. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ على ماعِزِ بنَ مالكٍ، ولم يَنْهَ عن الصلاةِ عليه. رَواه أبو داودَ (١).
ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا الله». رَواه الخَلَّالُ. وروَى عن أبى شُمَيْلَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ خَرَج إلى قُباءَ، فاسْتَقْبَلَه رَهْطٌ مِن الأنْصارِ، يَحْمِلُون جِنازَةً على بابِ، فقال النبيُّ ﷺ : «مَا هذَا؟» قالُوا: مَمْلُوكٌ لآلِ فُلانٍ. قال: «أكَانَ يَشْهدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّااللهُ؟» قالُوا: نعم، ولكنَّه كان وكان. فقالَ: «أكَانَ يُصَلِّى؟» قالُوا: قد كان يُصَلِّى ويَدَعُ. فقالَ لهم: «ارْجِعُوا بِهِ، فَغَسِّلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ، وَادْفِنُوهُ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ كَادَتِ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِى وبَيْنَهُ» (٢). وأمّا أهلُ الحَرْبِ فلا يُصَلَّى عليهم؛ لكُفْرِهم، لا تُقْبَلُ فيهم شَفاعَةٌ، ولا يُسْتَجابُ فيهم دُعاءٌ، وقد نُهِينا عن الاسْتِغْفارِ لهم. وأمّا تَرْكُ الصلاةِ على ماعِزِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ ﷺ تَرَك الصلاةَ عليه لعُذْرٍ؛ بدَلِيلِ أنَّه صَلَّى على الغامِدِيَّةِ، فقالَ له عُمَرُ: تَرْجُمُها، وتُصَلِّى عليها؟ فقالَ: «لَقَد تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» (٣). كذلك
стр. 2627
وَإنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ، غُسِّلَ وَصُلِّىَ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ، لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ،
ــ
رَواه الأوْزاعِىُّ. وروَى مَعْمَرٌ، وهِشامٌ، أنَّه أمَرَهم بالصلاةِ عليها. واللهُ أعلمُ.
٧٨٥ - مسألة: (وإن وُجِد بَعْضُ المَيِّتِ، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه .
وعَنْهُ، لا يُصَلَّى على الجَوارِحِ) هذا المَشْهُورُ في المَذْهبِ. هو مَذْهَبُ الشافعىِّ. وعنه، لا يُصَلَّى على الجَوارِحِ. نَقَلَهَا عنه ابنُ مَنْصُورٍ. قال الخَلَّالُ: ولَعَلَّه قولٌ قَدِيمٌ لأبي عبدِ اللهِ، والأوَّلُ الذى اسْتَقَرَّ عليه قَوْلُه.
стр. 2628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: إن وُجِد الأكْثَرُ صُلِّىَ عليه، وإلَّا فلا؛ لأنَّه بَعْضٌ لا يَزِيدُ على النِّصْفِ، فلم يُصَلَّ عليه، كالذى بان في حَياةِ صاحِبِه، والشَّعَرِ والظُّفْرِ. ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، رَضِىَ الله عنهم، قال أحمدُ: صَلَّى أبو أيُّوبَ على رِجْل، وصَلَّى عُمَرُ على عِظامٍ بالشّامِ، وصَلَّى أبو عُبَيْدَةَ على رُءوس بالشامِ. رَواهما عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، بإسْنادِه (١). وقال الشافعىُّ: ألْقَى طائِرٌ يَدًا بمَكَّةَ مِن وَقْعَةِ الجَمَلِ، عُرِفَتْ بالخَاتمِ، وكانت يدَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَتّابِ بنِ أسِيدٍ، فصَلَّى عليها أهلُ مَكَّةَ (٢).
وكان ذلك بمَحْضَرٍ مِن الصحابةِ، ولم نَعْرِفْ مِن الصحابةِ مُخالِفًا في ذلك، ولأنَّه بعضٌ مِن جُمْلَةٍ تَجِبُ الصلاةُ عليها، فيُصَلَّى عليه، كالأكْثَرِ، وفارَقَ ما بان في الحَياةِ، لأنَّه مِن جُمْلَةٍ لا يُصَلَّى عليها، والشَّعَرُ.
والظُّفْرُ لا حَياةَ فيه.
وَإنِ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، صُلِّىَ عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِى مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ.
ــ
٧٨٦ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَطَ مَن يُصَلَّى عليه بمَن لا يُصَلَّى عليه، صُلِّىَ على الجَمِيعِ، يَنْوِى مَن يُصَلَّى عليه) قال أحمدُ: ويَجْعَلُهم بينَه وبينَ القِبْلَةِ، ثم يُصَلِّى عليهم. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان المسلمون أكْثَرَ، صَلَّى عليهم، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالأكْثَرِ؛ بدَلِيلِ أنَّ دارَ المسلمين الظّاهِرُ فيها الِإسْلامُ؛ لكَثْرَةِ المسلمين بها، وعَكْسُها دارُ الحَرْبِ؛ لكَثْرَةِ الكُفّارِ بها. ولَنا، أنَّه أمْكَنَ الصلاةُ على المسلمين مِن غيرِ ضَرَرٍ، فوَجَبَ، كما لو كانُوا أكْثَرَ، ولأنَّه إذا جاز أن يَقْصِدَ بصَلاِته ودُعائِه الأكْثَرَ، جاز أن يَقْصِدَ الأقَلَّ، ويِبْطُلُ ما قالُوه بما إذا اخْتَلَطَتْ أُخْتُه بأجْنَبِيّاتٍ، أو مَيْتَةٌ بمُذَكَّياتٍ، فإنَّه يَثْبُتُ الحُكْمُ للأقَلِّ، دُونَ الأكْثَرِ.
فصل: وإن وُجِد مَيِّتٌ، فلم يُعْلَمْ أمُسْلِمٌ هو أم كافِرٌ؟ نَظَر إلى العَلاماتِ؛ مِن الخِتانِ، والثِّيابِ، والخِضابِ، فإن لم يَكُنْ عليه عَلامَةٌ، وكان في دارِ الِإسْلامِ غُسِّلَ، وصُلِّىَ عليه. وإن كان في دارِ الكُفْرِ، لم يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ مَن كان في دارٍ، فهو مِن أهْلِها، يَثْبُتُ له حُكْمُهم مالم يَقُمْ على خِلافِه دَلِيلٌ.
стр. 2631
وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِى الْمَسْجِدِ.
ــ
٧٨٧ - مسألة: (ولا بَأْسَ بالصلاةِ على المَيِّتِ في المَسْجِدِ) [ تَجُوزُ الصلاةُ على المَيِّتِ في المَسْجِدِ] (١) إذا لم يُخَفْ تَلْوِيثُه. وبهذا قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ. وكَرِه ذلك مالكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ صَلَّى عَلَىِ جنَازَةٍ فِى الْمَسْجِدِ فَلَا شَىْءَ لَهُ». رَواه أحمدُ في «المُسْنَدِ» (٢). ولَنا، ما روَى مسلمٌ (٣) وغيرُه.، عن عائشةَ، رَضىَ اللهُ عنها، قالَتْ: ما صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ على سُهيْلِ بنِ بَيْضَاءَ إلَّا في المَسْجِدِ. وروَى سعيدٌ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزِيزِ بنُ محمدٍ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، قال: صُلِّىَ على أبى بكر في المَسْجِدِ (٤). وقال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ
стр. 2632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُمَرَ، قال: صُلِّىَ على عُمَرَ بالمَسْجِدِ (١). وهذا كان بمَحْضَرٍ مِن الصحابةِ، رَضِىَ الله عنهم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّها صلاةٌ فلم يُمْنَعْ منها في المَسْجِدِ، كسائِرِ الصَّلواتِ، وحديثُهم يَرْوِيه صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأمَةِ. وقد قال فيه ابنُ عبدِ البَرِّ: مِن أهلِ العلمِ مَن لا يَحْتَجُّ بحَدِيثه أصْلًا؛ لضَعْفِه، ومنهمِ مَن يَقْبَلُ منه ما رَواه عن ابنِ أبى ذِئْبٍ خاصَّةً.
ثم يُحْمَلُ على مَن خِيفَ منه الانْفِجارُ، وتَلْوِيثُ المَسْجِدِ.
فصل: فأمَّا الصلاةُ على الجنازَةِ في المَقْبَرَةِ، ففيها رِوايتان؛ إحْداهما، لا بَأْسَ بها؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ -صَلَّى على قَبْرِ وهو في المَقْبَرَةِ (٢). وقال ابنُ المُنْذِرِ: ذَكَر نافِعٌ، أنَّه صُلِّىَ على عائشةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ قُبُورِ البَقِيعِ؛ صَلِّى على عائشةَ أبو هُرَيْرَةَ، وحَضَر ذلك ابنُ عُمَرَ (٣)، وفَعَلَه عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، يُكْرَهُ. رُوِىَ ذلك عن عَلىٍّ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، وابنِ عباس، وبه قال عَطَاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «الْأرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ والْحَمَّامَ» (٤). ولأنَّه ليس بمَوْضِعٍ لصلاةٍ غيرِ صلاةِ
стр. 2633
وِإنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ.
ــ
الجِنازَةِ، فَكُرِهَتْ فيه صلاةُ الجِنازَةِ، كالحَمَّامِ.
٧٨٨ - مسألة: (وإن لم يَحْضُرْه إلَّا النِّسَاءُ صَلَّيْنَ عليه) لأنَّ عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أمَرَتْ أن يُؤْتَى بسعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ؛ لتُصَلِّىَ عليه. ولأنَّ الصلاةَ على المَيِّتِ صلاةٌ مَشْرُوعَةٌ، فتُشْرَعُ في حَقِّهِنَّ، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
وَإنْ حَمَلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ.
ــ
على كَتِفِه اليُمْنَى، ثم يَنْتَقِلَ إلى المُؤَخَّرَةِ، ثم يَضَعَ قَائِمَتَه اليُمْنَى المُقَدَّمَةَ على كَتِفِه اليُسْرَى، ثم يَنْتَقِلَ إلى المُؤخَّرَةِ) هذا صِفَةُ التَّرْبِيعِ في المَشْهُورِ في المَذْهبِ. اخْتارَه الخِرَقِىُّ، وإليه ذَهَب أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وعن أحمدَ، أنَّه يَدُورُ عليها، فيأخُذُ بعدَ يَاسِرَةِ المُؤخَّرَةِ يامِنَةَ المُؤخَّرَةِ ثم المُقَدَّمَةَ. وهو مَذْهبُ إِسحاقَ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ، وأيُّوبَ. ولأنَّه أخَفُّ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه أحَدُ الجانِبَيْن، فيَنْبَغِى أَن يَبْدأ فيه بمُقَدَّمِه، كالأوَّلِ.
٧٩١ - مسألة: (وإن حَمَل بينَ العَمُودَيْن فحَسَنٌ) حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن عثمانَ، وسعدِ بنِ مالكٍ، وابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابن
стр. 2636
وَيُسْتَحَبُّ الإسْرَاعُ بِهَا،
ــ
الزُّبَيْرِ. وقال به الشافعىُّ، وأحمدُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وكَرِهَه النَّخَعِىُّ، والحسنُ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الصحابةَ، رَضِىَ الله عنهم، فَعَلُوه، وفيهم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وقال مالكٌ: ليس في حَمْلِ المَيِّتِ تَوْقِيتٌ، يَحْمِلُ مِن حيث شاء. ونَحْوَه قال الأوْزاعِىُّ. واتِّباعُ الصحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فيما فَعَلُوه وقالُوه أحْسَنُ.
٧٩٢ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ الِإسْراعُ بها) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا بينَ الأئِمَّةِ، ﵏؛ وذلك لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «أسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ،
стр. 2637
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَإنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). واخْتَلَفُوا في الِإسْراعِ المُسْتَحَبِّ، فقال القاضى: هو إسْراعٌ لا يَخْرُجُ عن المَشْىِ المُعْتادِ. وهو قولُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَخُبُّ ويَرْمُلُ؛ لِما روَى أبو داودَ (٢)، عن عُيَيْنَةَ ابنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه. قال: كُنَّا في جنازَةِ عثمانَ بنِ أبى العاصِ، وكُنَّا نَمْشِى مَشْيًا خَفِيفًا؛ فلَحِقَنا أبو بَكْرَةَ (٣)، فرَفَعَ سَوْطَه، فقال: لقد رَأيْتُنا مع رسولِ اللهِ ﷺ نَرْمُلُ رَمَلًا. ولَنا، ما روَى أبو سعيد، عن النبيِّ
стр. 2638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ ، أنَّه مُرَّ عليه بجِنازَةٍ تُمْخَضُ مَخْضًا (١)، فقالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِى جَنَائِزِكُمْ». رَواه الِإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» (٢). ولأنَّ الِإسْرافَ في الِإسْراعِ يَمْخُضُها، ويُوْذِى حامِلِيها ومُتَّبِعِيها، ولا يُؤْمَنُ على المَيِّتِ.
وقال ابنُ عباس في جِنازَةِ مَيْمُونَةَ: لا تُزَلْزِلُوا، وارْفُقُوا، فإنَّها أمُّكُمْ (٣).
فصل: واتِّباعُ الجَنائِزِ سُنَّةٌ؛ لقَوْلِ البَراءِ: أمَرَنا النبي ﷺ باتِّباعِ الجَنائِزِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). واتِّبَاعُ الجَنائِزِ على ثَلَاثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، أن يُصَلِّىَ عليها ثم يَنْصَرِفَ. قال زيدُ بنُ ثابِتٍ: إذا صَلَّيْتَ فقد قَضَيتَ الذى عليك (٥). وقال أبو داودَ: - رَأيْتُ أحمدَ مالا أُحْصِى صَلَّى على جَنائِزَ، ولم يَتْبَعْها إلى القَبْرِ، ولم يَسْتأْذِنْ. الثانِى، أن يَتْبَعَها إلى القَبْرِ، ثم يَقِفَ حتى تُدْفَنَ؛ لقَوْلِ رسوَلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصِلِّىَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ». قِيلَ: وما القِيرَاطَان؟ قال:
стр. 2639
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ». مُتَّفَقٌ عليه (١). الثالثُ، أن يَقِفَ بعدَ الدَّفْنِ، فيَسْتَغْفِرَ له، ويَسْألَ اللهَ له التَّثْبِيتَ، ويَدْعُوَ له بالرَّحْمَةِ، فإنَّه رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان إذا دَفَن مَيِّتًا وَقَف، فقالَ: «اسْتَغْفِرُوا لَهُ (٢)، وَاسْألُوا الله لَهُ التَّثبِيتَ، فإنَّهُ الْآنَ يُسْألُ». رَواه أبو داودَ (٣).
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يقْرَأُ عندَه عندَ الدَّفْنِ أوَّلَ البَقَرَةِ وخاتِمَتَها.
ويُسْتَحَبُّ لمُتَّبعِ الجنازَةِ أن يَكُونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَفَكِّرًا في مَآلِه (٤) مُتَّعِظًا بالمَوْتِ، وبما يَصِيرُ إليه المَيِّتُ، لا يَتَحَدَّثُ بأحَاديثِ الدُّنْيَا، ولا يَضْحَكُ. قال سعدُ بنُ مُعاذٍ: ما تَبِعْتُ جِنازَةً فحَدَّثْتُ نَفْسِى بغيرِ ما هو مَفْعُولٌ بها. ورَأى بعضُ السَّلَفِ رجلًا يَضْحَكُ في جِنازَةٍ، فقالَ: تَضْحَكُ وأنت تَتْبَعُ الجنازَة؟! لا كَلَّمْتُك أبَدًا.
стр. 2640
وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا [٤١ ظ]،
ــ
٧٩٣ - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ أن (يَكُونَ المُشاةُ أمامَها، والرُّكْبانُ خلفَها) أكْثَرُ أهلِ العلمِ يَرَوْن الفَضِيلَةَ للماشِى أن يَكُونَ أمامَ
الجِنَازَةِ، رُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وابن عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي قَتادَةَ، وأبي أَسِيدٍ،
وشرَيْحٍ، والقَاسِمِ بنِ محمدٍ، وسالمٍ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ. وقال الأوْزاعِىُّ، وأصحابُ الرّأْىِ: المَشْىُ خلفَها أفْضَلُ، لِما روَى ابنُ مسعودٍ، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «الجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، وَلَا تَتْبَعُ، لَيْسَ مِنْها (١) مَنْ تَقَدَّمَهَا» (٢). وقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: فَضْلُ الماشِى خلفَ الجِنازَةِ على الماشِى قُدّامَها، كفَضْل المَكْتُوبَةِ على التَّطَوُّعِ، سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ ﷺ (٣). ولأنَّها مَتْبُوعَةٌ فيَجِبُ أن تُقَدَّمَ
стр. 2641
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالِإمامِ في الصلاةِ، ولهذا قال في الحديثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ تَبعَ جِنَازَةً» (١). ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: رَأيْتُ النبىَّ ﷺ وأبا بكرٍ، وعُمَرِ، يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ. رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ (٢)، وعن أنَس نَحْوُه، رَواه ابنُ ماجه (٣). قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أنَّ النبىَّ ﷺ ، وأبا بكر، وعُمَرَ، كانُوا يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ. وقال أبو صالِحٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ. ولأنَّهم شُفَعاءُ له؛ بدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَبْلُغُون مِائَةً، كُلُّهُمْ (٤) يَشْفَعُونَ لَهُ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ». رَواه مسلمٌ (٥).
والشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ المَشْفُوعَ له، وحديثُ ابنِ مسعودٍ يَرْوِيه أبو ماجِدٍ، وهو مَجْهُولٌ. قِيلَ ليَحْيىَ: مَن أبو ماجِدٍ هذا؟ قال: طائِرٌ طار.
стр. 2642
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال التِّرْمِذىُّ: سَمِعْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يُضَعِّفُ هذا الحَدِيثَ. والحَدِيثُ الآخَرُ لم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَنِ. وقالُوا: هو ضَعِيفٌ. ثُم نَحْمِلُه على مَن تَقَدَّمَهَا إلى مَوْضِعِ الصلاةِ أو الدَّفْنِ، ولمِ يَكُنْ معها. وقِياسُهم يَبْطُلُ بسُنَّةِ الصُّبْحِ والظُّهْرِ، فإنَّها تابعَةٌ لهما، وَتتَقَدَّمُهما في الوُجُودِ.
فصل: ويُكْرَهُ الرُّكُوبُ في اتِّباعِ الجَنائِزِ؛ لِما روَى ثَوْبانُ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ في جنازَةٍ، فرَأى ناسًا رُكْبانًا، فقالَ: «ألَا تَسْتَحْيُونَ أَنَّ مَلَائِكَةَ اللهِ عَلَى أقْدَامِهمْ، وَأنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ (١). فإن رَكِب، فالسُّنَّةُ أن يَكُونَ خلف الجِنازَةِ. قال الخَطّابِىُّ (٢) في الرّاكِبِ: لا أعْلَمُهم اخْتَلَفُوا في أنَّه يَكُونُ خلفها؛ [لقَوْلِ النبىِّ ﷺ ] (٣): «الرَّاكِبُ يمْشِى خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِى يَمشِى خَلْفَهَا وَأمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا، قَرِيبًا مِنْها». رَواه أبو
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجَنائِزُ بصَوْتٍ (١). قال ابنُ المُنْذِرِ: رَوَيْنا بن قَيْسِ بنِ عُبَادٍ (٢)، أنَّه قال: كان أصحابُ رسول اللهِ ﷺ يَكْرَهُون رَفْعَ الصَّوْتِ عندَ ثَلاثٍ؛ عندَ الجَنائِزِ، وعندَ الذِّكْرِ، وعندَ القِتالِ (٣). وكَرِه سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وإمامُنا، وإسحاقُ، قول القائِلِ خلفَ الجِنازَةِ: اسْتَغْفِرُوا له. وقال الأوْزاعِىُّ: بِدْعَةٌ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ في مَرَضِه: إيّاىَ وحَادِيهم، هذا الذى يَحْدُو لهم، يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا له، غَفَر الله لكم. وقال فُضَيْلُ بنُ عَمْرِو: بَيْنَا ابنُ عُمَرَ في جِنازَةٍ، إذْ سَمِع قائِلًا يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا له، غَفَرَ اللهُ لكم. فقال ابنُ عُمَرَ: لا غَفَر اللهُ لك. رَواهما سعيدٌ. قال أحمدُ: ولا يَقُولُ خلفَ الجِنازَةِ: سَلِّمْ رَحِمَك الله. فإنَّه بِدْعَةٌ. ولكنْ يَقُولُ: بسمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ. ويَذْكُرُ الله إذا تَناوَلَ السَّرِيرَ. ومَسُّ الجِنازَةِ بالأيْدِى والأكْمامِ والمَنادِيل مُحْدَثٌ مَكْرُوهٌ، ولا يُؤْمَنُ معه فَسادُ المَيِّتِ، وقد مَنَع العُلَماءُ مَسَّ القَبْرِ، فمَسُّ الجَسَدِ مع احْتِمالِ الأذَى أوْلَى بالمَنْعِ.
فصل: ويُكْرَهُ اتِّبَاعُ المَيِّتِ بِنارٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: يَكْرَهُ ذلك كلُّ
стр. 2645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من نَحْفَظُ (١) عنه من أهلِ العلمِ. رُوىَ عن ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وعبدِ اللهِ بنِ مُغَفَلٍ، ومًعْقِلِ بنِ يًسارٍ (٢)، وأَبى سعيدٍ، وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّهم وَصَّوْا أن لا يُتْبَعُوا بنارٍ. وروَى ابنُ ماجه (٣)، أنَّ أبا موسى حينَ حَضَرَه المَوْتُ، قال: لا تَتْبَعُونِى بمِجْمَرٍ. قالُوا له: أوَ سَمِعْتَ فيه شيئًا؟ قال: نعم، مِن رسولِ اللهِ ﷺ . وروَى أبو داودَ (٤)، بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لا تُتْبَعُ الْجِنازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ». فإن دُفِن لَيْلًا فاحْتاجُوا إلى ضَوْءِ، فلا بَأْسَ به، إنَّما كُرِة المَجَامِرُ فيها البَخُورُ. وفى حديثٍ عن النبىِّ ﷺ أنَّه دَخَل قَبْرًا لَيْلًا، فأُسْرِجَ له سِراجٌ (٥). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
فصل: ويُكْرَهُ اتِّباعُ النِّساءِ الجَنائِزَ؛ لِما رُوِىَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالت: نُهِينا عن اتِّباعِ الجَنائِزِ، ولم يُعْزَمْ علينا. مُتَّفَقٌ عليه (٦). كَرِه ذلك ابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وأبو أُمَامَةَ، وعائشةُ، ومَسْرُوقٌ، والحسنُ،
стр. 2646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والنَّخَعِىُّ، والأوزاعِىُّ، وإسحاقُ. ورُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ خَرَج فإذا نِسوَةٌ جُلُوسٌ، قال: «مَا يُجْلِسُكُنّ؟». قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الجِنازَةَ. قال:. «هَلْ تُغَسِّلنَ؟». قُلْنَ: لا. قال: «هل تَحْمِلْنَ؟». قُلْنَ: لا. قال: «هل تُدْلِينَ فىَ من يُدْلِى؟». قُلْنَ: لا. قال: «فَارْجعْنَ مأْزُورَاتٍ، غَيْرَ مأْجُورَاتٍ». رَواهُ ابن ماجه (١)، ورُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ لَقِىَ فاطمةَ، قال: «مَا أخْرَجَكِ يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ؟». قالَتْ: يارسولَ اللهِ أتَيْتُ أهْلَ هذا البَيْتِ، فرَحَّمتُ إليهما مَيِّتَهم، أو عَزَّيْتُهم به. قال لها رسوا اللهِ ﷺ : «فَلَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى» (٢). قالت: مَعاذَ اللهِ، وقد سَمِعْتُك تَذكُرُ فيها ما تَذْكُرُ. قال: «لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى».
فذَكَرَ تَشْدِيدًا. رَواه أبو داودَ (٣).
فصل: فإن كان مع الجِنازَةِ مُنْكَرٌ يَراه أو يَسْمَعُه، فإن قَدَر على إنْكارِه وإزالَتِه أزالَه. وإن لم يَقْدِرْ على إزالَتِهِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُنْكِرُه، ويَتْبَعُها. فيَسْقُطُ فَرْضُه بالِإنْكارِ، ولا يَتْرُكُ حَقًّا لباطِلٍ. والثانِى، يَرْجِعُ. لأنَّه يُؤدِّى إلى اسْتِماعِ مَحْظُورٍ ورُؤْيَتِه، مع قُدْرَتِه على تَرْكِ ذلك.
стр. 2647
وَلَا يَجْلِسُ مَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ،
ــ
٧٩٤ - مسألة: (ولا يَجْلِسُ مَن تَبِعَها حتى تُوضَعَ) ومِمَّن رَأى أن لا يَجْلِسَ حتى تُوضَعَ عن أعْناقِ الرِّجالِ الحسنُ بنُ علىِّ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، وابنُ الزُّبَيْرِ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ. ووَجْهُ ذلك ما روَى مسلمٌ (١)، بإسْنادِه، عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا اتَّبَعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ». وقال الشافعىُّ: هذا مَنْسُوخٌ بقَوْلِ علىٍّ: قام رسولُ اللهِ ﷺ ثم قَعَد. رَواه مسلمٌ (٢). قال إسحاقُ: مَعْنَى قَوْلِ علىٍّ: كان النبيُّ ﷺ إذا رَأى الجِنازَةَ قام، ثم تَرَك ذلك بعدُ. وعلى هذا التَّفْسِيرِ لا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ. وليس في اللَّفْظِ عُمُومٌ فيَعُمُّ الأمْرَيْن جَمِيعًا، فلم يَجُزِ النَّسْخُ بأمْرِ مُحْتَملٍ، ولأنَّ قَوْلَ علىٍّ: قام رسولُ اللهِ ﷺ ثم قَعَد. يَدُلُّ على ابْتِداءِ
стр. 2648
وَإنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا.
ــ
فِعْلِ القِيامِ، وههُنا إنَّما وُجِدَتْ منه الاسْتِدَامَةُ. إذا ثَبَت هذا، فأظْهَرُ الرِّوايُتَيْن أنَّه أُرِيدَ وَضْعُها عن أَعْناقِ الرِّجالِ. وهو قولُ مَن ذَكَرْنا مِن قبلُ.
وقد رُوِىَ الحديثُ: «إذَا اتَّبَعْتُمُ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرضِ». ورَواه أبو مُعاوِيَةَ: «حَتَّى تُوضَعَ فِى اللَّحْدِ». وحديثُ
سُفْيانَ أصَحُّ. فأمَّا مَن تَقَدَّمَ الجِنازَةَ فلا بَأسَ أن يَجْلِسَ قبلَ أن تَنْتَهِىَ إليه.
قال التِّرْمِذِىُّ (١): رُوِىَ عن بعضِ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبىِّ ﷺ ، أنَّهم كانُوا يَتَقَدَّمُون الجِنازَةَ، فيَجْلِسُون قبلَ أن تَنْتَهِىَ إليهم. وإذا جاءَتْ وهو جالِسٌ لم يَقُمْ لها. لِما يأْتِى بعدُ.
٧٩٥ - مسألة: (وإن جاءَتْ وهو جالِسٌ لم يَقُمْ لها) لِما ذَكرْنا مِن حديثِ عَلىٍّ، وقد فَسَّرَه إسْحاقُ بِما حَكَيْنا. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن قام لم أَعِبْه، وإن قَعَد فلا بَأسَ. وذَكَر ابنُ أبى موسى، والقاضى، أنَّ القِيامَ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «إذَا رأَى أحَدُكُمُ الْجِنَازَةَ فَلْيَقُمْ حينَ يَرَاهَا، حَتَّى تَخْلُفَهُ». رَواه مسلمٌ (٢)؛ وقد ذَكَرْنا
وَيُدْخَلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، إِنْ كَانَ أَسْهلَ عَلَيْهِم،
ــ
٧٩٦ - مسألة: (ويُدْخَلُ قَبْرَه من عندِ رِجْلِ القَبْرِ، إن كان أسْهَلَ عليهم) المُسْتَحَبُّ أن يُوضَعَ رَأسُ المَيِّتِ عندَ رِجْلِ القَبْرِ، ثم يُسَلَّ سَلًّا إلى القَبْرِ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، وعبدِ اللهِ بنِ يَزيدَ الأنْصارِىِّ (١)، والنَّخَعِىِّ، والشَّعبِىِّ، والشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: تُوضَعُ الجِنازَةُ على جانِبِ القَبْرِ مِمَّا يَلى القِبْلَةَ، ثم يُدْخَلُ القَبْرَ مُعْتَرِضًا؛
стр. 2651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه يُرْوَى عن علىًّ، رَضِىَ اللهُ عنه. وقال النَّخَعِىُّ: حَدَّثَنِى مَن رَأَى أهلَ المَدِينَةِ في الزَّمَنِ الأوّلِ يُدْخِلُونَ مَوْتاهم مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، وأنَّ السَّلَّ شىْءٌ أحْدَثَه أهل المَدِينَةِ. لَنا، أنَّ الحارِثَ أوْصَى أن يَلِيَه عندَ مَوْتِه عبدُ اللهِ ابنُ يزِيدَ الأنْصَارِىُّ، فصَلَّى (١) عليه، ثم دَخَل القَبْرَ، فأدْخَلَه مِن رِجْلَىِ القَبْرِ، وقال: هذه السُّنَّةُ (٢). وهذا يَقْتَضى سنَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ . رَواه الِإمام أحمدُ (٣). وروَى ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ سُلَّ مِنِ قِبَلِ رَأْسِه سَلَّا (٤). وما ذُكِر عن النَّخَعِىِّ لا يَصِحُّ، لأنَّ مَذْهَبه بخِلافِه، ولأنَّه لا يَجُوزُ على العَدَدِ الكَثِيرِ أن يُغَيِّرُوا سُنَّةً [ظاهِرةً في الدَّفْنِ] (٥) إلَّا بسَبَبٍ ظاهِرٍ، أو سُلْطَانٍ قاهِرٍ. ولم يُنْقَلْ شئٌ مِن
стр. 2652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك، ولو نُقِلَ فسُنَّةُ النبىِّ ﷺ مُقَدَّمَةٌ على فِعْلِ أهْلِ المَدِينَةِ. فأمّا إن كانْ أخْذُه مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، أو مِن رأْاسِ القَبْرِ أسْهَلَ عليهم، فلا حَرَجَ فيه؛ لأنَّ اسْتِحْبَابَ أخْذِه مِن عندِ رِجْلِ القَبْرِ، إنَّما كان طَلَبًا للأسْهَلِ.
قال أحمدُ: كُلٌّ لا بأْسَ به.
стр. 2653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قال أحمدُ: يُعَمَّقُ القَبْرُ إلى الصَّدْرِ، الرجلُ والمرأةُ في ذلك سَواءٌ. كان الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبّان ذلك. وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه، أنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزِيزِ لمّا مات ابْنُه، أمَرَهم أن يَحْفِرُوا قَبْرَه إلى السُّرَّةِ، ولا يُعَمِّقُوا، فإنَّ ما على ظَهْرِ الأرْضِ أفْضَلُ مِمّا سَفُلَ منها.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُعَمَّقَ قَدْرَ قامَةٍ وبَسْطَةٍ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «احْفِرُوا، وَأوْسِعُوا، وَأعْمِقُوا». رَواه أبو داودَ (١). ولأنَّ ابنَ عُمَرَ أوْصَى بذلك. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ ما ذَكَرْنا أوَّلًا؛ لأنَّ التَّعْمِيقَ قَدرَ قامَةٍ وبَسْطَةٍ يَشُقُّ، ويَخْرُجُ عن العادَةِ.
وقَوْلُه ﷺ : «أَعْمِقُوا» ليس فيه بَيانُ قَدْرِ التَّعْمِيقِ، ولم يَصِحَّ مَا رَوَوه عن ابنِ عُمَرَ، ولو صَحَّ عندَ أحمدَ لم يَعْدُه إلى غيرِه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُه وتَعْمِيقُه وتَوْسِيعُه؛ للخَبَرِ. وقد روَى زيدُ بنُ أسْلَمَ،
стр. 2654
وَلَا يُسَجَّى الْقَبْرُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِامْرأةٍ. وَيَلْحَدُ لَهُ لَحْدًا، وَيَنْصِبُ عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْبًا،
ــ
قال: وَقَف رسولُ الله ﷺ علىِ قَبْرٍ، فقالَ: «اصْنَعُوا كَذَا، اصْنَعُوا كَذَا»، ثم قال: «مَابِى أنْ يَكُون يُغْنِى عَنْهُ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الله يُحِبُّ إذَا عُمِلَ العَمَلُ أنْ يُحْكَمَ». قال مَعْمَرٌ: وبَلَغَنِى أنَّه قَالَ: «وَلَكِنَّهُ أطْيَبُ لِأنْفُسِ أهْلِهِ». رَواه عبدُ الرَّزّاقِ، في كتابِ الجَنَائِزِ (١).
٧٩٧ - مسألة؛ قال: (ولا يُسَجَّى القَبْرُ، إلَّا أن يَكُونَ لامرأةٍ) قال الشَّيْخُ (٢)، ﵀، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِ تَغْطِيَةِ قَبْرِ المرأةِ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ. وقد روَى ابنُ سِيرِينَ أنَّ عُمَرَ قال: يُغَطَّى قَبْرُ المرأةِ.
ومَرَّ علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، بقَوْمٍ قد دَفَنُوا مَيَتّاً، وبَسَطُوا على قَبْرِه الثَّوْبَ، فَجَذَبَه، وقال: إنَّما يُصْنَعُ هذا بالنِّساءِ (٣). ولأنَّ المرأةَ عَوْرَةٌ، ولا يُؤْمَنُ أن يَبْدُوَ منها شئٌ فيَرَاه الحاضِرُون. فأمَّا قَبْرُ الرجلِ فيُكْرَهُ سَتْرُه، لِما ذَكَرْنا، وكَرِهَه عبدُ الله بِنُ يَزِيدَ، ولم يَكْرَهْه أصحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ.
والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّ فِعْلَ علىٍّ يَدُلُّ على كَراهتِه، ولأنَّ كَشْفَه أمْكَنُ وأبْعَدُ مِن التَّشَبُّهِ بالنِّساءِ، مع ما فيه مِن اتِّباعِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ .
٧٩٨ - مسألة: (ويَلْحَدُ له لَحْدًا، ويَنْصِبُ عليه اللَّبِنَ نَصْبًا)
стр. 2655
وَلَا يُدْخِلُهُ خَشَبًا، وَلَا شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ،
ــ
لقوْلِ سعدِ بنِ أبِى وَقّاصٍ: الْحِدُوا لى لَحْدًا، وانْصِبُوا علىَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كما صُنِعَ برسولِ اللهِ ﷺ . رَواه مسلمٌ (١). ومَعْنَى اللَّحْدِ: أنَّه إذا بَلَغ أرْضَ القَبْرِ حَفَر فيه مِمَّا يَلِى القِبْلَةَ مَكانَا يُوضَعُ فيه المَيِّتُ، فإن كانَتِ الأرْضُ رُخْوَةً جَعَلَ شِبْة اللّحْدِ مِن الحِجارَةِ. قال أحمدُ: وَلا أُحِبُّ الشَّقَّ، لِما روَى ابنُ عَبّاسٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «اللّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِى، والتِّرْمِذِىُّ (٢). وقال: غريبٌ. فإن عَجَز عن اللَّحْدِ شَقَّ له في الأرضِ، ومَعْنَى الشَّقِّ: أن يَحْفِرَ في أرضِ القَبْرِ شَقًّا يَضَعُ المَيِّتَ فيه، ويَسْقُفُه عليه بشئٍ.
٧٩٩ - مسألة: (ولا يُدْخِلُ القَبْرَ خَشَبًا، ولا شيئًا مَسَّتْه النّار)
стр. 2656
وَيَقُولُ الَّذِى يُدْخِلُهُ: بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ.
ــ
قال إبراهيمُ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ، ويَكْرَهُون الخَشَبَ (١). ولا يُستَحَبُّ الدَّفنُ في تابُوتٍ؛ لأنَّه خَشَبٌ، ولم يُنْقَلْ عن النبىِّ ﷺ ولا عن أصحابِه، وفيه تَشَبُّهٌ بأهلِ الدُّنْيَا، والأرْضُ أنْشَفُ لفَضَلاتِه. ويُكْرَهُ الآجُرُّ، وسائِرُ ما مَسَّتهُ النّارُ، تَفاؤُلًا أن لا تَمَسَّه النّارُ.
٨٠٠ - مسألة: (ويَقُولُ الذى يُدْخِلُه: بسْمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ) ، لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ ﷺ كان إذا أدْخلَ المَيِّتَ القَبْرَ، قال: «بسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ». ورُوِىَ: «(٢) وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ». قال التِّرمِذِىُّ (٣): هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وروَى
стр. 2657
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنُ ماجه (١)، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: حَضَرْتُ ابنَ عُمَرَ في جِنازَةٍ، فلَمّا وَضَعَها في اللَّحْدِ، قال: بِسْمِ اللهِ، [وفى سَبِيلِ الله] (٢)، وعلى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ. فلمّا أخَذَ في تَسْوِيَةِ اللَّبِنِ على اللّحْدِ، قال: اللَّهُمَّ أَجِرْهْا من الشَّيْطانِ، ومِن عَذابِ القَبْرِ، اللَّهُمَّ جَافِ الأرْضَ عن جَنْبَيْها، وصَعِّدْ رُوحَها، ولَقِّها منك رِضْوانًا. قُلْتُ: يا ابْنَ عُمَرَ أشئٌ سَمِعْتَه مِن رسولِ اللهِ ﷺ أم قُلْتَه برَأْيِكَ؟ قال: إنِّى إذًا لقادِرٌ على القَوْلِ! بل سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ ﷺ . ورُوِىَ عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا سَوَّى على المَيِّتِ قال: اللَّهُمَّ أسْلَمَه إليك الأهلُ والمالُ والعَشِيرَةُ، وذَنْبُهُ عَظِيمٌ، فاغْفِرْ له. رَواه ابنُ المُنْذِرِ (٣).
فصل: وإذا مات في سَفِينَةٍ في البَحْرِ، فقالَ أحمدُ: يُنْتَظَرُ به إن كانُوا يَرْجُون أن يَجِدُوا له مَوْضِعًا يَدْفِنُونه، حَبَسُوه يَوْمًا أو يَوْمَيْن، ما لم يَخافُوا عليه، فإن لم يَجِدُوا غُسِّلَ، وكُفِّنَ، وحُنِّطَ، ويُصَلَّى عليه، ويُثَقَّلُ بِشئٍ، ويُلْقَى في الماءِ. وهذا قولُ عَطاءٍ. قال الحسنُ: يُتْرَكُ في
стр. 2658
وَيَضَعُهُ فِى لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَن، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ،
ــ
زِنْبِيلٍ (١)، ويُلْقَى في البَحْرِ. وقال الشافعىُّ: يُرْبَطُ بينَ لَوْحَيْنِ؛ ليَحْمِلَه البَحْرُ إلى السّاحِلِ، فرُبَّما وَقَع إلى قَوْمٍ يَدْفِنُونَه، وإن ألْقَوْه في البَحْرِ لم يَأْثَمُوا. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه يَحْصُلُ به السَّتْرُ المَقْصُودُ مِن دَفْنِه، وإلْقَاؤُه بينَ لَوْحَيْن يَعْرِضُ له التَّغَيُّرُ والهَتْكُ، ورُبَّما بَقِىَ على السّاحِلِ مَهْتُوكًا عُرْيانًا، ورُبَّما وَقَع إلى قَوْمٍ مِن المُشْرِكِين، فكان ما ذَكَرْنا أوْلَى.
٨٠١ - مسألة: (وَيَضَعُه في لَحْدِه على جَنْبِه الأيْمَنِ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ) بوَجْهِه؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «إِذَا نَامَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَوَسَّدْ يَمِينَهُ» (٢). ويُسْتَحَبُّ أن يَضَع تحتَ رَأْسِه لَبِنَةً، أو حَجَرًا، أو شَيْئًا مُرْتَفِعًا، كما يَصْنَعُ الحَىُّ. وإن ترَكَه فلا بَأْسَ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضىَ اللهُ عنه، قال: إذا جَعَلْتُمُونِى في اللَّحْدِ فأفْضُوا بِخَدِّى إلى الأرْضِ. ويُدْنَى من الحائِطِ؛ لِئَلَّا يَنْكَبَّ على وَجْهِه، ويُسْنَدُ مِن وَرائِه بتُرابٍ؛ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ.
стр. 2659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال أحمدُ: ما أُحِبُّ أن يُجْعَلَ في القَبْرِ مُضَرَّبَة (١)، ولا مِخَدَّةٌ. وقد جُعِلَ في قَبْرِ النبىِّ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْراءُ (٢)، فإن جَعَلُوا قَطِيفَةً فلِعِلَّةٍ. فإذا فَرَغُوا نَصَبُوا عليه اللَّبِنَ نَصْبًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سَعْدٍ (٣). ويُسَدُّ عليه بالطِّينِ لِئَلَّا يَصِلَ إليه التُّرابُ، وإن جَعَل مَكانَ اللَّبِنِ قَصَبًا،. فحَسَنٌ؛ لأنَّ الشَّعْبِىَّ، قال: جُعِل على لَحْدِ النبىِّ ﷺ طُنُّ (٤) قَصَبٍ (٥). قال الخَلَّالُ: كان أبو عبدِ الله يِمِيلُ إلى اللَّبِنِ، ويَخْتارُه على القَصَبِ، ثم تَرَك ذلك ومال إلى اسْتِحْبابِ القَصَبِ على اللَّبِنِ، وأمّا الخَشَبُ فكَرِهَه على كلِّ حالٍ، ورَخَّصَ فيه عنْدَ الضَّرُورَةِ. قال شيخُنا (٦): وأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ اسْتِحْبَابُ اللَّبِنِ، وتَقْدِيمُه على القَصَبِ؛ لحَديثِ سَعْدٍ، وقَوْلُه أوْلَى مِن قولِ الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ الشَّعْبِىَّ لم يَرَ، ولم يَحْضُرْ، وكِلاهُما حَسَنٌ.
стр. 2660
وَيَحْثُو التُّرَابَ فِى الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَيُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ،
ــ
قال حَنْبَلٌ: قُلْتُ لأَحمدَ: فإن لم يَكُنْ لَبِنٌ؟ قال: يُنْصَبُ عليه القَصَبُ والحَشِيشُ، وما أمْكَنَ مِن ذلك.
٨٠٢ - مسألة: (ويَجْثُو التُّرابَ في القَبْرِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ويُهالُ عليه التُّرابُ) رُوِىَ عن أبى عبدِ اللهِ، أنَّه حَضَر جِنازَةً، فلَمَّا أُلْقِىَ عليها التُّرَابُ، قام إلى القَبْرِ فَحَثَى عليه ثَلاثَ حَثَياتٍ ثم رَجَع إلى مَكانِه. وقال: قد جاء عن علىٍّ وصَحَّ، أنَّه حَثَى على قَبْرِ ابْنِ المُكَفِّفِ (١). ورُوِىَ عنه
стр. 2661
وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الْأرْضِ قَدْرَ شِبْرِ مُسَنَّمًا،
ــ
أنَّه قال: إن فَعَل فحَسَنٌ، وإن لم يَفْعَلْ فلا بَأْسَ. ووَجْهُ اسْتِحْبابِه ما رُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ صَلّى على جِنازَةٍ، ثم أتَى قَبْرَ المَيِّتِ مِن قِبَلِ رَأْسِه، فحَثَى عليه ثَلاثًا. أخْرَجَه ابنُ ماجه (١). وعن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ ﷺ حَثَى على المَيِّتِ ثَلاثَ حَثَياتٍ بيَدَيْه جَمِيعًا. رَواه الشافعىُّ (٢). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه لَمّا دَفَن زيدَ بنَ ثابِتٍ، حَثَى في قَبْرِه ثَلاثًا، وقال: هكذا يَذْهبُ العِلْمُ (٣). فإذا فَرَغ مِن لَحْدِه أهالَ عليه التُّرابَ؛ لأنَّ دَفْنَه واجِبٌ، وذلك يَحْصُلُ بإهالَةِ التُّراب عليه.
٨٠٣ - مسألة: (ويُرْفَعُ القَبْرُ عن الأَرْضِ قَدرَ شِبْرِ مُسَنَّمًا) يُسْتَحَبُّ رَفْعُ القَبْرِ عن الأرْضِ، ليُعْرَفَ أنَّه قَبْرٌ، فيُتَوَقَّى، ويُتَرَحَّمَ على صاحِبِه وقد روَى السّاجِىُّ، عن جابِرِ، أنَّ النبىَّ ﷺ رُفِع قَبْرُه عن
стр. 2662
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأرْضِ قَدرَ شِبْرٍ (١). وروَى القاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: قُلْتُ لعائشةَ: يا أُمَّهْ، اكْشِفِى لى عن قَبْرِ رسولِ اللهِ ﷺ وصاحِبَيْه. فكَشَفَتْ لى عن ثَلاثَةِ قُبُورٍ، لا مُشْرِفَةٍ ولا لاطِئَةٍ (٢)؛ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحاءِ العَرْصَةِ الحَمْراءِ. رَواه أبو داودَ (٣). ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُه أكْثَرَ مِن ذلك؛ لِما ذَكَرْنَا، ولقَوْلِ النبىِّ ﷺ لعلىٍّ: «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ». رَواه مسلمٌ (٤)، وغيرُه. والمُشْرِفُ ما رُفِع كَثِيرًا، بدَلِيلِ قولِ القاسِمِ في صِفَةِ قَبْرِ النبىِّ ﷺ وصاحِبَيْه: لا مُشْرِفَةٍ، ولا لاطِئَةٍ. ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ القَبْرِ بأكْثَرَ مِن تُرابِه. نَصَّ عليه أحمدُ، وِرَواه عن عُقْبَةَ بنِ عامِرِ. وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن جابِرٍ، قال: نهى رسولُ الله ﷺ أن يُزادَ على القَبْرِ على حُفْرَتِه (٥).
فصل: وتَسْنِيمُ القَبْرِ أفْضَلُ مِن تَسْطِيحِه. وبه قال مالكٌ، وأبو
стр. 2663
وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ،
ــ
حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ. وقال الشافعىُّ: تَسْطِيحُه أفْضَلُ. قال: وبَلَغَنا أنَّ النبىَّ ﷺ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِه إبراهيمَ (١). وعن القاسِمِ، قال: رأيْتُ قَبْرَ النبىِّ ﷺ وأبى بكرٍ، وعُمَرَ مُسَطَّحَةٌ (٢). ولَنا، ما روَى سُفْيانُ التَّمّارُ، أنَّه قال: رَأَيْتُ قَبْرَ النبىِّ ﷺ مُسَنَّمًا. رَواه البُخَارِىُّ (٣). وعن الحسنِ مِثْلُه. ولأنَّ التَّسْطِيحَ أشْبَهُ بأبْنِيَةِ أهلِ الدُّنْيا، وهو أشْبَهُ بشِعارِ أهلِ البِدَعِ، فكان مَكْرُوهًا. وحَدِيثُنا أثْبَتُ مِن حَدِيثِهم وأصَحُّ، فكان أوْلَى.
٨٠٤ - مسألة: (ويُرَشُّ عليه الماءُ) ليَتَلَبَّدَ تُرابُه. قال أبو رافِعٍ: سَلَّ رسولُ اللهِ ﷺ سعدًا، ورَشَّ على قَبْرِه ماءً. رَواه ابنُ ماجه (٤).
وعن جابِرِ، أنَّ النبىَّ ﷺ رُشَّ على قَبْرِه ماءٌ (٥). رَواه الخَلَّالُ.
فصل: ولا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ القَبْرِ بحَجَرِ أو خَشَبَةٍ، يَعْرِفُه بها. نَصَّ عليه أحمدُ، لِما روَى أبو داودَ (٦)، بإسْنادِه؛ عن المُطَّلِبِ (٧)، قال: لَمّا
стр. 2664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مات عثمانُ بنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بجِنازَتِه فدُفِنَ، أمَرَ النبىُّ ﷺ رَجُلًا (١) أن يَأْتِيَه بَحَجَرٍ، فلم يَسْتَطِعْ حَمْله، فقام رسولُ اللهِ ﷺ ، فحَسَرَ عن ذِراعَيْه، ثم حَمَلَها فوَضَعَها عندَ رَأْسِه، وقال: «أُعلِّمُ (٢) بِها قَبْرَ أخِى،
وأدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِهِ». ورَواه ابنُ ماجه (٣)، عنه ﵇، مِن رِوايَةِ أنَسً.
فصل: فأمّا التَّلْقِينُ بعدَ الدَّفْنِ، فقال شيخُنا (٤): فلم نَسْمَعْ فيه عن أحمدَ شيئًا، ولا أعْلَمُ فيه للأئِمَّةِ قَوْلًا، سِوَى ما رَواه الأَثْرَمُ، قال: قُلْتُ لأبى عبدِ اللهِ: فهذا الذى يَصْنَعُون إذا دُفِن المَيِّتُ، يَقِفً الرجلُ، فيَقُولُ يا فُلانُ ابن فُلانَةَ (٥)، اذْكرْ ما فارَقْتَ عليه، شَهادَةَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ؟
стр. 2665
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقالَ: ما رَأيْتُ أحَدًا فَعَل هذا إلَّا أهلَ الشّامِ، حينَ مات أبو المُغِيرَةِ (١) جاء إنْسانٌ، فقالَ ذلك. قال: وكان أبو المُغِيرَةِ يَرْوِى فيه عن أبى بكرِ ابنِ أبى مَرْيَمَ، عن أشْياخِهم، أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونه. وقال القاضى، وأبو الخَطّاب: يُسْتَحَبُّ ذلك. ورَوَيا فيه عن أبى أُمامَةَ الباهِلِىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إذَا مَاتَ أحَدُكمْ، فَسَوَّيْتُم عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلْيَقُمْ أحَدُكُمْ عِنْدَ رأُسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَانُ ابنَ فُلَانةَ. فَإنَّهُ يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ لْيَقُل: يَا فُلانُ ابنَ فُلَانَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَسْتَوِى قَاعِدًا، ثُمَّ لْيَقُل: يا فُلَانُ
ابنَ فُلَانةَ. فإنَّهُ يَقُولُ: أرْشِدْنَا يَرْحَمْكَ اللهُ. وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُون. فَيَقُولُ: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا، شَهادَةَ أنْ لَا إلَه إلَّا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأنَّكَ رَضِيتَ بالله رَبًّا، وَبِالْإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيًّا، وَبالْقُرْآنِ إمَامًا. فَإنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَتَأخَّرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فيَقُولُ: انْطَلِقْ فَمَا يُقْعِدُنَا عِنْدَ هذَا وَقَد لُقِّنَ حُجَّتَهُ. وَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى حُجَّتَهُ دُونَهُمَا».