وَيَقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةَ يس,
ــ
فلمَّا أجْلَسُوه قال: كَلِمَةٌ سَمِعْتُها مِن رسولِ اللهِ ﷺ كُنْتُ أَخْبَوُّها, ولولا ما حَضَرَنى مِن المَوْتِ ما أخْبَرْتُكم بها، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: أشْهَدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إلَّا هَدَمَتْ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنَ الْخَطَايَا والذُّنُوبِ، فَلَقِّنُوهَا مَوْتَاكُمْ».
فَقِيلَ: يا رسولَ اللهِ، فكيف هي للأحْياءِ؟ قال: «هِىَ أهْدَمُ وَأهْدَمُ» (١).
٧٢٥ - مسألة: ويَقْرَأُ عِنْدَه سُورَةَ يَس) لِما روَى مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «اقْرأُواْ يَس عَلَى مَوْتَاكُمْ». رَواه أبو داودَ (٢). وقال أحمدُ: ويَقْرَءُون عندَ المَيِّتِ إذا حُضِرَ؛ ليُخَفَّفَ عنه بالقُرْآنِ، يَقْرَأُ يَس. وأمَرَ بقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ. ورَوَى الِإمَامُ أحمدُ (٣): «يَسَ قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ الله وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، إلَّا غُفِرَ لَهُ، وَاقْرَءُوهَا عَلَى مَرْضَاكُمْ».
стр. 2452
وَيُوجِّهُهُ إِلى الْقِبْلَةَ،
ــ
٧٢٦ - مسألة: (ويُوَجِّهُه إلى القِبْلَةِ) التَّوْجِيهُ إلى القِبْلَةِ عندَ المَوْتِ مُسْتَحَبٌّ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، وأهلِ المَدِينَةِ، والأوْزاعِىِّ، وأهلِ الشَّامِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وأنْكَرَه سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، فإنَّهم لمّا أرادُوا أنَّ يُحَوِّلُوه إلى القِبْلَةِ، قال: ألم أكُنْ على القِبْلَةِ إلى يَوْمِى هذا (١)؟ والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ حُذَيْفَةَ، قال: وَجِّهُونى. وقد رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ : «خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» (٢). ولأنَّ فِعْلَهم ذلك بسعيدٍ دَلِيلٌ على أنَّه كان مَشْهُورًا بينَهم، يَفْعَلُه المُسْلِمُون بمَوْتاهم. وصِفَةُ تَوْجِيهِه إلى القبْلَةِ أن يُوضَعَ على جَنْبِه الأيْمَنِ، كما يُوضَعُ في اللَّحْدِ، إن كان المَكانُ واسِعًا. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ هكذا اسْتَقْبَلَ المُصَلِّى على جَنْبِه. وإن كان المَكانُ ضَيِّقًا جُعِل على ظَهْرِه، ويُجْعَلُ رَأْسُه على مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ؛ ليَتَوَجَّهَ نَحْوَ القِبْلَةِ.
هكذا ذَكَرَه القاضى. ويَحْتَمِلُ أن يُجْعَلَ على ظَهْرِه بكلِّ حالٍ، ويَحْتَمِلُه كَلامُ الخِرَقِىِّ؛ لقَوْلِه: وجُعِل على بَطْنِه مِرْآةٌ أو غَيْرُها. وإنَّما يُمْكِنُ ذلك إذا كان على ظَهْرِه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإنَّه يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أهْلُ الْمَيِّتِ». رَواه الِإمامُ أحمدُ في المُسْنَدِ (١).
ويُسْتَحَبُّ شَدُّ ذَقَنِه بعِصابَةٍ عَرِيضَةٍ، يَرْبِطُها مِن فَوْقِ رَأْسِه؛ لأنَّ المَيِّتَ إذا كان مَفْتُوحَ العَيْنَيْن والفَمِ قَبُح مَنْظَرُه، ولا يُؤْمَنُ دُخُولُ الهَوامِّ فيه، والماءِ فِي وَقْتِ غَسْلِه. قال بَكْرُ بنُ عبدِ الله اِلمُزَنِيُّ: ويقولُ الذي يُغْمِضُه: بسْمِ اللهِ، وعلى وَفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ . ويُجْعَلُ على بَطْنِه شئٌ مِن الحَدِيدِ، كالمِرْآةِ ونَحْوِها, لِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُه، ويُلَيِّنُ مَفاصِلَه، وهو أن يَرْدُدَ ذِراعَيْه إلى عَضُدَيْه، وعَضُدَيْه إلى جَنْبَيْه، ثم يَرْدُدَهما، ويَرُدَّ ساقَيْه إلى فَخِذَيْه، وفَخِذَيْه إلى بَطْنِه، ثم يَرْدُدَهما؛ ليكونَ ذلك أبْقَى للينِه، فيكونَ أمْكَنَ للغاسِلِ في تَمْكِينِه وتَمْدِيدِه. قال أصْحابُنا: ويُسْتَحَبُّ ذلك
عَقِيبَ مَوْتِه، قبلَ قَسْوَتِها ببُرُودَتِه. فإن شَقَّ عليه ذلك تَرَكَه. ويَخْلَعُ ثِيابَه، لِئَلَّا يَحْمَى فيُسْرِعَ إليه الفَسادُ والتَّغَيُّرُ، ويُسَجِّيهِ بِثَوْبٍ يَسْتُرُه؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ ﷺ حينَ تُوُفِّىَ سُجِّىَ ببُرْدٍ حِبَرَةٍ (٢). مُتَّفَقٌ
стр. 2456
وَيُسَارِعُ فِي قَضَاء دَيْنِهِ،
ــ
عليه (١). ويُسْتَحَبُّ أن يَلِىَ ذلك منه أرْفَقُ النَّاسِ به، بأرْفَقِ ما يَقْدِرُ عليه. قال أحمدُ: تُغْمِضُ المَرْأةُ عَيْنَيْه إذا كانت ذاتَ مَحْرَمٍ. قال: ويُكْرَهُ للحائِضِ والجُنُبِ تَغْمِيضُه، وأن يَقْرَباه. وكَرِه ذلك عَلْقَمَةُ. ورُوِىَ نَحْوُه عن الشافعىِّ. وكَرِه الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، أن تُغَسِّلَ الحائِضُ والجُنُبُ المَيِّتَ. ونَحْوَ قال مالكٌ. وقال ابنُ المُنْذِر: يُغَسِّلُه الجُنُبُ؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (٢). ولا نَعْلَمُ بينَهم خِلافًا في صِحَّةِ تَغْسِيلِهما وَتغْمِيضِهما له، ولكنَّ الأوْلَى أن يكونَ المُتَوَلِّى لذلك طاهِرًا؛ لأنَّه أكمَلُ وأحْسَنُ. ويُوضَعُ على سَرِيرِ غَسْلِه، أو لَوْحٍ؛ لأنَّه أحْفَظُ له، ولا يَدَعُه على الأرْضِ، لِئَلَّا يُسْرِعَ إليه التَّغَيُّرُ بسَبَبِ نَداوَةِ الأرْضِ. ويكونُ مُتَوَجِّهًا مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْه؛ ليَنْصَبَّ عنه ماءُ الغَسْلِ وما يَخْرُجُ منه، ولا يَسْتَنْقِعُ تحتَه فَيُفْسِدَه.
٧٢٨ - مسألة: (ويُسارِعُ في قَضَاءِ دَيْنِه) لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ». رَواه الِإمامُ أحمدُ،
стр. 2457
وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ، وَتَجْهِيزِهِ إِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ،
ــ
وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ. وعن سَمُرَةَ قال: صَلَّى نَبِىُّ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ، فقال: «ههُنا أحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ؟» قالوا: نعم. قال: «فَإِنَّ صَاحِبَكُم مُحْتَبَسٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ في دَيْنٍ عَلَيْهِ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ (٢). وإن تَعَذَّرَ إيفاءُ دَيْنِه في الحالِ، اسْتُحِبَّ لوارِثِه أو غيرِه أن يَتَكَفَّلَ به عنه، كما فَعَل أبو قَتادَةَ لمَّا اُّتِىَ النبيُّ ﷺ بجِنازَةٍ، ولم يُصَلِّ عليها، قال أبو قَتادَةَ: صَلِّ عليها يا رسولَ اللهِ وعلىَّ دَيْنُه. رَواه البخارىُّ (٣).
٧٢٩ - مسألة: (و) يُسارِعُ في (تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ) ليَتَعَجَّلَ له ثَوابَها بجَرَيانِها على المُوصَى له.
٧٣٠ - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ المُسارَعَةُ في (تَجْهِيزِه إذا تُيُقِّنَ مَوْتُه) لأنَّه أصْوَنُ له، وأحْفَظُ له مِن التَّغْيِيرِ. قال أحمدُ: كرامَةُ المَيِّتِ
стр. 2458
بِانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِه، وَانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ.
ــ
تَعْجِيلُه. لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «إنِّى لَأُرَى طَلْحَةَ (١) قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَاذِنُونِي بِهِ، وَعَجِّلُوا، فإنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ أهْلِهِ». رَواه أبو داودَ (٢). ولا بَأْسَ أن يُنْتَظَرَ بها مِقْدارُ مَا
стр. 2459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَجْتَمِعُ لها جَماعَةٌ؛ لِما يُؤمَّلُ مِن الدُّعاءِ له، إذا صُلِّىَ عليه، ما لم يُخَفْ عليه، أو يَشُقَّ على النّاسِ. نصَّ عليه أحمدُ. وإن شُكَّ في أمْرِ المَيِّتِ، اعْتُبِرَ بِظُهُورِ أماراتِ المَوْتِ، مِن انْفِصالِ كَفَّيْه، واسْتِرْخاءِ رِجْلَيْهِ،
ومَيْلِ أنْفِه، وانْخِسافِ صُدْغَيْه وامْتِدادِ جِلْدَةِ وجْهِه. فإن مات فَجْأةً، كالمَصْعُوقِ، أو خائِفًا مِن حَرْبٍ أو سَبُعٍ، أو تَرَدَّى مِن جَبَلٍ، إنْتُظِرَ
стр. 2460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به هذه العَلامَاتُ، حتى يُتَيَقَّنَ مَوْتُه. قال الحسنُ في المَصعُوقِ: يُنْتَظَرُ به ثَلاثًا. قال أحمدُ: ورُبَّما تَغَيَّرَ في الصَّيْفِ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ. قِيلَ (١): فكيف تَقُولُ؟ قال: يُتْرَكُ بقَدْرِ ما يُعْلَمُ أنَّه مَيِّتٌ. قِيلَ له: مِن غُدْوَةٍ إلى اللَّيْلِ؟ قال: نعم.
стр. 2461
فَصْلٌ فِى غَسْلِ الْمَيِّتِ: غَسْلُ الْمَيِّتِ، وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
ــ
فصلٌ في غَسْلِ المَيِّتِ: ٧٣١ - مسألة: (غَسْلُ المَيِّتِ ودَفْنُه وتَكْفِينُه والصلاةُ عليه، فَرْضُ كِفايَةٍ) لأنَّ النبىَّ ﷺ قال في الذي وقَصَتْه
وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَصِيُّهُ، ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ، ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ، إِلَّا الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّ الْأَمِيرَ أَحَقُّ بِهَا بَعْدَ وَصِيّهِ.
ــ
٧٣٢ - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بِهِ وَصِيُّه، ثم أبوه، ثم جَدُّه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن عَصَباتِه، ثم ذَوو أرْحامِهِ، إلَّا الصَّلاةَ عليه، فإنَّ الأمِيرَ أحَقُّ بها بعدَ وصِيِّه) أحَقُّ النَّاسِ بغَسْلِ المَيِّتِ وَصِيُّه في ذلك. وقال أصحابُ الشّافعىِّ: أوْلَى النّاسِ بغَسْلِ المَيِّتِ عَصَباتُه الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، فإن كان له زَوْجَةٌ، فهل تُقَدَّمُ على العَصَباتِ؟ فيه وَجْهان. ولَنا، على تَقْدِيمِ الوَصِىِّ، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ الله عنه، أوْصَى أن تُغَسِّلَه امْرَأتُه أسْماءُ بنتُ عُمَيْسٍ. وأوْصَى أنَسٌ أن يُغَسِّلَه محمدُ بنُ سِيرِينَ، فَقُدِّما بذلك. ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، ولأنَّه حَقٌّ للمَيِّتِ فَقُدِّمَ فيه وَصِيُّه على غيرِه، كتَفْرِيقِ ثُلُثِه.
стр. 2466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن لم يكنْ له وَصِىٌّ فالعَصَباتُ أوْلَى النّاسِ به، وأوْلاهم أبوه، ثم جَدُّه وإن عَلا، ثم ابْنُه، ثم ابنُ ابْنِه وإن نزَل، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن عَصَباتِه، على تَرْتِيبِ المِيراثِ؛ لأنَّهم أحَقُّ بالصلاةِ عليه.
стр. 2467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وأحَقُّ النّاسِ بالصلاةِ عليه, وَصِيُّه. وهذا قولُ سعيدِ بنِ زَيدٍ، وأنَسٍ، وأبى بَرْزَةَ (١)، وزيدِ بنِ أرْقَمَ (٢)، وأُمِّ سَلَمَةَ. وقال الثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ: تُقَدَّمُ العَصَبَاتُ؛ لأنَّها وِلايَةٌ تَتَرَتَّبُ بتَرْتِيبِ العَصَبَاتِ، فالوَلِىُّ فيها أوْلَى، كوِلايةِ النِّكاحِ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّ أبا بكرٍ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه عُمَرُ. قاله أحمدُ. قال: وعُمَرُ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه صُهَيْبٌ، وأُمُّ سَلَمَةَ أوْصَتْ أن يُصَلِّىَ عليها سعيدُ بنُ زَيْدٍ، وأبو بَكْرَةَ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه أبو بَرْزَةَ.
وقال غيرُه: عائشةُ أوْصَتْ أن يُصَلِّىَ عليها أبو هُرَيْرَةَ، وابنُ مسعودٍ أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه الزُّبَيْرُ، وأبو سَرِيحَةَ (٣) أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه زيدُ بنُ أرْقَمَ، فجاءَ عَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ، وهو أميرُ الكُوفَةِ، لِيَتَقَدَّمَ فيُصَلِّىَ عليه (٤)، فقال ابنُه: أيُّها الأمِيرُ، إنَّ أبى أوْصَى أن يُصَلِّىَ عليه زيدُ بنُ أرْقَمَ. فقَدَّمَ زيدًا. وهذه قَضَايا اشْتَهَرَتْ، ولم يَظْهَرْ لها مُخالِفٌ، فكانت إجْماعًا. ولأنَّه حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فإنَّها شَفاعَةٌ له، فَقُدِّمَ وَصِيُّه فيها، كتَفْرِيقِ
стр. 2468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُلُثِه. ووِلايَةُ النِّكاحِ يُقَدَّمُ عندَنا فيها الوَصِىُّ أيضًا على الصَّحِيحِ، وإن سُلِّمَتْ فليست حَقًّا له، إنَّما هي حَقٌّ للمُولَّى عليه، ولأنَّ الغَرَضَ في الصلاةِ الدُّعاءُ والشَّفاعَةُ إلى اللهِ ، فالمَيِّتُ يَحْتَاجُ (١) لذلك مَن هو أظْهَرُ صَلاحًا، وأقْرَبُ إجابَةً، بخِلافِ وِلايةِ النِّكاحِ. فإن كان الوَصِىُّ فاسِقًا أو مُبْتَدِعًا، لم تُقْبَلِ الوَصِيَّةُ، كما لو كان الوَصِىُّ ذِمِّيًّا. وإن كان الأقْرَبُ إليه كذلك لم يُقَدَّمْ، وصلَّى غيرُه، كما يُمْنَعُ مِن التَّقْدِيمِ في الصَّلَواتِ الخَمْسَ (٢).
والأَمِيرُ أحَقُّ بالصلاةِ عليه بعدَ الوَصِىِّ. وقال به أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ.
وقال الشافعىُّ، في أَحَدِ قَوْلَيْه: يُقَدَّمُ الوَلِىُّ قِياسًا على تَقْدِيمِه في النِّكاحِ.
ولَنا، قَوْلُه ﷺ : «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِى سُلْطَانِهِ» (٣). وقال أبو حازِمٍ: شَهِدْتُ حُسَيْنًا حينَ ماتَ الحسنُ يَدْفعُ في قَفا سعيدِ بنِ العاصِ، ويقولُ:
стр. 2469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَقَدَّمْ، لولا السُّنَّةُ ما قَدَّمْتُكَ (١). وسعيدٌ أمِيرُ المَدِينَةِ. وهذا يَقْتَضِى سُنَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ . وروَى أحمدُ، بإسْنادِه، عن عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هاشِمٍ، قال: شَهِدْتُ جِنازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ بنتِ علىِّ، وزيدِ بنِ عُمَرَ، فَصَلَّى عليهما سعيدُ بنُ العاصِ، وكان أمِيرَ المَدِينَةِ، وخَلْفَه يَوْمَئِذٍ ثَمَانُون مِن أصْحابِ
محمدٍ ﷺ ، فيهم ابنُ عُمَرَ، والحسنُ، والحسينُ (٢). وقال علىٌّ رَضِىَ اللهُ عنه: الِإمامُ أحَقُّ مَن صَلَّى على الجِنازَةِ (٣). وعن ابنِ مسعودٍ نَحْوُ ذلك. وهذا أشْهَرُ، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا, ولأنَّها صلاةٌ شُرِعَتْ فيها الجَماعَةُ، فَقُدِّمَ فيها الأمِيرُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ، وقد كان النبىُّ ﷺ وخُلَفاؤُه يُصَلُّونَ على الجَنائِزِ، ولم يُنْقَلْ إلينا أنَّهم اسْتَأْذَنُوا أوْلِياءَ المَيِّتِ في التَّقْدِيمِ. والمُرادُ بالأمِيرِ ههُنا الِإمامُ، فإن لم يكنْ فالأمِيرُ مِن جِهَتِه، فإن لم يكنْ فالنَّائِبُ مِن قِبَلِه في الإِمامَةِ، فإن لم يكنْ فالحَاكِمُ.
стр. 2470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وأحَقُّ النَّاسِ بالصلاةِ بعدَ ذلك العَصَباتُ، وأحَقُّهم الأبُ، ثم الجَدُّ أبو الأبِ وإن عَلا، ثم الابنُ، ثم ابْنُه وإن نَزَل، ثم الأخُ العَصَبَةُ، ثم ابْنُه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم المَوْلَى المُعْتقُ، ثم عَصَباتُه. هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ. وقال أبو بكرٍ: في تَقْدِيمِ الأخِ على الجَدِّ قَوْلَان. وحُكِىَ عن مالِكٍ تَقْدِيمُ الابْنِ على الأبِ؛ لأنَّه أقْوَى تَعْصِيبًا منه، والأخِ على الجَدِّ؛ لأنَّه يُدْلِى بالابْنِ، والجَدُّ يُدْلِى بالأبِ. ولَنا، أنَّهما اسْتَوَيَا فِى الِإدْلاءِ، والأبُ أرَقُّ وأشْفَقُ، ودُعاؤُه لابْنِه أقْرَبُ إلى الِإجابَةِ، فكان أوْلَى، كالقَرِيبِ مع البَعِيدِ، ولأنَّ المَقْصُودَ بالصلاةِ الدُّعاءُ للمَيِّتِ والشَّفاعَةُ له، بخِلافِ المِيراثِ.
فصل: وِإنِ اجْتَمَعَ زَوْجُ المَرْأةِ وعَصَبَاتُها، فأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ تَقْدِيمُ العَصَبَاتِ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وقولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِىِّ، ومذْهَبُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، إلَّا أنَّ أبا حنيفَة
يُقَدِّمُ زَوْجَ المرأةِ على ابْنِها منه. ورُوِى عن أحمدَ تَقْدِيمُ العَصَبَاتِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وهي أصَحُّ؛ لأنَّ أبا بكرٍ صَلَّى على زَوْجَتِه، ولم يَسْتَأْذِنْ
стр. 2471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إخْوَتَهَا. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ. وهو قَوْلُ الشَّعْبِىِّ، وعَطَاءٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وإسْحاقَ. ولَنا، أنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ، أنَّه قال لأهْلِ امْرَأتِه: أنْتُمْ أحَقُّ بها (١). ولأنَّ الزَّوْجَ قد زَالَتْ زَوْجِيَّتُه بالمَوْتِ، فصار أجْنَبِيًّا، والقَرابَةُ لم تَزُلْ، فعلىِ هذه الرِّوايَةِ، إن لم يكنْ لها عَصَباتٌ، فالزَّوْجُ أوْلَى؛ لأنَّ له سَبَبًا وشَفَقَةَ، فكان أوْلَى مِن الأجْنَبِىِّ.
فصل: فإِنِ اجْتَمَعَ أخٌ مِن أبَوَيْنِ، وأخٌ مِن أبٍ، ففى تَقْدِيمِ الأخِ مِن الأبَوَيْن أو التَّسْوِيَةِ وَجْهان، بِناءً على الرِّوايتَيْنِ في وِلايَةِ النِّكاحِ.
والحُكْمُ في الأعْمامِ وأوْلادِهم وأوْلادِ الإِخْوَةِ كذلك. فإنِ انْقَرَضَ العَصَبَةُ فالمَوْلَى المُنْعِمُ، ثم عَصَبَاتُه، ثم الرِّجالُ مِن ذَوِى أرْحامِه، ثم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم الأجانِبُ. فإنِ اسْتَوى وَلِيَّانِ في الدَّرَجَةِ، فأحَقُّهما
وَغَسْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ الْأَقْرَبُ مِنْ نِسَائِهَا.
ــ
٧٣٣ - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بغَسْلِ المَرْأةِ) وَصِيُّها، ثم (الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن نِسائِها) أُمَّهاتُها (١)، ثم بِنْتُها، ثم بَنَاتُها، ثم أخَوَاتُها، كما ذَكَرْنا في حَقِّ الرجلِ. وكلُّ مَن لها رَحِمٌ ومَحْرَمٌ، بحيث لوَ كانت رَجُلًا لم يَحِلَّ له نِكاحُها، أوْلَى بها ممَّن لا رَحِمَ لها وبعدَها التى لها رَحِمٌ وليست بمَحْرَمٍ، كبَناتِ العَمِّ، والعَمَّاتِ، وبَنَاتِ الخَالِ،
стр. 2477
وَلِكُلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صَاحِبِهِ [٣٨ ظ] , فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ, وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ مَعَ سُرِّيَّتِهِ.
ــ
والخَالَةِ، فهُنَّ أوْلَى مِن الأجانِبِ. وبهذا قال الشافعيُّ إن لم يكنْ لها زَوْجٌ.
فإن كان لها زَوْجٌ، فهل يُقَدَّمُ على النِّساءِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ؛ لأنَّه يَنْظُرُ منها إلى مالا يَنْظُرُ النِّساءُ. والثَّانِي، يُقَدَّمُ النِّساءُ على الزَّوْجِ؛ لأنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَزُولُ بالمَوْتِ، والرَّحِمَ لا يَزُولُ، كما ذَكرْنا في حَقِّ الرجلِ.
٧٣٤ - مسألة: (ولِكلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ غَسْلُ صاحِبهِ في إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ، كذلك السَّيِّدُ مع سُرِّيَّتِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ تعالى، في غَسْلِ كلِّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ الآخَرَ، فرُوِىَ عنه
стр. 2478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجَوازُ فيهما، نَقَلَها عنه حَنْبَلٌ. ورُوِىّ عنه المَنْعُ مُطْلَقًا، حَكاها ابنُ المُنْذِرِ. ورُوِى عنه التَّفْرِقَةُ، وهو جَوازُ غَسْلِ الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ.
والقولُ بجَوازِ غَسْلِ المرأةِ زَوْجَها قولُ أهلِ العلمِ، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا. قالت عائشةُ: لو اسْتَقْبَلْنَا مِن أمْرِنا ما اسْتَدْبَرْنا ما غَسَّلَ رسولَ اللهِ ﷺ إلَّا نِساؤُه. رَواه أبو داودَ (١). وأوْصَى أبو بكرِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أن تُغَسِّلَه امْرَأتُه أسْماءُ بنتُ عُمَيْسٍ، فَفَعَلَتْ. وغَسَّلَ أَبا موسى امْرَأَتُه أُمُّ عبدِ اللهِ (٢). قال أحمدُ: ليس فيه اخْتِلافٌ بينَ الْنَّاسِ. وعنه، لا يَجُوزُ. حَكَى عنه صالِحٌ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لأنَّها فُرْقَةٌ بينَ الزَّوْجَيْنِ، أشْبَهَتِ الطَّلاقَ، ولأنَّها أحَدُ الزَّوْجَيْن، أشْبَهَتِ الآخَرَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لسَيِّدِها غَسْلُها في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن. ذَكَرَه. أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يَلْزَمُه كَفَنُها ودَفْنُها ومُؤْنَتُها، فهى أوْلَى مِن الزَّوْجَةِ. وهل يَجُوزُ لها غَسْلُ سَيِّدِها؟ قال شيخُنا (١): يَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ؛ لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ فيها إلى غيرِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ ذلك لسُرِّيَّتِه؛ لأنَّها مَحَلُّ اسْتِمْتاعِه، ويَلْزَمُها الاسْتِبْرَاءُ بعدَ مَوْتِهِ، أشْبَهَتْ أُمَّ الوَلَدِ. فإن ماتَ الزَّوْجُ قبلَ الدُّخُولِ بامْرَأتِه، احْتَمَل أن لا يُباحَ لها غَسْلُه؛ لأنَّه لم يكنْ بينَهم اسْتِمتاعٌ حالَ الحياةِ.
فصل: فإن كانتِ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً، فليس لها غَسْلُ زَوْجِها؛ لأنَّ الكافِرَ لا يُغَسِّلُ المُسْلِمَ؛ لأنَّ النِّيَّةَ واجِبَةٌ في الغَسْلِ، ولا تَصِحُّ مِن الكافِرِ.
стр. 2484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الشافعىُّ: يُكْرَهُ لها غَسْلُه، فإن غَسَّلَتْه جاز؛ لأنَّ القَصْدَ التَّنْظِيفُ، وليس لزَوْجِها غَسْلُها؛ لأنَّ المُسْلِمَ لا يُغَسِّلُ الكَافِرَ، ولا يَتَوَلَّى دَفْنَه على ما يَأْتِي، ولأنَّه لا مِيراثَ بينَهما, ولا مُوالاةَ، وقد انْقَطَعَتِ الزَّوْجِيَّةُ بالمَوْتِ. ويَتَخَرَّجُ جَوازُ ذلك بِناءً على جَوازِ غَسْلِ المُسْلِمِ الكافِرَ، وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
فصل: وليس لغيرِ مَن ذَكَرْنا مِن الرِّجالِ غَسْلُ أحَدٍ مِن النِّساءِ، ولا لأحَدٍ مِن النِّساءِ غَسْلُ غيرِ مَن ذَكَرْنا مِن الرِّجالِ، وإن كُنَّ ذواتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ. وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه حُكِىَ له عن أبى قِلابَةَ غَسْلُ ابنَتِه (١)، فاسْتَعْظَمَ ذلك، ولم يُعْجِبْه. وذلك لأنَّها مُحَرَّمَةٌ حالَ الحياةِ، فلم يَجِبْ غَسْلُها، كالأجْنَبِيَّةِ، وأُخْتِه مِن الرَّضَاعِ.
فإن لم يُوجَدْ مَن يُغَسِّلُها مِن النِّساءِ، فقال مُهَنَّا: سَألْتُ أحمدَ عن الرجلِ يُغَسِّلُ أُخْتَه إذا لم يَجِدْ نِساءً. قال: لا. قُلْتُ: فكيف يَصْنَعُ؟ قال: يُغَسِّلُها وعليها ثِيَابُها، يَصُبُّ الماءَ صَبًّا. قلتُ لأحمدَ: وكذلك كلُّ ذاتِ مَحْرَمٍ تُغَسَّلُ وعليها ثِيابُها؟ قال: نعم. وذلك لأنَّه لا يَحِلُّ مَسُّها.
والأوْلَى أنَّها تُيَمَّمُ، كالأجْنَبيَّةِ؛ لأنَّ الغَسْلَ مِن غيرِ مَسٍّ لا يَحْصُلُ به التَّنْظِيفُ، ولا إزَالَةُ النَّجاسَةِ، بل رُبَّما كَثُرَتْ، أشْبَهَ ما لو عَدِمَ الماءَ.
وقال الحسنُ، ومحمدٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا بَأْسَ بغَسْلِ ذاتِ مَحْرَمِه عندَ الضَّرُورَةِ.
стр. 2485
وَللِرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ. وَفِى ابْنِ السَّبْعِ وَجْهَانِ,
ــ
٧٣٥ - مسألة: (وللرجلِ والمرأةِ غَسْلُ مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ، وفي ابنِ السَّبْعِ وَجْهان) أمَّا غَسْلُ النِّساءِ للطِّفْلِ الصَّغِيرِ فهو إجْماعٌ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ. واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في حَدِّه، فقال أحمدُ: لَهُنَّ غَسْلُ مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ. وقال الحسنُ: إذا كان فَطِيمًا، أو فَوْقَه. وقال الأَوْزاعِىُّ: ابن أرْبَعٍ أو خَمْسٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: الذى لم يَتَكَلَّمْ.
ولَنا، أنَّ مَن له دُونَ سَبْعِ سِنِينَ لم يُؤْمَرْ بالصلاةِ، ولم يُخَيَّرْ بينَ أَبَوَيْه، ولا عَوْرَةَ له، أشْبَهَ ما لو سَلَّمُوه. فأمَّا مَن بَلَغ السَّبْعَ، ففيه وَجْهان؛
стр. 2486
وَفِى غَسْلِ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَجْهَانِ.
ــ
أحَدُهما، يَجُوزُ. اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ ما قبلَ السَّبْعِ والثَّانِى، لا يَجُوزُ. اخْتارَه ابنُ حامِدٍ. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وقيل: سُئِل عن غُلامٍ ابنِ سَبْعِ سِنِينَ تُغَسِّلُه المَرْأَةُ؟ فقال:
هو ابنُ سَبْعٍ، وهو يُؤْمَرُ بالصلاةِ، ولو كان أقَلَّ مِن سَبْعٍ كان أهْوَنَ عِنْدِى. وحَكَى أبو الخَطَّابِ في مَن بَلَغ السَّبْعَ [ولم يَبْلغْ] (١) رِوايَتَيْنِ.
والصَّحِيحُ أنَّ مَن بَلَغ عَشْرًا ليس للنِّساءِ غَسْلُه؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ» (٢). وأمَرَ بضَرْبِهم على الصلاةِ لعَشْرٍ.
فأمَّا مَن بَلَغَ السَّبْعَ والعَشْرَ، ففيه احْتِمَالان، ووَجْهُهما ما ذَكَرْنا. وأمَّا الجارِيَةُ إذا لم تَبْلُغْ سَبْعًا، فقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: يَجُوزُ للرِّجالِ
стр. 2487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَسْلُها. وقال الخَلَّالُ: القِياسُ التَّسْوِيَةُ بينَهما لكلِّ واحِدٍ منهما على الآخَرِ. فعلى قَوْلِنا حُكْمُها حُكْمُ الغُلامِ. ولا يُغَسِّلُ الرجلُ مَن بَلَغَتْ عَشْرًا؛ لِما ذَكَرْنَا في الصَّبِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن يُحَدَّ ذلك بِتِسْعٍ في حَقِّ
الجَارِيَةِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فهى امْرَأةٌ (١).
وفيما قبلَ ذلك الوَجْهانِ. ونُقِل عن أحمدَ، ﵀، كَراهَةُ ذلك، وقال: النِّساءُ أعْجَبُ إلىَّ. وذُكِر له أنَّ الثَّوْرِيَّ قال: تُغَسِّلُ المرأةُ الصَّبِيَّ، والرجلُ الصَّبِيَّةَ. فقال: لا بَأْسَ أن تُغَسِّلَ المَرْأةُ الصَّبِىَّ، وأمَّا الرجلُ يُغَسِّلُ الصَّبِيَّةَ فلا أجْتَرِئُ عليه، إلَّا أن يُغَسِّلَ الرجلُ ابْنَتَه الصَّغِيرَةَ. ويُرْوَى عن أبى قِلابَةَ، أنَّه غَسَّلَ ابْنَةً له صَغِيرَةً (٢). وهو قَوْلُ الحسنِ. وكَرِه غَسْلَ الرجلِ الصَّغِيرَةَ سعيدٌ، والزُّهْرِيُّ. وقال شيخُنا (٣): وهذا أوْلَى مِن
стр. 2488
وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ, أَوِ امْرَأَةٌ رِجَالٍ, أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٌ, يُمِّمَ فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَفِى الأُخْرَى, يُصَبُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ, وَلَا يُمَسُّ,
ــ
قَوْلِ الأصْحابِ؛ لأنَّ عَوْرَةَ الجِارِيَةِ أفْحَشُ مِن عَوْرَةِ الغُلامِ، ولأنَّ العادَةَ مُباشَرَةُ المرأَةِ للغُلامِ الصَّغِيرِ، والنَّظَرُ إلى عَوْرَتِهِ في حالِ تَرْبِيَتِه، ومَسُّها، ولم تَجْرِ العادَةُ للرجلِ بمُباشَرَةِ عَوْرَةِ الجارِيَةِ حالَ الحَياةِ، فكذلك حالَةَ المَوْتِ. وهذا اخْتِيارُ شيخِنا. واللهُ أعلمُ.
فصل: ويَصِحُّ أن يُغَسِّلَ المُحْرِمُ الحَلالَ، والحَلالُ المُحْرِمَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تَصِحُّ طَهارَتُه وغَسْلُه.
٧٣٦ - مسألة: (وإذا مات رجلٌ بينَ نِسْوَةٍ، أو امرأةٌ بينَ رِجالٍ، أو خُنْثَى مُشْكِلٌ، يُمِّمَ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن. وفى الأُخْرَى، يُصَبُّ عليه الماءُ مِن فوقِ القَمِيصِ، ولا يُمَسُّ) إذا مات رجلٌ بينَ نِسْوَةٍ أجانِبَ،
стр. 2489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو امرأةٌ بينَ رِجالٍ أجانِبَ، أو مات خُنثَى مُشْكِلٌ، فإنَّه يُيَمَّمُ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ. والوَجْهُ الثانِى، يُغَسَّلُ في قَمِيصٍ، ويَجْعَلُ الغاسِلُ على يَدِهِ خِرْقَةً. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُغَسَّلُ مِن فوقِ القَمِيصِ، يُصَبُّ عليه الماءُ صَبًّا, ولا يُمَسُّ. وهو قولُ الحسنِ، وإسحاقَ. ولَنا، ما روَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا مَاتَتِ الْمَرْأةُ مَعَ
الرِّجَالِ، لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ، تُيَمَّمُ كَمَا يُيَمَّمُ الرِّجَالُ» (١). ولأنَّ الغَسْلَ مِن غيرِ مَسٍّ لا يَحْصُلُ به التَّنْظِيفُ ولا إزالةُ النَّجاسَةِ، بل رُبَّما كَثُرَتْ، ولا يَسْلَمُ مِن النَّظَرِ، فكان العُدُولُ إلى التَّيَمُّمِ أوْلَى، كما لو عَدِم الماءَ. فأمَّا إن ماتَتِ الجارِيَةُ بينَ مَحارِمِها الرِّجالِ، فقد ذَكَرْناه.
стр. 2490
وَلَا يُغْسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا, وَلَا يَدْفِنُهُ, إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ غَيْرَهُ.
ــ
٧٣٧ - مسألة: (ولا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا, ولا يَدْفِنُه، إلَّا أن لا يَجِدَ مَن يُوارِيه غيرَه) إذا مات كافِرٌ مع مُسْلِمِين لم يُغَسِّلُوه، سَواءٌ كان قَرِيبًا لهم أو لا, ولا يَتَوَلَّوْا دَفْنَه، إلَّا أن لا يَجِدُوا مَن يُوارِيه. وهذا قولُ مالكٍ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: يَجُوزُ له غَسْلُ قَرِيبِه الكافِرِ، ودَفْنُه.
وحَكاه قَوْلًا لأحمدَ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لِما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قلتُ للنَّبىّ ﷺ : إنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قد مات، فقال النبىُّ ﷺ : «اذْهَبْ فَوَارِهِ». رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ (١). ولَنا، أنَّه