. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحَجَّ، والدُّعاءَ، والاسْتِغْفَارَ، كلُّها عِباداتٌ بَدَنِيَّةٌ، وقد أوْصَلَ اللهُ نَفْعَها إلى المَيِّتِ، فكذلك ما سِواها، مع ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ في ثَوابِ مَن قَرَأ يسَ، وتَخْفِيفِ اللهِ عن أهلِ المَقابِرِ بقِراءَتِه. ولأنَّه عَمَلُ بِرٍّ وطاعَةٍ، فوَصَلَ نَفْعُه وثَوابُه، كالصَّدَقَةِ، والصيامِ، والحَجَّ الواجِبِ. وقال الشافعىُّ: ما عَدَا الواجِباتِ، والصَّدَقَةَ، والدُّعاءَ، والاسْتِغْفَارَ، لا يُفْعَلُ عن المَيِّتِ، ولا يَصِلُ ثَوابُه إليه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١). وقولِ النبىِّ ﷺ : «إذَا مَاتَ
ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أوْ ولَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (٢). ولأن نَفْعَه لا يَتَعَدَّى فاعِلَه، فلا يَتَعَدَّاه ثَوابُه. وقال بعضُهم: إذا قُرِئ القُرْآنُ عندَ المَيِّتِ، أو أُهْدِىَ إليه ثَوابُه، كان الثَّوابُ لقارِئِه، ويَكُونُ المَيِّتُ كأنَّه حاضِرُها، فتُرْجَى له الرَّحْمَةُ. ولَنا، ما ذَكَرْناه، وأنَّه إجْماعُ المُسْلِمِين؛ فإنَّهم في كلِّ عَصْرٍ
стр. 2697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومِصْرٍ يَجْتَمِعُون ويَقْرَءُون القُرْآنَ، ويُهْدُون ثَوابَه إلى مَوْتاهم مِن غيرِ نَكِيرٍ. ولأنَّ الحَدِيثَ صَحَّ عن النبىِّ ﷺ : «إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهلِهِ عَلَيْهِ» (١). واللهُ أكْرَمُ مِن أْن يُوصِلَ عُقُوبَةَ المَعْصِيَةِ إليه، ويَحْجُبَ عنه المَثُوبَةَ. والآيةُ مَخْصُوصَةٌ بما سَلَّمُوه، فيُقاسُ عليه ما اخْتَلَفْنَا فيه؛ لكَوْنِه في مَعْناه. ولا حُجَّةَ لهم في الخَبَرِ الذى احْتَجُّوا به؛ لأنَّه إنَّمَا دَلَّ
على انْقِطاعِ عَمَلِه، وليس هذا مِن عَمَلِه فلا دَلالَةَ فيه عليه، ولو دَلَّ عليه كان مَخْصُوصًا بما سَلَّمُوه، فيَتَعَدَّى إلى ما مَنَعُوه، وما ذَكَرُوه مِن المَعْنَى غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ تَعَدِّىَ الثَّوابِ ليس بفَرْعٍ لتَعَدِّى النَّفْعِ، ثم هو باطِلٌ بالصومِ والدُّعاءِ والحَجِّ، وليس له أصْلٌ يُعْتَبَرُ به. واللهُ أعلمُ.
стр. 2698
ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْلَحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا لِلنَّاسِ.
ــ
٨١٤ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أنْ يُصْلَحَ لأهلِ المَيِّتِ طَعامٌ، يُبْعَثُ إليهم، ولا يُصْلِحُون هم طَعامًا للنّاسِ) لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ، قال: لَمّا جاء نَعْىُ جَعْفَرٍ، قال رسولُ الله ﷺ : «اصْنَعُوا لآلِ جَعْفرٍ طَعَامًا، فَقَدْ جَاءَهُمْ أمْرٌ شَغَلَهُمْ». رَواه أبو داودَ (١). ويُرْوَى عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، أنَّه قال: فما زالَتِ السُّنَّةُ فينا، حتى تَرَكَها مَن تَرَكَها. ولأنَّ أهلَ المَيِّتِ رُبَّما اشْتَغَلُوا بمُصِيبَتِهم وبمَن يَأْتِى إليهم عن
стр. 2699
فصل: وَيُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ الْقبُورِ. وَهَلْ تُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
ــ
إصْلاحِ طَعامٍ لهم، ولأنَّ فيه جَبْرًا لقُلُوبِهم. فأمّا إصْلاحُ أهلَ المَيِّتِ طَعامًا للنّاسِ فَمَكْرُوهٌ؛ لأنَّه زِيادَةٌ على مُصِيبَتِهم، وشُغْلٌ لهم إلى شُغْلِهِم، وتَشْبِيهٌ بصَنِيعِ أهلِ الجَاهِلِيَّةِ. وقد رُوِىَ أنَّ جَرِيرًا وَفَد على عُمَرَ، فقالَ: هل يُناحُ على مَيِّتِكم؟ قال: لا. قال: فهل يَجْتَمِعُون عندَ أهْلِ المَيِّتِ، ويَجْعَلُون الطَّعامَ؟ قال: نعم. قال: ذلك النَّوْحُ (١). وإن دَعَتِ الحاجَةُ (٢) إلى ذلك جاز؛ فإنَّه رُبَّما جاءَهم مَن يَحْضُرُ مَيِّتَهم مِن أهلِ القُرَى البَعِيدَةِ، ويَبِيتُ عندَهم، فلا يُمْكِنُهم إلَّا أن يُطْعِمُوه.
(فصل: ويُسْتَحَبُّ للرِّجالِ زِيارَةُ القُبُورِ. وهل تُكْرَهُ للنِّساءِ؟ على رِوايَتَيْنِ) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في اسْتِحْبابِ زِيارَةِ الرجالِ
وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا.
ــ
فصل: (ويُكْرَهُ الجُلُوسُ لها) وذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه مُحْدَثٌ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الاجْتِماعُ بعدَ خُرُوجِ الرُّوحِ؛ لأنَّ فيهْ تَهْيِيجًا للحَزْنِ. وقال أحمدُ: أكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عندَ القَبْرِ، إلَّا لمَن لم يُعَزِّ، فيُعَزِّى إذا دُفِن المَيِّتُ، أو قبلَه. وقال: إن شِئْتَ أخَذْتَ بيَدِ الرجلِ في التَّعْزِيَةِ وإن شِئْتَ فلا. وإذا رَأى الرجلَ قد شَقَّ ثَوْبَه على المُصِيبَةِ عَزّاه، ولم يَتْرُكْ حَقًّا لباطِلٍ، وإن نَهاه فحَسَنٌ.
стр. 2708
وَيَقُولُ فِى تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أعْظَمَ اللهُ أجْرَكَ، وَأحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ،
ــ
٨١٧ - مسألة: (ويَقُولُ في تَعْزِيَةِ المُسْلِمِ بالمُسْلِمِ: أعْظَمَ (١) الله أجْرَكَ، وأحسَنَ عَزاءَكَ، ورَحِم مَيِّتَك) هكذا ذَكَرَه بعضُ أصحابِنا.
قال شيخُنا (٢): ولا أعْلَمُ في التَّعْزِيَةِ شيئًا مَحْدُودًا، إلَّا أنَّه يُرْوَى أنَّ النبىَّ ﷺ عَزَّى. رجلًا، فقال: «رَحِمَكَ الله وآجَرَكَ». رَواه الِإمامُ.
أحمدُ (٣). وعَزَّى أحمدُ أبا طالِبٍ، فوَقَفَ على بابِ المَسْجِدِ، فقالَ:
стр. 2709
وَفِى تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأحْسَنَ عَزَاءَكَ. وَفِى تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِمُسْلِمٍ: أَحْسَنَ اللهُ عَزَاءَكَ، وغَفَرَ لِميِّتِكَ. وَفِى
[٤٢ ظ] تَعْزِيَتِهِ عَنْ كَافِرٍ: أَخْلَفَ اللهُ عَلَيْكَ، وَلَا نَقَصَ عَدَدَكَ.
ــ
أعْظَمَ الله أجْرَكم، وأحْسَنَ عَزاءَكم. واسْتَحَبَّ بعضُ أهلِ العلمِ أن يَقُولَ ما روَى جَعْفَرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: لَمّا تُوفِّىَ رسولُ اللهِ ﷺ وجاءَتِ التَّعْزِيَةُ، سَمِعُوا قَاِئلًا يَقُولُ: إنَّ في الله عَزاءً مِن كلِّ مُصِيبَةٍ، وخَلَفًا مِن كلِّ هالِكٍ، ودَرَكًا مِن كلِّ ما فات، فبالله فِثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا، فإنَّ المُصابَ مَن حُرِم الثَّوابَ. رَواه الشافعىُّ (١) في «مُسْنَدِه». وإن
عَزَّى مُسْلِمًا بكافِرٍ، قال: (أعْظَمَ اللهُ أجْرَك، وأحْسَنَ عَزاءَك).
٨١٨ - مسألة: (و) يَقُولُ (في تَعْزِيَةِ الكافِرِ بالمُسْلِمِ: أحْسَنَ الله عَزاءَك، وغَفَر لِمَيِّتِك. وفى تَعْزِيَتِه عن كافِرٍ: أخْلَفَ الله عليك ولا نَقَص عَدَدَك) تَوَقَّفَ أحمدُ عن تَعْزِيَةِ أهلِ الذِّمَّةِ، وهى
стр. 2710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُخَرَّجُ على عِيادَتِهم، وفيها رِوايَتان، إحْداهما، لا نَعُودُهم، لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَا تَبْدَءُوهُمْ بالسَّلَامِ» (١). وهذا في مَعْناه. والثانيةُ، نَعُودُهم؛ لأنَّ النبىِّ ﷺ أتَى غُلامًا مِن اليَهُودِ كان مَرِض يَعُودُه، فقَعَدَ عندَ رَأْسِه، فقال له: «أسْلِمْ». فنَظَرَ إلى أبيه وهو عندَ رَأْسِه، فقال له (٢): أطِعْ أبا القاسِمِ. فأسْلَمَ، فقام النبىُّ ﷺ وهو يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى أنْقَذَهُ بِى مِنَ النَّارِ». رَواه البُخارِىُّ (٣). فعلى هذا يُعَزِّيهم،
стр. 2711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَقُولُ ما ذَكَرْنا، ويَقْصِدُ بقولِه: لا نَقَصَ عَدَدَكَ: زِيادَةَ عَدَدِهم؛ لتَكْثُرَ جزْيَتُهم. وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ: يَقُولُ: أعْطَاكَ الله على مُصِيبَتِك أفْضَلَ ما أعْطَى أحَدًا مِن أهلِ دِينك.
فصل: فأمّا الرَّدُّ مِن المُعَزَّى، فرُوِىَ عن أحمدَ بنِ الحسينِ (١)، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله، وهو يُعَزَّى في عَبْثَرٍ ابنِ عَمِّه، وهو يَقُولُ: اسْتَجابَ الله دُعاءَك، ورَحِمَنا وَإيّاك.
стр. 2712
وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابُ عَلَى رَأْسِهِ ثَوْبًا يُعْرَفُ بِهِ.
ــ
٨١٩ - مسألة: (ويَجُوزُ البُكاءُ على المَيِّتِ، وأن يَجْعَلَ المُصابُ على رَأْسِه ثَوْبًا يُعْرَفُ به) ليُعَزَّى. البُكاءُ بمُجَرَّدِه. لا يُكْرَهُ في حالٍ. وقال الشافعىُّ: يُباحُ قبلَ المَوْتِ، ويُكْرَهُ بعدَه؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عَتِيكٍ (١)، قال: جاء (٢) رسولُ اللهِ ﷺ إلى عبدِ اللهِ بنِ ثابِتٍ يَعُودُه، فوَجَدَه قد غُلِب، فصاح به فلم يُجِبْه، فاسْتَرْجَعَ، وقال: «غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أبَا الرَّبِيعِ». فصاح النِّسْوَةُ، وبَكَيْنَ، فجَعَلَ ابنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ.
فقالَ النبىُّ ﷺ : «دَعْهُنَّ، فَإذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ» (٣). يَعْنِى إذا
стр. 2713
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ماتَ. ولَنا، ما روَى أنَسٌ، قال: شَهِدْنا بنتَ رسولِ الله ﷺ ، ورسولُ اللهِ ﷺ جالِسٌ على القَبْرِ، فرَأيْتُ عَيْنَيْه تَدْمَعَان (١). وقَبَّلَ النبىُّ ﷺ عثمانَ بنَ مَظْعُونٍ وهو مَيِّتٌ، وعَيْناه تُهَرَاقان (٢). وقالَتْ عائشةُ: دَخَل أبو بكرٍ، فكَشَفَ عن وَجْهِ رسولِ اللهِ ﷺ فقَبَّلَه، ثم بَكَى (٣). وكلُّها أحاديثُ صِحاحٌ. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ دَخَل على سعدِ بنِ عُبادَةَ، وهو في غاشِيَتِه، فبَكَى، وبَكَى أصحابُه، وقال: «ألَا تَسْمَعُونَ؟ إنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، ولَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذا، وأشار إلى لِسانِه، أوْ يَرْحَمُ». مُتَّفَقٌ عليه (٤). وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على رَفْعِ
стр. 2714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّوْتِ، والنَّدْبِ، وشِبْهِهما، بدَلِيلِ ما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ ﷺ أخَذَ ابْنَه، فوَضَعَه في حِجْرِه، فبَكَى، فقالَ له عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ: أتَبْكِى! أوَ لم تَكُنْ نَهَيْتَ عن البُكاءِ؟ قال: «لَا، وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ؛ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَخَمْشِ وُجُوهٍ، وَشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ» (١). حديثٌ حسنٌ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَنْهَ عن مُطْلَقِ البُكاءِ، إنَّما نَهَى عنه مَوْصُوفًا بهذه الصِّفاتِ. وْقال عُمَرُ: ما على نِساءِ بَنِى المُغِيرَةِ أن يَبْكِينَ على أبى سُليمانَ، ما لم يَكُنْ نَقْعٌ أو لَقْلَقَةٌ (٢). اللَّقْلَقَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، والنَّقْعُ: التُّرابُ.
стр. 2715
وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ، وَلَا النِّيَاحَةُ، وَلَا شَقُّ الثِّيَابِ، وَلَا لَطْمُ الْخُدُودِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
ــ
٨٢٠ - مسألة: (ولا يَجُوزُ النَّدْبُ، ولا النِّياحَةُ، ولا شَقُّ الثِّيابِ، ولَطْمُ الخُدُودِ، وما أشْبَهَ ذلك) النَّدْبُ هو تَعْدادُ مَحاسِنِ
المَيِّتِ، وما يَلْقَوْنَ بعدَه، بلَفْظِ النُّدْبَةِ، كقَوْلِهم: وارَجُلاهُ، واجَبَلاهُ، وانْقِطَاعُ ظَهْراهُ. فهذا وأشْباهُه مِن النَّوْحِ، وشَقِّ الجُيُوبِ، ولَطْمِ الخُدُودِ، والدُّعاءِ بالوَيْلِ والثُّبُورِ ونَحْوِه لا يَجُوزُ. وقال بعضُ أصحابِنا: هو مَكْرُوهٌ. ونَقَل حَرْبٌ عن أحمدَ كَلامًا يَحْتَمِلُ إباحَةَ النَّوْحِ والنَّدْبِ.
واخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه؛ لأنَّ واثِلَةَ بنَ الأسْقَعِ، وأبا وائِلٍ، كانا يَسْتَمِعان النَّوْحَ ويَبْكِيان (١). وقال أحمدُ: إذا ذَكَرَتِ المرأةُ مثلَ ما حُكِىَ عن فاطمةَ، في مثلِ الدُّعاءِ لا يكونُ مثلَ النَّوْحِ. يَعْنِى لا بَأْسَ به. ورُوِىَ
стр. 2716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن فاطمةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالت: يا أبَتاهُ، مِن رَبِّه ما أدْناهُ، إلى جِبْرِيلَ أنْعاهُ، يا أبَتاهُ، أجاب رَبّاً دَعاهُ (١). ورُوِىَ عن علىٍّ، عن فاطمةَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّها أخَذَت قَبْضَةً مِن تُرابِ قَبْرِ النبىِّ ﷺ ، فوَضَعَتْها على عَيْنِها، ثم قالت:
ماذا على مُشْتَمِّ تُرْبَةِ أحْمَدٍ ... أن لا يَشَمَّ مَدَى الزَّمانِ غَوالِيا
صُبَّتْ عَلَىَّ مَصائِبٌ لو أنَّها ... صُبَّتْ على الأيّامِ عُدْنَ لَيالِيا
ووَجْهُ الأُولَى أنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عنها في حديثِ جابِرٍ الذى ذَكَرْناه (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (٣). قال أحمدُ: هو النَّوْحُ. ولَعَن رسولُ اللهِ ﷺ النَّائِحَةَ والمُسْتَمِعَةَ (٤). وقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: أخَذَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ عندَ البَيْعَةِ أن لا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ
كِتَابُ الزَّكَاةِ
ــ
كِتابُ الزكاةِ
قال ابنُ قُتَيْبَةَ (١): الزكاةُ مِن الزكاءِ والنَّماءِ والزِّيادَةِ، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّها تُثَمِّرُ المالَ وتُنَمِّيه. يقالُ: زَكا الزَّرْعُ. إذا كَثُرَ رَيْعُه. وزَكَتِ النَّفَقَةُ. إذا بُورِكَ فيها. وهي في الشَّرِيعَةِ حَقٌّ يَجِبُ في المالِ، فعندَ إطْلاقِ لَفْظِها في الشَّرْعِ تَنْصَرفُ إلى ذلك. والزكاةُ أحَدُ أرْكانِ الإسْلامِ، وهى واجِبَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، أمّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢). وأمّا السُّنَّةُ، فإنَّ النبىَّ، ﷺ ، بَعَث مُعاذاً إلى اليَمَنِ، فقال: «أعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). وأجْمَعَ المُسْلِمون في جميعِ الأعْصارِ على وُجُوبِها، واتَّفَقَ الصحابَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، على قِتالِ مانِعِى الزكاةِ،
стр. 2726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فرَوَىْ البخارىُّ بإسْنادِه عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: لمّا تُوُفِّىَ رسولُ اللهِ، ﷺ ، وارْتَدَّتِ العَرَبُ، وكَفَر مَن كَفَر مِن العَرَب، فقال عُمَرُ لأبى بكرٍ: كيف تُقاتِلُ النّاسَ وقد قال رسولُ اللهِ، ﷺ : «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَها فَقَدْ عَصَمَ مِنِّى مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ»؟ فقال أبو بكرٍ: واللهِ لأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ
بينَ الصلاةِ والزكاةِ؛ فإنَّ الزكاةَ حَقُّ المالِ، واللهِ لو مَنَعُونِى عَناقاً (١) كانُوا يُؤَدُّونَها إلى رسولِ اللهِ ﷺ لقاتَلْتُهم على مَنْعِها. قال عُمَرُ: فواللهِ ما هو إلَّا أنِّى رأيْتُ أن قد شَرَح اللهُ صَدْرَ أبى بَكْرٍ للقِتالِ، فعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ (٢). ورَواه أبو داودَ، وقال: لو مَنَعُونِى عِقالاً. قال أبو عُبَيْدٍ: العِقالُ صَدَقَةُ العامِ (٣). قال الشّاعرُ (٤):
سَعَى عِقالاً فلم يَتْرُكْ لنا سَبَداً ... فكيفَ لو قد سَعَى عَمْرٌو عِقالَيْنِ (٥)
وقِيلَ: كانُوا إذا أخَذُوا الفَرِيضَةَ أخَذُوا معها عِقالَها. ومَن روَى «عَناقاً» ففى رِوايَتِه دَلِيلٌ على جَوازِ أخْذِ الصَّغِيرَةِ مِن الصِّغارِ.
стр. 2727
تَجِبُ الزَّكَاةُ فِى أَرْبَعَةِ أصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ، السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْأَثْمَانِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ.
وَلَا تَجِبُ فِى غَيْرِ ذَلِكَ.
ــ
٨٢١ - مسألة: (تَجِبُ الزكاةُ في أرْبَعَةِ أصْنافٍ مِن المالِ؛ السّائِمَةِ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخارِجِ مِن الأرْضِ، والأثْمانِ، وعُرُوضِ
التِّجارَةِ) وسيَأْتِى شَرْحُ ذلك في مَواضِعِه، إن شاء اللهُ. (ولا تَجِبُ في غيرِ ذلك) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: في الخَيْلِ الزكاةُ إذا كانت ذُكُوراً وإناثاً، فإن كانت ذُكُوراً أو إناثاً مُفْرَدَةً، ففيها رِوايَتان، وزَكاتُها دِينارٌ عن كلِّ فَرَسٍ، أو رُبعُ عُشْرِ قِيمَتِها، والخِيَرَةُ في ذلك إلى صاحِبِها؛ لِما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «فِى الْخَيْل السَّائِمَةِ، فِى كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ» (١). وعن عُمَرَ، أنَّه كان يأْحُذُ مِن الرَّأْسِ عَشَرَةً (٢)، ومِن الفَرَسِ عَشَرَةً، ومِن البِرْذَوْنِ
خَمْسَةً (٣). ولأنَّه حَيوانٌ يُطْلَبُ نَماؤُه لجِهَةِ السَّوْمِ، أشْبَهَ النَّعَمَ. ولَنا، قَوْلُه ﵇: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِى عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ».
стр. 2728
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُتَّفَقٌ عليه (١). وقَوْلُه ﵇: «عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» (٢). حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّ ما لا تُخْرَجُ زَكاتُه مِن جِنْسِه لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، كسائِرِ الدَّوابِّ. وحَدِيثُهم يَرْوِيه غُوركُ السَّعْدِىُّ (٣)، وهو ضَعِيفٌ. وأمّا عُمَرُ فإنَّما أخَذ منهم شيئاً تَبَرَّعُوا به، وعَوَّضَهم عنه رِزْقَ عَبِيدِهم. كذلك رَواه أحمدُ (٤). والزكاةُ لا يُؤْخَذُ عنها عِوَضٌ، ولأنَّ عُمَرَ حينَ عَرَضُوا عليه ذلك، شاوَرَ الصحابَةَ فيه.
стр. 2729
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ فِى الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِىِّ وَالْأَهْلِىِّ.
ــ
فقال علىٌّ: هو حَسَنٌ إن لم يَكُنْ جِزْيَةً يُؤْخَذُون بها مِن بَعْدِك. فدَلَّ على أنَّ أخْذَهم بذلك غيرُ جائِزٍ. وقِياسُها على النَّعَمِ لا يَصِحُّ، لكمَالِ نَفْعِها بدَرِّها ولَحْمِها، ويُضَحَّى بجِنْسِها، وتَكُونُ هَدْياً، وتَجِبُ الزكاةُ مِن عَيْنِها، ويُعْتَبَرُ كَمالُ نِصابِها، والخَيْلُ بخِلافِ ذلك. واللهُ أعلمُ.
٨٢٢ - مسألة: (وقال أصحابُنا: تَجِبُ في المُتَوَلِّدِ بينَ الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ) وسَواءٌ كانتِ الوَحْشِيَّةُ الفُحُولَ أو الأُمَّهاتِ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: إن كانتِ الأُمَّهاتُ أهْلِيَّةً وَجَبَتِ الزكاةُ فيها، وإلَّا فلا؛ لأنَّ وَلَدَ البَهِيمَةِ يَتْبَعُ أُمَّه. وقال الشافعىُّ: لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّها مُتَوَلِّدَةٌ مِن وَحْشِىٍّ، أشْبَهَ المُتَوَلِّدَ مِن وَحْشِيَّيْن. وحُجَّةُ أصحابِنا، أنَّها مُتَوَلِّدَةٌ بينَ ما تَجِبُ فيه الزكاةُ، وما لا تَجِبُ، فوَجَبَ فيها الزكاةُ، كالمُتَوَلِّدِ بينَ سائِمَةٍ ومَعْلُوفَةٍ. وزَعَم بعضُهم أنَّ غَنَمَ مَكَّةَ مُتَوَلِّدَةٌ بينَ الظِّباءِ والغَنَمِ، وفيها الزكاةُ بالاتِّفاقِ. فعلى هذا القَوْلِ تُضَمُّ إلى جِنْسِها مِن الأهْلِىِّ في وُجُوبِ الزكاةِ، وتَكُونُ كأحَدِ أنْواعِه. قال شيخُنا (١): والقولُ بانْتِفاءِ الزكاةِ فيها أصَحُّ؛ لأنَّ الأصْلَ انْتِفاءُ الوُجُوبِ، وإنَّما يَثْبُتُ بنَصٍّ أو إجْماعٍ أو
стр. 2730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِياسٍ، ولا نَصَّ فيها ولا إجْماعَ ولا قِياسَ, لأنَّ النَّصَّ إنَّما هو في بَهِيمَةِ الأنعامِ مِن الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ، وليس هذا منها, ولا داخِلَةً في اسْمِها ولا حُكْمِها ولا حَقِيقَتِها، فإنَّ المُتَوَلِّدَ بينَ شَيْئَيْنِ مُنْفَرِدٌ باسْمِه وجِنْسِه، كالبَغْلِ، والسِّمْعِ (١) المُتَوَلِّدِ بينَ الضَّبُعِ والذِّئْبِ، فكذلك المُتَوَلِّدُ بينَ الظَّبْىِ والمَعْزِ [ليس بمَعْزٍ ولا ظَبْىٍ، فلا تَتَناوَلُه النُّصُوصُ، ولا يَصِحُّ قِياسُه عليها؛ لتَباعُدِ ما بينَهما، واخْتِلافِ حُكْمِهما] (٢)، في كَونِه لا يُجْزِئُ في هَدْىٍ ولا أُضْحِيَةٍ ولا دِيَةٍ، ولو وَكَّلَ وَكِيلاً في شِراءِ شاةٍ، لم يَدْخُلْ في الوَكالَةِ، ولا يَحْصُلُ منه ما يَحْصُلُ مِن الشّاةِ؛ مِن الدَّرِّ وكَثْرَةِ النَّسْلِ، بل الظّاهِرُ أنَّه لا نَسْلَ له كالبَغْلِ، فامْتَنَعَ القِياسُ. فإذَنْ إيجابُ الزَّكاةِ فيه تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ. فإن قِيلَ تَجِبُ الزَّكاةُ فيه احْتِياطاً وتَغْلِيباً للإِيجابِ، كما أثْبَتْنا التَّحْرِيمَ فيها في الحَرَمِ والإِحْرامِ احْتِياطاً. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الواجِباتِ لا تَثْبُتُ احْتِياطاً بالشَّكِّ، ولهذا لا تَجِبُ الطهارَةُ على مَن تَيَقَّنَها وشَكَّ في الحَدَثِ. وأمّا السَّوْمُ والعَلَفُ فالاعْتِبارُ فيه بما تَجِبُ فيه الزكاةُ، لا بأصْلِه الذى تَوَلَّدَ منه، بدَلِيلِ أنَّها تَجِبُ في أوْلادِ المَعْلُوفَةِ
стр. 2731
وَفِى بَقَرِ الْوَحْشِ رِوَايَتَانِ.
ــ
إذا أسامَها, ولا تَجِبُ في أوْلادِ السّائِمَةِ إذا عَلَفَها. وقولُ مَن زَعَم أنَّ غَنَمَ مَكَّةَ مُتَوَلِّدَةٌ. مِن الظِّباءِ والغَنَمِ لا يَصِحُّ، وإلَّا لَحُرِّمَتْ في الحَرَمِ والإِحْرامِ، كسائِرِ المُتَوَلِّدِ بينَ الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ، ولَما كان لها نَسْلٌ، كالبَغْلِ والسِّمْعِ.
٨٢٣ - مسألة: (وفى بَقرِ الوَحْشِ رِوايَتان) إحْداهُما، فيها الزكاةُ. اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّ اسْمَ البَقَرِ يَشْمَلُها، فتَدْخُلُ في مُطْلَقِ
الخَبَرِ. والثانِيَةُ، لا زَكاةَ فيها. وهى أصَحُّ، وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛
стр. 2732
وَلَا تَجِبُ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ الإِسْلَامِ، وَالْحُرِّيَّةِ،
ــ
لأنُّ اسْمَ البَقَرِ عندَ الإِطْلاقِ لا يَنْصَرِفُ إليها, ولا تُسَمَّى بَقَراً إلَّا بالإِضافَةِ إلى الوَحْشِ، ولأنَّها حَيَوانٌ لا يُجْزِئُ نَوْعُه في الأُضْحِيَةِ والهَدْىِ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالظِّباءِ، وليست مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فلم تَجِبْ فيها الزكاةُ، كسائِرِ الوَحْشِ. يُحَقِّقُ ذلك أنَّ الزكاةَ إنَّما وَجَبَتْ في بَهِيمَةِ الأنعامِ دُونَ غيرِها, لكَثْرَةِ النَّماءِ فيها مِن دَرِّها ونَسْلِها، وكَثْرَةِ الانْتِفاعِ بها، وخِفَّةِ مُؤْنَتِها، وهذا المَعْنَى مُخْتَصٌّ بها، فاخْتَصَّتِ الزكاةُ بها. ولا تَجِبُ الزكاةُ في الظِّباءِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافاً؛ لعَدَمِ تَناوُلِ اسْمِ الغَنَمِ لها.
واللهُ أعْلَم.
٨٢٤ - مسألة: (ولا تَجِبُ إلَّا بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ الإِسلامِ ،
стр. 2733
فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا مُكَاتَبٍ.
ــ
والحُرِّيَّةِ، فلا تَجِبُ على كافِرٍ، ولا عَبْدٍ، ولا مُكاتَبٍ) لا تَجِبُ الزكاةُ على كافِرٍ، لقَوْلِ النبىِّ ﷺ لِمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «إِنَّكَ تَأْتِى قَوْماً أهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ». إلى قولِه «فَإنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِك فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). فجَعَلَ الإِسْلامَ شَرْطاً لوُجُوبِ الزكاةِ، ولأنَّها أحَدُ أرْكانِ الإِسْلامِ، فلم تَجِبْ على كافِرٍ، كالصِّيامِ. وذَهَب بعضُ العُلَماءِ إلى أنَّها تَجِبُ عليه في حالِ كُفْرِه، بمَعْنَى أنَّه يُعاقَبُ عليها إذا مات على كُفْرِه، وهذا لا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ، فلا حاجَةَ إلى ذِكْرِه. هذا حُكْمُ الكافِرِ الأصْلِىِّ.
стр. 2734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأمّا المُرْتَدُّ فَلَنا فيه وَجْهٌ، أنَّه يَجِبُ عليه قَضاءُ الزكاةِ في حالِ رِدَّتِه إذا أسْلَمَ. ولأصحابِ الشافعىِّ فيه قَوْلان مَبْنِيّان على زَوالِ مِلْكِه بالرِّدَّةِ، فإن قُلْنا: يَزُولُ. فلا زَكاةَ عليه. وإن قُلْنا: لا يَزُولُ مِلْكُه. أو: هو مَوْقُوفٌ.
وَجَبَتْ عليه؛ لأنَّه حَقٌّ الْتَزَمَه بالإِسْلامِ، فلم يَسْقُطْ بالرِّدَّةِ، كحُقُوقِ الآدَمِيِّين. والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ. ولا تَجِبُ على عَبْدٍ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن عَطاءٍ، وأبى ثَوْرٍ، أنَّه يَجِبُ على العَبْدِ زَكاةُ مالِه.
ولَنا، أنَّ العَبْدَ ليس بتامِّ المِلْكِ، فلم يَلْزَمْه زَكاةٌ، كالمُكاتَبِ، ولأنَّ الزكاةَ إنَّما وَجَبَتْ على سَبِيلِ المُواساةِ، ومِلْكُ العَبْدِ ناقِصٌ لا يَحْتَمِلُ المُواساةَ، بدَلِيلِ أنَّه لا تَجِبُ عليه نَفَقَةُ أقارِبِه، لكَوْنِها وَجَبَتْ مُواساةً ولا يَعْتِقُون عليه. ولا تَجِبُ على مُكاتَبٍ؛ لأنَّه عَبْدٌ، لقَوْلِه ﵇:
«الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْه دِرْهَمٌ». رَواهُ أبو داودَ (١). ولأنَّ مِلْكَه غيرُ
стр. 2735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تامٍّ، فهو كالعَبْدِ، ولا نَعْلَمُ أحَداً قال بوُجُوبِ الزكاةِ على المُكاتَبِ إلَّا أبا ثَوْرٍ، ذَكَرَه عنه ابنُ المُنْذِرِ. واحْتَجَّ أبو ثَوْرٍ بأنَّ الحَجْرَ مِن السَّيِّدِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ، كالحَجْرِ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ والمَرْهُونِ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه أوْجَبَ العُشْرَ في الخارِجِ مِن أرْضِه، بِناءً على أصْلِه في أنَّ العُشْرَ مُؤْنَةُ الأرْضِ، وليس بزَكاةٍ. ولَنا، ما رُوِىَ أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لَا زَكَاةَ فِى مَالِ الْمُكَاتَبِ» (١). رَواه الفُقَهاءُ في كُتُبِهم.
ولأنَّ الزكاةَ تَجِبُ علىْ طَرِيقِ المُواساةِ، فلم تَجِبْ في مالِ المُكاتَبِ، كنَفَقَةِ الأقارِبِ، وفارَقَ المَحْجُورَ عليه، فإنَّه مُنِعَ التَّصَرُّفَ لنَقْصِ تَصَرُّفِه لا لنَقْصِ مِلْكِه، والمَرْهُونُ مُنِعَ مِن التَّصَرُّفِ فيه بعَقْدِه، فلم يَسْقُطْ حَقُّ اللهِ تعالى. ومتى كان مَنْعُ. التَّصَرُّفِ فيه لدَيْنٍ لا يُمْكِنُه وَفاؤُه مِن غيرِه، فلا زكاةَ عليه، وسَيأْتِى ذلك إن شاء اللهُ تعالى. فإن عَجَز المُكاتَبُ ورُدَّ في الرِّقِّ، صار ما في يَدِه لسَيِّدِه، فاسْتَقْبَلَ به حَوْلاً، إن كان نِصاباً، وإلَّا ضَمَّه إلى ما في يَدِه، كالمُسْتَفادِ. وإن أدَّى المُكاتَبُ ما عليه، وبَقِىَ في يَدِه نِصابٌ، فقد صار حُرّاً تامَّ المِلْكِ، فيَسْتأنِفُ الحَوْلَ مِن حينِ عِتْقِه ويُزَكِّى، كسائِرِ الأحْرارِ.