← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينَ وَالصَّلَاحِ، وَالشُّيُوخُ، وَيَجُوزُ خُروجُ الصِّبْيَانِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ. ــ حسنٌ صحيحٌ. ٧٠٨ - مسألة: (و) يَخْرُجُ (معه أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ، والشُّيُوخُ) لأنَّه أسْرَعُ للإِجابَةِ. ويُسْتَحَبُّ الخُرُوجُ لِكافَّةِ النّاسِ، فأمَّا النِّساءُ، فلا بَأْسَ بخُرُوجِ العَجائِزِ منهنَّ، ومَن لا هَيْئةَ لها. وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ. فأمَّا الشَّوابُّ، وذَواتُ الهَيْئَةِ، فلا يُسْتَحَبُّ لهُنَّ؛ لأنَّ الضَّرَرَ في خُرُوجِهِنَّ أكْثَرُ مِن النَّفْعِ. ولا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ البَهائِمِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يَفْعَلْه. وبه قال أصحابُ الشافعىِّ؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّ سُلَيمانَ ﵇ خَرَج يَسْتَسْقِى، فرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً وهى تقولُ: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ، ليس بنا غِنًى عن رِزْقِك. فقال سُلَيمانُ: ارْجِعُوا فقد سُقِيتُم بدَعْوةِ غيرِكم (١). وقال ابنُ عَقِيلٍ، والقاضى: لا بَأْسَ به لذلك. والاقْتِداءُ بالنبىِّ ﷺ أوْلَى. ٧٠٩ - مسألة: (ويَجُوزُ خُبرُوجُ الصِّبْيانِ) كغيرِهم مِن النَّاسِ. (وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ) اخْتارَه القاضى، فقال: خُرُوجُ الشُّيُوخِ

стр. 2417

وَإنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا، وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ. ــ والصِّبْيانِ أشَدُّ اسْتِحْبابًا مِن الشَّبابِ؛ لأنَّ الصِّبْيانَ لا ذُنُوبَ عليهم. ٧١٠ - مسألة: (وإن خَرَج معهم أهْلُ الذِّمَّةِ لم يُمْنَعُوا، ولم يَخْتَلِطُوا بالمسلمين) وجملَةُ ذلك، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ أهْلِ الذِّمَّةِ؛

стр. 2418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّهم أعْداءُ اللَّهِ الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فهم بَعِيدُون مِن الإِجابَةِ، وإن أُغِيثَ المسلمون فرُبَّما قالوا: هذا حَصَل بدُعائِنا وإجابَتِنا. وإن خَرَجُوا

стр. 2419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يُمْنَعُوا؛ لأنَّهم يَطْلُبون أرْزاقَهم مِن رَبِّهم، فلا يُمْنَعُون مِن ذلك. ولا يَبْعُدُ أن يُجِيبَهم اللَّهُ تعالى؛ لأنَّه قد ضَمِن أرْزاقَهم في الدُّنْيا، كما ضَمِن أرْزاقَ المُؤْمِنين. ويُؤْمَرُون بالانْفِرادِ عن المُسْلِمين، لأَنَّه لا يُؤْمَنُ أن يُصِيبَهم عَذابٌ، فيَعُمَّ مَن حَضَرَهم، فإنَّ عادًا اسْتَسْقَوْا، فأرْسَلَ اللَّهُ عليهم رِيحًا صَرْصَرًا، فأهْلَكَتْهُم. فإن قِيلَ: فيَنْبَغِى أن يُمْنَعُوا الخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ المسلمون، لئلَّا يَظُنُّوا أنَّ ما حَصَل مِن السُّقْيا بدُعائِهم. قُلْنا: ولا يُؤْمَنُ أن يَتَّفِقَ نُزولُ الغَيْت يَوْمَ يَخْرُجُونَ وحدَهم، فيكونُ أعْظَمَ لفِتْنَتِهم، ورُبَّما فُتِن بهم غيرُهم.

стр. 2420

فَيُصَلِّى بِهِمْ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ، ــ ٧١١ - مسألة: (فيُصَلِّى بهم، ثم يَخْطُبُ خُطْبَةً واحِدَةً، يَفْتَتِحُها بالتَّكْبِيرِ، كخُطْبَةِ العِيدِ) قد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في مَشرُوعِيَّةِ صلاةِ الاسْتِسْقاء وصِفَتِها. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في خُطْبَةِ الاسْتِسْقاءِ وفى مَوْضِعِها، فرُوِىَ، أنَّه لا يَخْطُبُ، وإنَّما يَدْعُو ويَتَضَرَّعُ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكُم هذه، لكنْ لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ. والمَشْهُورُ أن فيها خُطْبَةً بعدَ الصَّلاةِ. قال أبو بكر: اتَّفَقُوا عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّ في صلاةِ الاسْتِسْقاءِ خُطْبَةً، وصُعُودًا على المِنْبَرِ. والصَّحِيحُ أنَّها بعدَ الصَّلاةِ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وعليه جَماعَةُ الفُقَهاءِ؛ لقولِ أبى هُرَيْرَةَ: صَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم

стр. 2421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَطَبَنا (١). لأنَّها صلاةٌ ذَاتُ تَكْبِيرٍ، فأشْبَهَتْ صلاةَ العِيدَيْن. وفيها رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَخْطُبُ قبلَ الصَّلاةِ. رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبانَ بنِ عُثْمان (٢)، وهِشَامِ بنِ إسماعِيلَ (٣)، وأبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ. وبه قال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لما روَى أنَسٌ، وعائشةُ، أنَّ النبىَّ ﵁ خَطَب وصَلَّى (٤). وعن عبد اللَّهِ بنِ زيدٍ، قال: رَأيْتُ النبىَّ ﷺ ، يَوْمَ خَرَج يَسْتَسْقِى، فحَوَّلَ ظَهْرَه إلى النّاسِ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثم حَوَّلَ رِداءَه، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن، جَهَر فيهما بالقِراءَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٥). وفيها رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه مُخَيَّرٌ في الخُطْبَةِ قبلَ

стр. 2422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصَّلاةِ وبعدَها؛ لوُرُودِ الأخْبارِ بكِلا الأمْرَيْن، ودلالَتِها على كِلْتا الصِّفَتَيْن (١)، فحُمِلَ على أنَّ النبىَّ ﷺ فَعَل الأمْرَيْن. وأيًّا ما فَعَل مِن ذلك فهو جائِزٌ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجِبَةٍ على جَمِيِعِ الرِّواياتِ. والأَوْلَى أن يَخْطُبَ بعدَ الصَّلاةِ، كالعِيدِ، وليكونُوا قد فرغُوا مِن الصَّلاةِ، فإن أُجِيبَ دُعاؤُهم وأُغِيثُوا لم يَحْتاجُوِا إلى الصَّلاةِ في المَطَر. وقولُ ابنِ عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم. نفْىٌ لصِفَةِ الخُطْبَةِ لا لأصْلِها؛ بدَلِيلِ قَوْلِه: إنَّما كان جُلُّ خُطْبَتِه الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ والتَّكْبِيرَ. ويُسْتَحَبُّ أن يَفْتَتِحَها بالتَّكْبِيرِ، كخُطْبَةِ العِيدِ. فصل: والمَشْرُوعُ خُطْبَةٌ واحِدَةٌ، وبهذا قال عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ. وقال مالكٌ والشافعىُّ: يَخْطُبُ كخُطْبَتَى العِيدَيْن؛ لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: صَنَع النبىُّ ﷺ كما صَنَع في العِيدِ (٢). ولأنَّها

стр. 2423

وَيُكْثِرُ فِيهَا الِاسْتِغْفَارَ، وَقِرَاءَةَ الْآياتِ الَّتِى فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ، ــ أشْبَهَتْها في صِفَةِ الصَّلاةِ، فكذلك في صِفَةِ الخُطْبَةِ. ولَنا، قولُ ابن عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم هذه، ولكن لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّكْبيرِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه ما فَصَل بينَ ذلك بسُكُوتٍ ولا جُلُوسٍ، ولأنَّ كلَّ مَن نَقَل الخُطْبَةَ لم يَنْقُلْ خُطْبَتَيْن. والصَّحيحُ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: صَلَّى رَكْعَتَيْن، كما كان يُصَلِّى في العِيدِ. ولو كان النَّقْلُ كما ذَكَرُوه، فهو مَحْمُولٌ على الصَّلاةِ، بدَلِيلِ أوَّلِ الحَدِيثِ. وإذا صَعِد المِنْبَرَ للْخُطْبَةِ جَلَس، وإن شاء لم يَجْلِسْ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ، ولا ههُنا أذانٌ يَجْلِسُ لفَراغِه. ٧١٢ - مسألة: (ويُكْثِرُ فِيها الاسْتِغْفارَ، وقِراءَةَ الآياتِ التى فيها الأمْرُ به) يُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ في خُطْبَتِه الاسْتِغْفارَ، والصلاةَ على النبىِّ ﷺ ، وقِرْاءَةَ الآياتِ التى فيها الأمْرُ بالاسْتِغْفارِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (١). وكقولِه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٢). ولأنَّ الاسْتِغْفارَ سَبَبٌ لنُزُولِ الغَيْثِ؛ بدَلِيلَ ما ذَكَرْنا،

стр. 2424

وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِىِّ ﷺ : ــ والمعاصِىَ سَبَبٌ لانْقِطاعِ الغَيْثِ، والاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ يَمْحُوان المَعاصِىَ. وقد رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه خرَج يَسْتَسْقِى، فلم يَزِدْ على الاسْتِغْفارِ، وقال: لقد اسْتَسْقَيْتُ بمجَادِيح السَّماءِ (١). ٧١٣ - مسألة: (ويَرْفَعُ يَدَيْه، فيَدْعُو بِدُعاءِ النبىِّ ﷺ -) يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الأيْدِى في دُعاء الاسْتِسْقاءِ؛ لِما روَى البخارىُّ (٢)، عن أنَسٍ، قال: كِان النبىُّ ﷺ لا يَرْفَعُ يَديْه في شئٍ مِن دُعائِه، إلَّا الاسْتِسْقاءَ، فإنَّه يَرْفَعُ حتى يُرَى بَياضُ إبطَيْه. وفى حَدِيثِ أنَسٍ أيضًا: فَرَفَعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْه. ورَفَع النّاسُ أيْدِيَهُم (٣). ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ بدُعاءِ النبىِّ ﷺ

стр. 2425

«اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا عَامًّا، طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُوهُ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّماءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نسْتَغْفِرُكَ، إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا». ــ فروَى عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا اسْتَسْقَى، قال: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيعًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنا الغَيْثَ، ولا تَجْعَلْنَا مِنَ القَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبادِ وَالْبِلَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لا نَشْكُوهُ إلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أنْبِت لَنَا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَارْفَعْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نسْتَغْفِرُكَ، إنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» (١). وروَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «اللَّهُمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا،

стр. 2426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَرِيئًا مَرِيعًا، نَافِعًا غَيْرَ ضارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ». رَواه أبو داودَ (١). قال الخَطّابِىُّ (٢): مَرِيعًا (٣) يُرْوَى على وَجْهَيْنِ بالياء والباءِ، فمَن رَواه بالياءِ جَعَلَه مِن المَراعَةِ. يُقالُ: أمْرَعَ المَكانُ. إذا أَخْصَبَ. ومَن رَواه بالباءِ مُرْبِعًا، كان مَعْناه: مُنْبِتًا للرَّبِيعِ. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالتْ: شَكَا النّاسُ إلى رسولِ اللَّه ﷺ قُحُوطَ المَطَرٍ، فأمَرَ بمِنْبَر فَوُضِعَ له في المُصَلَّى، ووَعَدَ النّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه، وخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ حينَ بَدَا حاجِبُ الشَّمْسِ، فقَعَدَ على المِنْبَرِ، فكَبَّرَ، وحَمِدَ اللَّهَ، ثم قال: «إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، واسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمَانِه عَنْكُمْ، فَقَدْ أمَرَكُمُ اللَّهُ أنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أن يَسْتَجيبَ لَكُمْ». ثم قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، يَفْعَلُ مَا يُريدُ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أنْتَ الْغَنِىُّ، ونَحْنُ الفُقَرَاءُ، أنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ». ثم رَفَع يَدَيْه، فلم يَزَلْ في الرَّفْعَ حتى يُرَى بَياضُ

стр. 2427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إبْطَيْه، ثم حَوَّل إلى النّاسِ ظَهْرَه، وقَلَب، أو حَوَّل رِداءَه، وهو رافِعٌ يَدَيْه، ثم أقْبَلَ على النّاسِ، فنَزَلَ فصَلَّى رَكْعَتَيْن. رَواه أبو داودَ (١). وروَى ابنُ قُتَيْبَةَ، بإسْنادِه في «غَرِيبِ الحَدِيثِ» (٢)، عن أنَسٍ: أنَّ النبىَّ ﷺ خَرَج للاسْتِسْقاءِ، فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، يَجْهَرُ فيهما بالقِراءَةِ، وكان يَقْرأُ في العِيدَيْن والاسْتِسْقاءِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى بفاتِحةِ الكِتاب، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وفى الرَّكْعَةِ الثَّانيةِ فاتِحَةَ الكِتابَ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. فلمّا قَضَى صلاتَه اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ بوَجْهِه، وقَلَب رِداءَه، ورَفَع يَدَيْه، وكَبَّر تَكبِيرَه قبل أن يَسْتَسْقِىَ، ثم قال: «[اللَّهُمَّ اسْقِنَا وَأَغِثْنَا] (٣)، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا فُغِيثًا، وَحَيًا رَبِيعًا، وَجَدًا طَبَقًا، غَدَقًا مُغْدِقًا مُونِقًا، هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا مُرْبِعًا مُرْتِعًا، سَابِلًا مُسْبِلًا، مُجَلِّلًا دَيْمًا، دَرُورًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجلًا غَيْرَ رَائِثٍ (٤)؛ اللَّهُمَّ تُحْيِى به البِلَادَ، وَتُغِيثُ به العِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ في أرْضِنَا زِينَتَها، وأنْزِلْ عَلَيْنَا في أرْضِنَا سَكَنَها، اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهورًا، فَأَحْى بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا، وَأسْقِهِ مِمَّا خَلَقْتَ أنْعَامًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا». قال ابنُ قُتَيْبَةَ: المُغِيثُ: المُحْيى بإذْنِ اللَّهِ تعالى.

стр. 2428

وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ في أثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، فَيَجْعَلُ الْأيْمَنَ عَلَى الْأيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الأَيْمَنِ، حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ. ــ والحَيا: الذى تَحْيا به الأرْضُ والمالُ. والجَدا: المَطَرُ العامُّ، ومنه أُخِذَ جَدا العَطِيَّةِ، والجَدْوَى مَقْصُورٌ. والطَّبَقُ: الذى يُطَبِّقُ الأرْضَ. والغَدَقُ والمُغْدِقُ: الكَثِيرُ القَطْرِ. والمُونِقُ: المُعْجِبُ. والمَرِيعُ: ذُو المَراعَةِ والخِصْبِ. والمُرْبعُ مِن قَوْلِك: رَبعْتُ بمكانِ كذا: إذا أقَمْتَ فيه. وأرْبعْ على نَفْسِك: أرْفِقْ. والمُرْتِعُ: مِن رَتَعَتِ الإبِلُ، إذا رَعَتْ. والسّابِلُ: مِن السَّبَلِ، وهو المَطَرُ. يقالُ: سَبَلُ السّابِلِ، كما يقالُ: مَطَرٌ ماطِرٌ. والرّائِثُ: البَطِئُ. والسَّكَنُ: القُوَّةُ، لأنَّ الأرْضَ تَسْكُنُ به. ٧١٤ - مسألة: (ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في أثْناءِ الخُطْبَةِ، ويُحَوِّلُ رِداءَه، ويَجْعَلُ الأيسَرَ على الأيْمَنِ، والأيْمَنَ على الأيْسَرِ، ويَفعَلُ النّاسُ كذلكِ، ويَتْرُكُونَه حَتَّى يَنْزِعُوه مع ثِيابِهم) وجملَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ للخَطِيب اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ في أثْناءِ الخُطْبَةِ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ أنَّ النبىَّ ﷺ خَرَج يَسْتَسْقِى، فتَوَجَّه إلى القِبْلَةِ يَدْعُو. رَواه البخارىُّ (١).

стр. 2429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفى لفظٍ: فحَوَّلَ إلى النّاسِ ظَهْرَه، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو. ويُسْتَحَبُّ أن يُحَوِّلَ رِداءَه حالَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، لأنَّ في حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ خَرَج يَسْتَسْقِى، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، وحَوَّلَ رِداءَه. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولمُسْلِمٍ: فحَوَلَّ رِداءَه حينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ، لأنَّه دُعاءٌ، فلا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّداءِ فيه، كسائِرِ الأدْعِيَةِ. وسُنَّةُ النبىِّ ﷺ أوْلَى بالاتِّباعِ. ويُسْتَحَبُّ التَّحْوِيلُ للْمَأْمُومِ (٢)، في قولِ أكْثَرَ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةِ، والثَّوْرِىِّ، أنَّ التَّحْوِيلَ مُخْتَصٌّ بالإمامْ. وهو قولُ اللَّيْثِ، وأبى يُوسُف، ومحمدٍ، لأنَّه إنَّما نُقِلَ عن النبىِّ ﷺ دُونَ أصحابِه. ولَنا، أنَّ ما فَعَلَه النبىُّ ﷺ يَثْبُتُ في حَقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ، كيف وقد عُقِلَ المَعْنَى في ذلك، وهو التَّفاؤُلُ بقَلْبِ الرِّداءِ، ليَقْلِبَ اللَّهُ ما بهم مِن الجَدْبِ إلى الخِصْب، وقد جاء ذلك في بَعْضِ الحَدِيثِ. وروَى الإِمامُ أحمدُ (٣) حَدِيثَ عبدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ، وفيه أنَّه ﵊ تَحَوَّلَ إلى القِبْلَةِ وحَوَّلَ رِداءَه فقَلَبَه ظَهْرًا لبَطْن، وتَحَوَّلَ النّاسُ معه. إذا ثَبَت.

стр. 2430

وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ: ــ ذلك فصِفَةُ التَّقْلِيبِ أن يَجْعَلَ ما على اليَمِينِ على اليَسارِ، وما على اليسارِ على اليَمِينِ. رُوِىَ ذلك عن أبانَ بنِ عُثمانَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، وهِشامِ بنِ إسماعِيلَ، وأبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، ومالكٍ. وكان الشافعىُّ يقولُ به، ثم رَجع، فقال: يَجْعَلُ أعْلاه أسْفَلَه؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ اسْتَسْقَى وعليه خَمِيصَةٌ سَوْداءُ، فأرادَ أن يَجْعَلَ أسْفَلَها أعْلاها، فلَمَّا ثَقُلَتْ جَعَل العِطافَ (١) الذى على الأيْسَرِ على الأيْمَنِ. رَواه أبو داودَ (٢). ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ حَوَّلَ عِطافَه، وجَعَل عِطافَه الأيْمَنَ على عاتِقِه الأيْسَرِ، وجَعَل عِطافَه الأيْسَرَ على عاتِقِه الأيْمَنِ. رَواه أبو داودَ (٣). وفى حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ قَلَب رِداءَه، فجَعَلَ الأيْمَنَ على الأيْسَرِ، والأيْسَرَ على الأيْمَنِ. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه (٤). والزِّيادَةُ التى نَقَلُوها، إن ثَبَتَتْ، فهى ظَنُّ الرّاوِى، لا يُتْرَكُ لها فِعْلُ النبىِّ ﷺ ، وقد نَقَل التَّحْوِيلَ جَماعَةٌ، لم يَنقُلْ أحَدٌ منهم أنَّه جَعَل أعْلاه أسْفَلَه. ويَبْعُدُ أن يكونَ النبىُّ ﷺ تَرَك ذلك في جَمِيعِ الأوْقاتِ لثِقَلِ الرِّداءِ. ٧١٥ - مسألة: (ويَدْعُو سِرًّا حالَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، فيَقُولُ: اللَّهُمَّ

стр. 2431

اللَّهُمَّ إِنَّكَ أمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدتَّنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدتَّنَا. ــ إنَّكَ أمَرْتَنا بدُعائِك، ووَعَدتَّنا إِجابَتَك، وقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاسْتَجِبْ لَنا كما وَعَدْتَنا) اللَّهُمَّ فَامْنُنْ علينا بمَغْفِرَةِ ذُنُوبِنا، وإجابَتِنا في سُقْيانا، وسَعَةِ أرْزاقِنا. ثم يَدْعُو بما شاء مِن أمْرِ دِينٍ أو دُنْيا. وإنَّما اسْتُحِبَّ الإِسْرارُ؛ ليَكُونَ أقْرَبَ إلى الإِخْلاصِ، وأبْلَغَ في الخُشُوعِ والخُضُوعِ والتَّضَرُّعِ، وأسْرَعٍ في الإِجابَةِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١). واسْتُحِبَّ الجَهْرُ ببَعْضِه؛ ليَسْمَعَ النّاسُ، فيُؤَمِّنُون على دُعائِه. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُسْتَسْقَى بمَن ظَهَر صَلاحُه، لأنَّه أقْرَبُ إلى إجابَةِ الدُّعاء، وقد اسْتَسْقَى عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، بالعباسِ عَمِّ رسولِ اللَّهِ ﷺ . فروَى ابنُ عُمَرَ، قال: اسْتَسْقَى عُمَرُ عامَ الرَّمادَةِ بالعباسِ، فقال: اللَّهُمَّ إنَّ هذا عَمُّ نَبِيِّك ﷺ ، نَتَوَجَّهُ إليك به فاسْقِنا، فما بَرِحُوا حتى سَقاهُم اللَّهُ (٢). ورُوِى أنَّ مُعاويَةَ خَرَج يَسْتَسْقِى، فلمّا جَلَس على المِنْبَرِ، قال: أَيْنَ يَزِيدُ بنُ الأسْوَدِ؟ فقامَ

стр. 2432

فَإِنْ سُقُوا، وَإلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا. وَإنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، شَكَروا اللَّهَ تَعَالَى، وَسَأَلُوة الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ. ــ يَزِيدُ، فدَعاه مُعاويَةُ، فأجْلَسَه عندَ رِجْلَيْه، ثم قال: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَشْفِعُ إليك بِخَيْرِنا وأفْضَلِنا يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ، [يا يزيدُ] (١) ارْفَعْ يَدَيْك. فرَفعَ يَدَيْه، ودَعا اللَّهَ، فثارَتْ في الغَرْبِ سَحابَةٌ مثلُ التُّرْسِ، وهَبَّ لها رِيحٌ، فسُقُوا حتى كادُوا لا يَبْلُغُون مَنازِلَهم. واسْتَسْقَى به الضَّحّاكُ بنُ قَيْسٍ مَرَةً أُخْرَى. ٧١٦ - مسألة: (فإن سُقُوا، وإلَّا عادُوا ثانِيًا وثالِثًا. وإن سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهم، شَكَرُوا اللَّهَ تعالى، وسَأَلُوه المَزِيدَ مِن فَضْلِه) وبهذا قال مالكٌ والشافعىُّ. وقال إسْحاقُ: لا يَخْرُجُون إلَّا مَرَّةً واحِدَةً؛ لأنَّه ﷺ إنَّما خَرَج مَرَّةً واحِدَةً، ولكنْ يَجْتَمِعُون في مَساجِدِهم، فإذا فَرَغُوا مِن الصَّلاةِ، ذَكَرُوا اللَّهَ تعالى، ودَعَوْا، ويَدْعُو الإِمامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ، ويُؤَمِّنُ النّاسُ. ولَنا، أنَّ هذا أَبْلَغُ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وقد جاء

стр. 2433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعَاءِ» (١). وأمّا النبىُّ ﷺ فإنَّما لم يَخْرُجْ ثانِيًا؛ لاسْتِغْنائِه بإجابَتِه أوَّلَ مَرَّةٍ، والخُرُوجُ في المَرَّةِ الأُولَى آكَدُ مِمّا بعدَها؛ لوُرُودِ السُّنَّةِ بها. فصل: فإن تَأهَّبُوا، فسُقُوا قبلَ خُرُوجِهم، لم يَخْرُجُوا، وشَكَرُوا اللَّهَ وحَمِدُوه على نِعْمَتِه، وسَأَلُوه المَزِيدَ مِن فَضْلِه. وقال القاضى، وابنُ عَقِيل: يَخْرُجُون، ويُصَلون شُكْرًا للَّه تِعالى. وإن كانُوا قد خَرَجُوا فسُقُوا قبلَ أن يُصَلُّوا، شَكَرُوا اللَّهَ تعالى وحَمِدُوه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢). ويُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ عندَ نُزُولِ الغَيْثِ؛ لِما رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «اطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وإقَامَةِ الصَّلَاةِ، ونُزُولِ الْغَيْثِ» (٣). وعن عائشةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ كان إذا رَأى المَطَرَ، قال: «صَيِّبًا نَافِعًا». رَواه البخارىُّ (٤).

стр. 2434

وَيُنادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الإِمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن. ــ ٧١٧ - مسألة: (ويُنادَى لَها: الصلاةَ جامِعَةً) كذلك ذَكَرَه أصحابُنا، قِياسًا على صلاةِ الكُسُوفِ. ٧١٨ - مسألة: (وهل مِن شَرْطِها إذنُ الإِمامِ؟ على رِوايَتَيْن) إحداهما، لا يُسْتَحَبُّ إلَّا إذا خَرَج الإِمامُ، أو رَجُلٌ مِن قِبَلِه، فإن خَرَجُوا بغيرِ إذنِ الإِمامِ، فقالَ أبو بكرٍ: يَدْعُون ويَنْصَرفُون بلا صلاةٍ ولا خُطْبَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. والثانيةُ، لا يُشْتَرَطُ، ويُصَلُّون لأنْفُسِهم، ويَخْطُبُ بهم أحَدُهم. فعلى هذه الرِّوايَةِ يُشْرَعُ الاسْتِسْقاءُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ؛ مُقِيمٍ ومُسافِرٍ، وأهلِ القُرَى، والأعْرابِ، قِياسًا على صلاةِ الكُسُوفِ. ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ النبىَّ ﷺ لم يَأْمُرْ بها، وإنَّما فَعَلَها على صِفَةٍ، وهو أنَّه صَلَّاها بأصحابِه، فلم يَتَعَدَّ تلك الصِفَةَ، وكذلك فَعَل خُلَفاؤُه ومَن بَعْدَهم، بخِلافِ صلاةِ الكُسُوفِ، فإنَّه أمَرَ بها.

стр. 2435

وَيُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ في أوَّلِ الْمَطرَ، وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ وَثِيَابَهُ؛ لِيُصِيبَهَا ــ ٧١٩ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ في أوَّلِ المَطَرِ، ويُخْرِجَ رَحْلَه وثِيابَه؛ ليُصِيبَها) لِما روَى أنَسُ بنُ مالكٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ لم يَزَلْ على

стр. 2436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْبَرِه حتى رَأيْنا المَطَرَ يَتَحادَرُ عن (١) لِحْيَتِه. رَواه البخارىُّ (٢). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه كان إذا أمْطَرتِ السَّماءُ قال لغُلامِه: أخْرِجْ رَحْلِى وفِراشِى يُصِيبُه المَطَرُ. ويُسْتَحَبُّ أن يَتَوَضَّأَ مِن ماءِ المَطَرِ إذا سال السَّيْلُ؛ لِما رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنَّه كان إذا سال السَّيْلُ قال: «اخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِى جَعَلَهُ اللَّه طَهُورًا، فَنتَطَهَّرَ» (٣). فصل: قال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: إذا نَقَصَتْ مِياهُ العُيُونِ في البَلَدِ الذى يُشْرَبُ منها، أو غارَتْ وتَضَرَّرَ النّاسُ بذلك، اسْتُحِبَّ الاسْتِسْقاءُ، كما يُسْتَحَبُّ لانْقِطاعِ المَطَرِ. وقال أصحابُنا: لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ. واللَّهُ أعلمُ. فصل: والاسْتِسْقاءُ ثَلَاثَةُ أضْرُبٍ، ذَكَرها القاضى؛ أحَدُها، الخُرُوجُ والصلاةُ كما وَصَفْنا، وهو أكْمَلُها. والثانِى، اسْتِسْقاءُ الإِمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ؛ لِما روَى أنَسٌ، أنَّ رَجُلًا دَخَل المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، فاسْتَقْبَلَ رسولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا، ثم قال: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأمْوالُ، وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادْعُ اللَّهَ يُغِثْنا. فرَفَعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْه، فقال: «اللَّهُمَّ أغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا».

стр. 2437

وَإذَا زَادَتِ الْمِيَاهُ فَخِيفَ مِنْهَا، اسْتُحِبَّ أنْ يَقُولُوا: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ، وَالْآكَامِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الْآيَةَ. ــ قال أنَسٌ: ولا واللَّهِ ما نَرَى في السَّماءِ مِن سَحابٍ، ولا قَزَعَةٍ (١)، ولا شئٍ بَيْنَنا وبينَ سَلْعٍ (٢) مِن بيتٍ ولا دارٍ، فطَلَعَت مِن وَرائِه سَحابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فلمّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ، انْتَشَرَتْ ثم أمْطَرَتْ، فلا واللَّهِ ما رَأيْنا الشَّمْسَ سَبْتًا (٣)، ثم دَخَل مِن ذلك البابِ رَجُلٌ في الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، ورسولُ اللَّه ﷺ يَخْطُبُ، فاسْتَقْبَلَه قائِمًا، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ المَواشِى، وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادْعُ اللَّهَ أن يُمْسِكَها. قال: فرَفَعَ النبىُّ ﷺ يَدَيْه، وقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ على الآكَامِ والظِّرَابِ (٤)، وبُطُونِ الأوْدِيَةِ، ومَنَابِتِ الشَّجَرِ». قال: فانْقَطَعَتْ، وخَرَجْنَا نَمْشِى في الشَّمْسِ. مُتَّفَقٌ عليه (٥). والثّالِثُ، أن يَدْعُوا اللَّهَ تعالى عَقِيبَ صلواتِهم، في خَلَواتِهم. ٧٢٠ - مسألة: (وإذا زادَتِ المِياهُ فخِيفَ منها، اسْتُحِبَّ له أن يقُولَ: اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا، اللَّهُمَّ على الظِّرابِ، والآكامِ، وبُطُونِ

стр. 2438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأوْدِيَةِ، ومَنابِتِ الشَّجَرِ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (١). الآيةُ) لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. وكذلك إن زادَتْ مِياهُ العُيُونِ بحَيثُ يَضُرُّ، اسْتُجِبَّ لهم أن يَدْعُوا اللَّهَ ليُخَفِّفَه عنهم، ويَصْرِفَه إلى أماكِنَ يَنْفَعُ ولا يَضرُّ؛ لأنَّ الضَّرَرَ بزِيادَةِ المَطَرِ أحَدُ الضَّرَرَيْن، فاسْتُحِبَّ الدُّعاءُ لإِزالَتِه وانْقِطاعِه كالآخَرِ.

стр. 2439

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة

стр. 2440

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

стр. 2441

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتَابُ الجَنائِزِ ــ كتَابُ الجَنائِزِ يُسْتَحَبُّ ذِكْرُ المَوْتِ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فما ذُكِرَ في كَثِيرٍ إِلَّا قَلَّلَهُ، وَلَا في قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ». روَى البخارىُّ أَوَّلَه (١). قال ابنُ عَقِيلٍ: مَعْناه، متى ذُكِر في قَلِيلٍ مِن الرِّزْقِ اسْتَكْثَرَه الإِنْسانُ؛ لاسْتِقْلالِ ما بَقِىَ مِن عُمُرِه، ومتى ذَكَرَه في كَثِيرٍ قَلَّلَه؛ لأنَّ كثِيرَ الدُّنْيَا إِذا عُلِم انْقِطَاعُه بالمَوْتِ قَلَّ عِندَه.

стр. 2442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويُسْتَحَبُّ الاسْتِعْدَادُ للمَوْتِ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (١). وِإذا مَرِض الإِنْسَانُ اسْتُحِبَّ أن يَصْبِرَ؛ لِما وَعَد اللَّهُ الصَّابِرِينَ مِن الأجْرِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢). ويُكْرَهُ الأنِينُ؛ لأنَّه رُوِى عن طاوُسٍ كَراهَتُه. ولا يَتَمَنَّى المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَل به؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أحْيِنِى مَا كانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِى». مُتَّفَقٌ عليه (٣). وقال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ويُحْسِنُ ظَنَّه بِرَبِّه تعالى؛ لِما روَى جَابرٌ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ قبلَ مَوْتِهِ بِثَلاثةِ أيَّامٍ يقولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أحَدُكُمْ إلَّا وهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ باللهِ ». رواه مسلمٌ بمَعْناه، وأبو داودَ (٤). وقال مُعْتَمِرٌ، عن أبيه، أنَّه قال عندَ مَوتِه: حَدِّثْنِى

стр. 2443

تُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَتَذْكِيرُهُ التَّوْبَةَ وَالْوَصِيَّةَ، ــ بالرُّخَصَ. ٧٢١ - مسألة: و (تُسْتَحَبُّ عِيادَةُ المَرِيضِ، وتَذْكِيرُه التَّوْبَةَ والوَصِيَّةَ) عِيادَةُ المَرِيضِ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِما روَى البَرَاءُ، قال: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ، ونَهانا عن سَبْعٍ؛ أمَرَنا بعِيادَةِ المَرِيضِ، واتِّبَاعِ الجِنازَةِ. وذَكَر الحديثَ. رَواه البُخارىُّ، ورَواه مسلمٌ بمَعْناهُ (١). وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا، إلَّا ابْتَعَثَ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، أىَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهارِ كَانَتْ حَتَّى يُمْسِىَ، وَأَىَّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ كَانَتْ حَتَّى

стр. 2444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُصْبِحَ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجهْ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وزاد: «وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ (٢) في الْجَنَّةِ». وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَادَ مَرِيضًا نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ

стр. 2445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَنْزِلًا». رَواه التِّرْمِذِىّ، وابنُ ماجه (١)، وهذا لَفْظُه. وعنه قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ (٢) مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِى. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِى فُلَانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِى عِنْدَهُ». وذَكَر الحديثَ. رَواه مسلمٌ (٣). وِإذا دَخَل على المَرِيضِ سَأله (٤) عن حالِه ودَعا له، وَرَقاه. قال ثابِتٌ لأنَسٍ: يا أبا حَمْزَةَ، اشْتَكَيْتُ. قال أنَسٌ: أفَلَا أرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: بلى، قال: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أنْتَ

стр. 2446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّافِى، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (١). وروَى أبو سعيدٍ، قال: أتَى جِبْرِيلُ النبىَّ ﷺ ، فقال: يا محمدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قال: «نَعَمْ». قال: بِاسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يُوذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنِ

стр. 2447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَاسِدٍ (١) اللهُ يَشْفِيكَ» (٢). قال أبو زُرْعَةَ: كلا الحَدِيثَيْن صحيحٌ (٣). ورُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ، فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الْأَجَلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللهِ شَيْئًا، وَإنَّهُ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ». رواه ابنُ ماجه (٤).

стр. 2448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُرَغِّبَه في التَّوْبَةِ مِن المَعاصِى، والخُرُوجِ مِن المَظالِمِ، وفي الوَصِيَّةِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «مَا حَقُّ امْرِئ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، ولَهُ شَىْءٌ يُوصِى فِيهِ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». مُتَّفَقٌ عليه (١).

стр. 2449

فَإِذَا نَزَلَ بِهِ، تَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى [٣٨ و] شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ، وَلَقَّنَهُ قَوْلَ: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ. مَرَّةً، ــ ٧٢٢ - مسألة: (وإِذَا نَزَلَ به، تَعاهَدَ بَلَّ حَلْقِه بماءٍ أو شَرابٍ، ونَدَّى شَفَتَيْه بقُطْنَةٍ) يُسْتَحَبُّ أن يَلِىَ المَرِيضَ أرْفَقُ أهْلِه به، وأعْلَمُهم بسِياسَتِه، وأتْقاهم للهِ تعالى. فإذا رَآه مَنْزُولًا به تَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِه، بتَقْطِيرِ ماءٍ أو شَرابٍ فيه، ويُنَدِّى شَفَتَيْه بقُطْنَةٍ؛ لأنَّه رُبَّما يَنْشَفُ حَلْقُه مِن شِدَّةِ ما نَزَل به، فيَعْجِزُ عن الكَلامِ. ٧٢٣ - مسألة: (و) يُسْتًحَبُّ أن (يُلَقِّنَه قَوْلَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. مَرَّةً)

стр. 2450

وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، إِلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهُ، فَيُعِيدَ تَلْقِينَهُ بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ. ــ لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلهَ إلَّا الله». رَواه مسلمٌ (١). وقال الحسنُ: سُئِل رسولُ اللهِ ﷺ : أىُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ فقال: «أنْ تَمُوتَ يَوْمَ تَمُوتُ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ». رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ. ٧٢٤ - مسألة: (ولا يَزِيدُ على ثَلاثٍ) لئَلَّا يُضْجِرَه (إلَّا أن يَتَكَلَّمَ بعدَه) بشئٍ (فيُعِيدَ تَلْقِينَه بلُطْفٍ ومُدارَاةٍ) ليَكُونَ آخِرُ كَلامِه: «لا إلهَ إلَّا الله». نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِىَ عن عبدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ، أنَّه لمّا حضَرَه المَوْتُ جَعَلَ رجلٌ يُلَقِّنُه «لا إلهَ إلَّا اللهُ» فأكْثَرَ عليه، فقال له عبدُ اللهِ: إذا قُلْتُ مَرَّةً فأنا على ذلك ما لم أتَكَلَّمْ. قال التِّرْمِذِىُّ (٢): إنَّما أراد ما رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلهَ إلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ». رَواه أبو داودَ (٣). ورَوَى سعيدٌ (٤)، بإسْنادِه، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّه لمّا حَضَرَتْه الوَفاةُ، قال: أجْلِسُونى.

стр. 2451

وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةَ يس, ــ فلمَّا أجْلَسُوه قال: كَلِمَةٌ سَمِعْتُها مِن رسولِ اللهِ ﷺ كُنْتُ أَخْبَوُّها, ولولا ما حَضَرَنى مِن المَوْتِ ما أخْبَرْتُكم بها، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إلَّا هَدَمَتْ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنَ الْخَطَايَا والذُّنُوبِ، فَلَقِّنُوهَا مَوْتَاكُمْ». فَقِيلَ: يا رسولَ اللهِ، فكيف هي للأحْياءِ؟ قال: «هِىَ أهْدَمُ وَأهْدَمُ» (١). ٧٢٥ - مسألة: ويَقْرَأُ عِنْدَه سُورَةَ يَس) لِما روَى مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «اقْرأُواْ يَس عَلَى مَوْتَاكُمْ». رَواه أبو داودَ (٢). وقال أحمدُ: ويَقْرَءُون عندَ المَيِّتِ إذا حُضِرَ؛ ليُخَفَّفَ عنه بالقُرْآنِ، يَقْرَأُ يَس. وأمَرَ بقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ. ورَوَى الِإمَامُ أحمدُ (٣): «يَسَ قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ الله وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، إلَّا غُفِرَ لَهُ، وَاقْرَءُوهَا عَلَى مَرْضَاكُمْ».

стр. 2452

وَيُوجِّهُهُ إِلى الْقِبْلَةَ، ــ ٧٢٦ - مسألة: (ويُوَجِّهُه إلى القِبْلَةِ) التَّوْجِيهُ إلى القِبْلَةِ عندَ المَوْتِ مُسْتَحَبٌّ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، وأهلِ المَدِينَةِ، والأوْزاعِىِّ، وأهلِ الشَّامِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وأنْكَرَه سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، فإنَّهم لمّا أرادُوا أنَّ يُحَوِّلُوه إلى القِبْلَةِ، قال: ألم أكُنْ على القِبْلَةِ إلى يَوْمِى هذا (١)؟ والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ حُذَيْفَةَ، قال: وَجِّهُونى. وقد رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ : «خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» (٢). ولأنَّ فِعْلَهم ذلك بسعيدٍ دَلِيلٌ على أنَّه كان مَشْهُورًا بينَهم، يَفْعَلُه المُسْلِمُون بمَوْتاهم. وصِفَةُ تَوْجِيهِه إلى القبْلَةِ أن يُوضَعَ على جَنْبِه الأيْمَنِ، كما يُوضَعُ في اللَّحْدِ، إن كان المَكانُ واسِعًا. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ هكذا اسْتَقْبَلَ المُصَلِّى على جَنْبِه. وإن كان المَكانُ ضَيِّقًا جُعِل على ظَهْرِه، ويُجْعَلُ رَأْسُه على مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ؛ ليَتَوَجَّهَ نَحْوَ القِبْلَةِ. هكذا ذَكَرَه القاضى. ويَحْتَمِلُ أن يُجْعَلَ على ظَهْرِه بكلِّ حالٍ، ويَحْتَمِلُه كَلامُ الخِرَقِىِّ؛ لقَوْلِه: وجُعِل على بَطْنِه مِرْآةٌ أو غَيْرُها. وإنَّما يُمْكِنُ ذلك إذا كان على ظَهْرِه.

стр. 2453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويُسْتَحَبُّ تَطْهِيرُ ثِيابِ المَيِّتِ قبلَ مَوْتِه؛ لأنَّ أبا سعيدٍ لَمّا حَضَرَه المَوْتُ دَعا بثِيابٍ جُدُدٍ فلَبِسَها، ثم قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِى يَمُوتُ فِيهَا». رَواه أبو داودَ (١).

стр. 2454

فَإِذَا مَاتَ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَشَدَّ لَحْيَيْهِ، وَلَيَّنَ مَفَاصِلَهُ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَسَجَّاهُ بِثَوْبٍ يَسْتُرُهُ، وَجَعَلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةً أَوْ نَحْوَهَا، وَوَضَعَهُ عَلَى سَرِيرِ غَسْلِهِ، مُتَوَجِّهًا، مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ. ــ ٧٢٧ - مسألة: (فإذا مات أغْمَضَ عَيْنَيْه، وشَدَّ لَحْيَيْه، ولَيَّنَ مَفاصِلَه، وخَلَع ثِيابَه، وسَجّاه بِثَوْبٍ يَسْتُرُه، وجَعَل على بَطْنِه مِرْآةً أو نَحْوَها، ووَضَعَه على سَرِيرِ غَسْلِه، مُتَوَجِّهًا، مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ) يُسْتَحَبُّ تَغْمِيضُ المَيِّتِ عَقِيبَ المَوْتِ. ويُسْتَحَبُّ لمَن حَضَر المَيِّتَ أن لا يَتَكَلَّمَ إلَّا بخَيْر؛ لِما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالت: دَخَل رسولُ اللهِ ﷺ على أبِي سَلَمَةَ، وقد شَقَّ بَصَرُه (١)، فأغْمَضَه، ثم قال: «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ». فَضَجَّ ناسٌ مِن أهْلِه، فقال: «لَا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ إلًّا بِخَيْرٍ، فَإنَّ الْمَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ». ثم قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأبِى سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمُقَرَّبِينَ, وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ». رَواه مسلمٌ (٢). ورَوَى شَدَّادُ بنُ أوْسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا

стр. 2455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإنَّه يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أهْلُ الْمَيِّتِ». رَواه الِإمامُ أحمدُ في المُسْنَدِ (١). ويُسْتَحَبُّ شَدُّ ذَقَنِه بعِصابَةٍ عَرِيضَةٍ، يَرْبِطُها مِن فَوْقِ رَأْسِه؛ لأنَّ المَيِّتَ إذا كان مَفْتُوحَ العَيْنَيْن والفَمِ قَبُح مَنْظَرُه، ولا يُؤْمَنُ دُخُولُ الهَوامِّ فيه، والماءِ فِي وَقْتِ غَسْلِه. قال بَكْرُ بنُ عبدِ الله اِلمُزَنِيُّ: ويقولُ الذي يُغْمِضُه: بسْمِ اللهِ، وعلى وَفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ . ويُجْعَلُ على بَطْنِه شئٌ مِن الحَدِيدِ، كالمِرْآةِ ونَحْوِها, لِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُه، ويُلَيِّنُ مَفاصِلَه، وهو أن يَرْدُدَ ذِراعَيْه إلى عَضُدَيْه، وعَضُدَيْه إلى جَنْبَيْه، ثم يَرْدُدَهما، ويَرُدَّ ساقَيْه إلى فَخِذَيْه، وفَخِذَيْه إلى بَطْنِه، ثم يَرْدُدَهما؛ ليكونَ ذلك أبْقَى للينِه، فيكونَ أمْكَنَ للغاسِلِ في تَمْكِينِه وتَمْدِيدِه. قال أصْحابُنا: ويُسْتَحَبُّ ذلك عَقِيبَ مَوْتِه، قبلَ قَسْوَتِها ببُرُودَتِه. فإن شَقَّ عليه ذلك تَرَكَه. ويَخْلَعُ ثِيابَه، لِئَلَّا يَحْمَى فيُسْرِعَ إليه الفَسادُ والتَّغَيُّرُ، ويُسَجِّيهِ بِثَوْبٍ يَسْتُرُه؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ ﷺ حينَ تُوُفِّىَ سُجِّىَ ببُرْدٍ حِبَرَةٍ (٢). مُتَّفَقٌ
следующие страницы →