. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صلَاتهما، وتَبْطُلُ صلاةُ الإِمامِ بالانْتِظارِ الثّالِثِ؛ لأنَّه لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، فأبْطَلَ الصلاةَ، كما لو فَعَلَه مِن غيرِ خَوْفٍ، وسَواءٌ فَعَل ذلك لحاجَةٍ أو غيرِها؛ لأنَّ التَّرَخُّصَ إنَّما يُصارُ إليه فيما وَرَد به الشَرْعُ، وتَبْطُلُ صَلاةُ الثَّالِثَةِ والرَّابِعَةِ؛ لائْتِمَامِهما بمَن صلاتُه باطِلَةٌ، فأشْبَهَ ما لو كانت باطِلَةً مِن (١) أوَّلِهَا. فإن لم يَعْلَما ببُطْلَانِ صَلاةِ الإِمامِ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا تَبْطُلُ صلاتُهما؛ لأنَّ ذلك مِمّا يَخْفَى، فلم تَبْطُلْ صلاةُ المَأْمُومِ، كما لو ائْتَمَ بمُحْدِثٍ لا يَعْلَمُ حَدَثَه. ويَنْبَغِى على هذا أن يَخْفَى على الإِمامِ والمَأْمُومِ، اعْتَبَرْنا ذلك في المُحْدِثِ. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ صلاتُهما؛ لأنَّ الإِمامَ والمَأْمُومَ يَعْلَمان وُجُودَ المُبْطِلِ. وإنَّما
стр. 2137
الْوَجْهُ الثَّالِثُ، أنْ يُصَلِّىَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِىَ إلَى الْعَدُوِّ،
ــ
خَفِىَ عليهم حُكْمُه، فلم يَمْنَعْ ذلك البُطْلانَ، لو عَلِمَ حَدَثَ الإِمامِ، ولم يَعْلَمْ كَوْنَه مُبْطلًا. وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ كقَوْلِ ابنِ حامِدٍ. وقال بعضُهم: تَصِحُّ صلاةُ الجَمِيعِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، أشْبَهَ الفِرْقَتَيْن. ولَنا، أنَّ الرُّخَصَ إنَّما تُتَلَقَّى مِن الشَّرْعِ، وهذا لم يَرِدْ به الشَّرْعُ، فلم يَجُزْ (١)، كغَيْرِ الخَوْفِ. واللَّه أعلمُ.
(الوَجْهُ الثّالِثُ، أن يُصَلِّىَ) كما روَى ابنُ عمرَ، قال: صَلَّى النبىُّ
стр. 2138
وَتَأْتِىَ الأُخْرَى فَيُصَلِّىَ بِهَا رَكْعَةً، وَيُسلِّمَ وَحْدَهُ، وَتَمْضِىَ هِىَ، ثُمَّ تَأْتِىَ الْأُولَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا.
ــ
ﷺ صلاةَ الخَوْفِ بإحْدَى الطَّائِفَتَيْن رَكْعَةً وسَجْدَتَيْن، والطّائِفَةُ الأُخْرَى مُواجِهَةُ العَدُوِّ، ثم انْصَرَفُوا وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِم مُقْبِلِين على العَدُوِّ، وجاء أُولئِك، ثم صَلَّى لهم النبىُّ ﷺ رَكْعَةً، ثم سَلَّمَ، ثم قَضَى هؤلاء رَكْعَةً، وهؤلاء رَكْعَةً. مُتَّفقٌ عليه (١).
стр. 2139
الْوَجْهُ الرَابعُ، أنْ يُصَلِّىَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً، وَيُسَلِّمَ بِهَا.
ــ
(الوَجْهُ الرّابعُ، أن يُصَلِّىَ بكُلِّ طائِفَةٍ صلاةً، ويُسَلِّمَ بها) كما روَى أبو بَكْرَةَ، قال: صَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ في خَوْفٍ الظُّهْرَ، فصَفَّ بَعْضَهم خَلْفَه؛ وبَعْضَهم بإزاءِ العَدُوِّ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فانْطَلَقَ الذين صَلَّوْا فوَقَفُوا مَوْقِفَ أصْحَابِهِم، ثم جاءَ أُولِئكَ فَصَلَّوْا خَلْفَه فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فكان لرسولِ اللَّهِ ﷺ أرْبَعٌ، ولأصْحَابِه رَكْعَتَان. رَواه أبو داودَ (١)، والأثْرَمُ. وهذه صِفَةٌ حَسَنَةٌ قَلِيلَةُ الكُلْفَةِ، لا يَحْتاجُ فيها إلى مُفارَقَةِ إمامِه، ولا إلى تَعْرِيفِ (٢) كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ. وهو مَذْهَبُ الحسنِ. وليس فيها أكْثرُ مِن أنَّ الإِمامَ في الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُفْتَرِضِين.
стр. 2140
الْوَجْهُ الْخَامِسُ، أنْ يُصَلِّىَ الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً، وَتُصَلِّىَ مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَقْضِىَ شَيْئًا، فَتَكُونَ لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً.
ــ
(الوَجْهُ الخامِسُ، أن يُصَلِّىَ) كما روَى جابِرٌ، قال: أقْبَلْنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ حتى إذا كُنّا بذاتِ الرِّقاعِ، قال: فنُودِىَ بالصلاةِ، فصَلَّى بطائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، ثم تَأَخَّرُوا (١)، وصَلَّى بالطّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْن. قال: وكانت لرسولِ اللَّه ﷺ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وللقَوْم رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وتَأوَّلَ القاضى هذا على أنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى بهم كصلاةِ الحَضَرِ، وأنَّ كلَّ طائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْن. وهذا (٣) التَّأْوِيلُ فاسِدٌ؛
стр. 2141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لمُخالَفَتِه صِفَةَ الرِّوايَةِ، وقولَ أحمدَ. أمّا مُخالَفَةُ الرِّوايَةِ، فإنَّه ذَكَر أنَّه صَلَّى بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْن، ولم يَذْكُرْ قَضاءً، ثم قال في آخِرِه: للقَوْمِ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْن. وأمّا مُخالَفَةُ قَوْلِ أحمدَ، فإنَّه قال: سِتَّةُ أوْجُهٍ أو سَبْعَةٌ يُروَى فيها، كُلُّها جائِزٌ. وعلى هذا لا تكونُ سِتَّةً ولا خَمْسَةً. ثم إنَّه حَمَل الحدِيثَ على مَحْمَلٍ بَعِيدٍ؛ لأنَّ الخَوْفَ يَقْتَضِى قَصْرَ الصَّلاةِ وتَخْفِيفَها. وعلى هذا التَّأْوِيلِ يَجْعَلُ مَكانَ الرَّكْعَتَيْن أرْبَعًا، ويُتِمُّ الصلاةَ المَقْصُورَةَ، ولم يُنْقَلْ عنه ﵇ إتْمَامُ صلاةِ السَّفَرِ في غيرِ الخَوْفِ، فكيف يُتِمُّها في مَوْضِعٍ يَقْتَضِى التَّخْفِيفَ.
فصل: وقد ذَكَر شيخُنا، ﵀ (١)، الوَجْهَ السّادِسَ، أن يُصَلِّىَ بكلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً (٢)، ولا تَقْضِى شيئًا؛ لِما روَي ابن عباسٍ،
стр. 2142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: صَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ بذِى قَرَدٍ (١) صلاةَ الخَوْفِ، والمُشْرِكُون بينَه وبينَ القِبْلَةِ، فَصَفَّ صَفًّا خَلْفَه، وصَفًّا مُوازِىَ العَدُوِّ، فصَلَّى بهم رَكْعَةً، ثم ذَهَب هؤلاء إلى مَصافِّ هؤلاء، ورَجَع هؤلاء إلى مَصافِّ هؤلاء، فصَلَّى بهم رَكْعَةً، ثم سَلَّمَ عليهم، فكانت لرسولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتان، وكانت لهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ. رَواه الأثْرَمُ (٢). وعن حُذَيْفَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ بهؤلاء رَكْعَةً، وهؤلاء رَكْعَةً، ولم يَقْضُوا شيئًا. رَواه أبو داودَ (٣). وهذا قَوْلُ ابنِ عباسٍ وجابِرٍ. قال جابِرٌ: إنَّما القَصْرُ رَكْعَةٌ عندَ القِتالِ. وقال طاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والحسنُ، وقَتادَةُ،
стр. 2143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحَكَمُ: يقُولُون: رَكْعَةً (١) في شِدَّةِ الخَوْفِ يُومِئُ إيماءً. وبه قال إسْحاقُ: يُجْزِئُك عندَ الشِّدَّةِ رَكْعَةٌ تُومِئُ إيماءً، فإن لم تَقْدِرْ فسَجْدَةٌ واحِدَةٌ، فإنْ لم تَقْدِرْ فتَكْبيرَةٌ. فهذه الصلاةُ يَقْتَضِى عُمُومُ كَلامِ أحمدَ جَوازَها؛ لأنَّه ذَكَر سِتَّةَ أوجُهٍ، ولا نَعْلَمُ وَجْهًا سَادِسًا سِواها. وقال القاضى: لا تَأْثِيرَ للخَوْفِ في عدَدِ الرَّكَعاتِ. وهذا قولُ أصحابِنا، وأكْثرَ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ عمرَ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وغيرُهم مِن عُلَماءِ الأمْصارِ، لا يُجِيزُون رَكْعَةً، والذي قال منهم رَكْعَةً، إنَّما جَعَلَها عندَ شِدَّةِ القِتالِ، والذين رَوَيْنا عنهم صلاةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ أكْثَرُهم لم يَنْقُصُوا مِن رَكْعَتَيْن، وابنُ عباسٍ لم يَكُنْ مِمَّن يَحْضُرُ النبىَّ ﷺ في غَزَواتِه ولا (٢) يَعْلَمُ ذلك إلَّا بالرِّوايَةِ، فالأخْذُ برِوايَةِ مَن حَضَر الصلاةَ وصَلَّاها مع النبىِّ ﷺ أوْلَى.
стр. 2144
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ في الصَّلَاة مِنَ السِّلَاحِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ
ــ
فصل: ومتى صَلَّى بهم صلاةَ الخَوْفِ مِن غيرِ خَوْفٍ، فصلاةُ الجميعِ فاسِدَةٌ؛ لأنَّها لا تَخْلُو بِن مُفارِقِ إمامِه لغيرِ عُذْرٍ، أو تارِك مُتابَعَةِ إمامِه في ثَلَاثَةِ أرْكانٍ، أو قاصِرِ الصَّلاةِ مع إتْمامِ الإِمامِ، وكلُّ ذلك يُفْسِدُ الصلاةَ، إلَّا مُفارَقَةَ الإِمامِ في قَوْلٍ. وإذا فَسَدَتْ صلاتُهم (١) فَسَدَتْ صلاةُ الإِمامِ؛ لأنَّه صَلَّى إمامًا بمَن صلاتُه فاسِدَةٌ، إلَّا أن يُصَلِّىَ بهم صلَاتيْنِ كامِلَتَيْن، فتَصِحُّ صلاتُه، وصلاةُ الطّائِفَةِ الأُولَى، وصلاةُ الثّانيةِ تَنْبَنِى على إمامَةِ المُتَنَفِّلِ بالمُفْتَرِضِ، وقد ذَكَرْناه (٢).
٦٢٠ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَحْمِلَ معه في الصَّلاةِ مِن السِّلاحِ
стр. 2145
وَلَا يُثْقِلُهُ؛ كَالسَّيْفِ، وَالسِّكِّينِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَجِبَ ذَلِكَ.
ــ
ما يَدْفَعُ به عن نَفْسِه ولا يُثْقِلُه، كالسَّيْفِ، والسِّكِّين. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ ذلك) حَمْلُ السِّلاحِ في صلاةِ الخَوْفِ مُسْتَحَبٌّ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١). ولأنَّهم [لا يَأْمَنُون] (٢) أن يَفْجَأَهم العَدُوُّ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾. والمُسْتَحَبُّ مِن ذلك ما يَدْفَعُ به عن نَفْسِه ولا يُثْقِلُه، كالسَّيْفِ، والسِّكِّينِ، ولا يُسْتَحَبُّ حَمْلُ ما يُثْقِلُه، كالجَوْشَنِ (٣) ولا ما يَمْنَعُ إكْمالَ السُّجُودِ، كالمِغْفَرِ (٤)، ولا ما يُؤْذِى
стр. 2146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غيرَه، كالرُّمْحِ إذا كان مُتَوَسِّطًا، ولا يَجُوزُ حَمْلُ نَجِسٍ، ولا ما يُخِلُّ ببعضِ أرْكانِ الصَّلاةِ إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ، كمَن يَخافُ وُقُوعَ الحِجارَةِ والسِّهامِ. وليس ذلك بواجبٍ، ذَكَرَه أصْحابُنا. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ، وأكْثَر أهلِ العلمِ؛ لأنَّه لو وَجَب لكانَ شَرْطًا، كالسُّتْرَةِ، ولأنَّ الأمْرَ به للرِّفْقِ بهم والصِّيانَةِ لهم، فلم يَكُنْ للإيجابِ، كما أنَّ نَهْىَ النبىِّ ﷺ عن الوِصالِ لَمّا كان للرِّفْقِ لم يَكُنْ للتَّحْرِيمِ. ويَحْتَمِلُ أن يَجبَ ذلك، وهو قَوْلُ داودَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ، وهذا القولُ (١) أظْهَرُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ الوُجُوبُ، وقد اقْتَرَنَ به ما يَدُلُّ على
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القِبْلَةِ وغيرِها، يُومِئُون إيماءً على قَدْرِ الطّاقَةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى اشْتَدَّ الخَوْفُ، والْتَحَمَ القِتالُ، فلهم الصلاةُ كَيْفَما أمْكَنَهم، رِجالًا أو رُكْبانًا، إلى القِبْلةِ إن أمْكَنَهم، [وإلى] (١) غيرِها إن لم يُمْكِنْهم، يُومِئُون بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجْعَلُون سُجُودَهم أخْفَضَ مِن رُكُوعِهم على قَدْرِ الطّاقَةِ، ولهم التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ، والطَّعْنُ والضَّرْبُ، والكَرُّ والفَرُّ، ولا يُؤَخِّرُون الصلاةَ عن وَقْتِها في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وحَكَى ابنُ أبى مُوسى، أنَّه يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ حالَ الْتِحامِ القِتالِ في رِوايَةٍ. وقال أبو حنيفَةَ، وابنُ أبى لَيْلَى: لا يُصَلِّى مع المُسايَفَةِ، ولا مع المَشْى؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يُصَلِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وأخَّرَ الصلاةَ. ولأنَّ ما يَمْنَعُ الصلاةَ في غيرِ شِدَّةِ الخَوْفِ يَمْنَعُها معه؛ كالحَدَثِ والصِّياحِ. وقال الشافعىُّ: يُصَلِّى، لكنْ إن تابَعَ الطَّعْنَ والضَّرْبَ، أو المَشْىَ، أو فَعَل ما يَطُولُ، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّ ذلك مِن مُبْطِلاتِ الصَّلاةِ، أشْبَهَ الحَدَثَ. ولَنا، قَوْلُه : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢).
стр. 2149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ابنُ عُمرَ: فإن كان خَوْفٌ أشَدُّ مِن ذلك، صَلَّوْا رِجالًا قِيامًا على أقْدَامهم، ورُكْبانًا مُسْتَقْبلى القِبْلَةِ وغيرَ مُسْتَقْبِلِيها. مُتَّفَقٌ عليه (١). ورُوِى ذلك عن النبىِّ ﷺ . ولأنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى بأصحابِه في غيرِ شِدَّة الخَوْفِ، فأمَرَهم بالمَشْى إلى وِجاهِ العَدُوِّ وهم في الصَّلاةِ، ثم يَعُودُون لقَضاءِ ما بَقِىَ مِن صَلَاِتهم، وهذا مَشْىٌ كَثِيرٌ، وعَمَلٌ طَوِيلٌ، واسْتِدْبارٌ للقِبْلَةِ، فإذا جاز ذلك مع أنَّ الخَوْفَ ليس بشدِيدٍ، فمع شِدَّتِهِ أوْلَى. ومِنْ العَجَبِ اخْتِيَارُ أبى حنيفَةَ هذا الوَجْهَ دُونَ سائِرِ الوُجُوهِ التى لا تَشْتَمِلُ على العَمَلِ في أثْناء الصَّلاةِ، وتَسْوِيغُه إيّاهُ مع الغِنَى عنه، ثم مَنْعُه في حالِ الحاجَةِ إليه، بحيثُ لا يَقْدِرُ على غيرِه، فكان العَكْسُ أوْلَى، ولأنَّه مُكَلَّفٌ تَصِحُّ طَهارَتُه، فلم يَجُزْ له إخْلاءُ وَقْتِ الصَّلاةِ عن فِعْلِها، كالمَرِيضِ، ويُخَصُّ الشافعىُّ بأنَّه عَمَلٌ أُبِيحَ للخَوْفِ، فلم يُبْطِلِ الصلاةَ، كاسْتِدْبارِ القِبْلَةِ، والرُّكُوبِ، والإيماءِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرَه. فأمّا تَأْخِيرُ الصَّلاةِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فرَوَى أبو سعيدٍ، أنَّه كان قبلَ نُزُولِ صلاةِ الخَوْفِ. ويَحْتَمِل أنَّه شَغَلَه المُشْرِكُون فنَسِىَ الصلاةَ، فقد نُقِلَ ما يَدُلُّ على ذلك (٢). ويُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا، أنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَه لم
стр. 2150
فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
يَكُونُوا في مُسايَفَةٍ تُوجِبُ قَطْعَ الصَّلاةِ. وأمّا الصِّياحُ والحَدَثُ، فلا حاجَةَ بهم إليه، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّئِ مُبْطِلًا مع عَدَمِ العُذْرِ أن تَبْطُلَ معه، كخُرُوجِ النَّجاسَةِ مِن المُسْتَحاضَةِ ومَن في مَعْناها.
٦٢٢ - مسألة: (فإن أمْكَنَهم افْتِتاحُ الصَّلاةِ إلى القِبْلَةِ، فهل يَلْزَمُهم ذلك؟ على رِوَايَتَيْن) إحْداهما، لا تَجِبُ. اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه جُزْءٌ مِن الصَّلاةِ، فلم يَجِبْ الاسْتِقْبالُ فيه، كبَقِيَّةِ أجْزَائِها. والثّانيةُ، يَجبُ؛ لأنَّه أمْكَنَه ابْتِداءُ الصَّلاةِ مُسْتَقْبِلًا، فلم يَجُزْ بدُونِه، كما لو أمْكَنَه ذلك في رَكْعَةٍ كامِلَةٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو مالِه، أو أَهْلِه. وكذلك الأسِيرُ إذا خافَهم على نَفْسِه إن صَلَّى، والمُخْتَفِى في مَوْضِعٍ، يُصَلِّيان كيْفَما أمْكَنَهما. نَصَّ عليه أحمدُ في
الأسِيرِ. فلو كان المُخْتَفِى قاعِدًا لا يُمْكِنُه القِيامُ، أو مُضْطَجِعًا لا يُمْكِنُه القُعُودُ، صَلَّى على حَسبِ حالِه. وهذا قولُ ابنِ الحسنِ. وقال الشافعىُّ: يُصَلِّى ويُعِيدُ. ولَنا، أنَّه خائِفٌ صَلَّى على حَسَبِ ما أمْكَنَه، فلم تَلْزَمْه الإِعادَةُ، كالهارِبِ. ولا فَرْقَ في هذا بينَ الحَضَرِ والسَّفَرِ، لأنَّ المُبِيحَ خَوْفُ الهَلاكِ، وقد تَساوَيا فيه. فإن أمْكَنَ التَّخَلُّصُ بدُونِ ذلك، كالهارِبِ مِن السَّيْلِ يَصْعَدُ إلى رَبْوَةٍ، والخائِفِ مِن العَدُوِّ يُمْكِنُه دُخُولُ حِصْن يَأْمَنُ فيه صَوْلَةَ العَدُوِّ، فيُصَلِّى فيه ثم يَخْرُجُ، لم يَكُنْ له أن يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ، لأنَّه لا حاجَةَ إليها ولا ضَرُورَةَ.
فصل: فأمّا العاصِى بهَرَبِه، كالذى يَهْرُبُ [مِن حَقٍّ تَوَجَّهَ] (١) عليه، وقاطِعِ الطَّريقِ، واللِّصِّ، والسَّارِقِ، فليس لهم أن يُصَلُّوا صلاةَ الخَوْفِ، لأنَّها رُخْصَةٌ ثبتَت للدَّفْعِ (٢) عن نَفْسِه في مَحَلٍّ مُباحٍ، فلا تَثْبُتُ بالمَعْصِيَةِ، كَرُخَصِ السَّفَرِ.
فصل: قال أصحابُنا: يَجُوزُ أن يُصَلُّوا في حالِ شِدَّةِ الخَوْفِ جَماعَةً.
стр. 2153
وَهَلْ لِطَالِبِ العَدُوِّ الْخَائِفِ فَوَاتَهُ الصَّلاةُ كَذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتيْن).
ــ
قال شيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّهم يَحْتاجُون إلى التَّقَدُّم والتَّأخُّرِ، ورُبَّما تَقَدَّمُوا الإِمامَ (٢)، وتَعَذَّرَ عليهم الائْتِمامُ. وحُجَّةُ الأصَحابِ أنَّها حالَة تَجُوزُ فيها الصلاةُ على الانْفِرادِ، فجازَ فيها صلاةُ الجَماعَةِ، كالرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ، ويُعْفَى عن تَقَدُّمِ الإِمامِ للحاجَةِ إليه، كالعَفْوِ عن العَمَلِ الكَثِيرِ. ولمَن نَصَر القَوْلَ الأَوَّلَ أن يُفَرِّقَ بينَهما، بأنَّ العَفْوَ عن العَمَلِ الكَثِيرِ لا يَخْتَصُّ الإِمامَةَ، بل هو في حالِ الانْفِرادِ أيضًا، فلم يُؤثِّرْ الانْفِرادُ في نَفْسِه، بخِلافِ تَقَدُّمِ الإِمامِ.
٦٢٤ - مسألة: (وهل لطالِبِ العَدُوِّ الخائِفِ فَواتَه الصلاةُ كذلك؟ على رِوايَتيْن) إحْداهما، له ذلك كالمَطْلُوبِ سَواءً. رُوِىَ ذلك
стр. 2154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن شُرَحْبِيلَ ابنِ حَسَنَةَ (١)، وهو قَوْلُ الأوْزاعِىِّ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ أُنَيْسٍ، قال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى خالِدِ بنِ سُفْيانَ الهُذَلِىِّ فقال: «اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ». فرَأيْتُه، وحَضَرَتْ صلاةُ العَصرِ، فقُلْتُ: إنِّى لَأَخافُ أن يكونَ بَيْنِى وبَيْنَه ما يُؤَخِّرُ الصلاةَ، فانْطَلَقْتُ أمْشِى، وأنا اُّصَلِّى أُومِئُ إيماءً نَحْوَه. وذَكَرَ الحَدِيثَ. رَواه أبو داودَ (٢). وظاهِرُ حالِه أنَّه أخْبَرَ بذلك النبىَّ ﷺ ، أو كان قد عَلِم جَوازَ ذلك، فإنَّه لا يُظنُّ به أن يَفْعَلَ ذلك مُخْطِئًا.، وهو رسولُ (٣) رسولِ اللَّهِ ﷺ ولا يُخْبِرُه بذلك، ولا يَسألُه (٤) عن حُكْمِه وقال شرَحْبِيلُ ابنُ حَسَنَةَ: لا تُصَلُّوا الصُّبْحَ إلَّا على ظَهْرٍ. فنَزَلَ الأشتَرُ (٥) فصَلَّى على الأرْضِ، فمَرَّ به شُرَحْبِيل،
стр. 2155
وَمَنْ أَمِنَ في الصَّلاةِ أَتَمَّ صَلَاةَ آمِنٍ، وَمَنِ ابْتدَأَها آمِنًا فَخَافَ، أتَمَّ صلاةَ خَائِفٍ.
ــ
فقال: مُخالِفٌ، خالَفَ اللَّه به. قال: فخَرَجَ الأشْتَرُ في الفِتْنَةِ. ولأنَّها إحْدَى حالتَى الحَرْبِ، أشْبَهَتْ حالَةَ الهَرَبِ، ولأنَّ فَواتَ الكُفّارِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ (١)، فَأُبِيحَتْ صلاةُ الخَوْفِ عندَ فَوْتِه كالحالَةِ الأُخْرى. والثَّانيةُ، ليس له أن يُصَلِّىَ إلَّا صلاةَ آمِنٍ. وهذا قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أوْ رُكْبَانًا﴾ فشَرَط الخَوْفَ. وهذا غيرُ خائِفٍ، ولأنَّه آمِنٌ فلَزِمَتْه صلاةُ الآمِنِ، كما لو لم يَخْشَ فَوْتَهم. وهذا الخِلافُ في مَن يَأْمَنُ رُجُوعَهم عليه إن تَشاغَلَ بالصلاةِ، ويَأْمَنُ على أصحابِه. فأمَّا الخائِفُ مِن ذلك فحُكْمُه حُكْمُ المَطْلُوبِ على ما بَيَّنّا.
٦٢٥ - مسألة: (ومَن أَمِنَ في الصَّلاةِ أَتَمَّ صلاةَ آمِنٍ، وإِنِ ابْتدَأَها آمِنًا فخافَ، أتَمَّ صلاةَ خائِفٍ) متى صَلَّى بعْضَ الصَّلاةِ في حالِ شِدَّةِ الخَوْفِ، مع الإِخْلالِ بشئٍ مِن واجِباتِها، كالاسْتِقْبالِ وغيرِه، فأَمِنَ في أثْنائِها، أَتَمَّها آتِيًا بواجِباتِها، فإذا كان راكِبًا إلى غيرِ القِبْلَةِ، نَزَل مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وإن كان ماشِيًا، وَقَف واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وبَنَى على ما
стр. 2156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَضَى؛ لأنَّ ما مَضَى مِن صلاِتِه كان صَحِيحًا قبلَ الأَمْنِ، فجاز البِناءُ عليه، كما لو لم يُخِلَّ بشئٍ مِن الواجِباتِ، [وكالمريضِ] (١) يَبْتَدِئُ الصلاةَ قاعِدًا، إذا قَدَر على القِيام في أثْنَائِها. فإن تَرَك الاسْتِقْبَالَ حَالَ نُزُولِه، أو أخَلَّ بشئٍ مِن واجِباتِهاَ بعدَ أمْنِه، فسَدَتْ صلاتُه. وإنِ ابْتَدأَ الصلاةَ آمِنًا بشُرُوطِها وواجِباتها، ثم حَدَثَ له شِدَّةُ خَوْفٍ، أتَمَّها على حَسَبِ ما يَحْتَاجُ إليه، مثلَ مَن يكونُ قائِمًا على الأرضِ مُسْتَقْبِلًا، فيَحْتاجُ أن يَرْكَبَ وَيَسْتَدْبِرَ القِبْلَةَ، ويَطْعَنَ (٢) ويَضْرِب، ونحوَ ذلك، فإنَّه يَصِيرُ إليه، ويَبْنِى على الماضِى مِن صلاِتِه. وحُكِىَ عن الشافعىِّ، أنَّه إذا أمِنَ نَزَل فبَنَى، وإذا خاف فرَكِبَ ابْتَدَأَ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الرُّكُوبَ قد يكونُ يَسِيرًا، لا يُبْطِلُ مِثْلُه في حَقِّ الآمِنِ، ففى حَقِّ الخائِفِ أَوْلَى، كالنُّزُولِ، ولأنَّه عَمَل أُبِيحَ للحاجَةِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّلاةِ، كالهَرَبِ.
стр. 2157
ومَنْ صَلَّى صَلَاةَ الخَوْفِ لِسَوادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بعَدُوٍّ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُهُ، فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ.
ــ
٦٢٦ - مسألة (١): (ومَن صَلَّى صلاةَ الخَوْفِ لسَوادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا، فبانَ أنَّه ليس بعَدُوٍّ، [أو بينَه] (٢) وبينَه ما يَمْنَعُه، فعليه الإِعادَةُ) سَواءٌ صَلَّى صلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ أو غيرَها، وسَواءٌ كان ظَنُّهم مُسْتَنِدًا إلى خَبَرِ ثِقَةٍ أو غيرِه، أو رُؤْيَةِ سَوادٍ، أو نحوِه؛ لأنَّه تَرَك بعضَ واجِباتِ الصَّلاةِ ظَنًّا منه أنَّه قد سَقَط، فلَزِمَتْه الإِعادَةُ، كما لو تَرَك غَسْلَ رِجْلَيْه، ومَسَح على خُفَّيْهِ،
стр. 2158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ظَنًّا منه أنَّ ذلك يُجْزِئُ، فبانا مُخَرَّقَيْن، وكما لو ظَنَّ المُحْدِثُ أنَّه مُتَطَهِّرٌ فصَلَّى. ويَحْتَمِلُ أن لا تَلْزَمَ الإِعادَةُ إذا كان بينَه وبينَ العَدُوِّ ما يَمْنَعُ العُبُورَ؛ لأنَّ سَبَبَ الخَوْفِ مُتَحَقِّقٌ، وإنَّما خَفِىَ المانِعُ. واللَّهُ أعلمُ.
стр. 2159
بابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
ــ
بابُ صلاةِ الجُمُعَةِ (١)
والأصْلُ في فَرْضِ الجُمُعَةِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢). فأمَرَ بالسَّعْى، ومُقْتَضَى الأمْرِ الوُجُوبُ، ولا يَجِبُ السَّعْىُ إلَّا إلى واجِبٍ. والمُرادُ بالسَّعْى هُنا الذِّهابُ إليها، لا الإِسْراعُ، فإنَّ السَّعْىَ في كِتابِ اللَّهِ لا يُرادُ به العَدْوُ، قال اللَّه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان النِّساءُ يُصَلِّين معه في الجَماعَةِ. الرَّابعُ.، البُلُوغُ، وهو شَرْطٌ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وانْعِقادِها، في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ؛ للحَدِيثِ المَذْكُورِ. وهذا قولُ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ، ولأنَّ البُلُوغَ مِن شَرائِطِ التَّكْلِيفِ؛ لقَوْلِه ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاَثةٍ، عَنَ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ» (١). وذَكَر بعضُ أصحابِنا في الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ رِوايَةً في وُجُوبِها عليه، بِناءً على تَكْلِيفِه. ولا مُعَوَّلَ عليه. والخامِسُ، الحُرِّيَّةُ السَّادِسُ، الاسْتِيطانُ بقَرْيَةٍ. وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاء اللَّهُ تعالى. السَّابعُ، أن لا يكونَ بينَه وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أكثَرُ مِن فَرْسَخٍ. وهذا الشَّرْطُ في حَقِّ غيرِ أهْلِ المِصْرِ، أمَّا أهْلُ المِصْرِ فيَلْزَمُهُم كلَّهم الجُمُعَةُ، بَعُدُوا أو قَرُبُوا. نصَّ عليه أحمدُ، فقال: أمَّا أهْلُ المِصْرِ فلابُدَّ لهم مِن شُهُودِها، سَمِعُوا النِّداءَ أو لم يَسْمَعُوا؛ وذلك لأنَّ البَلَدَ الواحِدَ يُبْنَى لِلْجُمُعَةِ، فلا فَرْقَ فيه بينَ القَرِيبِ والبَعِيدِ، ولأنَّ المِصْرَ لا يَكادُ يكونُ أكْثَرَ مِن فَرْسَخ. فهو في مَظِنَّةِ القُرْب، فاعْتُبِرَ ذلك. وهو قولُ أصحابِ الرَّأىِ، ونحْوُه قولُ الشافعىِّ. فأَمَّا غيرُ أهْلِ المِصْر، فمَن كان بينَه وبينَ الجامِعِ فَرْسَخٌ فما دُونَ، فعليه الجُمُعَةُ، وإلَّا فلا جُمُعَةَ عليه. ورُوِىَ نحْوُ هذا عن سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّب. وهو قولُ مالِكٍ، واللَّيْثِ. وروَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرو، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ». رَواه أبو داودَ (٢).
стр. 2164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأشْبَهُ أنَّه مِن كلامِ ابنِ عَمْرو؛ ولأنَّ النبىَّ ﷺ قال للأعْمَى الذى قال: ليس لى قائِدٌ يَقُودُنِى: «أتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟». قال: نعم. قال: «فَأَجِبْ» (١). ولأنَّه داخِلٌ في قولِه تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَس، والحسنِ، ونافِعٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ، أنَّهم قالوا: الجُمُعَةُ على مَن أواهُ اللَّيْلُ إلى أهْلِه؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ أوَاهُ اللَّيْلُ إلَى أهلِهِ» (٢). وقال أصحابُ الرَّأىِ: لا جُمُعَةَ على مَن كان خارِجَ المصْرِ؛ لأنَّ عُثْمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَلَّى العِيدَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ، ثم قال لأهْلِ العَوالِى (٣): مَن أرادَ منكم أن يَنْصَرِفَ فلْيَنْصَرِفْ، ومَن أرادَ أن يُقِيمَ حتى يُصَلِّىَ الجُمُعَةَ فَلْيُقِمْ (٤). ولأنَّهم خارِجُ المِصْرِ، فأشْبَهُوا أهْلَ الحِلَلِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وهذا يَتَناوَلُ غيرَ أهلِ المِصْرِ إذا سَمِعُوا النّداءَ، وحَدِيثُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، ولأنَّهم مِن أهْلِ الجُمُعَةِ يَسْمَعُون النِّداءَ، فأشْبَهُوا أهْلَ المِصْرِ. وترْخِيصُ عثمانَ لأهْل
стр. 2165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العَوالِى إنَّما كان لأنَّه إذا اجْتَمَعَ عِيدان اجْتُزِئَ بالعِيدِ، وسَقَطَتِ الجُمُعَةُ عن مَن حَضَر العِيدَ غيرَ الإِمامِ. وقِياسُ أهْلِ القُرَى على أهْلِ الحِلَلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحِلَلَ لا تُعَدُّ للاسْتِيطانِ، ولا هم ساكِنُون بقَرْيَةٍ، ولا في مَوْضِعٍ جُعِلَ للاسْتِيطانِ. وقد ذَكَر القاضى أنَّ الجُمُعَةَ تَجِبُ عليِهم إذا كانوا بمَوْضِعٍ يَسْمَعُون النِّداءَ، كأهْلِ القَرْيَةِ. وأمَّا ما احْتَج به الآخرُون مِن حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ فهو غيرُ صَحِيح، يَرْوِيه عبدُ اللَّهِ بنُ سعِيدٍ المقْبُرِىُّ، وهو ضَعِيفٌ. قال أحمدُ بنُ الحسنِ (١): ذَكَرْتُ هذا الحدِيث لأحمدَ بنِ حَنْبَل، فغَضِبَ وقال: اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ. وإنَّما فَعَل هذا؛ لأنَّه لم يَرَ الحَدِيثَ شيئًا بحالِ إسْنادِه، قالَه التِّرْمِذِىُّ (٢). وأمَّا اعْتِبارُ حَقِيقَةِ النِّداءِ فغيرُ مُمْكِنٍ؛ لأنَّه قد يكونُ في النّاسِ الأصَمُّ وثَقِيلُ السَّمْعِ، وقد يكونُ النِّداءُ بينَ يَدَىِ المِنْبَرِ فلا يَسْمَعُه إلَّا أهْلُ المَسْجِدِ، وقد يكونُ المُؤَذِّنُ خَفِىَّ الصَّوْتِ، أو في يَوْمِ رِيحٍ، أو يكونُ المُسْتَمِعُ نائِمًا أو مَشْغُولًا بما يَمْنَعُ السَّماعَ، ويَسْمَعُ مَن هو أبعَدُ مِنه، فيُفْضِى إلى وُجُوبِها على البَعِيدِ دُونَ القَرِيبِ، وما هذا سَبِيلُه يَنْبَغِى أن يُقَدَّرَ بمقدارٍ لا يَخْتَلِفُ،
стр. 2166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمَوْضِعُ الذى يُسْمَعُ مِنه النِّداءُ في الغالِبِ، إذا كانتِ الأصْواتُ هادِئَةً، والموانِعُ مُنْتَفِيَةً، والرِّيحُ ساكِنَةً، والمُؤَذِّنُ صَيِّتًا على مَوْضِعٍ عالٍ، والمُسْتمِعُ غيرَ ساهٍ، فرْسَخ، أو ما قارَبَهُ، فحُدَّ به. واللَّهُ أعلمُ.
فصل: وأهلُ القَرْيَةِ لا يَخْلُونَ مِن حالَيْن، إمَّا أن يكونَ بينَهم وبينَ المِصْرِ أكْثرُ مِن فرْسَخٍ [أوْ لا، فإن كان بينَهم أكثرُ مِن فَرْسَخٍ] (١) لم يَجِبْ عليهم السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ، وحالُهم مُعْتَبَرٌ بأنْفُسِهم، فإن كانوا أرْبَعِين واجْتَمَعَتْ فيهم الشَّرائِطُ، فعليهم إقامَةُ الجُمُعَةِ، ولهم السَّعْىُ إلى المِصْرِ، والأفْضَلُ إقامَتُها في قَرْيتهم، لأنَّه متى سَعَى بَعْضُهم اخْتَلَّ على الباقِين إقامَةُ الجُمُعَةِ، وإذا أقامُوا حَضَرُوها جَمِيعُهم، ولأنَّ في إقامَتِها في
стр. 2167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَوْضِعِهم تَكْثِيرَ جَماعاتِ المُسْلِمين. وإن كانوا مِمَّن لا تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهِم، فهم مُخَيَّرُون بينَ السَّعْىِ إلى المِصْرِ، وبينَ الإِقامَةِ ويُصَلُّون ظُهْرًا، والسَّعْىُ أفْضَلُ؛ ليَحْصُلَ لهم فَضْلُ السَّاعِى إلى الجُمُعَةِ، ويَخْرُجُوا مِن الخِلافِ. الحالُ الثانِى، أن يكونَ بينَهم وبينَ المِصْرِ فَرْسَخٌ فما دونَ، فإن كانوا أقَلَّ مِن أرْبَعِين، فعليهم السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ؛ لِما بَيَّنا. وإن كانوا مِمَّن تَجِب عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم، وكان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ قَرْيَةً أُخْرَى، لم يَلْزَمْهم السَّعْىُ إليها، وصلَّوْا في مَكانِهم؛ إذ ليست إحْدَى القَرْيَتَيْن أوْلَى مِن الأخْرَى، ولهم السَّعْىُ إليها، وإقامَتُها في مَكانِهم أفْضَلُ، كما ذَكَرْنا. فإن سَعَى بَعضُهم فنَقَصَ عَدَدُ الباقِين، لَزِمَهم السَّعْىُ؛
стр. 2168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لئَلَّا يُؤدِّىَ إلى تَرْكِ الجُمُعَةِ الواجِبَةِ، وإن كان مَوْضِعُ الجُمُعَةِ القَرِيبُ مِصْرًا، فهم مُخَيَّرُون أيضًا بينَ السَّعْىِ إليه، وإقامَتِها في مَكانِهِم، كالتى قَبْلَها. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. وعن أحمدَ، أنَّ السَّعْىَ يَلْزَمُهم، إلَّا أن يكون لهم عُذْرٌ فيُصَلُّون جُمُعَة. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ أهْلَ القَرْيَةِ لا تَنْعَقِدُ بهم جُمُعَةُ أهْلِ المِصْرِ، فكان لهم إقامَةُ الجُمُعَةِ في مَكانِهم، كالتى قبلَها، ولأنَّ أهْلَ القُرَى يُقِيمُون الجُمَعَ في بِلادِ الإِسْلامِ في مثلِ ذلك مِن غيرِ نَكيرٍ،
стр. 2169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فكان إجْماعًا. الشَّرْطُ الثَّامِنُ، انْتِفاءُ الأعْذارِ، وقد ذَكَرْنَاها في آخِرِ صلاةِ الجَماعَةِ بما يُغْنِى عن إعادَتِها (١). والمَطَرُ الذى يَبُلُّ الثِّيابَ، والوَحْلُ الذى يَشُقُّ المَشْىُ فيه مِن جُمْلَةِ الأعْذارِ. وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه كان لا يَجْعَلُ المَطَرَ عُذْرًا في التَّخَلُّفِ عنها. ولَنا، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أمَرَ مُؤَذِّنَه في يَوْمِ جُمُعَةٍ في يَوْمِ مَطَرٍ، فقال: إذا قُلْتَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ. فلا تَقُلْ حَىَّ على الصَّلاةِ. قُلْ صَلُّوا في بُيُوتِكم. قال: فكأنَّ النَّاْسَ اسْتَنْكَرُوا ذلك. فقال: أتَعْجَبُون مِن ذا؟ فَعَل هذا مَن هو خَيْرٌ مِنِّى، إنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وإنِّى كَرِهْتُ أن أُخْرِجَكم إليها فتَمْشُون في الطِّينِ والدَّحْضِ. أخْرَجَه مُسْلِمٌ (٢). ولأنَّه عُذْرٌ في تَرْكِ الجَماعَةِ (٣)، فكان عُذْرًا في تَرْكِ الجُمُعَةِ، كالمَرَضِ.
فصل: والعَمَى ليس بعُذْرٍ في تَرْكِ الجُمُعَةِ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَجِبُ على الأعْمَى. ولَنا، عُمُومُ الآيَةِ والأخْبارِ. وقد قال النبىُّ ﷺ للأعْمَى الذى اسْتَأْذَنه في تَرْكِ الخُرُوجِ إلى الصَّلاةِ: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» قال: نعم. قال: «أَجِبْ» (٤). واللَّه أعْلمُ.
стр. 2170
وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ، وَلا عَبْدٍ، وَلَا امْرأةٍ، وَلَا خُنْثَى،
ــ
٦٢٨ - مسألة: (ولا تجبُ على مُسافِرٍ، ولا عَبْدٍ، ولا امْرَأةٍ، ولا خُنْثَى) أمّا المَرْأَةُ، فلا خِلافَ في أنَّها لا تَجِبُ عليها الجُمُعَةُ. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا. وحُكْمُ الخُنْثَى حُكْمُ المرْأَةِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه رجلًا. وأمَّا المُسافِرُ فلا جُمُعَةَ عليه في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالكٌ في أهْلِ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ في أهْلِ العِراقِ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن الزُّهْرِىِّ، والنَّخَعىِّ، أنَّها تَجبُ عليه؛ لأنَّ الجَماعَةَ تَجِبُ عليه، فالجُمُعَةُ أوْلَى. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ كان يُسافِرُ فلا يُصَلِّى الجُمُعَةَ في سَفَرِه، وكان في حَجَّةِ الوَداعِ يَومَ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمَع بينَهما، ولم يُصَلِّ جُمُعَةً، والخُلفَاءُ الرَّاشِدُون، رَضِىَ اللَّه عنهم، كانوا يُسافِرُون في الحَجِّ وغيرِه، فلم يُصَلِّ أحَدٌ منهم الجُمعَةَ في سَفَرِه، وكذلك غيرُهم مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ومَن بعدَهم. قال
стр. 2171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إبراهيمُ: كانوا يُقِيمُون بالرَّىِّ (١) السَّنَةَ وأكثرَ مِن ذلك، وبسجِسْتان (٢) السِّنِين (٣) لا يُجَمِّعُون ولا يُشَرِّقُون. رَواه سَعيدٌ (٤). وهذا إجْماعٌ، مع السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، لا يَسُوغُ مُخالَفَتُه.
فصل: وإذا أجْمَعَ المُسافِرُ إقامَةً تَمْنَعُ القَصْرَ، ولم يَنْوِ الاسْتِيطانَ، كطالِبِ العِلْمِ أو الرِّباطِ، أو التَّاجِرِ ونحوِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَلْزمُه الجُمُعَةُ؛ لعُمُومِ الآيةِ والأَخْبارِ. والثَّانِى، لا تَجبُ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَوْطِنٍ، والاسْتِيطانُ مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ، ولأنَّه لم يَنْوِ الإِقامَةَ في هذا البَلَدِ على الدَّوامِ، أشْبَهَ أهْلَ القَرْيَةِ الذين يَسْكُنُونَها صَيْفًا وَيظْعَنُون عنها شِتاءً، ولأنَّهم كانوا يُقِيمُون السَّنَةَ والسَّنَتَيْن لا يُجَمِّعُون ولا يُشَرِّقُون، أى لا يُصَلُّون جُمُعَةً ولا عِيدًا. فإن قُلْنا: تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ. فالظَّاهِرُ أنَّها لا تَنْعَقِدُ به، لعدَمِ الاسْتِيطانِ الذى هو مِن شُرُوطِ الانْعِقادِ.
стр. 2172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمَّا العَبْدُ، فالمَشْهُورُ في المَذْهَب أنَّها لا تَجبُ عليه. وهو قولُ (١) مَن سَمَّيْنا في حَقِّ المُسافِر. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجِبُ عليه. نَقَلَها عنه المَرُّوذِىُّ. وهى اخْتِيارُ أبى بكرٍ، إلَّا أنَّه لا يَذْهَبُ مِن غيرِ إذْنِ سَيِّدِه. وهو قولُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، واحْتَجُّوا بعُمُومِ الآيَةِ، ولأنَّ الجَماعَةَ تَجِبُ عليه، والجُمُعَةُ آكَدُ مِنها. وحُكِىَ عن الحسنِ، وقَتادَةَ، أنَّها تَجِبُ على العَبْدِ الذى يُؤَدِّى الضَّرِيبَةَ؛ لأنَّ حَقَّ السَّيِّدِ عليه قد (٢) تَحَوَّلَ إلى المالِ، أشْبَهَ المَدِينَ. ولَنا، ما روَى طارِقُ بنُ شِهابٍ، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم، إلَّا أرْبعَةً؛ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أوِ امْرَأةٌ، أوْ صَبِىٌّ، أوْ مَرِيضٌ». رَوَاه أبو داودَ (٣)، وقال: طارِقٌ رَأى النبىَّ ﷺ ولم يَسْمَعْ منه، وهو مِن أصحابِه. وعن
стр. 2173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جابِرٍ، أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا مَرِيضًا، أوْ مُسَافِرًا، أَوِ امْرأةً، أَو صَبِيًّا، أوْ مَمْلُوكًا». رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ (١). ولأنَّ الجُمُعَةَ يَجِبُ السَّعْىُ إليها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فلم تَجِبْ عليه الجُمُعَةُ، كالحَجِّ والجِهادِ، ولأنَّه مَحْبُوسٌ على السَّيِّدِ، أشْبَهَ المَحْبُوسَ بالدَّيْنِ، ولأنَّها لو وَجَبَتْ عليه لجاز له السَّعْىُ إليها مِن غيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، كسائِرِ الفَرائِضِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بذوى الأعْذارِ، وهذا منهم.
فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ في ذلك حُكْمُ القِنِّ، لبَقَاءِ الرِّقِّ فيهما. وكذلك مَن بعضُه حُرٌّ، فإنَّ حَقَّ السَّيِّدِ مُتَعَلِّقٌ به. وكذلك لا يَجِبُ عليه شئٌ مِمّا [لا يَجِبُ على العبيدِ] (٢).
стр. 2174
وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَعَنْهُ، فِى الْعَبْدِ، أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ.
ــ
٦٢٩ - مسألة: (ومَن حَضَرَها منهم أَجْزأَتْه، ولَم تَنْعَقِدْ بِه، ولَم يَجُزْ لَه أن يَؤُمَّ فيها. وعنْه، في العَبْدِ، أنَّهَا تَجِبُ عليه) مَن حَضَر الجُمُعَةَ مِن هؤلاءِ أجْزَأَتْه عن الظُّهْرِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ إسْقاطَ الجُمُعَةِ عنهم تَخْفِيفٌ عنهم، فإذا حَضَرُوها أجْزَأَتْهُم، كالمَرِيضِ. والأَفْضَلُ لِلمُسافِرِ حُضورُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّها أكْمَلُ، وفيه خُروجٌ مِن الخِلافِ. فأمَّا العَبْدُ فإن أَذِنَ سَيِّدُه في حُضورِها فهو أفْضَلُ؛ لِيَنالَ فَضْلَ الجُمُعَةِ، ويَخْرُجِ مِن الخِلافِ. وإن مَنَعَه سَيِّدُه فليس له حُضُورُها، إلَّا أن نقُولَ بوُجُوبِها عليه. وأمَّا المرأةُ؛ فإن كانت مُسِنَّةً فلا بَأْسَ بحُضُورِها، وإن كانت شابَّةً جاز لها ذلك، وصلاتُها في بَيْتِها أفْضَلُ. قال أبو عَمْرٍو
стр. 2175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّيْبَانِىُّ (١): رَأيْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يُخْرِجُ النِّساءَ مِن الجامِعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويَقُولُ: اخْرُجْنَ إلى بُيُوتِكُنَّ خيْرٌ لَكُنَّ (٢).
فصل: ولا تَنْعَقِدُ الجُمُعَةُ بأحَدٍ مِن هؤلاءِ، ولا يَصِحُّ أن يكونَ إمامًا فيها. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعىُّ: يَجُوزُ أن يكونَ العَبْدُ والمُسافِرُ إمامًا فيها. ووافَقَهُم مالكٌ في المُسافِرِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّ الجُمُعَةَ تَصِحُّ بالعَبِيدِ والمُسافِرِينَ؛ لأنَّهم رِجالٌ تَصِّحُّ منهم الجُمُعَةُ. ولَنا، أنَّهم مِن غيرِ أهْلِ فَرْضِ الجُمُعَةِ، فلم تَنْعَقِدْ بهم، ولم يَؤُمُّوا فيها، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ولأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما تَصِحُّ منهم تَبَعًا لمَن انْعَقَدَتْ به، فلو انْعَقَدَتْ بهم أو كانوا أئِمَّةً صارَ التَّبعُ مَتْبُوعًا، وعليه يَخْرُجُ الحُرُّ المُقِيمُ، ولأنَّ الجُمُعَةَ لو انْعَقَدَتْ بهم لانْعَقَدَتْ بهم مُنْفَرِدِينَ، كالأحْرَارِ المُقِيمِينَ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ (٣) بالنِّساءِ والصِّبْيانِ. وفى العَبْدِ رِوايَة، أنَّها تَجِبُ عليه؛ لعُمُومِ الآيَةِ، وقد ذَكَرْناه.