. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيها قَمِيصٌ ولا عِمامَةٌ. مُتَّفَقٌ عليه (١) وهو أصَحُّ حديثٍ يُرْوَى في كَفَنِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وعائشةُ أقْرَبُ إلى النبىِّ ﷺ وأعْرَفُ بأحْوالِه، ولهذا لمَّا ذُكِر لها قولُ النَّاسِ: إنَّ النبىَّ ﷺ كُفِّنَ في بُرْدٍ، قالت: قد أُتِىَ بالبُرْدِ، ولكنَّهم لم يُكَفِّنُوه فيه، فحَفِظَتْ ما أغْفَلَه غيرُها. وقالَتْ أيضًا: أُدْرِجَ رسولُ اللهِ ﷺ في حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كانت لعَبْدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ، ثم نُزِعَتْ عنه، فرَفَعَ عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ الحُلَّةَ، وقال: أُكَفَّنُ فيها. ثم قال: لم يُكَفَّنْ فيها رسولُ اللهِ ﷺ وأُكَفَّنُ فيها. فتَصَدَّقَ بها. رَواه مسلمٌ (٢). ولأنَّ حالَ الِإحْرَامِ أكْمَلُ أحْوالِ الحَىِّ، وهو لا يَلْبَسُ المَخِيطَ، فكذلك حالَةُ المَوْتِ. وأمَّا إلْباسُ النبىِّ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ قَمِيصَه، فإنَّما فَعَل ذلكَ تَكْرِمَةً لابْنِه عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ؛ لأنَّه كان سأله ذلك، ليَتَبَرَّكَ به أبوه، ويَنْدَفِعَ عنه العَذابُ ببَرَكَةِ قَمِيصِ رسولِ
اللهِ ﷺ . وقِيل: إنَّما فَعَل ذلك جَزاءً لعبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ عن كُسْوَتِه العباسَ قَمِيصَه يَوْمَ بَدْرٍ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَجْمِيرُ الأكْفانِ، وهوْ تَبْخِيرُها (٣) بالعُودِ، فيُجْعَلُ العُودُ على النَّارِ في مِجْمَرٍ، ثم يُبَخَّرُ به الكَفَنُ حتى تَعْبَقَ رائِحَتُه، ويَكُونُ ذلك بعدَ أن يُرَشَّ عليه ماءُ الوَرْدِ؛ لتَعْلَقَ به الرَّائِحَةُ. وقد رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «إذَا أجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأجْمِرُوهُ ثَلَالًا». رَواه الِإمامُ
стр. 2559
ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِيًا، وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا، وَيُجْعَلُ مِنْهُ فِى قُطْنٍ يُجْعَلُ مِنْهُ بَيْنَ ألْيَتَيْهِ، وَيُشَدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةٌ مَشْقُوقَة
الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ، تَجْمَعُ أَلْيتَيْهِ وَمثَانَتَهُ، ويجْعَلُ الْبَاقِى عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ، وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ، وَإنْ طُيِّبَ جَمِيعُ بَدَنِه كَانَ حَسَنًا،
ــ
أحمدُ (١). وأوْصَى أبو سعيدٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، أن تُجَمَّرَ أكْفانُهم بالعُودِ. ولأنَّ هذا عادَةُ الحَيِّ عندَ غُسْلِه، وتَجْدِيدِ ثِيابِه، أن تُجَمَّرَ بالطِّيبِ والعُودِ، فكذلك المَيِّتُ.
٧٦٦ - مسألة:. (ثم يُوضَعُ عليها مُسْتَلْقِيًا، ويُجْعَلُ الحَنُوطُ (٢) فيما بينَها، ويُجْعَلُ منه في قُطْن يُجْعَلُ بَيْنَ ألْيَتَيْه، ويُشَدُّ فوقَه خِرْقَة مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كالتُّبّانِ، تَجْمَعُ ألْيَتَيْه ومَثَانَتَه، ثم يُجْعَلُ الباقِى على مَنافِذِ وَجْهِه، ومَواضِعِ سُجُودِه، وإن طَيَّبَهَ كلَّه كان حَسَنًا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُوخَذَ أوْسَعُ اللَّفائِفِ وأحْسَنُها، فتُبْسطَ أوَّلًا،
стр. 2560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لتَظْهَرَ للنَّاسِ؛ لأنَّ هذا عادَةُ الحَىِّ، يَجْعَلُ الظَّاهِرَ أفْخَرَ ثِيابِه. ويَجْعَلُ عليها حَنُوطًا، ثم يَبْسُطُ الثانيةَ التى تَلِيها في الحُسْنِ والسَّعَةِ عليها، ويَجْعَلُ فوقَها حَنُوطًا وكافُورًا، ثم يَبْسُطُ فوقَها الثَّالِثَةَ، ويَجْعَلُ فوقَها حَنُوطًا وكافُورًا، ولا يَجْعَلُ على وَجْهِ العُلْيَا، ولا على النَّعْشِ شيئًا مِن الحَنُوطِ؛ لأنَّ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنةْ، قال: لا تَجْعَلُوا على أكْفانِى حَنُوطًا (١). ثم يُحْمَلُ المَيِّتُ مَسْتُورًا بثَوْبٍ فيُوضعُ عليها مُسْتَلْقِيًا؛ لأنَّه أمْكَنُ لإدْراجِه فيها، ويُجْعَلُ مِن الحَنُوطِ والكافورِ في قُطْنٍ، ويُجْعَلُ منه بينَ ألْيَتَيْه برِفْقٍ، ويُكْثِرُ ذلك ليَرُدَّ شيئًا إن خَرَج منه حينَ تَحْرِيكِه، ويُشَدُّ فوقَه خِرْقَةٌ مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كالتُّبّانِ، وهو السَّراوِيلُ
بلا أكْمامٍ، ليَجْمَعَ ألْيَتَيْه ومَثانَتَه، ويُجْعَلُ بَاقِى الطِّيبِ على مَنافِذِ وَجْهِه،
стр. 2561
ثُمَّ يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُرَدُّ طَرَفُهَا الْآخَرُ فَوْقَهُ، ثُمَّ يُفْعَلُ [٤٠ و] بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ
رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَعْقِدُهَا،
ــ
في فيه، ومَنْخَرِه، وعَيْنَيْه، لئَلَّا يَحْدُثَ منهنَّ حادِثٌ، وكذلك في الجِراحِ النَّافِذَةِ، ويُتْركُ منه على مَواضِعِ السُّجُودِ تَشْرِيفًا لهذه الأعْضاءِ المُخْتَصَّةِ بالسُّجُودِ، ويُطَيَّبُ رَأْسُه ولِحْيَتُه؛ لأنَّ الحَىَّ يَتَطَيَّبُ هكذا، وإن طَيَبّهَ كلَّه كان حَسَنًا.
٧٦٧ - مسألة: (ثم يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ العُلْيا على شِقه الأيْمَنِ، ثم يُرَدُّ طَرَفُها الآخَرُ على شِقِّه الأيسَرِ) وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك، لئَلَّا يَسْقُطَ عنه الطَّرَفُ الأيمَنُ إذا وُضِع على يَمِينِه في القَبْرِ (ثم يُفْعَلُ بالثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ كذلك، ويُجْعَلُ ما عندَ رَأْسِهِ أكْثَرَ مِمّا عندَ رِجْلَيْه) لأنَّه أحَقُّ بالسَّتْرِ مِن رِجْلَيْه، فالاحْتِيَاطُ لسَتْرِه بتَكْثِيرِ ما عندَه أوْلَى، ثم يَجْمَعُ ما فَضَل [عندَ رَأْسِه ورِجْلَيْه] (١)، فيَرُدُّه عندَ رَاسِه ورِجْلَيْه، وإن خاف انْتِشَارَها عَقَدَها، فإذا وَضَعَه في قَبْرِه حَلَّها؛ لأنَّ عَقْدَ هذا إنَّما كان للخَوْفِ مِن
стр. 2562
وَتُحَلُّ الْعُقَدُ فِى الْقَبْرِ، وَلَا يُخْرَقُ الْكَفَنُ.
ــ
انْتِشارِها. وقد أُمِن بِدَفْنِه. وقد رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنَّه لمَّا أدْخَلَ نُعَيْمَ ابنَ مسعودٍ الأشْجَعِىَّ القَبْرَ، نَزَع الأخِلَّةَ بفِيه (١). وعن ابنِ مسعودٍ، وسَمُرَةَ نَحْوُه (ولا يُخْرَقُ الكَفَنُ) لأنَّه إفْسَادٌ له.
فصل: وتُكْرَهُ الزِّيادَةُ في الكَفَنِ على ثَلاثَةِ أثْوابٍ، لِما فيه مِن إضاعَةِ المالِ، وقد نَهَى عنه ﵇. ويَحْرُمُ تَرْكُ شئ مع المَيِّتِ مِن مالِه لغيرِ حاجَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا، إلَّا مثلَ ما رُوِى عن النبىِّ ﷺ أنَّه تُرِكَ تَحْتَه
стр. 2563
وَإنْ كُفِّنَ فِى قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ، جَازَ.
ــ
قَطِيفَةٌ في قَبْرِه (١). فإن تُرِكَ نَحوُه فلا بَأْسَ.
٧٦٨ - مسألة: (وإن كُفّنَ في قَمِيصٍ ومِئْزَرٍ ولِفافَةٍ، جاز) التَّكْفِينُ في القَمِيصِ واللِّفافَةِ والمِئْزَرِ جائِرٌ، إلَّا أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ، وهذا جائِزٌ لا كَرَاهَةَ فيه، فإنَّ النبىَّ ﷺ ألْبَسَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَى قَمِيصَه لمَّا مات. رَواه البخاريُّ (٢). فيُؤْزَرُ بالمِئْزَرِ، ويُلْبَسُ القَمِيصَ، ثم يُلَفُّ باللِّفافَةِ بعدَ ذلك. وقال أحمدُ: إن جَعَلُوه قَمِيصًا، فأحبُّ إلىَّ أن يَكُونَ مثلَ قَمِيصٍ له كُمَّان وتَخارِيصان (٣) وأزْرارٌ، ولا يُزَرُّ عليه القَمِيصُ.
فصل: قال أبو داودَ: قُلْتُ لأحمدَ: يَتَّخِذُ الرجلُ كَفَنه يُصَلِّى فيه أيَّامًا. أو قُلْتُ: يُحْرِمُ فيه، ثم يَغْسِلُه ويَضَعُه لكَفَنِه؟ فَرَآه حَسَنًا. قال: يُعْجِبُنِى أن يَكُونَ جَدِيدًا أو غَسِيلًا. وكَرِه أن يَلْبَسَه حتى يُدَنِّسَه.
فصل: ويَجُوزُ التَّكْفِينُ في ثَوْبَيْنِ، لقَوْلِ النبي ﷺ في المُحْرِمِ الذى
стр. 2564
وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِى خَمْسَةِ اثوَابٍ، إِزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ.
ــ
وَقَصَتْه دَابَّتُه: «وَكَفِّنُوهُ فِى ثَوْبَيْنِ». رَواه البخارىُّ (١).
٧٦٩ - مسألة: (وتُكَفَّنُ المرأةُ في خَمْسَةِ أثوابٍ، إزارٍ، وخِمارٍ، وقَمِيصٍ، ولِفافَتَيْن) قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ يَرَى أن تُكَفَّنَ المرأةُ في خَمْسَةِ أثْوابٍ. منهم الشَّعْبِىُّ، ومحمدُ بنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزَاعيُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وكان عَطاءٌ يَقُولُ: تُكَفَّنُ في ثَلَاثةِ أثْوابٍ، دِرْعٍ، وثَوْبٍ تحتَ الدِّرْعِ تُلَفُّ به، وثَوْبٍ فوقَه تُلَفُّ فيه (٢). وقال سُلَيْمانُ بنُ موسى (٣):
стр. 2565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دِرْعٌ وخِمارٌ ولِفافَةٌ (١). والصَّحِيحُ الأوَّلُ. وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك، لأنَّ المرأةَ تَزِيدُ في حالِ حَيَاتِها على الرجلِ في السَّتْرِ لزيادَةِ عَوْرَتِها على عَوْرَتِه، فكذلك بعدَ المَوْتِ، ولمَّا كانت تَلْبَسُ المَخِيطَ في إحْرامِها. وهو أكْمَلُ أحْوالِ الحِىِّ، اسْتُحِبَّ إلْباسُها إيَّاهُ بعدَ مَوْتِها، بخِلافِ الرجلِ، وقد روَى أبو داودَ (٢)، بإسْنادِه عن لَيْلَى بنتِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةِ، قالت: كُنْتُ في مَن غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومِ بِنْتَ رسولِ اللهِ ﷺ عندَ وفاتِها، فكان أوَّلُ ما أعْطانا الحِقاءَ (٣)، ثم الدِّرْعَ، ثم الخِمارَ، ثم المِلْحَفَةَ (٤)،
стр. 2566
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم أُدْرِجَتْ بعدَ ذلك في الثَّوْبِ الآخَرِ. قالت: ورسولُ الله ﷺ عندَ البابِ معه كَفَنُها، يُناوِلُناها ثَوْبًا ثَوْبًا. وَرَوَتْ امُّ عَطِيَّةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ ناوَلَها إزارًا، ودِرْعًا، وخِمارًا، وثَوْبَيْنِ (١).
فصل: قال أحمدُ: يكَفَّنُ الصبِىُّ في خِرْقَةٍ، وإن كُفِّنَ في ثَلاثَةٍ فلا بَأسَ. وكذلك قال إسحاقُ، ونَحْوَه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والثَّوْرىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ، وغيرُهم. لا اخْتِلافَ بينَهم في أنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُه، وإن كُفِّنَ في- ثَلَاثةٍ فلا بَأسَ.
فصل: قال المَرُّوذِىُّ: سَألتُ أبا عبدِ اللهِ: في كم تُكَفَّنُ الجارِيَةُ إذا لم تَبْلُغْ؟ قال: في لِفَافَتَيْن، وقَمِيصٍ، لا خِمارَ فيه. وكَفَّنَ ابنُ سِيرِينَ
стр. 2567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِنْتًا له قد أعْصَرَتْ، أى قارَبَتِ المَحِيضَ في قمِيصٍ ولِفافَتَيْن. ورُوِىَ في بَقِيرٍ ولِفَافَتَيْن (١). قال أحمدُ: البَقيرُ القَمِيصُ الذى ليس له كُمَّان.
والحَدُّ الذى تَصِيرُ به الجارِيَةُ في حُكْمِ المرأةِ في الكَفَنِ هو البُلُوغُ. هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمارٍ» (٢). مَفْهُومُه أنَّ غيرَها لا تَحْتاجُ إلى خِمارٍ في صلاتِها، كذلك في كَفَنِها. وروَى عن أحمدَ أكثَرُ أصحابِه: إذا كانت بِنْتَ تِسْعٍ يُصْنَعُ بها ما يُصْنَعُ بالمرأةِ. واحْتَجَّ بأنَّ النبىَّ ﷺ دَخَل بعائشةَ وهى بِنْتُ تِسْعٍ (٣). وقالت عائشةُ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعًا فهى امرأةٌ (٤).
فصل: قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنى أن تُكَفَّنَ في شئٍ مِن الحَرِيرِ. وكَرِه ذلك الحسنُ، وابنُ المُبارَكِ، وإسحاقُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أحْفَظُ
стр. 2568
وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَستُرُ جَمِيعَهُ.
ــ
عن غَيْرِهم خِلافَهم. وفى جَوازِ تَكْفِينِ المرأةِ بالحَرِيرِ احْتِمالانِ، أحَدُهما، الجَوازُ. وهو أقْيَسُ، لأنَّه مِن لُبْسِها في حَياتِها. والثَّانِى، المَنْعُ. لأنَّها إنَّما تَلْبَسُه في حَياتِها، لأنَّها مَحَلٌّ للزِّينَةِ والشَّهوةِ، وقد زال ذلك. وعلى كلِّ حالٍ فهو مَكْروهٌ. وكذلك يُكْرَهُ تَكْفِينُها بالمُعَصْفَرِ، ونَحْوِه، لِما ذَكَرْنا. قال الأوْزاعِىُّ: لا يُكَفَّنُ في الثِّيابِ المُصْبَغَةِ، إلَّا ما كان مِن العَصْبِ؛ يَعْنِى ما صُنِع بالعَصْبِ، وهو نَبْتٌ باليَمَنِ (١).
فصل: وإن أحَبَّ أهلُ المَيِّتِ أن يَرَوْه لَمْ يُمْنَعُوا؛ لِما روَى جابرٌ، قال: لمّا قُتِل أبى جَعَلْتُ أكْشِفُ الثَّوْبَ عن وَجْهِه وأبكِى، والنبىُّ ﷺ لا يَنْهاني (٢). وقالت عائشةُ: رَأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ عثمانَ بنَ
مَظْعُونٍ وهو مَيِّتٌ، حتى رَأيتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ (٣). والحَدِيثان صَحِيحان.
٧٧٠ - مسألة: (والواجِبُ مِن ذلك ثَوْبٌ يَستُرُ جَمِيعَه) لِما رَوَتْ
стр. 2569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُمُّ عَطِيَّةَ، قالَتْ: لمّا فَرَغْنا، يَعْنِى مِن غَسْلِ ابْنَةِ النبىِّ ﷺ ، ألْقَى إلينا حَقْوَه، فقال: «أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ». ولم يَزِدْ على ذلك. رَواه البخارىُّ (١). وقال: مَعْنى أشْعِرْنَها. الْفُفْنَها فيه. ولأنَّ العَوْرَةَ المُغَلَّظَةَ يُجْزِئُ في سَتْرِها ثَوْبٌ واحِدٌ، فكَفَنُ المَيِّتِ أوْلَى. وهذا وَجْهٌ لأصحابِ الشافعىِّ. وظاهِرُ مَذْهَبِهم أنَّ الواجِبَ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ، كالحَىِّ. وقال القاضى: لا يُجْزِئُ للقادِرِ أقَلُّ مِن ثَلَاثةِ أثْوابٍ. ورُوِىَ نَحْوُه عن عائشةَ.
قال: لأنَّه لو أجْزَأ أقَلُّ منها، لم يَجُزِ التَّكْفِينُ بها في حَقِّ مَن له أيْتَامٌ، احْتِياطًا لهم. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. وما احْتَجَّ به القاضى لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَجُوزُ التَّكْفِينُ بالحَسَنِ مع حُصُولِ الِإجْزاءِ بما دُونَه.
فصل: فإن لم يَجِدْ ثَوْبًا يَسْتُرُ جَمِيعَه، سَتَر رَأْسَه، وجُعِلَ على رِجْلَيْه حَشِيشٌ أو وَرَقٌ، كَما رُوِىَ عن مُصْعَبٍ، أنَّه قُتِل يَوْمَ أُحُدٍ، فلم يُوجَدْ له شئٌ يُكَفَّنُ فيه، إلَّا نمِرَةً (٢)، فكانت إذا وُضِعَتْ على رَأْسِه بَدَتْ رِجْلاه، وإذا وُضِعَتْ على رِجْلَيْه خَرَج رَأْسُه، فأمَرَ النبىُّ ﷺ أن يُغَطَّى
стр. 2570
فَصْلٌ فِى الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ:
ــ
رَأْسُه، ويُجْعَلَ على رِجْلَيْه الِإذْخِرُ (١). رَوَاه البخارىُّ (٢). فإن لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ سَتَرَها، كحالِ الحَياةِ. فإن كَثُر القَتْلَى، وقَلَّتِ الأكْفانُ، كُفِّنَ الرَّجُلانِ (٣) والثَّلاثَةُ في الثَّوْبِ الواحِدِ. قال أنَسٌ: كَثُر القتْلَى، وقَلَّتِ الثِّيابُ، يَعْنِى يَوْمَ أُحُدٍ، قال: فَكُفِّنَ الرَّجُلُ والرَّجُلان والثَّلاثَةُ في الثَّوْبِ الواحِدِ، ثم يُدْفَنُون في قَبْرٍ واحِدٍ. رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (٤)، وهذا لَفْظُه، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
فصلٌ في الصَّلاةِ على الميِّتِ: والصلاةُ على المَيِّتِ فَرْضُ
وَيُكَبِّرُ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، يَقْرأُ في الأولَى الْفَاتِحَةَ، ويُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ في الثَّانِيَةِ ,
ــ
٧٧٣ - مسألة: (ثم يُكَبِّرُ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، يَقْرأُ في الأُولَى الفاتِحَةَ، ويُصَلِّى على النبىِّ ﷺ في الثانِيَةِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ التَّكْبِيرَ على الجنازَةِ أرْبَعٌ، لا يَجُوزُ النَّقْصُ منها، ولا تُسَنُّ الزِّيادَةُ عليها؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ كَبَّرَ على النَّجاشِىِّ أرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عليه (١). فيُكَبِّرُ الأولَى، ثم يَسْتَعِيذُ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. وقال القاضى: يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن، كالاسْتِفْتاحِ.
ويَقْرَأُ الحَمْدَ، يَبْتَدِئُها بـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»، كسائِرِ الصَّلَواتِ. ولا يُسَنُّ الاسْتِفْتاحُ، في المَشْهُورِ عنه. قال أبو داودَ:
سَمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن الرجلِ يَسْتَفْتِحُ الصلاةَ على الجِنازَةِ بـ «سُبْحانَكَ
стр. 2581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللَّهُمَّ وبحَمْدِك»؟ قال: ما سَمِعْتُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: كان الثَّوْرِىُّ يَسْتَحِبُّ أن يَسْتَفْتِحَ في صلاةِ الجِنازَةِ، ولم نَجِدْه في كُتُبِ سائِرِ أهلِ العِلْمِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ مثلُ قَوْلِ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّ الاسْتِعاذَةَ فيها مَشْروعَةٌ، فسُنَّ فيها الاسْتِفْتاحُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ. ولَنا، أنَّ صلاةَ الجِنازَةِ شُرِع فيها التَّخْفِيفُ، ولهذا لا يُقْرَأُ فيها بعدَ الفاتِحَةِ بشئٍ، وليس فيها ركُوعٌ ولا سُجودٌ. فأمَّا التَّعَوّذُ فهو سُنَّةٌ للقراءَةِ مُطْلَقًا في الصلاةِ وغيرِها؛ لقَوْلِ الله تِعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). ولأصحابِ الشافعىِّ في الاسْتِعاذَةِ والاسْتِفْتاحِ وَجْهان.
فصل: وقِراءَةُ الفاتِحَةِ واجِبَةٌ في صلاةِ الجِنازَةِ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عباس. وهو قولُ الشافعىِّ، وإسحاقَ. وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ،
стр. 2582
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يَقْرَأُ فيها بشئٍ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ قال: إنَّ النبىَّ ﷺ لم يُوَقِّتْ فيها قَوْلًا ولا قِراءَةً. ولأنَّ ما لا رُكُوعَ فيه لا قِراءَةَ فيه، كسُجُودِ التِّلاوَةِ. ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ شَرِيكٍ، قالت: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَقْرَأَ على الجنازَةِ بفاتِحَةِ الكِتابِ. رَواه ابنُ ماجه (١). وعن جابِر، أنَّ النبىَّ ﷺ كَبَّرَ على الجِنازَةِ أرْبعًا، وقَرَأ بفاتِحَةِ الكِتاب بعدَ التَّكْبِيرَةِ الأولَى. رُواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِهِ» (٢). ثم هو داخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِه ﵇: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ (٣) يَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» (٤).
ولأنَّها صلاةٌ يَجِبُ فيها القِيامُ، فوَجَبَتْ فيها القِراءَةُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
وحديثُ ابنِ مسعودٍ، إن صَحَّ، فإنَّمَا قال: لم يُوَقِّتْ. أى لم يُقَدِّرْ.
ولا يَدُلّ هذا على نَفْىِ أصْلِ القِراءَةِ، وقد روَى عنه ابنُ المُنْذِرِ، أنَّه قَرِأَ على جِنازَةٍ بفاتِحَةِ الكِتابِ. ثم لا يُعارِضُ ما رَويْنَاه؛ لأنَّه نَفْىٌ مُقَدَّمٌ عليه الِإثْباتُ، وفارَقَ سُجُودَ التِّلاوَةِ، فإنَّه لا قِيامَ فيه، والقِراءَةُ مَحَلُّها القِيامُ. ويُسْتَحَبُّ إسْرارُ القِراءَةِ والدُّعاءِ والصلاةِ على النبىِّ ﷺ
стр. 2583
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيها. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، ولا يَقْرأُ بعدَ الفاتِحَةِ شيئًا. وقد رُوِىَ عن ابن عباس، أنَّه جَهَر بفاتِحَةِ الكِتابِ في صلاةِ الجِنَازَةِ (١)، قال أحمدُ: إنَّما جَهَر ليُعَلِّمَهم.
فصل: ويُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ، ويُصَلِّى على النبىِّ ﷺ ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عباس، أنَّه صَلَّى على جِنازَةٍ بمَكَّةَ فَكَبَّرَ، ثم قَرَأ وجَهَر، وصَلَّى على النبى ﷺ ، ثم دَعا لصاحِبِها (٢) فأحْسَنَ، ثم انْصَرَفَ، وقال: هكذا يَنْبَغِى أن تَكُونَ الصلاةُ. على الجِنازَةِ (٣). وعن أبى أُمامَةَ بنِ سَهْلٍ، أنَّه أخْبَرَه رجلٌ مِن أصحابِ النبىِّ ﷺ أنَّ مِن السُّنَّةِ في الصلاةِ على الجِنازَةِ أن يُكَبِّرَ الإمامُ، ثم يَقْرَأَ بفاتِحَةِ الكِتابِ بعدَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى، يَقْرَأَ في نَفْسِه، ثم يُصَلِّىَ على النبىِّ ﷺ ، ويُخْلِصَ الدُّعاءَ للجِنازَةِ في التَّكْبِيراتِ، لا يَقْرأُ في شئٍ مِنهُنَّ، ثم يُسَلِّمَ سِرًّا في نَفْسِه، رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» (٤). وصِفَةُ الصلاةِ على النبىِّ ﷺ كصِفَةِ الصلاةِ عليه في
стр. 2584
ويَدْعُو فِى الثَّالِثَةِ ,
ــ
التَّشَهُّدِ. نَصَّ عليه أحمدُ: وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لمّا سَألُوه: كيف نُصَلِّى عليك؟ عَلَّمَهم ذلك (١). وإن أتَى بها على غيرِ صِفَةِ التَّشَهُّدِ فلا بَأْسَ؛ لأنَّ القَصْدَ مُطْلَقُ الصلاةِ. وقال القاضى، يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مَلائِكَتِك المُقَرَّبِين (٢)، وأنْبِيائِك والمُرْسَلِين، وأهلِ طاعَتِك أجْمَعِين، مِن أهلِ السّماواتِ وأهْلِ الْأَرَضِين، إنَّك على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ. لأنَّ أحمدَ قال، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: يُصَلِّى على النبىِّ ﷺ , ويُصَلِّى على المَلائِكَةِ المُقَرَّبِين.
٧٧٤ - مسألة: (ويَدْعُو في) التَّكْبِيرَةِ (الثّالِثَةِ) لقولِ النبىِّ ﷺ : «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى المَيِّتِ فَأخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ». رَواه أبو
стр. 2585
فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا؛ إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ ,اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ منَّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ والسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا , [٤٠ ظ]
ــ
داودَ (١). والدُّعاءُ هاهُنا واجِبٌ، لهذا الحديثِ، ولأنَّه المَقْصُودُ، فلا يَجُوزُ الِإخْلالُ به، ويَكْفِى أَدْنَى دُعاءٍ لهذا الحديثِ: قال أحمدُ: ليس على المَيِّتِ دُعاءٌ مُؤَقَّتٌ. والأَوْلَى أن يَدْعُوَ لنَفْسِه ولوالِدَيْه وللمَيِّتِ وللمُسْلِمِين بما رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ , فرَوَى أبو إبراهيمَ الأشْهَلِىُّ، عن أبِيه، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا صَلَّى على الجِنازَةِ، قال: («اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا»). قال التِّرْمِذِىُّ (٢): هذا حديثٌ حسن صحِيحٌ. وروَى أبو داودَ (٣)، عن أبى هُرَيْرَةَ مثلَ حديثِ أبى إبراهيمَ، وزاد: («اللَّهُمَّ مَنْ أحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأحْيِهِ عَلَى) الْإِيمَانِ، (وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ) عَلَى الإسْلامِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلَا
وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلاً , وَيُسَلِّمُ تَسْليمَةً واحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ ,
ــ
٧٧٦ - مسألة: (ثم يَقِفُ بعدَ الرّابِعَةِ قَلِيلًا، ويُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً عن يَمِينِه) ظاهِرُ كَلامِ شيخِنا (١)، ﵀، أنَّه لا يَدْعُو بعدَ الرّابِعَةِ.
نَقَل ذلك عن أحمدَ جَماعَةٌ مِن أصحابِه، أنَّه قال: لا أعْلَمُ فيه شيئًا، لأنَّه لو كان فيه دُعاءٌ مَشْرُوعٌ لنُقِلَ. وعن أحمدَ أنَّه يَدْعُو، ثم يُسَلِّمُ، لأنَّه قِيامٌ في صلاةِ الجِنازَةِ، فكان فيه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، كالذى قبلَ الرَّابِعَةِ. قال ابنُ أبى موسى، وأبو الخَطَّابِ: يَقُولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) وقِيلَ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنا أجْرَه، ولا تَفْتِنَّا بعدَه، واغْفِرْ لنا وله. والخِلافُ هاهُنا في الاسْتِحْبابِ، ولا خِلافَ في المَذْهَبِ أنَّه غيرُ واجِبٍ. وقد روَى الجُوزَجَانِىُّ،
стр. 2591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ ﷺ كان يُكَبِّرُ أرْبَعًا، ثم يَقُولُ ما شاء اللهُ، ثم يَنْصرِفُ (١). قال الجُوزَجَانِىّ: أحْسَبُ هذه الوَقْفَةَ ليُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فإنَّ الِإمامَ إذا كبَّرَ ثم سَلَّمَ، خِفْتُ أن يَكُونَ تَسْلِيمُه قبلَ أن يُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فإن كان هكذا فاللهُ المُوَفِّقُ له، وإن كان غيرَ ذلك فإنى أبرَأُ إلى اللهَ مِن أن أتَأوَّلَ على رسولِ اللهَ ﷺ أمرًا لم يُرِدْه، أو أراد خِلافَه.
стр. 2592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والتَّسْلِيمُ واجِبٌ فيها؛ لقَوْلِه ﵇: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (١). والسُّنَّةُ أن يُسَلِّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةً واحِدَةً. قال أحمدُ: التَّسْلِيمُ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةٌ واحِدَةٌ، عن سِتَّةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وليس فيها اخْتِلافٌ إلَّا عن إبراهيمَ. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، وابنِ أبى أوْفَى، وواثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ. وبه قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ،
стр. 2593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأبو أُمَامَةَ بنُ سَهْلٍ (١)، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وإبراهيمُ النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ (٢)، وابنُ المُبارَكِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىِّ وإسحاقُ. قال ابنُ المُبارَكِ: مَن سَلَّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَتَيْن فهو جاهِلٌ جاهِلٌ. واخْتارَ القاضى أنَّ المُسْتَحَبَّ تَسْلِيمَتان، ووَاحِدَةٌ تُجْزِئُ. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، قِياسًا على سائِرِ الصَّلَواتِ.
ولَنا، ما روَى عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ، أنَّ النبىَّ ﷺ سَلَّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةً واحِدَةً (٣). رَواه الجُوزَجَانِىُّ. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا. واخْتِيارُ القاضى في هذه المَسْألةِ
مُخالِفٌ لقَوْلِ إمامِه وأصحابِه، ولِإجْماعِ الصحابةِ والتَّابِعِين، رَحْمَةُ الله عليهم. ويُسْتَحَبُّ أن يُسَلِّمَهَا عن يَمِينه، وإن سَلَّمَ تِلْقاءَ وَجْهِه فلا بَأْسَ.
وسُئِل أحمدُ: يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وجْهِه؟ قال: كلُّ هذا جائِزٌ، وأكثَرُ ما رُوِىَ فيه عن يَمِينه. قِيلَ: خُفْيَةً؟ قال: نعم. يَعْنِى أنَّ الكلَّ جائِزٌ، والتَّسْلِيمُ عن يَمِينه أوْلَى، لأنَّه أكثَرُ ما رُوِىَ، وهو أشْبَهُ بسائِرِ الصَّلَواتِ. قال
стр. 2594
وَيَرْفَعُ يَدَيهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
ــ
أحمدُ: يَقُولُ: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ. وروَى عنه علىُّ بنُ سعيدٍ، أنَّه قال: إذا قال: السَّلامُ عليكم. أجْزَأه. وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى على يَزِيدَ بنِ المُكَفِّفِ، فَسَلِّمَ واحِدَةً عن يَمِينِه: السَّلَامُ عليكم (١).
فصل: ورُوِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: إذا صَلَّيْتَ فلا تَبْرَحْ مُصَلَّاكَ حتى تُرْفَعَ. قال: ورَأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ لا يَبْرَحُ مُصَّلاه، إذا صلَّى على جِنازَةٍ حتى يَراها على أيْدِى الرِّجالِ. قال الأوْزاعِىُّ: لا تُنْقَضُ الصُّفُوفُ حتى تُرْفَعَ الجِنازَةُ.
٧٧٧ - مسألة: (ويَرْفَعُ يَدَيْه مع كلِّ تَكْبِيرَةٍ) أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ علِى أنَّ المُصَلِّىَ على الجِنازَةِ يَرْفعُ يَدَيْه في التَّكْبِيرَةِ الأولَى، ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ يَدَيْه في كُلِّ تَكْبِيرَةٍ. يُرْوَى ذلك. عن سالِمٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٍ، وقَيْسِ بنِ أبِى حازِمٍ (٢)، والزُّهْرِىِّ، وإسحاقَ، وابنِ
стр. 2595
وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ , الْقِيَامُ , والتَّكْبِيراتُ , وَالْفَاتِحَةُ , والصَّلاةُ عَلَى النَّبىِّ ﷺ , وَأدْنَى دُعَاءٍ لِلميِّتِ , وَالسَّلامُ.
ــ
المُنْذِرِ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ. وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَرْفَعُ يَدَيْه إلَّا في الأُولَى؛ لأنَّ كلَّ تَكْبِيرَةٍ مَقامُ رَكْعَةٍ، ولا تُرْفَعُ الأَيْدِى في جَمِيعِ الرَّكَعاتِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْه في كلِّ تَكْبِيرَةٍ (١). رَواه. ابنُ أبى موسى. وعن ابنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، أنَّهُما كانا يَفْعَلان ذلك. ولأنَّها تَكْبِيرَةٌ حالَ الاسْتِقْرارِ، أشْبَهَتِ الأُولَى، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَحُطُّ يَدَيْه إذا رَفَعَهما عندَ انْقِضاءِ التَّكْبِيرَةِ، ويَضَعُ يَدَه اليُمْنَى على اليُسْرَى، كما في
بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ. وفيما روَى ابنُ أبى موسى، أنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى على جِنازَةٍ، فوَضَعَ يَمِينَه على شِمالِه (٢).
٧٧٨ - مسألة: (والواجِبُ مِن ذلك، التَّكْبِيراتُ، والقِيامُ و) قِراءَةُ (الفاتِحَةِ، والصلاةُ على النبى ﷺ ، وأدْنَى دُعاءٍ للمَيِّتِ،