← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إبراهيمُ: كانوا يُقِيمُون بالرَّىِّ (١) السَّنَةَ وأكثرَ مِن ذلك، وبسجِسْتان (٢) السِّنِين (٣) لا يُجَمِّعُون ولا يُشَرِّقُون. رَواه سَعيدٌ (٤). وهذا إجْماعٌ، مع السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، لا يَسُوغُ مُخالَفَتُه. فصل: وإذا أجْمَعَ المُسافِرُ إقامَةً تَمْنَعُ القَصْرَ، ولم يَنْوِ الاسْتِيطانَ، كطالِبِ العِلْمِ أو الرِّباطِ، أو التَّاجِرِ ونحوِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَلْزمُه الجُمُعَةُ؛ لعُمُومِ الآيةِ والأَخْبارِ. والثَّانِى، لا تَجبُ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَوْطِنٍ، والاسْتِيطانُ مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ، ولأنَّه لم يَنْوِ الإِقامَةَ في هذا البَلَدِ على الدَّوامِ، أشْبَهَ أهْلَ القَرْيَةِ الذين يَسْكُنُونَها صَيْفًا وَيظْعَنُون عنها شِتاءً، ولأنَّهم كانوا يُقِيمُون السَّنَةَ والسَّنَتَيْن لا يُجَمِّعُون ولا يُشَرِّقُون، أى لا يُصَلُّون جُمُعَةً ولا عِيدًا. فإن قُلْنا: تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ. فالظَّاهِرُ أنَّها لا تَنْعَقِدُ به، لعدَمِ الاسْتِيطانِ الذى هو مِن شُرُوطِ الانْعِقادِ.

стр. 2172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمَّا العَبْدُ، فالمَشْهُورُ في المَذْهَب أنَّها لا تَجبُ عليه. وهو قولُ (١) مَن سَمَّيْنا في حَقِّ المُسافِر. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجِبُ عليه. نَقَلَها عنه المَرُّوذِىُّ. وهى اخْتِيارُ أبى بكرٍ، إلَّا أنَّه لا يَذْهَبُ مِن غيرِ إذْنِ سَيِّدِه. وهو قولُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، واحْتَجُّوا بعُمُومِ الآيَةِ، ولأنَّ الجَماعَةَ تَجِبُ عليه، والجُمُعَةُ آكَدُ مِنها. وحُكِىَ عن الحسنِ، وقَتادَةَ، أنَّها تَجِبُ على العَبْدِ الذى يُؤَدِّى الضَّرِيبَةَ؛ لأنَّ حَقَّ السَّيِّدِ عليه قد (٢) تَحَوَّلَ إلى المالِ، أشْبَهَ المَدِينَ. ولَنا، ما روَى طارِقُ بنُ شِهابٍ، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم، إلَّا أرْبعَةً؛ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أوِ امْرَأةٌ، أوْ صَبِىٌّ، أوْ مَرِيضٌ». رَوَاه أبو داودَ (٣)، وقال: طارِقٌ رَأى النبىَّ ﷺ ولم يَسْمَعْ منه، وهو مِن أصحابِه. وعن

стр. 2173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جابِرٍ، أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا مَرِيضًا، أوْ مُسَافِرًا، أَوِ امْرأةً، أَو صَبِيًّا، أوْ مَمْلُوكًا». رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ (١). ولأنَّ الجُمُعَةَ يَجِبُ السَّعْىُ إليها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فلم تَجِبْ عليه الجُمُعَةُ، كالحَجِّ والجِهادِ، ولأنَّه مَحْبُوسٌ على السَّيِّدِ، أشْبَهَ المَحْبُوسَ بالدَّيْنِ، ولأنَّها لو وَجَبَتْ عليه لجاز له السَّعْىُ إليها مِن غيرِ إذْنِ السَّيِّدِ، كسائِرِ الفَرائِضِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بذوى الأعْذارِ، وهذا منهم. فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ في ذلك حُكْمُ القِنِّ، لبَقَاءِ الرِّقِّ فيهما. وكذلك مَن بعضُه حُرٌّ، فإنَّ حَقَّ السَّيِّدِ مُتَعَلِّقٌ به. وكذلك لا يَجِبُ عليه شئٌ مِمّا [لا يَجِبُ على العبيدِ] (٢).

стр. 2174

وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَعَنْهُ، فِى الْعَبْدِ، أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٩ - مسألة: (ومَن حَضَرَها منهم أَجْزأَتْه، ولَم تَنْعَقِدْ بِه، ولَم يَجُزْ لَه أن يَؤُمَّ فيها. وعنْه، في العَبْدِ، أنَّهَا تَجِبُ عليه) مَن حَضَر الجُمُعَةَ مِن هؤلاءِ أجْزَأَتْه عن الظُّهْرِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ إسْقاطَ الجُمُعَةِ عنهم تَخْفِيفٌ عنهم، فإذا حَضَرُوها أجْزَأَتْهُم، كالمَرِيضِ. والأَفْضَلُ لِلمُسافِرِ حُضورُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّها أكْمَلُ، وفيه خُروجٌ مِن الخِلافِ. فأمَّا العَبْدُ فإن أَذِنَ سَيِّدُه في حُضورِها فهو أفْضَلُ؛ لِيَنالَ فَضْلَ الجُمُعَةِ، ويَخْرُجِ مِن الخِلافِ. وإن مَنَعَه سَيِّدُه فليس له حُضُورُها، إلَّا أن نقُولَ بوُجُوبِها عليه. وأمَّا المرأةُ؛ فإن كانت مُسِنَّةً فلا بَأْسَ بحُضُورِها، وإن كانت شابَّةً جاز لها ذلك، وصلاتُها في بَيْتِها أفْضَلُ. قال أبو عَمْرٍو

стр. 2175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّيْبَانِىُّ (١): رَأيْتُ ابنَ مَسْعُودٍ يُخْرِجُ النِّساءَ مِن الجامِعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويَقُولُ: اخْرُجْنَ إلى بُيُوتِكُنَّ خيْرٌ لَكُنَّ (٢). فصل: ولا تَنْعَقِدُ الجُمُعَةُ بأحَدٍ مِن هؤلاءِ، ولا يَصِحُّ أن يكونَ إمامًا فيها. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعىُّ: يَجُوزُ أن يكونَ العَبْدُ والمُسافِرُ إمامًا فيها. ووافَقَهُم مالكٌ في المُسافِرِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّ الجُمُعَةَ تَصِحُّ بالعَبِيدِ والمُسافِرِينَ؛ لأنَّهم رِجالٌ تَصِّحُّ منهم الجُمُعَةُ. ولَنا، أنَّهم مِن غيرِ أهْلِ فَرْضِ الجُمُعَةِ، فلم تَنْعَقِدْ بهم، ولم يَؤُمُّوا فيها، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ولأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما تَصِحُّ منهم تَبَعًا لمَن انْعَقَدَتْ به، فلو انْعَقَدَتْ بهم أو كانوا أئِمَّةً صارَ التَّبعُ مَتْبُوعًا، وعليه يَخْرُجُ الحُرُّ المُقِيمُ، ولأنَّ الجُمُعَةَ لو انْعَقَدَتْ بهم لانْعَقَدَتْ بهم مُنْفَرِدِينَ، كالأحْرَارِ المُقِيمِينَ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ (٣) بالنِّساءِ والصِّبْيانِ. وفى العَبْدِ رِوايَة، أنَّها تَجِبُ عليه؛ لعُمُومِ الآيَةِ، وقد ذَكَرْناه.

стр. 2176

وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ، إِذَا حَضَرَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ. ــ فصل: وكُلُّ ما كان شَرْطًا لوُجُوبِ الجُمُعَةِ فهو شَرْطٌ لانْعِقادِها، فمتى صَلَّوا جُمُعَةً مع اخْتِلالِ بعضِ شُرُوطِها، لم تَصِحَّ، ولَزِمَهُم أن يُصَلُّوا ظُهْرًا، ولا يُعَدُّ في الأرْبَعِينَ الذين تَنْعَقِدُ بهم مَن لا تَجِبُ عليه، ولا يُعْتَبَرُ اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ للصِّحَّةِ، بل تَصِحُّ مِمَّن لا تَجِبُ عليه تَبَعًا لمَن وَجَبَتْ عليه، ولا يُعْتَبَرُ للوُجُوبِ كَوْنُه مِمَّن تَنْعَقِدُ به؛ فإنَّها تَجِبُ على مَن يَسْمَعُ النِّداءَ مِن غيرِ أهْلِ المِصْرِ، ولا تَنْعَقِدُ به. ٦٣٠ - مسألة: (ومَن سَقَطَتْ عنه لِعُذْرٍ، إذَا حَضَرَها وَجَبَتْ عليْه، وانْعَقَدَتْ بِه) ويَصِحُّ أن يكونَ إمامًا فيها، كالمَرِيضِ، ومَن حَبَسَه العُذْرُ والخَوْفُ؛ لأنَّ سُقُوطَها عنهم (١) إنَّما كان لِمَشَقَّةِ السَّعْى، فإذا تَكَلَّفُوا وحَصَلُوا في الجامِعِ زالَتِ المَشَقَّةُ، فصار حُكْمُهُم حُكْمَ أهلِ الأعْذارِ.

стр. 2177

وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الإِمَامِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجبُ عَلَيْهِ أنْ لَا يُصَلِّىَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّىَ الإِمَامُ. ــ ٦٣١ - مسألة: (ومَن صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّن عليْه حُضُورُ الجُمُعَةِ قبلَ صلاةِ الإِمامِ، لم تَصِحَّ صَلاتُه، والأَفْضَلُ لمَن لا تَجِبُ عليْه أنْ لَا يُصَلِّىَ الظُّهْرَ حتى يُصَلِّىَ الإِمامُ) يَعْنِى إذا صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مَن (١) تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ قبلَ صَلاةِ الإِمامِ لم تَصِحَّ صَلاتُه، ويَلْزَمُه السَّعْىُ إلى الجُمُعَةِ إن ظَنَّ أنَّه يُدْرِكُها؛ لأنَّها المَفْرُوضَةُ عليه، فإن أدْرَكَها صَلَّاها مع

стр. 2178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإِمامِ، وإن فاتَتْه فعليه صلاةُ الظُّهْرِ. وإن ظَنَّ أنَّه لا يُدْرِكُها انْتَظَرَ حتى يَتَيَقَّنَ أنَّ الإِمامَ قد صَلَّى، ثم يُصَلِّى الظُّهْرَ. وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعىِّ في الجَدِيدِ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ في القَدِيمِ: يَصِحُّ ظُهْرُه قبلَ صلاةِ الإِمامِ؛ لأنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الوَقْتِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأيَّامِ، وإنَّما الجُمُعَةُ بَدَلٌ عنها، وقائِمَةٌ مَقامَها، [ولهذا] (١) إذا تَعَذَّرَتْ صَلَّى ظُهْرًا، فمَن صَلَّى الظُّهْرَ فقد أتى بالأصْلِ، فأجْزَأه كسائِرِ الأيَّامِ. قال أبو حنيفةَ: ويَلْزَمُه السَّعْىُ إلى الجُمعَةِ، فإن سَعَى بَطَلَتْ ظُهْرُه، وإن لم يَسْعَ أجْزَأته. ولَنا، أنَّه صَلَّى ما لم يُخاطَبْ به، وتَرَك ما خُوطِبَ به، فلم يَصِحَّ، كما لو صَلَّى العَصْرَ مَكانَ الظُّهْرِ، ولا نِزاعَ أنَّه مُخاطَبٌ بالجُمُعَةِ، وقد دَلَّ عليه النَّصُّ والإِجْماعُ، ولا خِلافَ في أنَّه يأثَمُ بتَركِها وتَرْكِ السَّعْىِ إليها، ويَلْزَمُ مِن ذلك أن لا يُخاطَبَ بالظُّهْرِ (٢)، لأنَّه لا يُخاطَبُ بصَلَاتيْن في الوَقْتِ، ولأنَّه يَأْثَمُ بتَرْكِ الجُمُعَةِ وإن صَلَّى الظُّهْرَ،

стр. 2179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يَأْثَمُ بتَرْكِ الظُّهْرِ وفِعْلِ الجُمُعَةِ بالإِجْماعِ، والواجِبُ ما يَأْثَمُ بتَرْكِه دُونَ ما لا يَأْثَمُ به. وقَوْلُهم: إنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الوَقْتِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّها لو كانتِ الأصْلَ لوَجَبَ عليه فِعْلُها، وأَثِم بتَرْكِها، ولم يُجْزِئْه صلَاةُ الجُمُعَةِ مَكانَها؛ لأنَّ البَدَلَ إنَّما يُصارُ إليه عندَ تَعَذُّرِ المُبْدَلِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأَبْدالِ، ولأنَّ الظُّهْرَ لو صَحَّتْ لم تَبْطُلْ بالسَّعْى إلى غيرِها، كسائِرِ الصَّلواتِ الصَّحِيحَةِ، ولأنَّ الصلاةَ إذا فُرِغَ منها لم تَبْطُلْ بمُبطِلاتِها، فكيف تَبْطُلُ بما ليس مِن مُبْطِلاتها، ولا وَرَد به الشَّرْعُ. وأمَّا إذا فاتَتْه الجُمُعَةُ فإنَّه يَصِيرُ إلى الظُّهْرِ؛ لتَعَذُّرِ قَضاءِ الجُمُعَةِ؛ لكَوْنِها لا تَصِحُّ إلَّا بشُرُوطِها، ولا يُوجَدُ ذلك في قَضائِها، فتَعيَّنَ المَصِيرُ إلى الظُّهْرِ عندَ عَدَمِها، وهذا حالُ البَدَلِ. فصل: فإن صَلَّى الظُّهْرَ، ثم شَكَّ، هل صَلَّى قبلَ صلاةِ الإِمامِ أو بعدَها؟ لَزِمَتْه الإِعادَةُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الصَّلاةِ في ذِمَّتِه، ولأنَّه صَلّاها مع الشَّكِّ في شَرْطِها، فلم تَصِحَّ، كما لو صَلّاها مع الشَّكِّ في طَهارَتِها. وإن صَلّاها مع صلاةِ الإِمامِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّه صَلّاها قبلَ فَراغِ الإِمامِ، أشْبَهَ ما لو صَلّاها قبلَه في وَقْتٍ لا يَعْلَمُ أنَّه لا يُدْرِكُها. فصل: فإنِ اتَّفَقَ أهْلُ بَلَدٍ أو قَرْيَةٍ مِمَّن تَجِبُ عليهمُ الجُمُعَةُ على

стр. 2180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَرْكِها، وصَلَّوْا ظُهْرًا، لم تَصِحَّ صَلاتهم؛ لما ذَكَرْنا. فإذا خَرَج وَقْتُ الجُمُعَةِ لَزِمَهم (١) إعادَةُ الظُّهْرِ؛ لتَعَذُّرِ فِعْلِ الجُمُعَةِ بعدَ الوَقْتِ. فصل: فأمَّا مَن لا تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ؛ كالعَبْدِ، والمَرْأَةِ، والمُسافِرِ، والمَرِيضِ، وسائِرِ المَعْذُورِين، فله أن يُصَلِّىَ الظُّهْرَ قبلَ صلاةِ الإِمامِ في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: لا تَصِحُّ صلاتُه قبلَ الإِمامِ؛ لأنَّه لا يَتَيقَّنُ بَقاءَ العُذْرِ، فلم تصِحَّ صَلاتُه، كغيرِ المَعْذُوِر. ولَنا، أنَّه لم يُخاطَبْ بالجُمُعَةِ، فصحَّت منه الظُّهْرُ، كالبَعِيدِ مِن مَوْضِعِ الجُمُعَةِ. وقَوْلُه: لا يَتَيقَّنُ بَقاءَ العُذْرِ. قُلْنا: أمَّا المرأةُ فَيُتَيَقَّنُ بَقاءُ عُذْرِها، وأمَّا عْيرُها فالظَّاهِرُ بَقاءُ عُذْرِه، والأصْلُ اسْتِمْرارُه، فأشْبَهَ المُتَيَمَّمَ إذا صَلَّى في أوَّلِ الوَقْتِ، والمَرِيضَ إذا صَلَّى جالِسًا. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا سَعَى إلى الجُمُعَةِ بعدَ أن صَلّاها، لم تَبْطُلْ ظُهْرُه، وكانتِ الجُمُعَةُ نَفْلًا في حَقِّه، وسَواءٌ زَال عُذْرُه أو لم يَزُلْ. وقال أبو حنيفةَ:

стр. 2181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَبْطُلُ ظُهْرُه بالسَّعْى إليها، كالتى قبْلَها. ولَنا، ما رَوَى أبو العالِيَةِ، قال: سَأَلْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ الصَّامِتِ، فقُلْتُ: نُصَلِّى يَوْمَ الجُمُعَةِ خَلفَ أُمَراءَ، فَيُؤَخِّرُون الصَّلاةَ؟ فقال: سَأَلْتُ أبا ذَرٍّ عن ذلك، فقال: سَأَلْتُ رسولَ اللَّه ﷺ [عن ذلك] (١)، فقال: «صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً». وفى لَفْظٍ: «فَإنْ أدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» (٢). ولأنَّها صلاةٌ صَحيحَةٌ أسْقَطَتْ فَرْضَه، وأبْرأَتْ ذِمَّتَه، أشْبَهَ ما لو صَلَّى الظُّهْرَ مُنْفَرِدًا ثم سَعَى إلى الجَماعَةِ. والأَفْضَلُ لهم أن لا يُصَلُّوا حتى يُصَلِّىَ الإِمامُ؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، ولأنَّ غيرَ المرْأَةِ يَحْتمِلُ زَوالُ أعْذارِهم، فيُدْرِكُون الجُمُعَةَ. فصل: ولا يُكْرَه لمَن فاتَتْه الجُمُعَةُ، أو لم يَكُنْ مِن أهْلِ فَرْضِها،

стр. 2182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يُصَلِّىَ الظُّهْرَ في جَماعَةٍ، إذا أَمِنَ أن يُنْسَبَ إلى مُخالَفَةِ الإِمامِ، والرَّغْبَةِ عن الصَّلاةِ معه، أو أنَّه (١) يَرَى الإِعادَةَ إذا صَلَّى معه. فَعَل ذلك ابنُ مسعودٍ، وأبو ذَرٍّ، والحسنُ بنُ عُبَيْدِ اللَّه (٢)، وإياسُ بنُ مُعاوِيَةَ (٣). وهو قولُ الأعْمَشِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وكَرِهَه الحسنُ، وأبو قِلابَةَ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ زَمَنَ النبىِّ ﷺ لم يَخْلُ مِن مَعْذُورِين، فلم يُنْقَلْ أنَّهم صَلَّوْا جَماعَةً. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْس وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٤). ورُوِىَ عن ابنِ مَسْعودٍ، أنَّه فأتَتْه الجُمُعَةُ، فصَلَّى بعَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ (٥). احْتَجَّ به أحمدُ، وفَعَلَه مَن ذَكَرْنا مِن قبلُ، ومُطَرِّفٌ (٦)، وإبْراهِيمُ. قال أبو عبدِ اللَّهِ: ما أعْجَبَ

стр. 2183

وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ في يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَال، ــ النّاسَ، يُنْكِرُون هذا. فأمَّا زَمَنَ النبىِّ ﷺ فلم يُنْقَلْ إلينا أنَّه اجْتَمَعَ جَماعَةٌ مَعْذُورُون يَحْتاجُون إلى إقامَةِ الجَماعةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ إعادَتُها جَماعَةً. في مَسْجِدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولا في مسجِدٍ تُكْرَه إِعادَةُ الجَماعَةِ فيه، ولا في المسجدِ الذى أُقِيمَتْ فيه الجُمُعَةُ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى أن يُنْسَبَ إلى الرَّغْبَةِ عن الجُمُعَةِ، أو أنَّه لا يَرَى الصلاةَ خلفَ الإِمامِ، أو يَرَى الإِعادَةَ معه، وفيه افْتِياتٌ على الإِمامِ، ورُبَّما أفْضَى إلى فِتْنَةٍ، أو لُحُوقِ ضَرَرٍ به، وإنَّما يُصَليها في مَنْزِلِه، أو في مَوْضِعٍ لا تَحْصُلُ هذه المَفْسَدَةُ بالصلاةِ فيه. ٦٣٢ - مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن تَلْزَمُه الجُمُعَةُ السَّفَرُ في يَوْمِها بعدَ الزّوالِ) وبه قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ. وسُئِلَ الأوْزاعِىُّ عن مُسافِرٍ سَمِع أذانَ الجُمُعَةِ وقد

стр. 2184

وَيَجُوزُ قَبْلَهُ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ. وَعَنْهُ، يَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً. ــ أسْرَجَ دابَّتهَ، فقال: ليَمْضِ في سَفَرِه؛ لأنَّ (١) عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: الجُمُعَةُ لا تَحْبِسُ عن سَفَرٍ (٢). ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ أنْ لَا يُصْحَبَ في سَفَرِهِ، وَلَا يُعَانَ عَلَى حَاجَتِهِ». رواه الدّارَقُطْنِىُّ في «الأفْرادِ» (٣). ولأنَّ الجُمُعَةَ قد وَجَبَتْ عليه، فلم يَجُزْ له الاشْتِغالُ بما يَمْنعُ منها، كما لو تَرَكَها لتِجارَةٍ، وما رُوِىَ عن عمرَ، فقد رُوِىَ عن ابنِه، وعائشةَ، ما يدُلُّ على كَراهِيَةِ السَّفَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فتُعارِضُ قَوْلَه، ويُمْكِنُ حَمْلُه على السَّفَرِ قبلَ الوَقتِ. ٦٣٣ - مسألة: (ويَجُوزُ قبلَه. وعنه، لا يجُوزُ. وعنه، يَجُوزُ للجِهادِ خاصَّةً) السَّفَرُ بعدَ الزَّوالِ، فيَجُوزُ للجِهادِ خاصَّةً. وكذلك

стр. 2185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَكره القاضى؛ لِما روَى ابنُ عَباسٍ، قال: بَعَث رسولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ ابنَ رَواحَةَ في سَرِيَّةٍ، فوافَقَ ذلك يَوْمَ الجُمُعَةِ، فقَدَّمَ أصحابَه وقال: لعَلِّى أُصَلِّى مع النبىِّ ﷺ ، ثم ألْحَقُهم. فلَمّا صَلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ رَآه فقال: «مَا مَنَعَكَ أنْ تَغْدُوَ مَعَ أصْحَابكَ». فقال: أرَدْتُ أنْ أُصَلِّىَ معك، ثم ألْحَقَهمِ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَنْفَقْتَ مَا في الأَرْضِ مَا أَدْرَكْت فَضْلَ غَدْوَتِهمْ». رَواه الإِمامُ أحمدُ (١). وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّ ذلك لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عمرَ. وفيه رِوِايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه يَجُوزُ مُطْلَقًا. اخْتارَه شيخُنا (٢)؛ لحدِيثِ عمرَ، وكما لو سافرَ مِن اللَّيْلِ.

стр. 2186

فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، ــ فأمَّا إن خافَ المُسافِرُ فَواتَ رُفْقَتِه، جاز له تَرْكُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّه مِن الأعْذارِ المُسْقِطَةِ للْجُمُعَةِ والجَماعَةِ، وسَواءٌ كان في بَلَدِه وأرادَ إنْشاءَ السَّفَرِ، أو في غيرِه. (فصل: ويُشْتَرطُ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ أرْبَعَةُ شُروطٍ؛ أحَدُها، الوَقْتُ،

стр. 2187

الْوَقْتُ، وَأَوَّلُهُ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. وَآخِرُهُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ. ــ وأوَّلُ وَقْتِها أوَّلُ وقْتِ صَلاةِ العِيدِ. وقال الخِرَقِىُّ: يَجُوزُ فِعْلُها في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ) وفى بعضِ النُّسَخِ، في الخامِسَةِ. والصَّحِيحُ في السَّادسةِ (وآخِرُه آخرُ وَقْتِ صلاةِ الظُّهْرِ) لا تصِحُّ الجُمُعَةُ قبلَ وَقتِها ولا بعدَه إجْماعًا. ولا خِلافَ فيما عَلِمْنا أنَّ آخرَ وَقْتِها آخِرُ وَقْتِ صلاةِ الظُّهْرِ. فأمَّا أوَّلُه، فقد ذَكَرْنا قولَ الخِرَقِىِّ: إنَّه لا يَجُوزُ قبلَ الساعَةِ السَّادِسَةِ. أو الخَامِسَةِ. على ما نُقِلَ عنه. وقال القاضى وأصحابُه: أوَّلُه أوَّلُ وَقْتِ صلاةِ العِيدِ. ورَواه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ، عن أَبِيه، قال: نَذْهَبُ إلى أنَّها كصلاةِ العِيدِ. قال مُجاهِدٌ: ما كان للنَّاْسِ عِيدٌ إلَّا في أوَّلِ النَّهارِ. وقال عَطاءٌ: كلُّ عِيدٍ حينَ يَمْتَدُّ الضُّحَى؛ الجُمُعَةُ، والأضْحَى، والفِطْرُ؛ لِما رُوِىَ أنَّ ابنَ مسعودٍ، قال: ما كان عِيدٌ إلَّا في أوَّل النَّهارِ. ورُوِىَ عنه، وعن مُعاوِيَةَ، أنَّهما صَلَّيَا الجُمُعَةَ ضُحًى، وقالا: إنَّما عَجَّلْنَا خَشْيَةَ الحَرِّ

стр. 2188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليكم. وعن ابنِ مسعودٍ قال: لقد كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصَلِّى بنا الجُمُعَةَ في ظِلِّ الحَطِيمِ (١). رَواه ابنُ البَخْتَرِىِّ (٢) في «أمالِيه» بإسْنادِه. والدَّلِيلُ على أنَّها عِيدٌ، قولُ النبىِّ ﷺ حينَ اجْتَمَعَ العيدُ والجُمُعَةُ: «قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ في يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ» (٣). وقال أكثرُ أهلِ العِلْمِ: وَقْتُها وَقْتُ الظُّهْرِ، إلَّا أنَّه يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُها في أوَّل وَقْتها؛ لقَوْلِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوعِ: كُنَّا نُجَمِّعُ مع النبىِّ ﷺ إذا زالَتِ الشَّمْسُ، ثم نَرْجِعُ نَتَّبعُ الفَىْءَ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وقال أنَسٌ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الجُمُعَةَ حين تَمِيلُ الشَّمْسُ. رَواه البخارِىُّ (٥). ولأنَّهما صَلاتا وَقْتٍ، فكان وَقْتُهما واحِدًا، كالمَقْصُورَةِ والتَّامَّةِ، ولأنَّ آخِرَ وَقْتِها واحِدٌ فكان أوَّلُه واحِدًا، كصلاةِ الحَضَرِ والسَّفَرِ. ولَنا، على جوازِها في السّادِسَةِ السُّنَّةُ

стр. 2189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والإِجْماعُ؛ أمَّا السُّنَّةُ فما روَى جابِرٌ، قال: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُصَلِّى، يَعْنِى الجُمُعَةَ، ثم نَذْهَبُ إلى جِمالِنا فنُرِيحُها حينَ تَزُولُ الشَّمْسُ. أخْرَجَه مسلمٌ (١). وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: ما كُنَّا نَقِيلُ ولا نَتَغَدَّى إلَّا بعدَ الجُمُعَةِ في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٢). قال ابنُ قُتَيْبَةَ: لا يُسَمَّى غَداءً، ولا قَائِلَةً، بعدَ الزَّوَالِ. وعن سَلَمَةَ، قال: كُنَّا نُصَلِّى مع رسولِ اللَّهِ ﷺ الجُمُعَةَ، ثم نَنْصَرِفُ وليس للحِيطانِ فىْءٌ. رَواه أبو داودَ (٣). وأمّا الإِجْماعُ، فرَوَى الإِمامُ أحمدُ، عن وَكِيعٍ، عن جَعْفَرِ ابنِ بُرْقانَ، عن ثابِتِ بنِ الحَجَّاجِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سِيدانَ، قال:

стр. 2190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَهِدْتُ الخُطْبَةَ مع أبى بكرٍ، فكانت صَلاتُه وخُطْبَتُه قبلَ نِصْفِ النَّهارِ، وشَهِدْتُها مع عمرَ بنِ الخَطَّابِ، فكانت صلاتُه وخُطْبَتُه إلى أن أقُولَ: قد انْتَصَفَ النَّهارُ، ثم صَلَّيْتُها مع عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، فكانت صلاتُه وخُطْبَتُه إلى أن أقُولَ: زال النَّهارُ، فما رَأيْتُ أحَدًا عاب ذلك ولا أنْكَرَه (١). ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، وجابِرٍ، وسعيدٍ، ومُعاوِيةَ، أنَّهم صَلَّوْا قبلَ الزَّوالِ. وأحادِيثُهم تَدُلُّ على أنَّ النبىَّ ﷺ فَعَلَها بعدَ الزَّوالِ في كثيرٍ مِن أوْقَاتِه، ولا خِلافَ في جَوازِه، وأنَّه الأوْلَى، وأحادِيثُنا تَدُلُّ على جَوازِ فِعْلِها قبلَ الزَّوالِ، فلا تَعارُضَ بينَهما. قال شيخُنا (٢): وأمّا فِعْلُها في أوَّلِ النَّهارِ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرَه أكثرُ العُلماءِ، ولأنَّ التَّوْقِيتَ لا يَثْبُتُ إلَّا بدَلِيلٍ؛ مِن نَصٍّ، أو ما يَقُومُ مَقامَه، وما ثَبَت عن النبىِّ ﷺ ولا خُلَفائه أنَّهم صَلَّوْها في أوَّلِ النَّهارِ، ولأنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيل كَوْنُ وَقْتِها وَقْتَ الظُّهْرِ، وإنَّما جاز تَقدِيمُها عليه بما ذَكَرْنا مِن الدَّلِيلِ، وهو مخْتَصٌّ بالسّاعةِ السَّادِسَةِ، فلم يَجُزْ تَقدِيمُها عليها، ولأنَّها لو صُلِّيَتْ

стр. 2191

فَإِنْ خَرَج وَقْتُهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، صَلَّوْا ظُهْرًا، وَإنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أتَمُّوهَا جُمُعَةً، وَإنْ خَرَجَ قَبْلَ رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا، أوْ يَسْتَأنِفُونَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْن. ــ في وَقْتِ الضُّحَى لفاتَتْ أكثرَ المُصَلِّين. إذا ثبَت ذلك، فالأوْلَى فِعْلُها بعدَ الزَّوالِ؛ لأنَّ فيه خُرْوجًا مِن الخِلافِ، ولأنَّه الوَقْتُ الذى كان يَفْعَلُها فيه رسولُ اللَّهِ ﷺ في أكثرِ أوْقاِته. وتَعْجِيلُها في أوَّلِ وَقْتِها في الشِّتاءِ والصَّيْفِ؛ لأنَّه ﷺ كان يُعَجِّلُها؛ لِما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ، ولأنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ إليها في أوَّلِ وَقْتِها، ويُبَكِّرُون إليها قبلَ وَقْتِها، فلو أْبْرَدَ لَشَقَّ على الحاضِرينَ، وإنَّما جُعِلَ الإِبْرادُ بالظُّهْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ دَفْعًا للمَشَقَّةِ، والمَشَقَّةُ في الإبْرادِ بها في الجُمُعَةِ أكْثرُ. ٦٣٤ - مسألة: (فإن خَرَج وَقْتُها قَبْلَ فِعْلِها، صَلَّوْا ظُهْرًا) لفَواتِ الشَّرْطِ. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. ٦٣٥ - مسألة: (وإن خَرَجَ وقد صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوها جُمُعَةً، وإن خَرَجِ قبلَ رَكْعَةٍ، فهل يُتِمُّونَها ظُهْرًا، أو يَسْتَأنِفُونها؟ على وَجْهيْنِ) متى خرَج وَقْتُ الجُمُعَةِ قبلَ تَمامِها، فإن كان بعدَ أن صَلَّوا رَكْعَةً أَتَمُّوها

стр. 2192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جُمُعَةً، وهذا اخْتِيارُ شيخِنا (١)، وظاهِرُ قَوْلِ الخرَقِىِّ. وقال القاضى: متى أحْرَمُوا بها في الوَقْتِ قبلَ خُروجه أتَمُّوهاْ جُمُعَةً. ونَحْوَه قال أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه أحْرَمَ بها في وَقْتِها، فأَشْبَهَ (٢) ما لو أتَمَّها فيه. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه إن دَخَلِ وَقْتُ العَصْرِ بعدَ تَشَهُّدِه وقبلَ سَلَامِه سَلَّمَ وأجْزَأَتْه. وهذا قولُ أبى يوسف، ومحمدٍ. وقال أبو حنيفةَ: متى خرَج الوقْتُ قبلَ الفَراغِ منها بَطَلَتْ، ولا يَبْنِى عليها ظُهْرًا؛ لأنَّهما صلاتانِ مُخْتَلِفَتانِ، فلا تَنْبَنِى إحْدَاهُما على الأُخْرَى، كالظُّهْرِ والعَصْرِ. والظَّاهِرُ أنَّ مَذْهَبَ أبى حنيفةَ في هذا كمَذْهَبِ صاحِبَيْه؛ لأنَّ السَّلامَ عندَه ليس بواجِبٍ في الصَّلاةِ. وقال الشافعىُّ: لا يُتِمُّها جُمُعَةً، ويَبْنِى عليها ظُهْرًا؛ لأنَّهما صلاتا وَقْتٍ، فجاز بناءُ إحْدَاهما علِى الأخرَى، كصلاةِ السَّفَرِ والحَضَرِ. واحْتَجُّوا على أنَّه لا يُتِمُّها جُمُعَةً، بأنَّ ما كان شَرْطًا في بَعضِها كان شَرْطًا في جَمِيعِها، كالطَّهارةِ. ولَنا، قولُه ﵇: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ

стр. 2193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رَكْعَةً فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١). ولأنَّهْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الجُمُعَةِ فكان مُدْرِكًا لها، كالمَسْبُوقِ برَكْعَةٍ (٢)، ولأنَّ الوَقْتَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الجُمُعَةَ، فاكْتُفِىَ به في رَكْعَةٍ، كالجَماعَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالجَماعَةِ. فصل: فإن دَخَل وَقْتُ العَصْرِ قبلَ رَكْعَةٍ لم تَحْصُلْ لهم جُمُعَةٌ؛ لأنَّ قولَه ﵇: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». يَدُلُّ بِمَفْهُومِه على أنَّه إذا أدْرَك أقَلَّ مِن ذلك لا يَكُونُ مُدْرِكًا، وَيلْزَمُه الظُّهْرُ. وهل يَبْنِى أو يَسْتأْنِفُ؟ فعلى قِياسِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ تَفْسُدُ صلاتُه، ويَسْتَأنِفُها ظُهْرًا، كمذْهَبِ أبى حنيفةَ. وعلى قِياسِ قَوْلِ أبى إسحاقَ بنِ شَاقْلَا، يُتِمُّها ظُهْرًا، كقولِ (٣) الشافعىِّ. وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلَيْن. فصل: إذا أَدْرَكَ مِن الوَقْتِ ما يُمْكِنُه أن يَخْطُبَ ثم يُصَلِّىَ رَكْعَةً،

стр. 2194

الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا؛ فَلَا تَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِى غَيْرِ ذَلِكَ. ــ فله التَّلَبُّسُ بها، على قِياسِ قولِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه أدْرَكَ مِن الوَقْتِ ما يُدْرِكُها فيه. فإن شَكَّ هل أدْرَكَ مِن الوَقْتِ ما يُدْرِكُها أو لا؟ صَحَّتْ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الوَقْتِ وصِحَّتُها. ٦٣٦ - مسألة: (الثَّانِى، أن يكونَ بقَرْيةٍ يَسْتَوْطِنُها أرْبَعون مِن

стр. 2195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أهلِ وُجُوبِها، فلا تَجُوزُ إقامَتُها في غيرِ ذلك) الاسْتِيطَانُ شَرْطٌ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ، في قولِ أكثَرِ أهلِ العِلْمِ، وهو الإِقامَةُ في قَرْيَةٍ مَبْنِيَّةٍ بما جَرَتْ به العادَةُ بالبِناءِ به؛ مِن حَجَرٍ، أو طِينٍ، أو لَبِنٍ، أو قَصَبٍ، أو شَجَرٍ، أو نَحْوِه، فلا يَظْعَنُونَ عنها صَيْفًا ولا شِتاءً؛ لأنَّ ذلك هو الاسْتِيطَانُ غالِبًا. فأمَّا أهلُ الخِيامِ والخَرْكاآتِ (١) وبُيُوتِ الشَّعَرِ، فلا تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ، ولا تَصِحُّ منهم؛ لأنَّ ذلك لا يُنْصَبُ للاسْتِيطانِ غالِبًا، وكذلك كانت قَبائِلُ العَرَبِ حولَ المدِينَةِ، فلم يُقِيمُوا جُمُعَةً، ولا أمَرَهم النبىُّ ﷺ ، فإنَّه لو كان ذلك لم يَخْفَ، ولم يُتْرَكْ نَقْلُه، مع كَثْرْتِه وعُمُومِ البَلْوَى به، لكن إن كانوا مُقِيمِينَ بمَوْضِع يَسْمَعُونَ النِّداءَ، لَزِمَهم السَّعْىُ إليها، كأهلِ القَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ إلى جانِبِ المِصْرِ. ذَكَرَه القاضى. فإن كان أهلُ القَرْيَةِ يَظْعَنُونَ عنها في بعضِ السَّنَةِ، لم تَجِبْ عليهم الجُمُعَةُ، فإن خَرِبَتِ القَرْيَةُ أو بَعْضُها، وأهْلُها مُقِيمُونَ بها عازِمُونَ على إصْلاحِها، فحكْمُها باقٍ في إقامَةِ الجُمُعَةِ بها. وإن عَزَمُوا على النقْلَةِ عنها، لم تَجِبْ عليهم؛ لعَدَمِ الاسْتِيطَانِ. ومتى كانتِ القَرْيَةُ لا تَجِبُ (٢) على أهْلِها.

стр. 2196

وَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِى الْأَبْنِيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ، وَفِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانَ مِنَ الصَّحْرَاءِ. ــ بأنْفُسِهم، وكانوا بحيث يَسْمَعُونَ النِّداءَ مِن المِصْرِ، أو من قَرْيَةٍ تُقامُ فيها الجُمُعَةُ، لَزِمَهم السَّعْىُ إليها؛ لعُمومِ الآيةِ، وكذلك إن كان بِناؤُها مُتَفَرِّقًا تَفرُّقًا لم تَجْرِ العادَةُ به. ٦٣٧ - مسألة: (ويَجُوزُ إقامَتُها في الأَبْنِيَةِ المُتَفَرِّقَةِ إذا شَمِلَها اسْمٌ واحِدٌ، وفيما قارَبَ البُنْيانَ مِن الصَّحْراءِ) تَجُوزُ إقامَةُ الجُمُعَةِ [في القَرْيَةِ الواحِدَةِ المُتَفَرِّقَةِ البُنْيَانِ إذا كان تَفَرُّقًا جَرَتِ العادَةُ به] (١). فإن كانت مُتَفَرِّقَةً في قَرْيةٍ تَفَرُّقًا لم تَجْرِ به العادَةُ لم تَجِبْ عليهم الجُمُعَةُ، إلَّا أن يَجْتَمِعَ منها ما يَسْكُنُه أرْبَعُون، فتَجِبُ بهم الجُمُعَةُ، ويَتَّبِعُهم البَاقُون. ولا يُشْتَرَطُ اتِّصالُ البُنْيانِ بعْضِه ببعضٍ، وحُكِىَ عن الشافعىِّ اشْتِراطُه. ولَنا، أنَّ القَرْيَةَ المُتَقارِبَةَ البُنْيانِ قَرْيَةٌ مَبْنِيَّةٌ بما جَرَتْ به عادَةُ القُرَى، أشْبَهَتِ المُتَّصِلَةَ.

стр. 2197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يُشْتَرطُ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ البُنْيانُ، بل يَجُوزُ إقامَتُها فيما قارَبَه مِن الصَّحْراءِ. وبهذا قال الإِمامُ أبو حنيفةَ. وقال الإِمامُ الشافعىُّ: لا يَجُوزُ، لأنَّه مَوْضِعٌ يَجُوزُ لأهْلِ المِصْرِ قَصْرُ الصَّلاةِ فيه، أشْبَهَ البَعِيدَ. ولَنا، ما رَوَى كَعْبُ بنُ مَالكٍ، أنَّه قال: أسْعَدُ بنُ زُرارَةَ أَوَّلُ مَن جَمَّعَ بنا في هَزْمِ النَّبِيتِ (١) مِن حَرَّةِ بَنِى بَياضةَ (٢)، في نقِيعٍ يقالُ له: نَقِيعُ الخَضَمَاتِ (٣). رَواه أبو داودَ (٤). وقال ابنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: يَعْنِى أكان بأمْرِ النبىِّ ﷺ ؟ قال: نعم. والنَّقِيعُ (٥): بَطْنٌ مِن الأرْضِ يَسْتَنْقِعُ فيه الماءُ مُدَّةً، فإذا نَضَبَ الماءُ نَبَت الكَلأُ. قال الخَطَّابِىُّ (٦): حَرَّةُ بَنِى بَيَاضَةَ قَرْيَةٌ على مِيلٍ مِن المدِينَةِ، ولأنَّه مَوْضِعٌ لصَلاةِ العِيدِ، فجازَتْ فيه الجُمُعَةُ، كالجامِعِ، ولأنَّ الأصْل عَدَمُ اشْتِراطِ ذلك، ولا نَصَّ في اشْتِراطِه، ولا مَعْنَى نصٍّ. فصل: ولا يُشتَرَطُ لصِحَّةِ الجُمُعَةِ المِصْرُ. رُوِىَ نَحْوُ ذلك عن

стр. 2198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنِ عمرَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ، ومَكْحُولٍ، وعِكْرمةَ، والشافعىِّ. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه لا جُمُعَةَ ولا تَشْريقَ إلَّا في مِصْرٍ جَامِعٍ (١). ورُوِىَ ذلك عن النبىِّ ﷺ . وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وإبراهيمُ، وأبو حنيفةَ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ أسْعَدَ بنِ زُرارَةَ، رواه البخارىُّ (٢) بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ: إنَّ أوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ (٣) بعدَ جُمُعَةٍ بالمَدِينَةِ لجُمُعَةٌ جُمِّعتْ بجُوَاثَى (٤) مِن البَحْرَيْنِ مِن قُرَى عَبْدِ القَيْسِ. ورَوَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّه كَتَب إلى عمرَ يَسْأَلُه عن الجُمُعَةِ بالبَحْرَيْنِ، وكان عامِلًا عليها، فكَتَبَ إليه عمرُ: جَمِّعُوا حيث كُنْتُم. رَواه الأثْرَمُ (٥). قال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى: إسْنادُه جَيِّدٌ. فأمّا خَبَرُهم فلم يَصِحَّ. قال الإِمامُ أحمدُ: ليس هذا بحديثٍ، إنَّما هو عن علىٍّ وقد خالَفَه عمرُ.

стр. 2199

الثَّالِثُ، حَضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ، تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ. ــ فصل: وإذا كان أهلُ المِصْرِ دُونَ الأرْبَعِين، فجاءَهم أهلُ قَرْيَةٍ، فأَقامُوا الجُمُعَةَ في المِصْرِ، لم تَصِحَّ؛ لأنَّ أهلَ القَرْيَةِ غيرُ مُسْتَوْطِنينَ في المِصْرِ، وأهلَ المِصْرِ لا تَنْعَقِدُ بهم الجُمُعَةُ؛ لقلَّتِهم. وإن كان أهلُ القَرْيَةِ مِمَّن تَجِبُ عليهم الجُمُعَةُ بأنْفُسِهم، لَزِم أهلَ المِصْرِ السَّعْىُ إليهم إذا كان بينهما أقلُّ مِن فَرْسَخٍ؛ [لأنَّ بينَهم وبينَ مَوْضِعِ الجُمُعَةِ أقَلَّ مِن فَرْسَخٍ] (١) فلزمَهم السَّعْىُ إليها، كما يَلْزَمُ أهلَ القَريةِ السَّعْىُ إلى المِصْرِ إذا أُقِيمَتْ به، وكان أهلُ القَرْيَةِ دُونَ الأرْبَعِين، وإن كان في كُلِّ واحِدٍ دُونَ الأَرْبَعِين لم تَجُزْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في واحِدٍ منهما. ٦٣٨ - مسألة: (الثالثُ، حُضورُ أرْبَعِين مِن أَهْلِ القَرْيَةِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وعنه، تَنْعَقِدُ بثَلاثَةٍ) حُضُورُ أرْبَعِين شَرْطٌ لوُجُوبِ الجُمُعَةِ وصِحَّتِها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. ورُوِىَ عن الإِمامِ أحمدَ، أنَّها لا تَنْعَقِدُ إلَّا بخَمْسِين، لِما روَى أبو بكرِ النَّجَّادُ، عن عبدِ الملِكِ الرَّقَاشِىِّ، حدثنا رَجاءُ بنُ سلَمَةَ، حدثنا عَبّادُ بنُ عَبَّادٍ المُهَلَّبِىُّ،

стр. 2200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ، عن القاسِمِ، عن أبى أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى خمْسِينَ، رَجُلًا، وَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ دُونَ ذَلِكَ» (١). وبإسنادِه عن الزُّهْرىِّ، عن أبى سَلَمَةَ، قال: قُلْتُ لأبى هُرَيْرَةَ: على كم تَجِبُ الجُمُعَةُ مِن رجلٍ؟ قال: لَمّا بَلَغ أصحابُ رسولِ اللَّهِ خَمْسِين جَمَّعَ بهم رسولُ اللَّهِ ﷺ . وعنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّها تَنْعَقِدُ بثَلاثَةٍ. وهو قَوْلُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ اسْمَ الجَمْعِ يتَناوَلُه، فانْعَقَدَتْ به الجُمُعَةُ، كالأرْبَعِين، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢). بصِيغَةِ الجَمْعِ، فيَدْخُلُ فيه الثَّلاثَةُ. وحَكَى أبو الحارثِ، عن الإِمامِ أحمدَ، إذا كانوا ثَلَاثَةً مِن أهْلِ القُرَى جَمَّعُوا. فيَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ ذلك أهلَ القُرَى لقِلَّتِهم. وقال أبو حنيفةَ: تَنْعَقِدُ بأَرْبَعَةٍ؛ لأنَّه عَدَدٌ زِيدَ على أقَلِّ الجَمْعِ المُطلَقِ، أشْبَهَ الأرْبَعِين. وقال رَبِيعَةُ: تَنْعَقِدُ باثْنَىْ عَشَرَ؛ لِما رُوِىَ أنَّ

стр. 2201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبىَّ ﷺ كَتَب إلى مُصْعَبِ بنِ عُمَيْر بالمَدِينَةِ، فأمَرَه أن يُصَلِّىَ عندَ الزَّوَالِ رَكْعَتَيْن، وأن يَخْطُبَ فيهما. فجَمَّعَ مُصْعَبِ بنُ عُمَيْرٍ في بَيْتِ سَعْدِ بنِ خَيْثَمَةَ باثْنَىْ عَشَرَ رَجُلًا (١). وعن جابِرٍ، قال: كُنَّا مع النبىِّ ﷺ يومَ الجُمُعَةِ فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ، فخَرَجَ النّاسُ إليها، فلم يَبْقَ إلَّا اثْنا عَشَرَ رجلًا، أنا فيهم، فأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٢) الآيةُ. رواه مسلمٌ (٣). وما يُشْتَرَطُ للابْتِداءِ يُشْتَرَطُ للاسْتِدامَةِ. ولَنا، حديثُ كَعْبٍ الذى رَوَيْناه. وفى الحديث: قُلْتُ له: كم كُنْتُم يَوْمَئِذٍ؟ قال: أَرْبَعِين. رواه الدّارَقُطْنِىُّ (٤). وقولُ الصَّحابِىِّ: مَضَتِ

стр. 2202

فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا، اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا. ــ السُّنَّةُ. يَنْصَرفُ إلى سُنَّةِ النبىِّ ﷺ . فأمَّا حَدِيثُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرِ، أنَّهُم كانوا اثْنَىْ عَشَرَ، فلا يَصِحُّ، فإنَّ حديثَ كَعْبٍ أصَحُّ منه، رَواه أصحابُ السُّنَنِ. والخَبَرُ الآخرُ يَحْتَمِلُ أنَّهم عادُوا فحَضَرُوا القَدْرَ الواجِبَ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم عادُوا قبلَ طُولِ الفَصلِ. وأمَّا الثَّلاثَةُ والأرْبَعَةُ فتَحَكُّمٌ بالرَّأْىِ فيما لا مَدْخَلَ للرَّأْى فيه؛ لأنَّ التَّقْدِيرَ. بابُه التَّوقِيفُ، ولَا مَعْنَى لاشْتِراطِ كَوْنِه جَمْعًا، ولا للزِّيادَةِ على الجَمْعِ، إذ لا نصَّ فيه ولا مَعْنَى نَصٍّ، ولو كان الجَمْعُ كافِيًا لاكْتفِىَ باثْنَيْن، لأنَّ الجماعَةَ تَنْعَقِدُ بهما. ٦٣٩ - مسألة: (فإن نَقَصُوا قبلَ إتْمامِها، اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا. ويَحْتَمِلُ

стр. 2203

وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ إِنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكعَةٍ أَتَمُّوا ظُهْرًا. وَإنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا جُمُعَةً. ــ أنَّهم إن نَقَصُوا بعدَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها جُمُعَةً، وإن نَقَصوا قبلَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها ظُهْرًا) المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّه يُشْتَرَطُ كَمالُ العَدَدِ في جَمِيعِ الصَّلاةِ. قال أبو بكرٍ: لا أعْلَمُ خِلافًا عن الإِمام أحمدَ إن لم يَتِمَّ العَدَدُ في الصَّلاةِ والخُطْبَةِ، أنَّهم يُعِيدُون الصلاةَ. وهذا أَحَدُ قَوْلَى الإِمامِ الشافعىِّ؛ لأنَّه شَرْطٌ للصلاةِ، فاعْتُبِرَ في جَمِيعِها، كالطَّهارةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّهم إن نَقَصوا بعدَ رَكْعَةٍ أتَمُّوها جُمُعَةً. وهذا قِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ. وبه قال الإِمامُ مالكٌ. وقال المُزَنِىُّ: هو أشْبَهُ عندِى؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً أضَافَ إلَيْها أُخْرَى» (١). ولأنَّهم أدْرَكُوا رَكْعَةً، فصَحَّتْ لهم الجُمُعَةُ، كالمَسْبُوقِ برَكْعَةٍ، وهذا اخْتِيارُ شيخِنا (٢). وقال

стр. 2204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو حنيفةَ: إن نَقَصُوا بعدَما صَلَّوْا رَكْعَةً بسَجْدَةٍ واحِدَةٍ، أتَمُّوها جُمُعَةً؛ لأنَّهم أدْرَكُوا مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ، فأشْبَهَ ما لو أدْرَكُوها بسَجْدَتَيها. وقال إسحاقُ: إن بَقِىَ معه اثْنا عَشَرَ أتَمَّهَا جُمُعَةً؛ لأنَّ أصحابَ النبىِّ ﷺ انْفَضُّوا عنه، فلم يَبْقَ معه إلَّا اثْنا عَشَرَ رجلًا، فأتَمَّها جُمُعَةً. وقال الإِمامُ الشافعىُّ، في أحَدِ أقْوالِه: إن بَقِىَ معه اثْنان أتَمَّها جُمُعَةً. وهو قولُ الثَّوْرىِّ؛ لأنَّه أقَلُّ الجَمْعِ. وحَكَى عنه أبو ثَوْرٍ، إن بَقِىَ معه واحِدٌ أتَمَّها جُمُعَةً، لأنَّ الاثْنَيْن جَماعَةٌ. ولَنا، أنَّهم لم يُدْرِكُوا رَكْعَةً كامِلَةً بشُرُوطِ الجُمُعَةِ، فأَشْبَهَ ما لو نَقَص الجَمْعُ قبلَ رُكُوعِ الأُولَى. وقولُهم: أدْرَكَ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ. يَبْطُلُ بمَن لم يَفُتْه مِن الرَّكْعَةِ الأُولَى إلَّا السَّجْدَتان، فإنَّه قد أدْرَكَ مُعْظَمَها. وقولُ الإِمام الشافعىِّ: بَقِىَ معه مَن تَنعَقِدُ به الجَماعَةُ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا لا يَكْفِىَ في الابتداءِ، فلا يَكفى في الدَّوامِ. إذا ثَبَت هذا، فكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: لا يُتِمُّها جُمُعَةً. فقِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ أنَّها تَبْطُلُ، ويَسْتَأْنِفُها ظُهْرًا، إلَّا أن يُمْكِنَهم فِعْلُ الجُمُعَةِ مَرَّةً أُخْرَى،

стр. 2205

وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً، أَتَمَّهَا جُمُعَةً، ــ فيُعِيدُونَها. وحَكَاه أبو بكرِ عن الإِمامِ أحمدَ. وقِيَاسُ قَوْلِ أبى إسْحاقَ ابنِ شاقْلَا أنَّهم يُتِمُّونَها ظُهْرًا. وهذا قولُ القاضى. وقال: قد نَصَّ الإِمامُ أحمدُ في الذى زُحِمَ عن أفْعالِ الجُمُعَةِ حتى سَلّمَ الإِمامُ، يُتِمُّها ظُهْرًا. ووجْهُ القَوْلَين قد تَقَدَّمَ. ٦٤٠ - مسألة: (ومَن أَدْرَكَ مع الإِمامِ منها رَكْعَةً أَتَمَّها جُمُعَةً) وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وأنَسٌ، وسعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعَلْقَمَةُ، والأسْودُ، والزُّهرِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال عَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ: مَن لمِ يُدْرِكِ الخُطْبَةَ صَلَّى أرْبَعًا؛ لأنَّ الخُطْبَةَ شَرْطٌ للجُمُعَةِ، فلا تكونُ جُمُعَةً في حَقِّ مَن لم يُوجَدْ في حَقِّه شَرْطُها. ولَنا، ما روَى أبو سَلَمَةَ، عن أبى هُرَيْرَة، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ». رَواه الأَثْرمُ (١). ورواه ابنُ

стр. 2206

وَمَنْ أدْرَكَ أقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، أتَمَّهَا ظُهْرًا، إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِى قَوْلِ الْخِرَقِىِّ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً، وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا. ــ ماجه (١): «فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى». وعن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ ﷺ : «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنَا مِن الصحابَةِ، ولا مُخِالفَ لهم في عَصْرِهم. ٦٤١ - مسألة: (ومَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ أتَمَّهَا ظُهْرًا، إذا كان قد نَوَى الظُّهْرَ في قَوْلِ الْخِرَقِىِّ. وقال أبو إسحاقَ بنُ شَاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً، ويُتِمُّهَا ظُهْرًا) أمَّا مَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ، فلا يَكُونُ مُدْركًا للجُمُعَةِ، ويُصَلِّى الظُّهْرَ أرْبَعًا. وهذا قَوْلُ جَمِيعِ مَن ذَكَرْنا في المَسْأَلَةِ المُتَقَدِّمَةِ،

стр. 2207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلَّا الإِمامَ (١) أبا حنيفةَ، فإنَّه قال: يكونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ بأَىِّ قَدْرٍ أدْرَكَ مِن الصَّلاةِ مع الإِمام. وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، لأنَّ مَن لَزِمَه أن يَبْنِىَ على صلاةِ الإِمامَ بإدْراكِ رَكْعَةٍ، لَزِمَه بإدْراكِ أقَلَّ منها، كالمُسافِرِ يُدْرِكُ المُقِيمَ، ولأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا مِن الصَّلاةِ، فكان مُدْرِكًا لها، كالظُّهْرِ. ولَنا، قولُه ﵇: «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدرَكَ الصَّلَاةَ». فمفْهُومُه أنَّه إذا أدْرَكَ أقَلَّ مِن رَكْعَةٍ لم يُدْرِكْها، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ والتَّابِعين، رَضىَ اللَّهُ عنهم، ولا مُخِالفَ لهم في عَصْرِهم، فيَكُونُ إجْماعًا. وقد رَوَى بشرُ بنُ مُعاذٍ الزَّيَّاتُ، عن الزُّهْرىِّ، عن أبى سَلَمَةَ (٢)، عن النبىِّ ﷺ ، أَنَّه قال: «مَنْ أَدْرَكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، ومَنْ أدْرَكَ دُونَهَا صَلَّى أرْبَعًا» (٣). ومَن لم يُدْرِكْ رَكْعَةً، فلا تَصِحُّ له جُمُعَةٌ، كالإِمامِ إذا انْفَضُّوا (٤) قبلَ السُّجُودِ.

стр. 2208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأمّا المُسافِرُ فإدْرَاكُه إدْراكُ إلْزَامٍ، وهذا إدْراكُه إدْراكُ إسْقاطٍ للعَدَدِ، فافْتَرَقا، وكذلك يُتِمُّ المُسافِرُ خلفَ المُقِيمُ، ولا يَقْصُرُ المُقِيمُ خلفَ المُسافِرِ، وأمّا الظُّهْرُ فليس مِن شَرْطِها الجَماعَةُ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. فصل: وكلُّ مَن أَدْرَكَ مع الإِمام ما لا يَتِمُّ له به جُمُعَةٌ، فإنَّه في قولِ الخِرَقِىِّ يَنْوِى ظُهْرًا، فإن نَوَى جُمُعَةً لم تَصِحَّ في ظاهِرِ كَلامِه. وكَلامُ

стр. 2209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحمدَ، في رِوايَةِ صالحٍ وابنِ مَنْصُورٍ، يَحْتَملُ هذا، لقَوْلِه (١) في مَن أحْرَمَ، ثم زُحِمَ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حتى سَلَّمَ إمامُه، قال: يَسْتَقْبِلُ ظُهْرًا أرْبَعًا، وذلك لأنَّ الظُّهْرَ لا يَتَأَدَّى (٢) بنِيَّةِ الجُمُعَةِ ابْتِداءً، فكذلك اسْتِدامَتُه، كالظُّهْرِ مع العَصرِ. وقال أبو إسحاقَ بنُ شاقْلَا: يَنْوِى جُمُعَةً؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ نِيَّةَ إمامِه، ثم يَبْنِى عليها ظُهْرًا. وهذا ظاهِرُ قولِ قتادَةَ، وأيُّوبَ، ويُونُسَ (٣)، والشافعىِّ، لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَأْتَمَّ بمَن يُصَلِّى جُمُعَةً، فجاز أن يَبْنِىَ صلاتَه على نِيَّتِها، كصلاةِ المُقِيمِ مع المُسافِرِ، وكما يَنْوِى أنَّه مأْمُومٌ، ويُتِمَّ صلاتَه بعدَ مُفارَقَةِ إمامِه مُنْفَرِدًا، ولأنَّه يَصِحُّ أن يَنْوِىَ الظُّهْرَ خلفَ مَن يُصَلِّى الجُمُعَةَ في ابْتِدائِها، فكذلك في انْتِهائِها. فصل: إذا صَلَّى الإِمامُ الجُمُعَةَ قبلَ الزَّوالِ، فأَدْرَكَ المَأْمُومُ معه دُونَ الرَّكْعَةِ، لم يَكُنْ له الدُّخُولُ معه، لأنَّها في حَقِّه ظُهْر، فلا تَجُوزُ قبلَ

стр. 2210

وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ، سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أوْ رِجْلِهِ، ــ الزَّوالِ، كغيرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فإن دَخَل معه كانت نَفْلًا في حَقِّه، ولم تُجْزِئْه عن الظُّهْرِ. ولو أدْرَكَ معه رَكْعَةً، ثم زُحِمَ عن سُجُودِها، وقُلْنا: تَصِيرُ (١) ظُهْرًا، فإنَّها تَنْقَلِبُ نَفْلًا؛ لئَلَّا تَكُونَ ظُهْرًا قبلَ وَقْتِها. ٦٤٢ - مسألة: (ومَن أحْرَمَ مع الإِمام، ثم زُحِمَ عن السُّجُودِ، سَجَد على ظَهْرِ إنْسانٍ أو رِجْلِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في من أحْرَمَ مع الإِمام، ثم زُحِمَ فلم يَقْدِرْ على الرُّكُوعِ حتى سلَّمَ الإِمامُ، فرُوِىَ أنَّه يكون مُدْرِكًا للجُمُعَةِ. اخْتارَها الخَلَّالُ. وهو قولُ الحسنِ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه أحْرَمَ بالصَّلاةِ مع إمامِه في أوَّلِها، فأشْبَهَ ما لو رَكَع وسَجَد معه. ونُقِلَ عنه، أنه يَسْتَقْبِلُ الصلاةَ أرْبَعًا. اخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ أبى موسى. وهو قولُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ رَكْعَةً كامِلَةً، فلم يَكُنْ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ، كالمَسْبُوقِ. وهذا ظاهِرُ كَلامِ
следующие страницы →