبلَ مُفارَقَتِه، وإن سهَوْا لم يَلْحَقْهم (٢) حُكْمُ سَهْوِهم؛ لأنَّهم مَأمُومُون. وأمّا بعدَ مُفارَقَتِه فلا يَلْحَقُهُم حُكْمُ
стр. 2130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَهْوِه، ويَلْحَقُهم حُكْمُ سَهْوِهم؛ لأنَّهم مُنْفَرِدُون. وأمّا الطّائِفَةُ الثّانيةُ، فيلْحَقُها حُكْمُ سَهْوِ إمامِها في جميعِ صلاتِه، ما أدْرَكَتْ منها وما فاتَها، كالمَسْبُوقِ يَلْحَقُه حُكْمُ سَهْوِ إمامِه فيما لم يُدْرِكْه، ولا يَلْحَقُها حُكْمُ سَهْوِها في شئٍ مِن صلاتِها؛ لأنَّها إن فارَقَتْه فِعْلًا لقَضاءِ ما فَاتَها، فهى في حُكْمِ المُؤتَمِّ؛ لأنَّهُم يُسَلِّمُون بسلامِه، فإذا فَرَغَتْ مِن قَضاءِ ما فاتَها، سَجَد وسَجَدَتْ معه، فإن سَجَد قبلَ إتْمامِها تابَعَتْه؛ لأنَّها مُؤتَمَّةٌ به، ولا تُعِيدُ (١) السُّجُودَ بعدَ فَراغِها مِن التَّشَهُّدِ؛ لأنَّها لم تَنْفَرِدْ عن الإِمامِ، بخِلافِ المَسْبُوقِ. وقال القاضى: يَنْبَنِى هذا على الرِّوايَتَيْن في المَسْبُوقِ إذا سَجَد مع إمامِه، هل يَسْجُدُ [بعدَ القَضاءِ] (٢) أم لا. وقد ذَكَرنا الفَرْقَ بينَهما.
стр. 2131
فَإنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا، صَلَّى بِالأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً،
ــ
٦١٦ - مسألة: (فإن كانتِ الصلاةُ مَغْرِبًا، صَلَّى) بالطّائِفَةِ (الأُولَى رَكْعَتَيْن، وبالثّانِيَةِ رَكْعَةً) وبهذا قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، وسُفيانُ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال في الآخَرِ: يُصَلِّى بالأُولَى رَكْعَةً، وبالثّانِيَةِ رَكْعَتَيْن؛ لأنَّه رُوِىَ عن علىٍّ، رضى اللَّه عنه، أنّه صَلَّى كذلك (١) ليْلَةَ الهَرِيرِ (٢)، ولأنَّ الأُولَى أدْرَكَتْ. معه فَضِيلَةَ الإِحْرامِ والتَّقَدُّمِ، فيَنْبَغِى أن تَزِيدَ الثّانِيَةُ في الرّكَعاتِ؛ ليُجْبَرَ نَقْصُهم به. ولَنا، أنَّه إذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن التَّفْضِيلِ، فالأُولَى أحَقُّ به، وما فاتَ الثّانِيَةَ يَنْجَبِرُ بإدْراكِها السَّلامَ مع الإِمامِ، ولأنَّها، تُصَلِّى جميعَ صلاِتها في حُكْمِ الائتِمامِ، والأُولَى تَفْعَل (٣). بعضَ صلاِتها في حُكْمِ الانْفِرادِ، وأيًّا ما فَعَل فهو جائِزٌ. وإذا صَلَّى بالثّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثالثةَ (٤)، وجَلَس
стр. 2132
وإنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ، صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، وَأَتَمَّتِ الأُولَى بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالأُخْرَى تُتِمُّ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وَسُورَةٍ.
ــ
للتَّشَهُّدِ، فإنَّ الطّائِفَةَ تَقُومُ ولا تَتَشَهَّدُ معه. ذَكَرَه القاضى؛ لأنَّه ليس بمَوْضِعٍ لتَشَهُّدِها، بخِلافِ الرُّباعِيَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَتَشَهَّدَ معه إذا قُلْنا: إنَّها تَقْضى رَكْعَتَيْن مُتَوالِيَتَيْن؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى أن تُصَلِّىَ ثَلاثَ رَكَعَاتٍ بتَشَهُّدٍ واحِدٍ، ولا نَظِيرَ لهذا في الصلواتِ. هذا حُكْمُ صلاةِ المَغْرِبِ على حَدِيثِ سَهْلٍ (١).
٦١٧ - مسألة: (وإن كانت رُباعِيَّةً غيرَ مَقْصورَةٍ، صَلَّى بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، وأتَمَّتِ الأُولَى بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ في كل رَكْعَةٍ، والأُخْرَى تُتِمُّ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وسُورَةٍ) . تَجُوزُ صلاةُ الخَوْفِ في الحَضَرِ، عند الحاجَةِ إليها. وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ. وحُكِىَ عن مالكٍ، لا يَجُوزُ في الحَضَرِ؛ لأنَّ الآيَةَ إنَّما دَلَّتْ على صلاةِ رَكْعَتَيْن، وصلاةُ الحَضَرِ أرْبَعٌ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ لم يَفْعَلْها في الحَضَرِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. وهذا عامٌّ، وتَرْكُ النبىِّ ﷺ لها في الحَضَرِ إنَّما كان لغِناه عنها فيه. وقَوْلُهم: إنَّما دَلَّتِ الآيَةُ
стр. 2133
وَهَلْ تُفَارِقُهُ الأُولَى في التَّشَهُّدِ الْأوَّلِ أوْ في الثَّالِثَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
على رَكْعَتَيْن. مَمْنُوعٌ، وإن سَلِمَ فقد تكونُ صلاةُ الحَضَرِ رَكْعَتَيْن؛ الصُّبْحَ والجُمُعَةَ. والمَغْرِبُ ثَلاثٌ، ويَجُوزُ فِعْلُها في الخَوْفِ في السَّفَرِ، [ولأنَّها حالَةُ خَوْفٍ، فجازَتْ فيها صلاةُ الخَوْفِ، كالسَّفَرِ] (١)، فعلى هذا إذا صَلَّى بهم الرُّباعِيَّةَ، فَرقَهُم فِرْقَتَيْن، صَلَّى بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، وتَقْرَأُ الأُولَى بعدَ مُفارَقَةِ إِمامِها بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وَحْدَها في كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لأنَّها آخِرُ صلاِتها. وأمّا الطّائِفَةُ الثّانِيَةُ، فإذا جَلَس الإِمامُ للتَّشَهُّدِ الأخِيرِ، تَشَهَّدَتْ معه التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، كالمَسْبُوقِ، ثم قامَتْ وهو جالِسٌ فأتَمَّتْ صلَاتها، وتَقْرُأُ في كلِّ رَكْعَةٍ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وسُورَةٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه أوَّلُ صلاِتها على ما ذَكَرْنا في المَسْبُوقِ، وتَسْتَفْتِحُ إذا قامَتْ للقَضاءِ، كالمَسْبُوقِ، ولأنَّها لم تَحْصُلْ لها مع الإِمامِ قِراءَةُ السُّورَةِ. ويُطَوِّلُ الإِمامُ التَّشَهُّدَ والدُّعاءَ حتى تُصَلِّىَ الركْعَتَيْن، ثم يَتَشَهدُ ويُسَلِّمُ بهم. وإذا قُلْنا: إنَّ الذى يَقْضِيه المَسْبُوقُ آخِرُ صلاِته. فيَقْتَضِى أن لا يَسْتَفْتِحَ ولا يَقْرَأ السُّورَةَ ههُنا قِياسًا عليه.
٦١٨ - مسألة: (وهل تُفارِقُه الأُولَى في التَّشَهُّدِ الأوَّلِ أو في الثّالِثةِ؟ على وَجْهَيْن) أحَدُهما، حينَ قِيامِه إلى الثّالِثَةِ. وهو قَوْلُ مالكٍ،
стр. 2134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأوْزاعِىِّ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى التَّطْويلِ مِن أجْلِ الانْتِظارِ، والتَّشَهُّدُ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُه، ولهذا رُوِىَ أن النبى ﷺ كان إذا جَلَس للتَّشَهُّدِ كأنَّه على الرَّضْفِ حتى يَقُومَ (١). ولأنَّ ثوابَ القائِمِ أَكْثَرُ، ولأنَّه إذا انْتَظَرَهُم جالِسًا وجاءَتِ الطّائِفَة فإنَّه يَقُومُ قبلَ إحْرامِهم، فلا يَحْصُلُ اتِّباعُهُم إيّاهُ في القِيامِ. والثَّانِى، في التَّشَهُّدِ؛ لتُدْرِكَ الطّائِفَةُ الثَّانيةُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثّالِثَةِ، ولأنَّ الجُلُوسَ أخَفُّ على الإمام، ولأنَّه متى انْتَظرهم قائِمًا احْتاجَ إلى قِراءَةِ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وهوَ خِلافُ السُّنَّةِ، وكِلا الأمْرَيْن جائِزٌ.
стр. 2135
وَإنْ فَرَّقَهُمْ أرْبَعًا، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، صَحَّتْ صَلَاةُ الأُولَيَيْنِ، وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإمَامِ، وَالأُخْرَيَيْنِ إِنْ عَلِمَتَا بُطلانَ صَلَاتِهِ.
ــ
٦١٩ - مسألة: (وإِن فَرَّقَهم أرْبَعًا، فصَلَّى بكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً، صَحَّتْ صلاةُ الأُولَيَيْنِ، وبَطَلَتْ صلاةُ الإِمامِ، والأخْرَيَيْن إن عَلِمَتا بُطْلانَ صلاتِه) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه متى فَرَّقَهُم الإِمامُ في صلاةِ الخَوْفِ أكْثَرَ مِن فِرْقَتَيْن، مثلَ أن فَرَّقَهُم أرْبَعَ فِرَقٍ، فصَلَّى بكل طائِفَةٍ رَكْعَةً، أو ثَلَاثَ فِرَقٍ فصَلَّى بالأُولَى رَكْعَتَيْن، وبالباقِيَتَيْن (١) رَكْعَةً رَكْعَةً (٢) صَحَّتْ صلاةُ الأُولَيَيْن، لأنَّهُما إنَّما ائْتَما بمَن صلاتُه صَحِيحَةٌ، ولم يُوجَدْ منهما ما يُبْطِلُ
стр. 2136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صلَاتهما، وتَبْطُلُ صلاةُ الإِمامِ بالانْتِظارِ الثّالِثِ؛ لأنَّه لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، فأبْطَلَ الصلاةَ، كما لو فَعَلَه مِن غيرِ خَوْفٍ، وسَواءٌ فَعَل ذلك لحاجَةٍ أو غيرِها؛ لأنَّ التَّرَخُّصَ إنَّما يُصارُ إليه فيما وَرَد به الشَرْعُ، وتَبْطُلُ صَلاةُ الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ؛ لائْتِمَامِهما بمَن صلاتُه باطِلَةٌ، فأشْبَهَ ما لو كانت باطِلَةً مِن (١) أوَّلِهَا. فإن لم يَعْلَما ببُطْلَانِ صَلاةِ الإِمامِ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَبْطُلُ صلاتُهما؛ لأنَّ ذلك مِمّا يَخْفَى، فلم تَبْطُلْ صلاةُ المَأْمُومِ، كما لو ائْتَمَ بمُحْدِثٍ لا يَعْلَمُ حَدَثَه. ويَنْبَغِى على هذا أن يَخْفَى على الإِمامِ والمَأْمُومِ، اعْتَبَرْنا ذلك في المُحْدِثِ. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ صلاتُهما؛ لأنَّ الإِمامَ والمَأْمُومَ يَعْلَمان وُجُودَ المُبْطِلِ. وإنَّما
стр. 2137
الْوَجْهُ الثَّالِثُ، أنْ يُصَلِّىَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِىَ إلَى الْعَدُوِّ،
ــ
خَفِىَ عليهم حُكْمُه، فلم يَمْنَعْ ذلك البُطْلانَ، لو عَلِمَ حَدَثَ الإِمامِ، ولم يَعْلَمْ كَوْنَه مُبْطلًا. وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ كقَوْلِ ابنِ حامِدٍ. وقال بعضُهم: تَصِحُّ صلاةُ الجَمِيعِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، أشْبَهَ الفِرْقَتَيْن. ولَنا، أنَّ الرُّخَصَ إنَّما تُتَلَقَّى مِن الشَّرْعِ، وهذا لم يَرِدْ به الشَّرْعُ، فلم يَجُزْ (١)، كغَيْرِ الخَوْفِ. واللَّه أعلمُ.
(الوَجْهُ الثّالِثُ، أن يُصَلِّىَ) كما روَى ابنُ عمرَ، قال: صَلَّى النبىُّ
стр. 2138
وَتَأْتِىَ الأُخْرَى فَيُصَلِّىَ بِهَا رَكْعَةً، وَيُسلِّمَ وَحْدَهُ، وَتَمْضِىَ هِىَ، ثُمَّ تَأْتِىَ الْأُولَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا.
ــ
ﷺ صلاةَ الخَوْفِ بإحْدَى الطَّائِفَتَيْن رَكْعَةً وسَجْدَتَيْن، والطّائِفَةُ الأُخْرَى مُواجِهَةُ العَدُوِّ، ثم انْصَرَفُوا وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِم مُقْبِلِين على العَدُوِّ، وجاء أُولئِك، ثم صَلَّى لهم النبىُّ ﷺ رَكْعَةً، ثم سَلَّمَ، ثم قَضَى هؤلاء رَكْعَةً، وهؤلاء رَكْعَةً. مُتَّفقٌ عليه (١).
стр. 2139
الْوَجْهُ الرَابعُ، أنْ يُصَلِّىَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً، وَيُسَلِّمَ بِهَا.
ــ
(الوَجْهُ الرّابعُ، أن يُصَلِّىَ بكُلِّ طائِفَةٍ صلاةً، ويُسَلِّمَ بها) كما روَى أبو بَكْرَةَ، قال: صَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ في خَوْفٍ الظُّهْرَ، فصَفَّ بَعْضَهم خَلْفَه؛ وبَعْضَهم بإزاءِ العَدُوِّ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فانْطَلَقَ الذين صَلَّوْا فوَقَفُوا مَوْقِفَ أصْحَابِهِم، ثم جاءَ أُولِئكَ فَصَلَّوْا خَلْفَه فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فكان لرسولِ اللَّهِ ﷺ أرْبَعٌ، ولأصْحَابِه رَكْعَتَان. رَواه أبو داودَ (١)، والأثْرَمُ. وهذه صِفَةٌ حَسَنَةٌ قَلِيلَةُ الكُلْفَةِ، لا يَحْتاجُ فيها إلى مُفارَقَةِ إمامِه، ولا إلى تَعْرِيفِ (٢) كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ. وهو مَذْهَبُ الحسنِ. وليس فيها أكْثرُ مِن أنَّ الإِمامَ في الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُفْتَرِضِين.
стр. 2140
الْوَجْهُ الْخَامِسُ، أنْ يُصَلِّىَ الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً، وَتُصَلِّىَ مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَقْضِىَ شَيْئًا، فَتَكُونَ لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً.
ــ
(الوَجْهُ الخامِسُ، أن يُصَلِّىَ) كما روَى جابِرٌ، قال: أقْبَلْنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ حتى إذا كُنّا بذاتِ الرِّقاعِ، قال: فنُودِىَ بالصلاةِ، فصَلَّى بطائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، ثم تَأَخَّرُوا (١)، وصَلَّى بالطّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْن. قال: وكانت لرسولِ اللَّه ﷺ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وللقَوْم رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وتَأوَّلَ القاضى هذا على أنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى بهم كصلاةِ الحَضَرِ، وأنَّ كلَّ طائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْن. وهذا (٣) التَّأْوِيلُ فاسِدٌ؛