وَفِى غَسْلِ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَجْهَانِ.
ــ
أحَدُهما، يَجُوزُ. اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، أشْبَهَ ما قبلَ السَّبْعِ والثَّانِى، لا يَجُوزُ. اخْتارَه ابنُ حامِدٍ. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وقيل: سُئِل عن غُلامٍ ابنِ سَبْعِ سِنِينَ تُغَسِّلُه المَرْأَةُ؟ فقال:
هو ابنُ سَبْعٍ، وهو يُؤْمَرُ بالصلاةِ، ولو كان أقَلَّ مِن سَبْعٍ كان أهْوَنَ عِنْدِى. وحَكَى أبو الخَطَّابِ في مَن بَلَغ السَّبْعَ [ولم يَبْلغْ] (١) رِوايَتَيْنِ.
والصَّحِيحُ أنَّ مَن بَلَغ عَشْرًا ليس للنِّساءِ غَسْلُه؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ» (٢). وأمَرَ بضَرْبِهم على الصلاةِ لعَشْرٍ.
فأمَّا مَن بَلَغَ السَّبْعَ والعَشْرَ، ففيه احْتِمَالان، ووَجْهُهما ما ذَكَرْنا. وأمَّا الجارِيَةُ إذا لم تَبْلُغْ سَبْعًا، فقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: يَجُوزُ للرِّجالِ
стр. 2487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَسْلُها. وقال الخَلَّالُ: القِياسُ التَّسْوِيَةُ بينَهما لكلِّ واحِدٍ منهما على الآخَرِ. فعلى قَوْلِنا حُكْمُها حُكْمُ الغُلامِ. ولا يُغَسِّلُ الرجلُ مَن بَلَغَتْ عَشْرًا؛ لِما ذَكَرْنَا في الصَّبِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن يُحَدَّ ذلك بِتِسْعٍ في حَقِّ
الجَارِيَةِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فهى امْرَأةٌ (١).
وفيما قبلَ ذلك الوَجْهانِ. ونُقِل عن أحمدَ، ﵀، كَراهَةُ ذلك، وقال: النِّساءُ أعْجَبُ إلىَّ. وذُكِر له أنَّ الثَّوْرِيَّ قال: تُغَسِّلُ المرأةُ الصَّبِيَّ، والرجلُ الصَّبِيَّةَ. فقال: لا بَأْسَ أن تُغَسِّلَ المَرْأةُ الصَّبِىَّ، وأمَّا الرجلُ يُغَسِّلُ الصَّبِيَّةَ فلا أجْتَرِئُ عليه، إلَّا أن يُغَسِّلَ الرجلُ ابْنَتَه الصَّغِيرَةَ. ويُرْوَى عن أبى قِلابَةَ، أنَّه غَسَّلَ ابْنَةً له صَغِيرَةً (٢). وهو قَوْلُ الحسنِ. وكَرِه غَسْلَ الرجلِ الصَّغِيرَةَ سعيدٌ، والزُّهْرِيُّ. وقال شيخُنا (٣): وهذا أوْلَى مِن
стр. 2488
وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ, أَوِ امْرَأَةٌ رِجَالٍ, أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٌ, يُمِّمَ فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَفِى الأُخْرَى, يُصَبُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ, وَلَا يُمَسُّ,
ــ
قَوْلِ الأصْحابِ؛ لأنَّ عَوْرَةَ الجِارِيَةِ أفْحَشُ مِن عَوْرَةِ الغُلامِ، ولأنَّ العادَةَ مُباشَرَةُ المرأَةِ للغُلامِ الصَّغِيرِ، والنَّظَرُ إلى عَوْرَتِهِ في حالِ تَرْبِيَتِه، ومَسُّها، ولم تَجْرِ العادَةُ للرجلِ بمُباشَرَةِ عَوْرَةِ الجارِيَةِ حالَ الحَياةِ، فكذلك حالَةَ المَوْتِ. وهذا اخْتِيارُ شيخِنا. واللهُ أعلمُ.
فصل: ويَصِحُّ أن يُغَسِّلَ المُحْرِمُ الحَلالَ، والحَلالُ المُحْرِمَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تَصِحُّ طَهارَتُه وغَسْلُه.
٧٣٦ - مسألة: (وإذا مات رجلٌ بينَ نِسْوَةٍ، أو امرأةٌ بينَ رِجالٍ، أو خُنْثَى مُشْكِلٌ، يُمِّمَ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن. وفى الأُخْرَى، يُصَبُّ عليه الماءُ مِن فوقِ القَمِيصِ، ولا يُمَسُّ) إذا مات رجلٌ بينَ نِسْوَةٍ أجانِبَ،
стр. 2489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو امرأةٌ بينَ رِجالٍ أجانِبَ، أو مات خُنثَى مُشْكِلٌ، فإنَّه يُيَمَّمُ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ. والوَجْهُ الثانِى، يُغَسَّلُ في قَمِيصٍ، ويَجْعَلُ الغاسِلُ على يَدِهِ خِرْقَةً. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُغَسَّلُ مِن فوقِ القَمِيصِ، يُصَبُّ عليه الماءُ صَبًّا, ولا يُمَسُّ. وهو قولُ الحسنِ، وإسحاقَ. ولَنا، ما روَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا مَاتَتِ الْمَرْأةُ مَعَ
الرِّجَالِ، لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ، تُيَمَّمُ كَمَا يُيَمَّمُ الرِّجَالُ» (١). ولأنَّ الغَسْلَ مِن غيرِ مَسٍّ لا يَحْصُلُ به التَّنْظِيفُ ولا إزالةُ النَّجاسَةِ، بل رُبَّما كَثُرَتْ، ولا يَسْلَمُ مِن النَّظَرِ، فكان العُدُولُ إلى التَّيَمُّمِ أوْلَى، كما لو عَدِم الماءَ. فأمَّا إن ماتَتِ الجارِيَةُ بينَ مَحارِمِها الرِّجالِ، فقد ذَكَرْناه.
стр. 2490
وَلَا يُغْسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا, وَلَا يَدْفِنُهُ, إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ غَيْرَهُ.
ــ
٧٣٧ - مسألة: (ولا يُغَسِّلُ مُسْلِمٌ كَافِرًا, ولا يَدْفِنُه، إلَّا أن لا يَجِدَ مَن يُوارِيه غيرَه) إذا مات كافِرٌ مع مُسْلِمِين لم يُغَسِّلُوه، سَواءٌ كان قَرِيبًا لهم أو لا, ولا يَتَوَلَّوْا دَفْنَه، إلَّا أن لا يَجِدُوا مَن يُوارِيه. وهذا قولُ مالكٍ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: يَجُوزُ له غَسْلُ قَرِيبِه الكافِرِ، ودَفْنُه.
وحَكاه قَوْلًا لأحمدَ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لِما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قلتُ للنَّبىّ ﷺ : إنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قد مات، فقال النبىُّ ﷺ : «اذْهَبْ فَوَارِهِ». رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ (١). ولَنا، أنَّه
стр. 2491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يُصَلِّى عليه، ولا يَدْعُو له فلم يكنْ له غَسْلُه، كالأجْنَبِىِّ، والحَدِيثُ يَدُلُّ على مُواراتِه، وله ذلك إذا خاف مِن التَّغَيُّرِ به، والضَّرَرِ بِبَقائِه. قال أحمدُ، في يَهُودِىٍّ أو نَصْرانِىٍّ مات، وله ولَدٌ مُسْلِمٌ: فَلْيَرْكَبْ دَابَّةً، ويَسِرْ أمامَ الجِنازَةِ، وإذا أراد أن يَدْفِنَ رَجَع مثلَ قولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه (١).
стр. 2492
وَإِذَا أَخَذَ فِى غَسْلِهِ, سَتَرَ عَوْرَتَهُ وَجَرَّدَهُ. وَقَالَ الْقَاضِى: يُغَسِّلُهُ فِى قَمِيصٍ خَفِيفٍ, وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ,
ــ
٧٣٨ - مسألة: (وِإذَا أَخَذَ فِى غَسْلِهِ، سَتَرَ عَوْرَتَهُ وَجَرَّدَهُ. وَقَالَ الْقَاضِى: يُغَسِّلُهُ (١) فِى قَمِيصٍ خَفِيفٍ (٢)، وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ) يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَةِ المَيِّتِ بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، وهو ما بينَ سُرَّتِه إلى رُكْبَتِه، وقد قال النبىُّ ﷺ لعلىٍّ: «لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَىٍّ، وَلَا مَيِّتٍ». رَواه أبو داودَ (٣). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ورُوِىَ: «النَّاظِرُ مِنَ الرِّجَالِ إلَى فُرُوجِ الرِّجَالِ، كَالنَّاظِرِ مِنْهُمْ إلَى فُرُوجِ النِّسَاءِ، وَالمُتَكَشِّفُ مَلْعُونٌ» (٤).
قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: الصَّبِىُّ يُسْتَرُ كما يُسْتَرُ الكَبِيرُ، أعْنِى الصَّبِىَّ المَيِّتَ، في الغَسْلِ؟ قال: أىُّ شئٍ يُسْتَرُ منه؟! ليست عَوْرَتُه بعَوْرَةٍ، ويُغَسِّلُه النِّساءُ.
стр. 2493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَجْرِيدُ المَيِّتِ عندَ غَسْلِه ما سوى عَوْرَتِه. رَواه الأثْرَمُ عن أحمدَ. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ، وإليه ذَهَب ابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ. وروَى المَرُّوذِىُّ، عن أحمدَ،
أنَّه قال: يُعْجِبُنِي أن يُغَسِّلَ المَيِّتَ وعليه ثَوْبٌ، يُدْخِلُ يَدَه مِن تَحْتِ الثَّوْبِ. قال: وكان أبو قِلابَةَ إذا غَسَّلَ مَيِّتًا جَلَّلَه بِثَوْبٍ. وقال القاضى: السُّنَّةُ أَن يُغَسَّلَ في قَمِيصٍ رَقِيقٍ يَنْزِلُ الماءُ فيه، ولا يَمْنَعُ أن يَصِلَ إلى بَدَنِه.
ويُدْخِلُ يَدَه في كُمِّ القَمِيصِ فيُمِرُّها على بَدَنِه والماءُ يُصَبُّ، فإن كان القَمِيصُ ضَيِّقًا فَتَقَ رَأْسَ الدَّخارِيصِ (١)، وأدْخَلَ يَدَه فيه. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ غُسِّلَ في قَمِيصِه (٢). وقال سعدٌ: اصْنَعُوا بى كما صُنِعَ برسولِ (٣) اللهِ ﷺ (٤). قال أحمدُ: غُسِّلَ النبىُّ ﷺ
стр. 2494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في قَمِيصِه، وقد أرادُوا خَلْعَه، فَنُودُوا، ألَّا تَخْلَعُوه، واسْتُرُوا نَبِيَّكم (١). ولَنا، أنَّ تَجْرِيدَ المَيِّتِ أمْكَنُ لتَغْسِيلِه وتَطْهِيرِه، والحَىُّ يَتَجَرَّدُ إذا اغْتَسَلَ، فكذلك المَيِّتُ، ولأنَّه إذا غُسِّلَ (٢) في ثَوْبِه يَنْجُسُ الثَّوْبُ بما يَخْرُجُ، وقد لا يَطْهُرُ بصَبِّ الماءِ عليه، فيَنْجُسَ المَيِّتُ به. فأمَّا النبىُّ ﷺ فذلك خاصٌ له، ألا تَرَى أنَّهم قالُوا: نُجَرِّدُه كما نُجَرِّدُ مَوْتانا.
كذلك رَوَتْه عائشةُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: رُوِىَ ذلك عنها مِن وجْهٍ صَحِيحٍ.
فالظاهِرُ أنَّ تَجْرِيدَ المَيِّتِ فيما عدا العَوْرَةَ كان مَشْهُورًا عندَهم، ولم يكنْ هذا ليَخْفَى عن النَّبِى ﷺ ، بل الظَّاهِرُ أنَّه كان بأمْرِه؛ لأنَّهم كانوا يَنْتَهُون إلى رَأْيِه، ويَصْدُرُون عن أمْرِه في الشَّرْعِيَّاتِ، واتِّباعُ أمْرِه وفِعْلِه أوْلَى مِن اتِّباعِ غيرِه. ولأنَّ ما يُخْشَى مِن تَنْجيسِ قَمِيصِه بما يَخْرُجُ منه كان مَأْمُونًا في حَقِّ النَّبِىِّ ﷺ ؛ لأنَّه طاهِرٌ حَيًّا ومَيِّتًا، بخِلافِ غيرِه، وإنَّما
قال سعدٌ: الحَدُوا لى لَحْدًا، وانْصِبُوا علىَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كما صُنِع برسولِ اللهِ ﷺ .
стр. 2495
وَيُسْتَرُ الْمَيِّتُ عَنِ الْعُيُونِ. وَلَا يَحْضُرُهُ إِلَّا مَنْ يُعِينُ فِى غَسْلِهِ.
ــ
٧٣٩ - مسألة: (ويُسْتَرُ المَيِّتُ عن العُيُونِ، ولا يَحْضُرُه إلَّا مَن يُعِينُ في غَسْلِه) يُسْتَحَبُّ سَتْرُ المَيِّتِ، وأن يُغَسَّلَ في بَيْتٍ إن أمْكَنَ؛ لأنَّه أسْتَرُ له، فإن لم يكنْ بَيْتٌ، جُعِل بينَه وبينَ السماءِ سِتْرًا. وكان ابنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أن يكونَ البَيْتُ الذى يُغَسَّلُ فيه مُظْلِمًا. ذَكَرَه أحمدُ. وروَى أبو داودَ (١)، بإسْنادٍ له، قال: أوْصَى الضَّحّاكُ أخاه سالِمًا، قال: إذا
стр. 2496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَسَّلْتَنِى فاجْعَلْ حَوْلِى سِتْرًا، واجْعَلْ بَيْنِى وبينَ السَّماءِ سِتْرًا. وذَكَر القاضى، أنَّ عائشةَ قالت: أتانا رسولُ الله ﷺ ونحن نُغَسِّلُ ابْنَتَه، فجَعَلْنَا بينَها وبينَ السَّقْفِ سِتْرًا (١). وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لئلَّا يَسْتَقْبِلَ السَّماءَ بعَوْرَتِه، وإنَّما اسْتُحِبَّ سَتْرُ المَيِّتِ، وأن لا يَحْضُرَه إلَّا مَن يُعِينُ في غَسْلِه؛ لأنَّه يُكْرَهُ النَّظَرُ إلى المَيِّتِ إلَّا لحاجَةٍ؛ لأنَّه رُبَّما كان بالمَيِّتِ عَيْبٌ يَكْتُمُه، ويَكْرَهُ أن يُطَّلَعَ عليه بعدَ مَوْتِه، ورُبَّما حَدَث منه أمْرٌ يَكْرَهُ الحَىُّ أن يُطَّلَعَ منه على مِثْلِه، ورُبَّما ظَهَر فيه شئٌ هو في الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ فيُتَحَدَّثُ به، فيكونُ فَضِيحَةً، ورُبَّما بَدَتْ عَوْرَتُه فشاهَدَها. ويُسْتَحَبُّ للحاضِرِين غَضُّ أبْصارِهم عنه، إلَّا لحاجَةٍ كذلك، ولهذا أحْبَبْنا أن يكونَ الغاسِلُ ثِقَةً أمِينًا؛ ليَسْتُرَ ما يَطَّلِعُ عليه. وفى الحَدِيثِ عن النَّبِى ﷺ : «لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمُ الْمَأْمُونُونَ». رَواه ابنُ ماجه (٢). وعن عائشةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لِيَلِهِ أقْرَبُكُمْ مِنْهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ، فَإنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَمَنْ تَرَوْنَ أنَّ (٣) عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ». رَواه الِإمامُ أحمدُ (٤). وقال القاضى: لوَلِيِّه أن
стр. 2497
ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْجُلُوسِ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيقًا، وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ,
ــ
يَدْخُلَ كيف شاء. والأَوْلَى ما ذَكَرْنا، إن شاء اللهُ؛ لأنَّ العِلَّةَ تَقْتَضِى التَّعْمِيمَ.
٧٤٠ - مسألة: (ثم يَرْفَعُ رَأْسَه برِفْقٍ إلى قَرِيبٍ مِن الجُلُوسِ، ويَعْصِرُ بَطْنَه عَصْرًا رَفِيقًا، ويُكْثِرُ صَبَّ الماءِ حِينَئِذٍ) يُسْتَحَبُّ للغاسِلِ أن يَبْدَأَ فيَحْنِىَ المَيِّتَ حَنْيًا رَفِيقًا، لا يَبْلُغُ به الجُلُوسَ؛ لأنَّ في الجُلُوسِ أذِيَّةً، ثم يُمِرُّ يَدَه على بَطْنِه، يَعْصِرُه عَصْرًا؛ ليُخْرِجَ ما معه مِن نَجاسَةٍ، كيلا يَخْرُجَ بعدَ ذلك، ويُكْثِرُ صَبَّ الماءِ حِينَئِذٍ، ليُخْفِىَ مَا يَخرُجُ منه، ويَذْهَبَ به الماءُ. ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ بِقُرْبِهِ مِجْمَرٌ فيه بَخُورٌ حتَّى لا يَظْهَرَ منه رِيحٌ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا يَعْصِرُ بَطْنَ المَيِّتِ في المَرَّةِ الأُولَى، ولكنْ في الثَّانِيَةِ. وقال في موضِعٍ آخَرَ: يَعْصِرُ بَطْنَه في الثَّالِثَةِ، يَمْسَحُ مَسْحًا رَفِيقًا مَرَّةً واحِدَةً. وقال أَيضًا: عَصْرُ بَطْنِ المَيِّتِ في الثَّانِيَةِ أمْكَنُ؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يَلِينُ حتَّى يُصِيْبَه الماءُ.
ثُمَّ يَنْوِى غَسْلَهُ، وَيُسَمِّى,
ــ
خَشِنَةً فيُنَجِّيَه (١) بها؛ لئَلَّا يَمَسَّ عَوْرَتَه؛ لأنَّ النَّظرَ إلى عَوْرَةِ المَيِّتِ حَرامٌ، فمَسُّها أوْلَى. ويُزِيلُ ما على بَدَنِه مِن نَجاسَةٍ؛ لأنَّ الحَىَّ يَبْدَأُ بذلك في اغْتِسالِه مِن الجنابةِ. ويُسْتَحَبُّ أن لا يَمَسَّ سائِرَ بَدَنِه إلَّا بخِرْقَةٍ؛ لِما رُوِىَ أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، غَسَّلَ النبىَّ ﷺ وبِيَدِه خِرْقَةٌ، يَمْسَحُ
بها ما تحتَ القَمِيصِ (٢). قال القاضى: يُعِدُّ الغاسِلُ خِرْقَتَيْن، يَغْسِلُ بإحْداهما السَّبِيلَيْن، وبالأُخْرَى سائِرَ بَدَنِه.
٧٤٢ - مسألة: (ثم يَنْوِى غَسْلَه (٣)، ويُسَمِّى) النِّيَّةُ في غَسْلِ المَيِّتِ واجِبَةٌ على الغاسِلِ، وفى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ رِوايَتَانِ، كغُسْلِ
стр. 2500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجَنابَةِ، وإنَّما أوْجَبْناها على الغَاسِلِ لتَعَذُّرِها مِن الميِّتِ، ولأنَّ الحَىَّ هو المُخاطَبُ بالغَسْلِ. وقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ؛ لأنَّ القَصْدَ التَّنْظِيفُ، فأشْبَهَ غَسْلَ النَّجاسَةِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه لو كان كذلك لَما وَجَب غَسْلُ مُتَنَظِّفٍ، ولجاز غَسْلُه بماءِ الوَرْدَ، وكلِّ ما يَحْصُلُ به التَّنْظِيفُ، وإنَّما هو غَسْلُ تَعَبُّدٍ، فأشْبَهَ غُسْلَ الجَنابَةِ.
стр. 2501
وَيُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ بِالْمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ، وَفِى مَنْخَرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا، وَيُوَضِّئُهُ، وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فِى فِيهِ وَلَا أَنْفِه,
ــ
٧٤٣ - مسألة؛ قال: (ويُدْخِلُ إِصْبَعَيْه مَبْلُولَتَيْن بالماء بينَ شَفَتَيْه، فيَمَسَحُ أسْنَانَه، وفى مَنْخَرَيْه فيُنَظِّفُهما، ويوضِّئُه، ولا يُدْخِلُ الماءَ في فيه ولا أنْفِه) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا نَجَّى المَيِّتَ وأزال عنه (١) النَّجاسَةَ، بَدَأ بعدَ ذلك فوَضَّأه وُضُوءَ الصلاةِ، فيَغْسِلُ كَفَّيْه، ثم يَأْخُذُ خِرْقَةً خَشِنَةً فيَبُلُّها ويَجْعَلُها على إِصْبَعَيْه، فيَمْسَحُ أسْنانَه وأنْفَه، حتَّى يُنَظِّفَهما، ويكونُ ذلك في رِفْقٍ، ثم يَغْسِلُ وَجْهَه، ويُتَمِّمُ وُضُوءَه، لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ للنِّساءِ اللاتى غَسَّلْنَ ابْنَتَه: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا». مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّ الحَىَّ يَبدَأُ بالوُضُوءِ في غُسْلِه، ولا يُدْخِلُ الماءَ في فِيه ولا
стр. 2502
وَيَضْرِبُ السِّدْرَ، فيَغْسِلُ برَغْوَتِهِ رَأْسَه ولِحْيَتَهُ وَسَائِرَ بَدَنِهِ,
ــ
أنْفِه في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ, وأبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: يُمَضْمِضُه ويُنْشِقُه كما يَفْعَلُ الحَىُّ. ولَنا، أنَّ ذلك لا يُؤْمَنُ معه وُصُولُه إلى جَوْفِه، فَيُفْضى إلى المُثْلَةِ به، ولا يُؤْمَنُ مِن خُرُوجِه في أكْفانِه فيُفْسِدَها.
٧٤٤ - مسألة: (ثم يَضْرِبُ السِّدْرَ، فيَغْسِلُ برَغْوَتِهِ رَأْسَه ولِحْيَتَه
стр. 2503
ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ الْأَيْسَرَ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ, يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا,
ــ
وسائِرَ بَدَنِه، ثم يَغْسِلُ شِقَّه الأيْمَنَ، ثم الأيْسَرَ، يَفْعَلُ ذلك ثَلاثًا) يُسْتَحَبُّ أن يَبْدَأَ الغاسِلُ بعدَ وُضُوءِ المَيِّتِ بغَسْلِ رأْسِ المَيِّتِ، فيَغْسِلُه برَغْوَةِ السِّدْرِ، ويَغْسِلُ بَدَنَه بالثُّفْلِ (١)، يَفْعَلُ ذلك ثَلاثًا. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، ﵀، أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُغْسَلَ ثَلاثًا بماءٍ وسِدْرٍ. قال صالحٌ: قال أبى: المَيِّتُ يُغَسَّلُ بماءٍ وسِدْرٍ، ثَلاثَ غَسَلَاتٍ. قلتُ: فيَبْقَى عليه؟ قال: أىُّ شئٍ يكونُ هو أنْقى له. وذُكِر عن عَطاءٍ، أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ قال له: إنَّه يَبْقَى عليه السِّدْرُ إذا غُسِّلَ به كلَّ مَرَّةٍ. قال عَطاءٌ: هو طَهُورٌ.
واحْتَجَّ أحمدُ بحَدِيثِ أمِّ عَطِيَّةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُه قال: «اغْسِلْنَها ثَلاثًا، أو أربَعًا (٢)، أو خَمْسًا، أو أكثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأْيتُنَّ، بِمَاءٍ
стр. 2504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِى الآخِرَةِ كَافُورًا». مُتَّفَقٌ عليه (١). [وقال في المُحْرِمِ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ». مُتَّفَقٌ عليه] (٢). وذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أَصْحابِنا المُتَأَخِّرِينَ، إلى أنَّه لا يُتْرَكُ في الماءِ سِدْرٌ يُغَيِّرُه، ثم اخْتَلَفُوا، فقال
ابنُ حامدٍ: يُطْرَحُ في كلِّ المِياهِ شئٌ يَسِيرٌ مِن السِّدْرِ لا يُغَيِّرُه ليَجْمَعَ بينَ العَمَلِ بالحديثِ، ويكونَ الماءُ باقِيًا على إطْلاقِه. وقال القاضى، وأبو الخَطَّابِ: يُغَسَّلُ أوَّلَ مَرَّةٍ بالسِّدْرِ، ثم يُغَسَّلُ بعدَ ذلك بالماءِ القَراحِ (٣)،
стр. 2505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيكونُ الجَمِيعُ غَسْلَةً واحِدَةً، ويكونُ الاعْتِدادُ بالآخِرِ دُونَ الأوَّلِ؛ لأنَّ أحمدَ، ﵀، شَبَّهَ غَسْلَه بغُسْلِ الجَنَابَةِ، ولأنَّ السِّدْرَ إن غَيَّرَ الماءَ سَلَبَه الطُّهُورِيَّةَ، وإن لم يُغَيِّرْه فلا فائِدَةَ في تَرْكِ يَسِيرٍ لا يُؤثِّرُ. والأوَّلُ ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ. ويكونُ هذا مِن قَوْلِه دَالًّا على أنَّ تَغْيِيرَ الماءِ بالسِّدْرِ لا يُخْرِجُه عن طُهُورِيَّتِه. فإن لم يَجِدِ السِّدْرَ غَسَّلَه بما يَقُومُ مَقامَه، ويَقْرُبُ منه، كالخِطْمِىِّ (١) ونَحْوِه؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ به، وإن غَسَّلَه بذلك مع وُجُودِ السِّدْرِ جاز؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَد بهذا لمَعْنًى مَعْقُولٍ، وهو التَّنْظِيفُ، فَيَتَعَدَّى إلى كل ما وُجِد فيه المَعْنَى. قال أبو الخَطَّابِ: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْضِبَ رَأْسَ المَرأَةِ، ولِحْيَةَ الرجلِ بالحِنَّاءِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَبْدَأَ بشِقِّه الأيْمَنِ، فيَغْسِلَ وَجْهَه ويَدَه اليُمْنَى مِن المَنْكِبِ إلى الكَفَّيْنِ، وصَفْحَةَ عُنُقِه اليُمْنَى، وشِقَّ صَدْرِه، وَجَنْبَه، وفَخِذَه،
стр. 2506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وساقَه، وهو مُسْتَلْقٍ، ثم يَصْنَعَ ذلك بالجانِبِ الأيْسَرِ، ثم يَرْفَعَه مِن جانِبهِ، ولا يَكُبَّه لوَجْهِه، فيَغْسِلَ الظَّهْرَ وما هناك مِن وَرِكِه، وفَخِذِه، وساقِه، ثم يَعُودَ فَيَحْرِفَه على جَنْبِه الأيْمَنِ، ويَغْسِلَ شِقَّه الأيْسَرَ كذلك.
هكذا ذَكَرَه إبراهيمُ النَّخَعِىُّ، والقاضى؛ وذلك لقَوْلِه ﷺ : «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا». وهو أشْبَهُ بغُسْلِ الحَىِّ.
فصل: والواجِبُ غَسْلَةٌ واحِدَةٌ؛ لأنَّه غُسْلٌ واجِبٌ مِن غيرِ نَجاسَةٍ أصابَتْه، فكان مَرَّةً واحِدَةً، كغُسْلِ الجَنابَةِ. قال عَطاءٌ: يُجْزِئُه غَسْلَةٌ واحِدَةٌ إن نَقَّوْه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا يُعْجِبُنِى إن غُسِّلَ واحِدَةً؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أوْ خَمْسًا». وهذا على سَبِيلِ الكَراهَةِ دُونَ الِإجْزاءِ؛ لِما ذَكَرْنا, ولأنَّ النبىَّ ﷺ قال في المُحْرِمِ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (١) ولم يَذْكُرْ عَدَدًا.
فصل: والحَائِضُ والجُنُبُ إذا ماتا كغيرِهما في الغَسْلِ، قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قولُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن عُلَماءِ الأمْصارِ. وقد قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: ما مات مَيِّتٌ إِلَّا جَنُبَ. وقِيل عن الحسنِ: إنَّه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وقال بعضُ أصحابِنا: يَتَّخِذُ الغاسِلُ ثَلَاثَةَ آنِيَةٍ؛ كبِيرًا يَجْمَعُ فيهِ الماءَ الذى يُغَسِّلُ به المَيِّتَ يَكونُ بالبُعْدِ منه، وإناءَيْن صَغِيرَيْن يَطْرَحُ مِن أحَدِهما على المَيِّتِ، والثَّالِثُ يَغْرِفُ به مِنَ الكَبِيرِ في الصَّغِيرِ الذى يُغَسِّلُ به المَيِّتَ، ليَكُونَ الكبيرُ مَصُونًا، فإذا فَسَدَ الماءُ الذى في الصَّغِيرِ، وطار فيه من رَشاشِ الماءِ، كان ما بَقِىَ في الكَبيرِ كافِيًا.
ويَسْتَعْمِلُ في كلِّ أُمُورِه الرِّفْقَ به في تَقْلِيبِه، وعَرْكِ أعْضائِه، وعَصْرِ بَطْنِه، وتَلْيِينِ مَفاصِلِه، وفى سائِرِ أُمُورِه، احْتِرامًا له، فإنَّه مُشَبَّه بالحَىِّ في حُرْمَتِه، ولا يَأْمَنُ إن عَنُفَ به أن يَنْفَصِلَ منه عُضْوٌ، فيكونَ مُثْلَةً به، وقد قال ﷺ : «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَىِّ» (١). وقال: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِى الْأمْرِ كُلهِ» (٢).
стр. 2509
يُمِرُّ فِى كُلِّ مَرَّة يَدَهُ، فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِالثَّلَاث،. أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ، غَسَّلَهُ إِلَى خَمْسٍ، فَإِنْ زَادَ فَإِلَى سَبْعٍ،
ــ
٧٤٥ - مسألة: (فإن لم يُنَقَّ بالثَّلاثِ، [أو خَرَجَ] (١) منه شئٌ، غَسَّلَه إلى خَمْسٍ، فإن زاد فإلى سَبْعٍ) إذا فَرَغ الغاسِلُ مِن الغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ، لم يُمِرَّ يَدَه على بَطْنِ المَيِّتِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ منه شئٌ، فإن رَأى الغاسِلُ أنَّه لم يُنَقَّ بالثَّلاثِ غَسَّلَه خَمْسًا أو سَبْعًا، إن رَأى ذلك، ولا يَقْطَعُ إلَّا على وِتْر. قال الإِمامُ أحمدُ: ولا يُزادُ على سَبْع؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «اغْسِلْنَهَا ثَلَاًثا، أوْ خَمْسًا، أوْ سَبْعًا». لم يَزِدْ على ذلك، وجَعَل ما أمَرَ به وِتْرًا.
стр. 2510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أيضًا: «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا» (١). فإن لم يُنَقَّ بالسَّبْعِ، فقالَ شيخُنا (٢): الأَوْلَى غَسْلُه حتى يُنَقَّى؛ لقَوْلِه ﷺ : «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أوْ
خَمْسًا أوْ سَبْعًا، أوْ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيتُنَّ ذَلِكَ». ولأنَّ الزِّيادَةَ على الثَّلاثِ إنَّما كانت للإِنْقاءِ أو للحاجَةِ إليها، فكذلك ما بعدَ السَّبْعِ، ولا يَقْطَعُ إلَّا على وِتْر؛ لِما ذَكَرْنا، ولم يَذْكُرْ أصحابُنا أنَّه يَزِيدُ على سَبْعٍ.
فصل: فإن خَرَج مِن المَيِّتِ نَجاسَةٌ بعدَ الثَّلاثِ، وهو على مُغْتَسَلِه مِن قُبُلِه أو دُبُرِه، غَسَلَه إلى خَمْسٍ، فإن خَرَج بعدَ الخَمْسِ، غَسَلَه إلى سَبْعٍ، ويُوَضِّئُه في الغَسْلَةِ التى تَلِى خُرُوجَ النَّجَاسَةِ. قال صالِحٌ: قال أبى: يُوَضَّأُ المَيِّتُ مَرَّةً واحِدَةً، إلَّا أن يَخْرُجَ منه شئٌ، فيُعادَ عليه الوُضُوءُ. وهذا قولُ ابنِ سِيرِينَ، وإسحاقَ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يُغْسَلُ مَوْضِعُ النَّجاسَةِ، ويُوَضَّأُ، ولا يَجِبُ إعادَةُ غَسلِه.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّ خُرُوجَ النَّجاسَةِ مِن الحَىِّ
وَيَجْعَلُ فِى الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا.
ــ
أنْفِه أسْهَلُ مِن الحَدَثِ في أنَّه لا يُعادُ له الغَسْلُ، لأنَّ الحَدَثَ يَنْقُضُ الطهارةَ بالاتِّفاقِ، ويُسَوَّى بينَ قَلِيِلِه وكَثِيرِه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الغَسْلَ لا يُعادُ مِن يَسِيرِه، كما لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، بخِلافِ الخارِجِ مِن السَّبِيلَيْن.
٧٤٦ - مسألة: (ويَجْعَلُ في الغَسْلَةِ الأخِيرَةِ كافُورًا) يُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ في الغَسْلَةِ الأخِيرَةِ كافُورًا، ليَشُدَّه ويُبَرِّدَه ويُطَيِّبَه؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ ، للنِّساء اللَّاِتى غَسَّلْنَ ابْنَتَه: «اغْسِلْنَهَا بالسِّدْرِ، وِتْرًا ثَلَاثًا، أوْ
стр. 2513
وَالْمَاءُ الْحَارُّ، وَالْخِلَالُ، وَالْأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ.
ــ
خَمْسًا، أو أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، واجْعَلْنَ فِى الْغَسْلَةِ الْأخِيرَةِ كَافُورًا». وفى حديثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: «فَإذَا كَانَ فِى آخِرِ غَسْلَةٍ مِنَ الثَّالِثَةِ أوْ غَيْرِهَا، فَاجْعَلْنَ مَاءً فِيهِ شىْءٌ مِنْ كَافُورٍ، وَشَىْءٌ مِنْ سِدْرٍ، ثُمَّ اجْعَلْن ذَلِكَ فِى جَرَّةٍ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ أفْرِغْنَهُ عَلَيْهَا، وَابْدَئِى بِرَأْسِهَا حَتَّى يَبْلُغَ رِجْلَيْهَا».
٧٤٧ - مسألة: (والماءُ الحارُّ، والخِلالُ، والأُشْنَانُ (١)، يُسْتَعْمَلُ إنِ احْتِيجَ إليه) هذه الثَّلَاثَةُ تُسْتَعْمَلُ عندَ الحاجَةِ إليها، مثلَ أن يُحْتاجَ إلى الماءِ الحارِّ لشِدَّةِ البَرْدِ، أو الوَسَخُ لا يَزُولُ إلَّا به، وكذلك الأُشْنانُ يُسْتَعْمَلُ إذا كان على المَيِّتِ وَسَخٌ. قال أحمدُ: إذا طال ضَنَى المَرِيضِ غُسِّلَ بالأُشْنَانِ. يَعْنِى أنَّه يَكْثُرُ وَسَخُه، فيَحْتاجُ إلى الأُشْنَانِ ليزِيلَه. والخِلالُ يُحْتاجُ إليه لإِخْرَاجِ شئٍ، والأَوْلَى أن يكونَ مِن شَجَرَةٍ كالصَّفْصافِ ونحوِه، ومِمّا يُنَقِّى ولا يَجْرَحُ، وإن جَعَلَ على رَأْسِه قُطْنًا،
стр. 2514
وَيَقُصُّ شَارِبَهُ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَلَا يُسَرِّحُ شَعَرَهُ، وَلَا لِحْيَتَهُ.
ــ
فحَسَنٌ. ويَتَتَبَّعُ ما تحتَ أظْفارِه فَيُنَقِّيه، فإن لم يَحْتَجْ إلى شئٍ مِن ذلك لم يُسْتَحَبَّ اسْتِعْمالُه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: والمُسَخَّن أوْلَى، لكنْ حالَ أنَّه يُنَقِّى ما لا يُنَقِّى البارِدُ. ولَنا، أنَّ البارِدَ يُمْسِكُه والمُسَخَّنَ يُرْخِيه، ولهذا يُطْرَحُ الكافُورُ في الماءِ ليشُدَّه ويُبَرِّدَه، والانْقاءُ يَحْصُلُ بالسِّدْرِ إذا لم يَكْثُرْ وَسَخُه، فإن كَثُر ولم يَزُلْ إلَّا بالحَارِّ صار مُسْتَحَبًّا.
٧٤٨ - مسألة: (ويَقُصُّ شارِبَه، ويُقَلِّمُ أظْفارَه، ولا يُسَرِّحُ شَعَرَه، ولا لِحْيَتَه) متى كان شارِبُ المَيِّتِ طَوِيلًا اسْتُحِبَّ قَصُّه. وهذا
قولُ الحسنِ، وبكرِ بنِ عبدِ اللهِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وإسْحاقَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يُؤْخَذُ مِن المَيِّت شئٌ؛ لأنَّه قَطْعُ شئٍ منه فلم يُسْتَحَبَّ، كالخِتانِ. ولأصْحابِ الشافعىِّ اخْتلافٌ كالقَوْلَيْن. ولَنا، قَوْلُ أنَس: اصْنَعُوا بِمَوْتاكُمْ مَا تَصْنَعُونَ بعَرَائِسِكُمْ (١). والعَرُوسُ يُحَسَّنُ، ويُزالُ عنه ما يُسْتَقْبَحُ مِن الشَّارِبِ وغيرِه، ولأنَّ تَرْكَه يُقَبِّحُ مَنْظَرَه، فشُرِع إزالَتُه، كفَتْحِ عَيْنَيْه وفَمِه، ولأنَّه فِعْلٌ مَسْنُونٌ في الحياةِ
стр. 2515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا مَضَرَّةَ فيه، فشُرِع بعدَ المَوْتِ، كالاغْتِسالِ. وعلى هذا يُخَرَّجُ الخِتانُ؛ لِما فيه مِن المَضَرَّةِ. وإذا أُخِذ منه جُعِل مع المَيِّتِ في أكْفانِه، وكذلك كلُّ ما أُخِذ منه مِن شَعَرٍ أو ظُفْرٍ أو غيرِهما، فإنَّه يُغَسَّلُ ويُجْعَلُ معه في أكْفانِه؛ لأنَّه جُزْءٌ مِن المَيِّتِ، فأشْبَهَ أعْضاءَه.
فصل: فأمَّا قَصُّ الأظْفارِ إذا طالَتْ ففيها رِوايَتانِ؛ إحْداهما، لا تُقَلَّمُ، ويُنَقَّى وَسَخُها وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، لأنَّ الظُّفْرَ لا يَظْهَرُ كظُهُورِ الشَّارِبِ، فلا حاجَةَ إلى قَصِّه. والثّانِيَةُ، يُقَصُّ إذا كان فاحِشًا.
نصَّ عليه؛ لأنَّه مِن السُّنَّةِ، ولا مَضَرَّةَ فيه، فيُشْرَعُ أخْذُه، كالشّارِبِ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوايَةِ الأولَى على ما إذا لم يَفْحُشْ. ويُخَرَّجُ في نَتْفِ الِإبِطِ وَجْهان، بِناءً على الرِّوَايَتَيْنِ في قَصِّ الأظْفارِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: فأمَّا العانَةُ ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تؤْخَذُ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخرَقِىِّ. وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، ومالكٍ، وأبى حنيفةَ. ورُوِىَ
стр. 2516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن أحمدَ، أنَّ أخْذَها مَسْنُونٌ. وهو قولُ الحسنِ، وبكرِ بنِ عبدِ اللهِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرِ، وإسحاقَ؛ لأنَّ سعدَ بنَ أبى وَقَّاصٍ جَزَّ عانَةَ مَيِّتٍ (١). ولأنَّه شَعَرٌ يُسَنُّ إزالَتُه في الحياةِ، أشْبَهَ قَصَّ الشَّارِبِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه يُحْتاجُ في أخْذِها إلى كَشْفِ العَوْرَةِ، ولَمْسِها، وهَتْكِ المَيِّتِ، وذلك مُحَرَّمٌ لا يُفْعَلُ لغيرِ واجِبٍ، ولأنَّ العانَةَ مَسْتُورَةٌ، يُسْتَغْنَى بسَتْرِها عن إزالَتِها؛ لأنَّها لا تَظْهَرُ، بخِلافِ الشَّارِبِ. فإذا قُلْنا بأخْذِها، ففال أحمدُ: تُؤْخَذُ بالمُوسَى أو بالمِقْراضِ. وقال القاضى: تُزالُ بالنُّورَةِ؛ لأنَّه أسْهَلُ، ولا يَمَسُّها. ووَجْهُ قولِ أحمدَ أنَّه فِعْلُ سعدٍ، والنُّورَةُ لا يُؤْمَنُ أن تُتْلِفَ جِلْدَ المَيِّتِ. ولأصْحَابِ الشافعىِّ وَجْهان كهذَيْن.
стр. 2517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمَّا الخِتانُ فلا يُشْرَعُ؛ لأنَّه إبانَةُ جُزْءٍ مِن أعْضائِه. وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْم. وحُكِىَ عن بعضِ أهْلِ العلم أنَّه يُخْتَنُ. حَكاه الِإمامُ أحمدُ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْناه. ولا يُحْلَقُ رَأْسُ المَيِّتِ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: يُحْلَقُ إذا لم يَكُنْ له جُمَّةٌ، للتَّنْظِيفِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه ليس مِن السُّنَّةِ في الحياةِ، وإنَّما يُرادُ لزِينَةٍ أو نُسُكٍ، ولا يُطْلَبُ شئٌ مِن ذلك ههُنا.
стр. 2518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن جُبِر عَظْمُه بعَظْمٍ فجَبَرَ، ثم مات، فإن كان طاهِرًا لم يُنْزَعْ، وإن كان نَجِسًا وأمْكَنَ إزالَتُه مِن غيرِ مُثْلَةٍ أُزِيلَ؛ لأنَّه نَجاسَةٌ مَقْدُورٌ على إزالَتِها مِن غيرِ ضرَرٍ. وإن أفْضى إلى المُثْلَةِ لِم يُقْلَعْ، وإن كان في حُكْمِ الباطِنِ كالحَىِّ. وإن كان عليه جَبِيرَةٌ يُفْضِى نَزْعُها إلى مُثْلَةٍ، مُسِح عليها، كحالِ الحياةِ، وإلَّا نَزَعَها وغَسَل ما تَحْتَهَا. قال أحمدُ، في المَيِّت تَكُونُ أسْنانُه مَرْبُوطَةً بذَهَبٍ: إن قَدَر على نَزْعِه مِن غيرِ أن تَسْقُطَ بعضُ أسْنانِه نَزَعَه، وإن خاف سُقُوطَ بعضِها تَرَكَه.
فصل: ومَن كان مُشَنَّجًا، أو به حَدَبٌ، أو نحوُ ذلك، فأمْكَنَ تَمْدِيدُه بالتَّلْيِينِ والماءِ الحارِّ، فَعَل ذلك، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا بعَسْفٍ، تَرَكَه بحالِه.
فإن كان على صِفَةٍ لا يُمْكِنُ تَرْكُه على النَّعْشِ إلَّا على وَجْهٍ يُشْهَرُ بالمُثْلَةِ، تُرِكَ في تابُوتٍ، أو تحتَ مِكَبَّةٍ،؛ يُصْنَعُ بالمَرْأةِ؛ لأنَّه أصْوَنُ له وأسْتَرُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُتْرَكَ فوقَ سَرِيرِ المرأةِ شئٌ مِن الخَشَبِ أو الجَرِيدِ مثلُ القُبَّةِ، ويُتْرَكَ فوقَه ثَوْبٌ، ليَكُونَ أسْتَرَ لها. وقد رُوِىَ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ رسولِ اللهِ ﷺ ، رَضِىَ اللهُ. عنها، أوَّلُ مَن صُنِعَ لها ذلك بأمْرِها.
فصل: فأمَّا تَسْرِيحُ رَأْسِه ولِحْيَتَهْ فكَرِهَه أحمدُ، وقد (١) قالَتْ
стр. 2519
وَيُضْفَرُ شَعَرُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وُيَسْدَلُ مِنْ وَرَائِهَا،
ــ
عائشةُ: عَلامَ تَنُصُّونَ (١) مَيّتَكُم (٢)؟ أى لا تُسَرِّحُوا رَأْسَه بالمُشْطِ، ولأنَّ ذلك يَقْطَعُ شَعَرَه ويَنْتِفُه. وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ. وقد رُوِىَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: - مَشَطْناها ثَلاثَةَ قُرُونٍ. مُتَّفَقٌ. عليه (٣). قال أحمدُ: إنَّما ضَفَرْنَ. وأنْكَرَ المَشْطَ. فكأنَّه تَأَوَّلَ قَوْلَهَا: مَشَطْناها. على أنَّها أرادتْ ضَفَرْنَاهَا؛ لما ذَكَرْنا. واللهُ أعلمُ.
٧٤٩ - مسألة: (ويُضْفَرُ شَعَرُ المرأةِ ثَلاثَةَ قُرُونٍ، ويُسْدَلُ مِن وَرائِها) يُسْتَحَبُّ ضَفْرُ شَعَرِ المرأةِ ثلاثةَ قُرُونٍ؛ قَرْنَيْها وناصِيَتَها، ويُلْقَى مِن خلفِها. وبهذا قال الشافعىُّ، وِإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الأوْزاعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا يُضْفَرُ، ولكنْ يُرْسَلُ مع خَدَّيْها [مِن بينِ يَدَيْها] (٤) مِن الجانِبَيْن، ثم يُرْسَلُ عليه الخِمارُ؛ لأنَّ ضَفْرَه يَحْتاجُ إلى
стр. 2520
ثُمَّ يُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ. فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ حَشَاهُ بالْقُطْنِ،
ــ
تَسْرِيحِه، فَيَتَقَطَّعُ ويَتَنَتَّفُ (١). ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: ضَفَرْنا شَعَرَها ثلاثَةَ قُرُونٍ، وألْقَيْناه خلفَها. تَعْنِى بِنْتَ النبىِّ ﷺ .
مُتَّفَقٌ عليه. ولمسلمٍ: فضَفَرْنا شَعَرَها ثَلاثَةَ قُرُونٍ، قَرْنَيْها وناصِيَتَها.
وفى حديثِ أُّمِّ سُلَيْمٍ، عن النبىِّ ﷺ : «واضْفُرْنَ شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، قُصَّةً، وَقَرْنَيْنِ، وَلَا تُشَبِّهْنَهَا بِالرِّجَالِ» (٢).
٧٥٠ - مسألة: (ثم يُنَشِّفُه بِثَوْبٍ) وذلك مُسْتَحَبٌّ؛ لئَلَّا تَبْتَلَّ أكْفانُه، وفى حديثِ ابنِ عباسٍ في غَسْلِ النبىِّ ﷺ قال: فجَفَّفُوه بِثَوْبٍ (٣). ذَكَرَه القاضى. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
٧٥١ - مسألة: (فإن خَرَج منه شئٌ بعدَ السَّبْعِ حَشَاه بالقُطْنِ ،
стр. 2521
فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبِالطِّينِ الْحُرِّ، يُغْسَلُ الْمَحَلُّ، وَيُوَضَّأُ.
ــ
فإن لم يَسْتَمْسِكْ فبالطِّينِ الحُرِّ) متى خَرَجَتْ مِن المَيِّتِ نَجاسَةٌ بعدَ السَّبْعِ لم يَعُدْ إلى الغَسْلِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ إعادَةَ غَسْلِه يُفْضى إلى الحَرَجِ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ ثَلاثًا، أو خَمْسًا، أو سبْعًا، في حديثِ أُمِّ عَطِيَّةَ. لكنْ يَحْشُوه بالقُطْنِ، أو يُلْجَمُ بالقُطْنِ كما تَفْعَلُ المُسْتَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، فإن لم يُمْسِكْه ذلك حُشِىَ بالطِّينِ الخالِصِ الصُّلْبِ الذى له قُوَّةٌ يُمْسِكُ المَحَلَّ.
٧٥٢ - مسألة: (ثم يُغْسَلُ المَحَلُّ ويُوَضَأُّ) وقد ذُكِرَ عن أحمدَ، أنَّه لا يُوَضَّأُ. وهو قولٌ لأصْحابِ الشافعىِّ. والأوْلَى، إن شاء اللهُ، أنَّه يُوَضَّأُّ، كالجُنُبِ إذا أحْدَثَ بعدَ الغُسْلِ، لتَكُونَ طَهارَتُه كامِلَةً.
стр. 2522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِى أَكْفَانِهِ، لَمْ يَعُدْ إِلَى الْغَسْلِ.
٧٥٣ - مسألة: (فإن خَرَج منه شئٌ بعدَ وَضْعِه في أكْفانِه، لم يَعُدْ إلى الغَسْلِ) قال شيخُنا (١)، ﵀: لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، إذا كان الخارِجُ يَسِيرًا؛ لِما في إعادَةِ الغَسْلِ مِن المَشَقَّةِ الكَثِيرَةِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى إخْراجِه، وإعادَةِ غَسْلِه، وغَسْلِ أكْفانِه، وتَجْفِيفِها أو إبْدالِهَا، ثم لا يُؤْمَنُ مثلُ هذا في المَرَّةِ الثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ، فسَقطَ ذلك. ولا يَحْتاجُ أيضًا إلى إعادَةِ وُضوئِه، ولا غَسْلِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، دَفْعًا لهذه المَشَقَّةِ، ويُحْمَلُ بحالِه. وقد رُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ ابْنَةً له لمّا لُفَّتْ في أكفانِها، بَدَا منها شئٌ، فقالَ الشَّعْبِىُّ: ارْفَعُوا. وإن كان كَثِيرًا، فالظَّاهِرُ عنه أنَّه يُحْمَلُ أيضًا؛ لِما ذَكَرْنا. وعنه، أنَّه يُعادُ غَسْلُه، ويُطَهَّرُ كَفَنُهْ؛ لأنَّه يُؤْمَنُ مِثْلُه في الثَّانِى للتَّحَفُّظِ بالتَّلَجُّمِ والشَّدِّ.
стр. 2523
وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُلْبَسُ الْمَخِيطَ، وَلَا يُخَمَّرُ رَأسُهُ، وَلَا يُقْرَبُ طِيبًا.
ــ
٧٥٤ - مسألة: (ويُغَسَّلُ المُحْرِمُ بِماءٍ وسِدْرٍ، ولا يُلْبَسُ المَخِيطَ، ولا يُخَمَّرُ رَأْسُه، ولا يُقْرَبُ طِيبًا) إذا ماتَ المُحْرِمُ لم يَبْطُلْ
حُكْمُ إحْرامِه بمَوْتِه، ويُجَنَّبُ ما يُجَنَّبُه المُحْرِمُ مِن الطيبِ، وتَغْطيَةِ الرَّأْس، ولُبْسِ المَخِيطِ، وقَطْعِ الشَّعَرِ. رُوِىَ ذلك عن عثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عباسٍ. وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ. وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَبْطُلُ إحْرامُه بمَوْتِه، ويُصْنَعُ به ما يُصْنَعُ بالحَلالِ. ورُوِى ذلك عن عائشةَ، وابنِ عُمَرَ، وطاوُسٍ؛ لأنَّها عِبادَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فبَطَلَتْ بالمَوْتِ، كالصلاةِ والصيامِ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ رجلًا وَقصَه بَعِيرُه (١)، ونحن مع النبىِّ ﷺ ، فقال النبىُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِى ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا» (٢). وفى رِوايَةٍ: «مُلَبِّيًا». مُتَّفَقٌ عليه (٣). فإن قِيلَ: هذا خَاصٌّ له؛ لأنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا. قُلْنا: حُكْمُ النبىِّ ﷺ في واحِدٍ حُكْمُه في مِثْلِه، إلَّا أن
стр. 2524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَرِدَ تَخْصِيصُه، ولهذا ثَبَت حُكْمُه في شُهَداءِ أُحُدٍ، وفى سائِرِ الشُّهَداءِ.
قال أبو داود: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ: في هذا الحديثِ خَمْسُ سُنَنٍ؛ كَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، أى يُكَفَّنُ في ثَوْبَيْنِ. وأن يَكُونَ في الغَسَلاتِ كلِّها سِدْرٌ، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَه، ولا تُقَرِّبُوه طِيبًا، وكَوْنُ الكَفَنِ مِن جَمِيع المالِ. قال أحمدُ في مَوْضِعٍ: يُصَبُّ عليه الماءُ صَبًّا، ولا يُغَسَّلُ يُغَسَّلُ الحَلالُ.
وإنَّما كُرِه عَرْكُ رَأْسِه ومَواضِعِ الشَّعَرِ، كيلا يَنْقَطِعَ شَعَرُه.
فصل: واخْتُلِفَ عن أحمدَ في تَغْطِيَةِ وَجْهِه، فعنه، لا يُغَطَّى. نَقَلَها عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ؛ لأنَّ في بَعْضِ الحديثِ: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ». وعنه، لا بَأْسَ بتَغْطِيَةِ وَجْهِه. نَقَلَها عنه سائِرُ أصْحابِه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ المَذْكُورِ، فإنَّه أصَحُّ ما رُوِىَ فيه، وليس فيه سِوَى المَنْعِ مِن تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ. ولا يُلْبَسُ المَخِيطَ؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليه في حياتِه، فكذلك بعدَ المَوْتِ. واخْتُلِفَ عن أحمدَ أيضًا في تَغْطِيَةِ رِجْلَيْه، فرَوَى حَنْبَلٌ عنه: لا تُغَطَّى رِجْلاه. كذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
стр. 2525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الخَلَّالُ: لا أعْرِفُ هذا في الأحادِيثِ، ولا رَواه أحَدٌ عن أبِى عبدِ اللهِ غيرُ حَنْبَلٍ، وهو عندى وَهَمٌ (١) مِن حَنْبَلٍ، والعَمَلُ على أنَّه يُغَطَّى جَمِيعُ المُحْرِمِ، إلَّا رَأْسَه، ولأنَّ المُحْرِمَ لا يُمْنَعُ مِن تَغْطِيَةِ رِجْلَيْه في حَياتِه، فكذلك بعدَ مَوْتِه. فإن كان المَيِّتُ امرأةَ مُحْرِمَةً، أُلْبِسَتِ القَمِيصَ، وخُمِّرَتْ، كما تَفْعَلُ في حَياتِها، ولم تُقْرَبْ طِيبًا، ولم يُغَطَّ وَجْهُها؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليها في حَياتِها، فكذلك بعدَ مَوْتِها. فإن ماتَتِ المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها في عِدَّتِها، احْتَمَلَ أن لا تُطَيَّبَ؛ لأنَّهَا مَمْنُوعَةٌ حالَ حَياتها، واحْتَمَلَ أن تطَيَّبَ؛ لأنَّ التَّطَيُّبَ إنَّما حَرُمَ لكَوْنِه يَدْعُو إلى نِكاحِها، وقد زال بالمَوْتِ. وهو أصَحُّ. ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهان.