. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ ﷺ كان يُكَبِّرُ أرْبَعًا، ثم يَقُولُ ما شاء اللهُ، ثم يَنْصرِفُ (١). قال الجُوزَجَانِىّ: أحْسَبُ هذه الوَقْفَةَ ليُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فإنَّ الِإمامَ إذا كبَّرَ ثم سَلَّمَ، خِفْتُ أن يَكُونَ تَسْلِيمُه قبلَ أن يُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ، فإن كان هكذا فاللهُ المُوَفِّقُ له، وإن كان غيرَ ذلك فإنى أبرَأُ إلى اللهَ مِن أن أتَأوَّلَ على رسولِ اللهَ ﷺ أمرًا لم يُرِدْه، أو أراد خِلافَه.
стр. 2592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والتَّسْلِيمُ واجِبٌ فيها؛ لقَوْلِه ﵇: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (١). والسُّنَّةُ أن يُسَلِّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةً واحِدَةً. قال أحمدُ: التَّسْلِيمُ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةٌ واحِدَةٌ، عن سِتَّةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وليس فيها اخْتِلافٌ إلَّا عن إبراهيمَ. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، وابنِ أبى أوْفَى، وواثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ. وبه قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ،
стр. 2593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأبو أُمَامَةَ بنُ سَهْلٍ (١)، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وإبراهيمُ النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ (٢)، وابنُ المُبارَكِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىِّ وإسحاقُ. قال ابنُ المُبارَكِ: مَن سَلَّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَتَيْن فهو جاهِلٌ جاهِلٌ. واخْتارَ القاضى أنَّ المُسْتَحَبَّ تَسْلِيمَتان، ووَاحِدَةٌ تُجْزِئُ. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، قِياسًا على سائِرِ الصَّلَواتِ.
ولَنا، ما روَى عَطَاءُ بنُ السَّائِبِ، أنَّ النبىَّ ﷺ سَلَّمَ على الجِنازَةِ تَسْلِيمَةً واحِدَةً (٣). رَواه الجُوزَجَانِىُّ. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا. واخْتِيارُ القاضى في هذه المَسْألةِ
مُخالِفٌ لقَوْلِ إمامِه وأصحابِه، ولِإجْماعِ الصحابةِ والتَّابِعِين، رَحْمَةُ الله عليهم. ويُسْتَحَبُّ أن يُسَلِّمَهَا عن يَمِينه، وإن سَلَّمَ تِلْقاءَ وَجْهِه فلا بَأْسَ.
وسُئِل أحمدُ: يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وجْهِه؟ قال: كلُّ هذا جائِزٌ، وأكثَرُ ما رُوِىَ فيه عن يَمِينه. قِيلَ: خُفْيَةً؟ قال: نعم. يَعْنِى أنَّ الكلَّ جائِزٌ، والتَّسْلِيمُ عن يَمِينه أوْلَى، لأنَّه أكثَرُ ما رُوِىَ، وهو أشْبَهُ بسائِرِ الصَّلَواتِ. قال
стр. 2594
وَيَرْفَعُ يَدَيهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
ــ
أحمدُ: يَقُولُ: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ. وروَى عنه علىُّ بنُ سعيدٍ، أنَّه قال: إذا قال: السَّلامُ عليكم. أجْزَأه. وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى على يَزِيدَ بنِ المُكَفِّفِ، فَسَلِّمَ واحِدَةً عن يَمِينِه: السَّلَامُ عليكم (١).
فصل: ورُوِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: إذا صَلَّيْتَ فلا تَبْرَحْ مُصَلَّاكَ حتى تُرْفَعَ. قال: ورَأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ لا يَبْرَحُ مُصَّلاه، إذا صلَّى على جِنازَةٍ حتى يَراها على أيْدِى الرِّجالِ. قال الأوْزاعِىُّ: لا تُنْقَضُ الصُّفُوفُ حتى تُرْفَعَ الجِنازَةُ.
٧٧٧ - مسألة: (ويَرْفَعُ يَدَيْه مع كلِّ تَكْبِيرَةٍ) أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ علِى أنَّ المُصَلِّىَ على الجِنازَةِ يَرْفعُ يَدَيْه في التَّكْبِيرَةِ الأولَى، ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ يَدَيْه في كُلِّ تَكْبِيرَةٍ. يُرْوَى ذلك. عن سالِمٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٍ، وقَيْسِ بنِ أبِى حازِمٍ (٢)، والزُّهْرِىِّ، وإسحاقَ، وابنِ
стр. 2595
وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ , الْقِيَامُ , والتَّكْبِيراتُ , وَالْفَاتِحَةُ , والصَّلاةُ عَلَى النَّبىِّ ﷺ , وَأدْنَى دُعَاءٍ لِلميِّتِ , وَالسَّلامُ.
ــ
المُنْذِرِ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ. وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَرْفَعُ يَدَيْه إلَّا في الأُولَى؛ لأنَّ كلَّ تَكْبِيرَةٍ مَقامُ رَكْعَةٍ، ولا تُرْفَعُ الأَيْدِى في جَمِيعِ الرَّكَعاتِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْه في كلِّ تَكْبِيرَةٍ (١). رَواه. ابنُ أبى موسى. وعن ابنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، أنَّهُما كانا يَفْعَلان ذلك. ولأنَّها تَكْبِيرَةٌ حالَ الاسْتِقْرارِ، أشْبَهَتِ الأُولَى، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَحُطُّ يَدَيْه إذا رَفَعَهما عندَ انْقِضاءِ التَّكْبِيرَةِ، ويَضَعُ يَدَه اليُمْنَى على اليُسْرَى، كما في
بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ. وفيما روَى ابنُ أبى موسى، أنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى على جِنازَةٍ، فوَضَعَ يَمِينَه على شِمالِه (٢).
٧٧٨ - مسألة: (والواجِبُ مِن ذلك، التَّكْبِيراتُ، والقِيامُ و) قِراءَةُ (الفاتِحَةِ، والصلاةُ على النبى ﷺ ، وأدْنَى دُعاءٍ للمَيِّتِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَيَأْتِى. ولا يُجْزِئُ أن يصلِّىَ على الجِنازَةِ راكِبًا؛ لأنَّه يُفَوِّتُ القِيامَ الواجِبَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُصَفَّ في الصلاةِ على الجِنازَةِ ثَلَاثةُ صُفُوفٍ؛ لِما روَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِه، عن مالكِ بنِ هُبَيْرَةَ، وكانت له صُحْبَةٌ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أوْجَبَ».
قال: فكان مالكُ بنُ هُبَيْرَةَ إذا اسْتَقَلَّ أهلَ الجِنازَةِ جَزَأهم ثَلاثَةَ أجْزاءٍ.
قال التِّرْمِذِىُّ (١): هذا حديثٌ حسنٌ. قال أحمدُ: أُحِبُّ إذا كان فيهم قِلَّةٌ
стр. 2598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يَجْعَلَهم ثَلاثَةَ صُفُوفٍ. قِيلَ له: فإن كان وراءَه أرْبَعَةٌ؟ قال: يَجْعَلُهم صفَّيْن، في كلِّ صَفٍّ رَجُلَيْن. وكَرِه أن يَكُونَ في صَفٍّ رجلٌ واحِدٌ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ أنَّ عَطَاءَ بنَ أبى رَباحٍ روَى، أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى على جِنازَةٍ، فكانُوا سَبْعَةً، فجَعَلَ الصَّفَّ الأوَّلَ ثَلاثَةً، والثّانِىَ اثْنَيْنِ، والثّالِثَ واحِدًا. قال ابنُ عَقِيل: ويُعايَى (١) بها، فيُقالُ: أين تَجِدُون فذًّا، انْفِرادُه أفْضَلُ؟ قال شيخُنا (٢): ولا أحْسَبُ هذا الحَديثَ صَحِيحًا، فإنَّنى لم أرَه في غيرِ كتابِ ابنِ عَقِيلٍ، وقد صار أحمدُ إلى خِلافِه، ولو عَلِم فيه حديثًا لم يَعْدُه إلى غيرِه. والصَّحِيحُ في هذا أن يَجْعَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ صَفًّا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصَّفِّ في صلاةِ الجِنازَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ.
وقِيلَ لعَطَاءٍ: أُخِذَ على النَّاسِ أن يُصَفُّوا على الجِنازَةِ كما يُصَفُّون في الصلاةِ؟ قال: لا، قَوْمٌ يَدْعُون ويَسْتَغْفِرُونَ (٣). وكَرِه أحمدُ قَوْلَ عَطاءٍ هذا.
وقال: يُسَوُّونَ صُفُوفَهم، فإنَّها صلاةٌ. ولأنَّ النبيَّ ﷺ نَعَى النَّجاشِىَّ في اليومِ الَّذي مات فيه، وخَرَج إلى المُصَلَّى، فصَفَّ بهم وكَبَّرَ أرْبَعًا.
مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن أبى المَلِيحِ (٥)، أنَّه صَلَّى على جِنازَةٍ، فالْتَفَتَ،
وَإنْ كَبَّرَ الإمَامُ خَمْسًا كُبِّرَ بِتَكْبِيرِهِ. وَعَنْهُ، لَا يُتَابَعُ في زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ. وَعَنْهُ، يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ.
ــ
٧٧٩ - مسألة: (وَإنْ كَبَّرَ الإمَامُ خَمْسًا كُبِّرَ بِتَكْبِيرِهِ. وَعَنْهُ، لَا يُتَابَعُ في زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ. وَعَنْهُ، يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ .) لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لا تَجُوزُ الزِّيادَةُ على سَبْعِ تَكْبِيراتٍ، ولا النَّقْصُ مِن أرْبَعٍ، والأوْلَى أن لا يُزادَ على أرْبَعٍ. فإن كَبَّرَ الإِمَامُ خَمْسًا تابَعَه المَأمُومُ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ولا يُتابِعُه فيما زاد عليها. كذلك رَواه الأثْرَمُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وعنه، لا يُتابِعُه في زِيادَةٍ على أرْبَعٍ، ولكنْ لا يُسَلِّمُ إلَّا مع الإِمامِ. نَقَلَها عنه حَرْبٌ. اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ،
стр. 2601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ، لأنَّها زِيادَةٌ غيرُ مَسْنُونَةٍ للإِمامِ، فلا يُتابِعُه المَأْمُومُ فيها، كالقُنُوتِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى. والرِّوايَةُ الأُولى هي الصَّحِيحَةُ. قال الخلَّالُ: كلُّ مَن روَى عن أبى عبدِ اللهِ يُخالِفُ حَرْبًا.
ولَنا، ما رُوِىَ عن زيدِ بنِ أرْقَمَ، أنَّه كَبَّرَ على جِنازَةٍ خَمْسًا، وقال: كان النبيُّ ﷺ يُكَبِّرُها. أخْرَجَه مسلمٌ، ورَواه سعيدٌ (١). وفيه: فسُئِلَ عن ذلك، فقال: سُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ . وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه، عن مَوْلًى لحُذَيْفَةَ، أنَّه كَبَّرَ على جِنازَةٍ خَمْسًا، فقِيلَ له؛ فقال: مَوْلاىَ ووَلِىُّ نِعْمَتِى صَلَّى على جِنازَةٍ وكَبَّرَ عليها خَمْسًا. وذَكَر حُذَيْفَةُ، أنَّ النبيَّ فَعَل ذلك (٢). وبإسْنادِه، أنَّ عليًّا صلَّى على سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ، فكَبَّرَ عليه خَمْسًا. وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه [عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ] (٣)، قال:
стр. 2602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلُّ ذلك قد كان، أرْبَعًا، وخَمْسًا، وأمَرَ النَّاسَ بأرْبَعٍ (١). قال أحمدُ، في إسْنادِ حديثِ زيدِ بنِ أرْقَمَ: إسْنادُه جَيِّدٌ. ومَعْلُومٌ أنَّ المُصَلِّين معه كانُوا يُتابِعُونه. وهذا أوْلَى مِمّا ذَكَرُوه. فأمّا إن زاد على خَمْسٍ، ففيه أيضًا رِوايَتان، إحْدَاهما، لا يُتابِعُه المَأْمُومُ، لأنَّ المَشْهُورَ عن النبىِّ ﷺ وأصحابِه خِلافُها. والثانيةُ، يُتابِعُه إلى سَبْعٍ. قال الخَلَّالُ: ثَبَت القَوْلُ عن أبى عبدِ اللهِ أنَّه يُكَبِّرُ مع الإِمامِ إلى سَبْعٍ ثم لا يُزادُ عليه. وهذا قولُ بَكْرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنِىِّ، لأنَّه رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه كَبَّرَ على حَمْزَةَ سَبْعًا. رَواه ابنُ شاهِينَ (٢). وَكَبَّرَ عليٌّ على أبى قَتادَةَ (٣) سَبْعًا (٤)، وعلى سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ سِتًّا، وقال: إنَّه بَدْرِيٌّ (٥). ورُوِىَ أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ
стр. 2603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهُ عنه، جَمَع النَّاسَ فاسْتَشارَهم، فقال بَعْضُهم: كَبَّرَ النبيُّ ﷺ سَبْعًا.
[وقال بَعْضُهم: خَمْسًا] (١). وقال بَعْضُهم: أرْبَعًا. فجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ على أرْبَعِ تَكْبِيراتٍ، وقال: هو أطْوَلُ الصلاةِ (٢). وإذا قُلْنا: لا يُتابِعُه.
لم يُسَلِّمْ حتَّى يُسَلِّمَ إمامُه. قال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَخْتَلِفُ قولُ أحمدَ إذا كَبَّرَ الإِمامُ زِيادَةً على أرْبَعٍ، أنَّه لا يُسَلِّمُ قبلَ إمامِه، على الرِّواياتِ الثَّلاثِ، بل يَقِفُ ويُسَلِّمُ معه. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ. وقال الثَّوْرِىّ، وأبو حنيفةَ: يَنْصَرِفُ، كما لو قام الإِمامُ إلى خامِسَةٍ. قال أبو عبدِ اللهِ: ما أعْجَبَ حالَ الكُوفِيِّين، سُفْيَانُ يَنْصَرِفُ إذا كَبَّرَ الخامِسَةَ، والنبىُّ ﷺ كَبَّرَ خَمْسًا، وفَعَلَه زيدُ بنُ أرْقَمَ، وحُذَيْفَةُ. وقال ابنُ مسعودٍ: كَبِّرْ ما كَبَّرَ إمامُكَ.
ولأنَّ هذه زِيادَةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، فلم يُسَلِّمْ قبلَ إمامِه إذا اشْتَغَلَ به، كما لو صَلَّى خلفَ مَن يَقْنُتُ في صلاةٍ يُخالِفُه المَأْمُومُ في القُنُوتِ فيها. وهذا يُخالِفُ ما قاسُوا عليه مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ زِيادَةَ الرَّكْعَةِ الخامِسَةِ لا خِلافَ فيه. الثَّانِى، أنَّ الرَّكْعَةَ زِيادَةُ فِعْلٍ، وهذه زِيادَةُ قولٍ. وكلُّ تَكْبِيرَةٍ قُلْنا يُتابَعُ الإمامُ فيها فله فِعْلُها، وما لا فلا.
стр. 2604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن زاد على سَبْعٍ لم يُتابعْه. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال، في رِوايَةِ أبي داودَ: إن زاد على سَبْعٍ فيَنْبَغِى أَن يُسَبَّحَ به، ولا أعْلَمُ أحَدًا قال بالزِّيَادَةِ على سَبْعٍ إلَّا عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ. قال عَلْقَمَةُ: رُوِىَ أنَّ أصحابَ عبدِ اللهِ، قالُوا له: إنَّ أصحابَ مُعاذٍ يُكَبِّرُون على الجَنائِزِ خَمْسًا، فلو وَقَّتَ لنا وَقْتًا (١). فقال: إذا تَقَدَّمَكم إِمامٌ، فَكَبِّرُوا ما يُكَبِّرُ، فإنَّه لا وَقْتٌ، ولا عَدَدٌ. رَواه سعيدٌ، والأثْرَمُ (٢). والصَّحِيحُ أنَّه لا يُزادُ عليها؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ ذلك عن النبيِّ ﷺ ، ولا عن أحَدٍ مِن أصحابِه، ولكنْ لا يُسَلِّمُ حتَّى يُسَلِّمَ إمامُه؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: والأفْضَلُ أن لا يَزِيدَ على أرْبَعٍ؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ، وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ يَرَوْن التَّكْبِيرَ أرْبَعًا؛ منهم عُمَرُ وابْنُه، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وجابِرٌ، وابنُ أبي أوْفَى، والحسنُ بنُ عليٍّ، والبَراءُ بنُ عازِبٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، وعُقْبَةُ بنُ عامِر، وابنُ الحَنَفِيَّةِ، وعَطاءٌ، والأوْزَاعِيُّ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كَبَّرَ
стр. 2605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على النَّجاشِىِّ أرْبعًا. مُتَّفَقٌ عليه (١). وكَبَّرَ على قَبْرِ بعدَ ما دُفِن أرْبَعًا (٢).
وجَمَع عُمَرُ النّاسَ على أرْبَعٍ. ولأنَ أكْثَرَ الفَرائِضِ لا يَزِيدُ على أرْبَعٍ.
فصل: ولا يَجُوزُ النَّقْصُ مِن أرْبَعٍ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كَبَّرَ على الجِنازَةِ ثَلاثًا (٣). ولم يُعْجِبْ ذلك أبا عبدِ اللهِ. وقال: قد كَبَّرَ أنَسٌ ثَلاثًا. ناسِيًا، فأعاد. ولأنَّه خِلافُ ما نُقِل عن النبىِّ ﷺ ، ولأنَّ الصلاةَ الرُّبَاعِيَّةَ إذا نَقَص (٤) منها رَكْعَةً، بَطَلَتْ، كذا هُنا. فعلى هذا إن نَقَص منها تَكْبيرَةً عَامِدًا بَطَلَتْ؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا فيها عَمْدًا. وإن تَرَكَها سَهْوًا احْتَمَلَ أَن يُعِيدَها، كما فَعَلَ أنَسٌ، واحْتَمَلَ أن يُكَبِّرَها، ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، كما لو نسِىَ رَكْعَةً، ولا يُشْرَعُ لها سُجُودُ سَهْوِ في المَوْضِعَيْنِ.
فصل: قال أحمدُ: يُكَبِّرُ [على الجِنازَةِ فيَجِيئُون بأُخْرَى، يُكَبِّرُ] (٥) إلى سَبْعٍ، ثم يَقْطَعُ لا يَزِيدُ على ذلك حتَّى تُرْفَعَ الأرْبَعُ. قال أصحابُنا:
стр. 2606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا كَبَّرَ على جِنازَةٍ، ثم جِئَ بأُخْرَى، كَبَّرَ الثانيةَ عليهما، و (١) يَنْوِيهما، فإن جِئَ بثالِثَةٍ كَبَّرَ الثَّالِثَةَ عليهِنَّ، ونَواهُنَّ، فإن جِئَ برابِعَةٍ، كَبَّرَ الرّابعَةَ عليهنَّ، ونَواهُنَّ، ثم يُكْمِلُ التَّكبِيرَ عليهِنَّ إلى سَبْعٍ، ليَحْصلَ للرّابعَةِ أَرْبَعٌ، إذ لا يَجُوزُ النُّقْصانُ منهُنَّ، ويَحْصُلُ للأُولَى سَبْعٌ، وهو أكْثَرُ ما يَنْتَهِى إليه التَّكْبيرُ، فإن جِئَ بخامِسَةٍ لم يَنْوِها بالتَكْبِيرِ، لأنَه دائِرٌ بينَ أن يَزِيدَ على سَبْعٍ أَو يَنْقُصَ في تَكْبِيرِها عن أرْبَعٍ، وكلاهما لا يَجُوزُ.
وهكذا إن جِئَ بثانِيَةٍ بعدَ أن كَبَّرَ الرّابِعَةَ، لم يَجُزْ أن يُكَبِّرَ عليها الخامِسَةَ، لِمَا بَيَّنَّا. فإن أراد أهلُ الجِنازَةِ الأولَى رَفْعَها قبلَ سَلام الإِمامِ لم يَجُزْ، لأنَّ السَّلامَ رُكنٌ لا تَتِمُّ الصلاةُ إلَّا به. إذْا تَقَرَّرَ هذا، فإنَّه يَقْرَأُ في التَّكْبِيرَةِ الخامِسَةِ الفاتِحَةَ، ويُصَلِّى على النبيِّ ﷺ في السّادِسَةِ، ويَدْعُو للمَيِّتِ
стр. 2607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في السَّابِعَةِ، ليُكْمِلَ لجَمِيعِ الجَنائِزِ القِراءَةَ والأذْكارَ، كما كَمَّلَ لهُنَّ التَّكْبِيراتِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ وَجْهًا، قال: يَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ ما زاد على الأرْبَعِ مُتَتابِعًا، كما قُلْنا في القَضاءِ للمَسْبُوقِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، لأنَّ ما بعدَ الأُولَى (١) جَنائِزُ، فاعْتُبِرَ في الصلاةِ عليهِنَّ شُرُوطُ الصلاةِ، كالأُولَى.
стр. 2608
وَمَنْ فَاتَهُ شَىْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ [٤١ و]، قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يَقضِيهِ مُتَتَابعًا.
ــ
٧٨٠ - مسألة: (ومَن فاتَه شيءٌ مِن التَّكْبِيرِ، قَضاه على صِفَتِه. وقال الخِرَقِىُّ: يَقْضِيه مُتَتابِعًا) يُسْتَحَبُّ للمَسْبُوقِ في صلاةِ الجِنازَةِ قَضاءُ ما فاتَه منها. وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ،
стр. 2609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والزُّهْرِىِّ، وابنِ سِيرِينَ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لقَوْلِه ﵇: «فَمَا أدْرَكْتُمْا فَصلُّوا» (١). وفى لَفْظٍ: «فَأَتِمُّوا» (٢). وقِياسًا على سائِرِ الصَّلَواتِ.
ويَكُونُ القَضاءُ على صِفَةِ الأَداءِ؛ لِما ذَكَرْنا. فعلى هذا إذا أدْرَكَ الإِمام في الدُّعاءِ تابَعَه فيه، فإذا سَلَّمَ الإِمامُ كَبَّرَ، وقَرَأ الفاتِحَةَ، ثم كَبَّرَ وصَلَّى على النبىِّ ﷺ ، ثم كَبَّرَ وسَلَّمَ. وقال الشافعىُّ: متى دَخَل المَسْبُوقُ في الصلاةِ ابْتَدَأ الفاتِحَةَ، ثم أَتَى بالصلاةِ في الثانِيَةِ. وَوجْهُ الأُولَى أنَّ المَسْبُوقَ في سائِرِ الصلواتِ يَقْرَأُ فيما يَقْضيه الفاتِحَةَ، وسُورَةً على صفَةِ ما فاتَه، فيَنْبَغِى أن يَأْتِىَ ههُنا بالقِراءَةِ على صفَةِ ما فاتَه قِياسًا عليه. وقال الخِرَقِىُّ: يَقْضِيه مُتَتابِعًا. وكذلك رُوِىَ عن أحمدَ، وحَكاه عن إبراهيمَ، قال: يُبادِرُ بالتَّكْبِيرِ مُتَتابِعًا؛ لِما روَى نافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال:
стр. 2610
فَإِنْ سَلَّمَ وَلَمْ يَقْضِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
لا يَقْضِى (١) -: فإن كَبَّرَ مُتَتابِعًا فلا بَأْسَ. ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ في الصحابةِ، فكان إجْماعًا. وكذا قال ابنُ المُنْذِرِ: يَقْضِيه مُتَوالِيًا. وقال القاضى، وأبو الخَطّابِ: إن رُفِعَتِ الجِنازَةُ قبلَ إتْمَامِ التَكْبِيرِ قَضاه مُتَوالِيًا، وإن لم تُرْفَعْ قَضاه على صِفَتِه، كما سَبَق.
٧٨١ - مسألة: (فإن سَلَّمَ ولم يَقْضِه.، فعلى رِوايَتَيْن) إحْدَاهما، لا تَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ والمَعْنَى. والثانيةُ، تَصِحُّ، اخْتارَهَا الخِرَقِىُّ، لما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ. وقد رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالت: يارسولَ اللهِ، إنى أُصلِّى على الجِنازَةِ، ويَخْفَى علىَّ بعضُ التَّكْبِيرِ؟ قال: «مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِى، وَمَا فَاتَكِ فَلَا قَضاءَ عَلَيْكِ» (٢). وهذا صَرِيحٌ، ولأنَّها
стр. 2611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَكْبِيراتٌ مُتَوالِياتٌ حالَ القِيامِ، فلم يَجِبْ قَضاءُ ما فات منها، كتَكْبِيراتِ العِيدِ. وحَدِيثُهم وَرَد في الصَّلَواتِ الخَمْسِ، بدَلِيلِ قَوْلِه في صَدْرِ الحَدِيثِ: «فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ». وفى رِوايَةٍ، سَعَى في جِنازَةِ سعدٍ حتَّى سَقَط رِداؤُه عن مَنْكِبَيْه، فعُلِمَ أنَّه لم يُرِدْ بالحَدِيثِ هذه الصلاةَ.
والقِياسُ على سائِرِ الصَّلَواتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَقْضِى في شيءٍ مِن الصَّلوَاتِ التَّكْبِيرَ المُنْفَرِدَ، ويَبْطُلُ بِتَكْبِيراتِ العِيدِ.
стр. 2612
وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ، صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى شَهْرٍ،
ــ
فصل: إذا أدْرَكَ الإِمامَ بينَ تَكْبيرَتَيْنِ، فعن أحمدَ، أنَّه يَنْتَظِرُ الإِمامَ حتَّى يُكَبِّرَ معه. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّ
التَّكْبِيراتِ كالرَّكَعاتِ، ثم لو فاتَتْه رَكْعَةٌ، لم يَتَشاغَلْ بِقَضائِهَا، كذلك التَّكْبِيرَةُ. والثانيةُ، يُكَبِّرُ ولا يَنْتَظِرُ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه في سائِرِ الصَّلَواتِ إذا أدْرَكَ الإِمامَ، كَبَّرَ معه، ولم يَنْتَظِرْ، وليس هذا اشْتِغالًا بقَضاءِ ما فاتَه، وإنَّما يُصَلِّى معه ما أدْرَكَه، فيُجْزِئُه ذلك، كالذى يَتَأخَّرُ عن تَكْبِيرِ الإِمامِ قَلِيلًا. وعن مالكٍ كالرِّوايَتَيْن. قال ابنُ المُنْذِرِ: سَهَّلَ أحمدُ في القَوْلَيْن جَمِيعًا. ومتى أدْرَكَ الإِمامَ في التَّكْبِيرَةِ الأُولَى فَكَبَّرَ، وشَرَع في القِراءَةِ، ثم كَبَّرَ الإِمامُ قبلَ أن يُتِمَّها، فإنَّه يُكَبِّرُ ويُتابِعُه، ويَقْطَعُ القِراءَةَ، كالمَسْبُوقِ في بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، إذا رَكَع الإِمامُ قبلَ إتْمَامِه القِراءَةَ.
٧٨٢ - مسألة: (ومَن فاتَتْه الصلاةُ على الجِنازَةِ، صَلَّى علَى القَبْرِ إلى شَهْرٍ) مَن فاتَتْه الصلاةُ على الجِنازَةِ، فله أن يُصَلِّىَ عليها، ما لم تُدْفَنْ، فإن دُفِنَتْ، فله أن يُصَلِّىَ على القَبْرِ إلى شَهْرٍ. هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
стр. 2613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رُوِىَ ذلك عن أبى موسى، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وهو مَذْهَبُ الأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ. وقال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا تُعادُ الصلاةُ على المَيِّتِ، إلَّا للوَلِىِّ إذا كان غائِبًا، ولا يُصلَّى على القَبْرِ إلَّا كذلك، ولو جاز ذلك، لصُلِّىَ على قَبْرِ النبيِّ ﷺ في جَمِيعِ الأعْصارِ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ ذَكَر رجلًا مات، فقال: «فَدُلُّونِى عَلَى قَبْرِهِ». فأتَى قَبْرَه، فصَلَّى عليهِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن ابنِ عباس، أنَّه مَرَّ مع النبىِّ ﷺ بِقَبْر مَنْبُوذٍ، فأمَّهم وصَلَّوْا خلفَه (٢).
قال أحمدُ: ومَن يَشُكُّ في الصلاةِ على القَبْرِ! يُرْوَى عن النبيِّ ﷺ من سِتَّةِ وُجُوهٍ، كلُّها حِسانٌ. ولأنَّ غيرَ الوَلِىِّ مِن أهلِ الصلاةِ، فسُنَّتْ له الصلاةُ، كالوَلِىِّ، وإنَّما لم يُصَلَّ على قَبْرِ النبيِّ ﷺ ، لأنَّه لا يُصَلَّى
على القَبْرِ بعدَ شَهْرٍ.
стр. 2614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يُصَلَّى على القَبْرِ بعدَ شَهْرٍ، ويُصَلَّى قبلَه. وبهذا قال بعضُ (١) أصحابِ الشافعيِّ. وقال بَعْضُهم: يُصلَّى عليه أَبدًا. واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ، صَلَّى على شُهَداءِ أُحُدٍ بعدَ ثَمانِى سِنِين. حديثٌ صحيحٌ (٢). وقال بعضُهم: يُصَلَّى عليه ما لم يَبْلَ جَسَدُه. وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى عليه الوَلِيُّ خاصَّةً إلى ثَلاثٍ. وقال
стр. 2615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إسحاقُ: يُصَلِّى عليه الغائِبُ إلى شَهْرٍ، والحَاضِرُ إلى ثَلاثٍ. ولَنا، ما روَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أُمَّ سعدٍ ماتَتْ والنبىُّ ﷺ غائِبٌ، فلمَّا قَدِم صَلَّى عليها، وقد مَضَى لذلك شَهْرٌ (١). قال أحمدُ: أَكْثَرُ ما سَمِعْتُ أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى على أُمِّ سعدِ بنِ عُبادَةَ بعدَ شَهْرٍ. ولأنَّها مُدَّةٌ يَغْلِبُ على الظَنِّ بَقاءُ المَيِّتِ فيها، أشْبَهَتِ الثَّلاثَةَ، أو كالغائِبِ. وتَجْوِيزُ الصلاةِ عليه مُطلَقًا باطِلٌ، بأنَّ قَبْرَ النبيِّ ﷺ ، لا يُصَلَّى عليه الآن إجْماعًا، وكذلك التَّحْدِيدُ ببِلَى المَيِّتِ؛ لكَوْنِه ﵇ لا يَبْلَى. فإن قِيلَ: فالخَبَرُ دَلَّ على الصلاةِ بعدَ شَهْرٍ، فكيف مَنَعْتُموه؛ قُلْنا: تَحْدِيدُه بالشَّهْرِ يَدُلُّ على أنَّ صَلاتَه، ﵊، كانت عندَ رَأْسِ الشَّهْرِ؛ لِيَكُونَ مُقَارِبًا للحَدِّ. وتَجُوزُ الصلاةُ بعدَ الشَّهْرِ قَرِيبًا منه؛ لدَلالَةِ الخَبَرِ عليه، ولا يَجُوزُ بعدَ ذلك؛ لعَدَمِ وُرُودِه فيه.
стр. 2616
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَن صَلَّى عليها مَرَّةً، فلا تُسَنُّ له إعادَةُ الصلاةِ عليها. وإذا صُلِّىَ على الجِنازَةِ، لم تُوضَعْ لأَحَدٍ يُصَلِّى عليها، ويُبادَرُ بِدَفْنِها. قال القاضي: إلَّا أن يُرْجَى مَجِئُ الوَلِىِّ فَتُؤخَّرُ، إلَّا أن يُخافَ تَغَيُّرُه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يُنْتظَرُ به أحَدٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال في طَلْحَةَ بنِ البَرَاءِ: «عَجِّلُوا بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِى لجِيفَةِ مُسْلِمٍ أنْ تحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ أهْلِهِ» (١). وأمّا مَن أدْرَكَ الجِنازَةَ مِمَّن لم يُصَلِّ، فله أن يُصَلِّىَ عليها، فَعَلَه علىٌّ، وأنَسٌ، وسَلْمانُ بنُ رَبِيعَةَ (٢)، وأبو حَمْزَةَ (٣)، رَضِىَ اللهُ
عنهم.
стр. 2617
وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَىِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
ــ
فصل: ويُصَلَّى على القَبْرِ، وتُعادُ عليه الصلاةُ جَماعَةً وفُرادَى. نَصَّ عليهما أحمدُ. وقال: وما بَأْسٌ بذلك، قد فَعَلَه عِدَّةٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ . وفى حديثِ ابنِ عباسٍ، قال: انْتَهَى النبيُّ ﷺ إلى قَبْرِ رَطْبٍ، فصَفّوا خلفَه، فكَبَّرَ أرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عليه (١).
٧٨٣ - مسألة: (وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ في أَحَدِ جَانِبَىِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ (٢) عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ، في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ). تَجُوزُ الصلاةُ على الغائِبِ في بَلَدٍ آخَرَ بالنِّيَّةِ، بَعِيدًا كان البَلَدُ أو قَرِيبًا، فيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ،
стр. 2618
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويُصَلِّى عليه كصلاتِه على الحاضِرِ، وسَواءٌ كان المَيِّتُ في جِهَةِ القِبْلَةِ أو لم يَكُنْ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ.
وحَكَى ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ رِوايَةً كقَوْلِهما، لأنَّ (١) مِن شَرْطِ الصلاةِ على الجِنازَةِ حُضُورَهَا، بدَلِيلِ ما لو كان في البَلَدِ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ نَعَى النَّجاشِىَّ صاحِبَ الحَبَشَةِ في اليومِ الَّذي مات فيه، وصَلَّى بهم بالمُصلَّى، فكَبَّرَ عليه أرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عليه (٢). فإن قِيلَ: فيَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ ﷺ زُوِيَتْ له الأرْضُ، فأُرِىَ الجِنازَةَ. قُلْنا: «لم يُنْقَلْ ذلك، ولو كان لأخْبَرَ به، ولَنا، الاقْتِداءُ بالنبيِّ ﷺ ما لم يَثْبُتْ ما يَقْتَضِى اخْتِصاصَه، ولأنَّ المَيِّتَ مع البُعْدِ لا تَجُوزُ الصلاةُ عليه وإن رُئِىَ، ثم لو اخْتَصَّتِ الرُّؤْيَةُ بالنبىِّ ﷺ لاخْتَصَّتِ الصلاةُ به، وقد صَفَّ النبيُّ ﷺ أصحابَه فصَلَّى بهم. فإن قِيلَ: لم يَكُنْ بالحَبَشَةِ مَن يُصَلِّى عليه. قُلْنَا: ليس هذا مَذْهَبَكم، فإنَّكم لا تُجِيزُونَ الصلاةَ على الغَرِيقِ، والأسِيرِ، وإن كان لم يُصَلَّ عليه، ولأنَّ هذا بَعِيدٌ، لأنَّ النَّجاشِىَّ كان مَلِكَ الحَبَشَةِ، وقد
أظْهَرَ إسْلامَه، فيَبْعُدُ أنَّه لم يُوافِقْه أحَدٌ يُصَلِّى عليه.
стр. 2619
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان المَيِّتُ في أحَدِ جانِبَىِ البَلَدِ، لم يُصَلِّ عليه مَن في الجانِبِ الآخَرِ، في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ. اخْتارَه أبو حَفْصٍ البَرْمَكِىُّ، لأنَّه يُمْكِنُه الحُضُورُ للصلاةِ عليه، أو على قَبْرِه، أشْبَهَ ما لو كانا في جانِبٍ واحِدٍ. والثَّانِى، يَجُوزُ كما لو كان في بَلَدٍ آخَرَ. وقد رُوِىَ عن ابنِ حامِدٍ، أنَّه صَلَّى على مَيِّتٍ مات في أحَدِ جانِبَى بَغْدادَ، وهو في الآخَرِ.
فصل: وتَتَوَقَّتُ الصلاةُ على الغائِبِ بشَهْرٍ، كالصلاةِ على القَبْرِ، لأنَّه لا يُعْلَمُ بَقاؤُه مِن غيرِ تَلاشٍ أكْثَرَ مِن ذلك. فعلى هذا قال ابنُ عَقِيلٍ
стр. 2620
وَلَا يُصَلِّى الإْمَامُ عَلَى الْغَالِّ، وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ.
ــ
، في أكِيلِ السَّبُعِ، والمُحْتَرِقِ بالنّارِ: يَحْتَمِلُ أن لا يُصَلَّى عليه؛ لذَهابِه، ويُصَلَّى على الغَرِيقِ، إذا غَرِق قبلَ الغُسْلِ، كالغائِبِ البَعِيدِ، لأنَّ الغُسْلَ تَعَذَّرَ لمانِعٍ، أشْبَهَ الحَىَّ إذا عَجَز عن الغُسْلِ والتَيّمَّمِ، صَلَّى على حَسَبِ حالِه.
٧٨٤ - مسألة: (ولا يُصَلِّى الإِمامُ على الغالِّ، ولا مَن قَتَل نَفْسَه)
الغَالُّ، هو الَّذي يَكْتُمُ غَنِيمَتَه أو بعضَها، ليَأْخُذَها لنَفْسِه ويَختَصَّ بها.
стр. 2621
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فهذا لا يُصَلِّى عليه الإِمامُ، ولا على قاتِلِ نَفْسِه عَمْدًا. ويُصَلِّى عليهما سائِرُ النّاسِ. نَصَّ على هذا أحمدُ. وقال عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، والأوْزاعِىُّ: لا يُصَلَّى على قاتِلِ نَفْسِه بحالٍ؛ لأنَّ مَن لا يُصلِّى عليه الإِمامُ لا يُصَلِّى عليه غيرُه، كشَهِيدِ المَعْرَكَةِ. وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشافعىُّ: يُصَلِّى الإِمامُ وغيرُه على جَمِيعِ المُسْلِمِين؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ». رَواه الخَلَّالُ بإسْنَادِه (١). ولَنا، ما روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ جاءُوه برجلٍ قد قَتَل نَفْسَه بمَشاقِصَ (٢)، فلم يُصَلِّ عليه. رَواه مسلمٌ (٣). وروَى أبو داودَ نحوَه (٤). وعن زيدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِىِّ، قال: تُوُفِّىَ رجلٌ مِن جُهَيْنَةَ يومَ خَيْبَرَ، فذُكِرَ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: «صَلُّوا عَلَى صاحِبِكُمْ». فتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ القَوْمِ. فلمّا
стр. 2622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَأى ما بهم قال: «إنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ» (١). احْتَجَّ به أحمدُ.
واخْتَصَّ الامْتِناعُ بالإِمامِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ لمّا امْتَنَعَ مِن الصلاةِ على الغالِّ، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». ورُوِىَ أنَّه أمَرَ بالصلاةِ على قاتِلِ نَفْسِه، وكان ﷺ هو الإمامَ، فأُلحِقَ به مَن ساواه في ذلك، ولا يَلْزَمُ مِن تَرْكِ صلاةِ النبيِّ ﷺ تَرْكُ صلاةِ غيرِه؛ فإنَّه كان في بَدْءِ الإِسْلامِ لا يُصَلِّى على مَن عليه دَيْنٌ لاوَفاءَ له، ويَأْمُرُهم بالصلاةِ عليه. فإن قِيلَ: هذا خاصٌّ بالنبىِّ ﷺ ، لأنَّ صَلَاتَه سَكَنٌ. قُلْنا: ما ثَبَت في حَقِّ النبيِّ ﷺ ، ثَبَت في حَقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اْختِصاصِه به دَلِيلٌ. فإن قِيلَ: فقد تَرَك النبىُّ ﷺ الصلاةَ على مَن عليه دَيْنٌ. قُلْنا: ثم صَلَّى عليه بعدُ، فرَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُؤْتَى بالرجلِ المُتَوَفَّى عليه الدَّيْنُ، فيَقُولُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَينِهِ مِنْ وَفَاءٍ؟». فإن حُدِّثَ أنَّه تَرَك وَفاءً صَلَّى عليه، وإلَّا قال للمُسْلِمِين: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». فلمَّا فَتَح الله الفُتوحَ قام، فقالَ: «أنَا أوْلَى بِالْمُومِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّىَ مِنَ الْمُومِنِينَ، وَتَرَكَ دَيْنًا
стр. 2623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» (١). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ صحِيحٌ. ولولا النَّسْخُ كان كمَسْأَلَتِنا، وهذه الأحادِيثُ خاصَّةٌ، فيَجِبُ تَقْدِيمُها على قَوْلِه: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلهَ إلَّا اللهِ».
فصل: قال أحمدُ: لا أشْهَدُ الجَهْمِيَّةَ (٢) ولا الرَّافِضَةَ (٣)، ويَشْهَدُه مَن شاء، قد تَرَك النبىُّ ﷺ الصلاةَ على أقَلَّ مِن ذا؛ الدَّيْنِ، والغُلُولِ، وقاتِلِ
стр. 2624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَفْسِه. وقال: لا يُصَلَّى على الرَافِضِىِّ. وقال أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ: لا أُصَلِّى على رافِضِىٍّ، ولا حَرُورِىٍّ (١). وقال الفِرْيابِىُّ (٢): مَن شَتَم أبا بكرٍ فهو كافِرٌ، لا يُصَلَّى عليه. قِيلَ له: فكيف تَصْنَعُ به، وهو يَقُولُ: لا إلهَ إلَاّ اللَهُ؟ قال: لا تَمَسُّوه بأيْدِيكم، ادْفَعُوه بالخُشُبِ حتَّى تُوارُوه.
وقال أحمدُ: أهلُ البِدَعِ لا يُعادُون إن مَرِضُوا، ولا تُشْهَدُ جَنائِزُهم إن ماتُوا. وهو قَوْلُ مالكٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وسائِرُ العُلَماءِ يُصَلُّون على أهلِ البِدَعِ والخَوَارِجِ وغيرِهم، لعُمُومِ قولِه ﵇: «صَلُّوا عَلَى مَن قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ» (٣). ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ تَرَك الصلاةَ بأدْوَنَ مِن هذا، فأوْلَى أن تُتْرَكَ الصلاةُ به، وروَى ابنُ عُمَرَ أنَّ رسولَ اللهَ ﷺ قال: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسًا، وإنَّ مَجُوسَ أُمَّتِى الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ، فَإنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإنْ مَاتُوا فلا تَشْهَدُوهُمْ». رَواه الإِمامُ أحمدُ (٤).
стр. 2625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يُصَلَّى على أطْفالِ المُشْرِكِين، لأنَّ لهم حُكْمَ آبَائِهم، إلَّا مَن حَكَمْنا؛ بإسْلامِه، بأن يُسْلِمَ أحدُ أبَوَيْه، أو يَمُوتَ، أو يُسْبَى مُنْفَرِدًا مِن أَبوَيْه، أو مِن أحَدِهما، فإنَّه يُصَلَّى عليه. وقال أبو ثَوْرٍ، في مَن سُبِىَ مع أحَدِ أبَوَيْه: لا يُصَلَّى عليه، حتَّى يَخْتارَ الإِسْلَامَ. ولَنا، أنَّه مَحْكُومٌ بِإسْلامِهِ، أشْبَهَ مَن سُبِىَ مُنْفَرِدًا منهما.
فصل: ويُصَلَّى على سائِرِ المُسلمين، أهْلِ الكَبائِرِ، والمَرْجُومِ في الزِّنَا، وغيرِهم. قال أحمدُ: مَن اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وصَلَّى صَلاتَنا، نُصَلِّى عليه ونَدْفِنُه. ويُصَلَّى على وَلَدِ الزِّنا، والزّانِيَةِ، والذي يُقادُ منه في القِصاصِ، أو يُقْتَلُ في حَدٍّ. وسُئِل عمَّن لا يُعْطِى زَكاةَ مالِه، قال: يُصَلَّى عليه، ما نَعْلَمُ أنَّ النبيَّ ﷺ تَرَك الصلاةَ على أحَدٍ، إلَّا على قاتِلِ نَفْسِه والغالِّ. وهذا قولُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: لا يُصَلَّى على البُغاةِ، ولا على المُحارِبِين،
لأنَّهم بايَنُوا أهلَ الإِسْلامِ، أشْبَهُوا أهلَ دارِ الحَرْبِ. وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى على مَن قُتِل في حَدٍّ، لأنَّ أبا بَرْزَةَ الأسْلَمِىَّ قال: لم يُصَلِّ رسولُ اللهِ
стр. 2626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ على ماعِزِ بنَ مالكٍ، ولم يَنْهَ عن الصلاةِ عليه. رَواه أبو داودَ (١).
ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا الله». رَواه الخَلَّالُ. وروَى عن أبى شُمَيْلَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ خَرَج إلى قُباءَ، فاسْتَقْبَلَه رَهْطٌ مِن الأنْصارِ، يَحْمِلُون جِنازَةً على بابِ، فقال النبيُّ ﷺ : «مَا هذَا؟» قالُوا: مَمْلُوكٌ لآلِ فُلانٍ. قال: «أكَانَ يَشْهدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّااللهُ؟» قالُوا: نعم، ولكنَّه كان وكان. فقالَ: «أكَانَ يُصَلِّى؟» قالُوا: قد كان يُصَلِّى ويَدَعُ. فقالَ لهم: «ارْجِعُوا بِهِ، فَغَسِّلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ، وَادْفِنُوهُ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ كَادَتِ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِى وبَيْنَهُ» (٢). وأمّا أهلُ الحَرْبِ فلا يُصَلَّى عليهم؛ لكُفْرِهم، لا تُقْبَلُ فيهم شَفاعَةٌ، ولا يُسْتَجابُ فيهم دُعاءٌ، وقد نُهِينا عن الاسْتِغْفارِ لهم. وأمّا تَرْكُ الصلاةِ على ماعِزِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ ﷺ تَرَك الصلاةَ عليه لعُذْرٍ؛ بدَلِيلِ أنَّه صَلَّى على الغامِدِيَّةِ، فقالَ له عُمَرُ: تَرْجُمُها، وتُصَلِّى عليها؟ فقالَ: «لَقَد تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» (٣). كذلك
стр. 2627
وَإنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ، غُسِّلَ وَصُلِّىَ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ، لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ،
ــ
رَواه الأوْزاعِىُّ. وروَى مَعْمَرٌ، وهِشامٌ، أنَّه أمَرَهم بالصلاةِ عليها. واللهُ أعلمُ.
٧٨٥ - مسألة: (وإن وُجِد بَعْضُ المَيِّتِ، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه .
وعَنْهُ، لا يُصَلَّى على الجَوارِحِ) هذا المَشْهُورُ في المَذْهبِ. هو مَذْهَبُ الشافعىِّ. وعنه، لا يُصَلَّى على الجَوارِحِ. نَقَلَهَا عنه ابنُ مَنْصُورٍ. قال الخَلَّالُ: ولَعَلَّه قولٌ قَدِيمٌ لأبي عبدِ اللهِ، والأوَّلُ الذى اسْتَقَرَّ عليه قَوْلُه.
стр. 2628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: إن وُجِد الأكْثَرُ صُلِّىَ عليه، وإلَّا فلا؛ لأنَّه بَعْضٌ لا يَزِيدُ على النِّصْفِ، فلم يُصَلَّ عليه، كالذى بان في حَياةِ صاحِبِه، والشَّعَرِ والظُّفْرِ. ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِىَ الله عنهم، قال أحمدُ: صَلَّى أبو أيُّوبَ على رِجْل، وصَلَّى عُمَرُ على عِظامٍ بالشّامِ، وصَلَّى أبو عُبَيْدَةَ على رُءوس بالشامِ. رَواهما عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، بإسْنادِه (١). وقال الشافعىُّ: ألْقَى طائِرٌ يَدًا بمَكَّةَ مِن وَقْعَةِ الجَمَلِ، عُرِفَتْ بالخَاتمِ، وكانت يدَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَتّابِ بنِ أسِيدٍ، فصَلَّى عليها أهلُ مَكَّةَ (٢).
وكان ذلك بمَحْضَرٍ مِن الصحابةِ، ولم نَعْرِفْ مِن الصحابةِ مُخالِفًا في ذلك، ولأنَّه بعضٌ مِن جُمْلَةٍ تَجِبُ الصلاةُ عليها، فيُصَلَّى عليه، كالأكْثَرِ، وفارَقَ ما بان في الحَياةِ، لأنَّه مِن جُمْلَةٍ لا يُصَلَّى عليها، والشَّعَرُ.
والظُّفْرُ لا حَياةَ فيه.
وَإنِ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، صُلِّىَ عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِى مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ.
ــ
٧٨٦ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَطَ مَن يُصَلَّى عليه بمَن لا يُصَلَّى عليه، صُلِّىَ على الجَمِيعِ، يَنْوِى مَن يُصَلَّى عليه) قال أحمدُ: ويَجْعَلُهم بينَه وبينَ القِبْلَةِ، ثم يُصَلِّى عليهم. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان المسلمون أكْثَرَ، صَلَّى عليهم، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالأكْثَرِ؛ بدَلِيلِ أنَّ دارَ المسلمين الظّاهِرُ فيها الِإسْلامُ؛ لكَثْرَةِ المسلمين بها، وعَكْسُها دارُ الحَرْبِ؛ لكَثْرَةِ الكُفّارِ بها. ولَنا، أنَّه أمْكَنَ الصلاةُ على المسلمين مِن غيرِ ضَرَرٍ، فوَجَبَ، كما لو كانُوا أكْثَرَ، ولأنَّه إذا جاز أن يَقْصِدَ بصَلاِته ودُعائِه الأكْثَرَ، جاز أن يَقْصِدَ الأقَلَّ، ويِبْطُلُ ما قالُوه بما إذا اخْتَلَطَتْ أُخْتُه بأجْنَبِيّاتٍ، أو مَيْتَةٌ بمُذَكَّياتٍ، فإنَّه يَثْبُتُ الحُكْمُ للأقَلِّ، دُونَ الأكْثَرِ.
فصل: وإن وُجِد مَيِّتٌ، فلم يُعْلَمْ أمُسْلِمٌ هو أم كافِرٌ؟ نَظَر إلى العَلاماتِ؛ مِن الخِتانِ، والثِّيابِ، والخِضابِ، فإن لم يَكُنْ عليه عَلامَةٌ، وكان في دارِ الِإسْلامِ غُسِّلَ، وصُلِّىَ عليه. وإن كان في دارِ الكُفْرِ، لم يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ مَن كان في دارٍ، فهو مِن أهْلِها، يَثْبُتُ له حُكْمُهم مالم يَقُمْ على خِلافِه دَلِيلٌ.