وَفِى بَقَرِ الْوَحْشِ رِوَايَتَانِ.
ــ
إذا أسامَها, ولا تَجِبُ في أوْلادِ السّائِمَةِ إذا عَلَفَها. وقولُ مَن زَعَم أنَّ غَنَمَ مَكَّةَ مُتَوَلِّدَةٌ. مِن الظِّباءِ والغَنَمِ لا يَصِحُّ، وإلَّا لَحُرِّمَتْ في الحَرَمِ والإِحْرامِ، كسائِرِ المُتَوَلِّدِ بينَ الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ، ولَما كان لها نَسْلٌ، كالبَغْلِ والسِّمْعِ.
٨٢٣ - مسألة: (وفى بَقرِ الوَحْشِ رِوايَتان) إحْداهُما، فيها الزكاةُ. اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّ اسْمَ البَقَرِ يَشْمَلُها، فتَدْخُلُ في مُطْلَقِ
الخَبَرِ. والثانِيَةُ، لا زَكاةَ فيها. وهى أصَحُّ، وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛
стр. 2732
وَلَا تَجِبُ إِلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ الإِسْلَامِ، وَالْحُرِّيَّةِ،
ــ
لأنُّ اسْمَ البَقَرِ عندَ الإِطْلاقِ لا يَنْصَرِفُ إليها, ولا تُسَمَّى بَقَراً إلَّا بالإِضافَةِ إلى الوَحْشِ، ولأنَّها حَيَوانٌ لا يُجْزِئُ نَوْعُه في الأُضْحِيَةِ والهَدْىِ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالظِّباءِ، وليست مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فلم تَجِبْ فيها الزكاةُ، كسائِرِ الوَحْشِ. يُحَقِّقُ ذلك أنَّ الزكاةَ إنَّما وَجَبَتْ في بَهِيمَةِ الأنعامِ دُونَ غيرِها, لكَثْرَةِ النَّماءِ فيها مِن دَرِّها ونَسْلِها، وكَثْرَةِ الانْتِفاعِ بها، وخِفَّةِ مُؤْنَتِها، وهذا المَعْنَى مُخْتَصٌّ بها، فاخْتَصَّتِ الزكاةُ بها. ولا تَجِبُ الزكاةُ في الظِّباءِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافاً؛ لعَدَمِ تَناوُلِ اسْمِ الغَنَمِ لها.
واللهُ أعْلَم.
٨٢٤ - مسألة: (ولا تَجِبُ إلَّا بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ الإِسلامِ ،
стр. 2733
فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا مُكَاتَبٍ.
ــ
والحُرِّيَّةِ، فلا تَجِبُ على كافِرٍ، ولا عَبْدٍ، ولا مُكاتَبٍ) لا تَجِبُ الزكاةُ على كافِرٍ، لقَوْلِ النبىِّ ﷺ لِمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «إِنَّكَ تَأْتِى قَوْماً أهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ». إلى قولِه «فَإنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِك فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). فجَعَلَ الإِسْلامَ شَرْطاً لوُجُوبِ الزكاةِ، ولأنَّها أحَدُ أرْكانِ الإِسْلامِ، فلم تَجِبْ على كافِرٍ، كالصِّيامِ. وذَهَب بعضُ العُلَماءِ إلى أنَّها تَجِبُ عليه في حالِ كُفْرِه، بمَعْنَى أنَّه يُعاقَبُ عليها إذا مات على كُفْرِه، وهذا لا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ، فلا حاجَةَ إلى ذِكْرِه. هذا حُكْمُ الكافِرِ الأصْلِىِّ.
стр. 2734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأمّا المُرْتَدُّ فَلَنا فيه وَجْهٌ، أنَّه يَجِبُ عليه قَضاءُ الزكاةِ في حالِ رِدَّتِه إذا أسْلَمَ. ولأصحابِ الشافعىِّ فيه قَوْلان مَبْنِيّان على زَوالِ مِلْكِه بالرِّدَّةِ، فإن قُلْنا: يَزُولُ. فلا زَكاةَ عليه. وإن قُلْنا: لا يَزُولُ مِلْكُه. أو: هو مَوْقُوفٌ.
وَجَبَتْ عليه؛ لأنَّه حَقٌّ الْتَزَمَه بالإِسْلامِ، فلم يَسْقُطْ بالرِّدَّةِ، كحُقُوقِ الآدَمِيِّين. والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ. ولا تَجِبُ على عَبْدٍ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن عَطاءٍ، وأبى ثَوْرٍ، أنَّه يَجِبُ على العَبْدِ زَكاةُ مالِه.
ولَنا، أنَّ العَبْدَ ليس بتامِّ المِلْكِ، فلم يَلْزَمْه زَكاةٌ، كالمُكاتَبِ، ولأنَّ الزكاةَ إنَّما وَجَبَتْ على سَبِيلِ المُواساةِ، ومِلْكُ العَبْدِ ناقِصٌ لا يَحْتَمِلُ المُواساةَ، بدَلِيلِ أنَّه لا تَجِبُ عليه نَفَقَةُ أقارِبِه، لكَوْنِها وَجَبَتْ مُواساةً ولا يَعْتِقُون عليه. ولا تَجِبُ على مُكاتَبٍ؛ لأنَّه عَبْدٌ، لقَوْلِه ﵇:
«الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْه دِرْهَمٌ». رَواهُ أبو داودَ (١). ولأنَّ مِلْكَه غيرُ
стр. 2735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تامٍّ، فهو كالعَبْدِ، ولا نَعْلَمُ أحَداً قال بوُجُوبِ الزكاةِ على المُكاتَبِ إلَّا أبا ثَوْرٍ، ذَكَرَه عنه ابنُ المُنْذِرِ. واحْتَجَّ أبو ثَوْرٍ بأنَّ الحَجْرَ مِن السَّيِّدِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ، كالحَجْرِ على الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ والمَرْهُونِ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّه أوْجَبَ العُشْرَ في الخارِجِ مِن أرْضِه، بِناءً على أصْلِه في أنَّ العُشْرَ مُؤْنَةُ الأرْضِ، وليس بزَكاةٍ. ولَنا، ما رُوِىَ أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لَا زَكَاةَ فِى مَالِ الْمُكَاتَبِ» (١). رَواه الفُقَهاءُ في كُتُبِهم.
ولأنَّ الزكاةَ تَجِبُ علىْ طَرِيقِ المُواساةِ، فلم تَجِبْ في مالِ المُكاتَبِ، كنَفَقَةِ الأقارِبِ، وفارَقَ المَحْجُورَ عليه، فإنَّه مُنِعَ التَّصَرُّفَ لنَقْصِ تَصَرُّفِه لا لنَقْصِ مِلْكِه، والمَرْهُونُ مُنِعَ مِن التَّصَرُّفِ فيه بعَقْدِه، فلم يَسْقُطْ حَقُّ اللهِ تعالى. ومتى كان مَنْعُ. التَّصَرُّفِ فيه لدَيْنٍ لا يُمْكِنُه وَفاؤُه مِن غيرِه، فلا زكاةَ عليه، وسَيأْتِى ذلك إن شاء اللهُ تعالى. فإن عَجَز المُكاتَبُ ورُدَّ في الرِّقِّ، صار ما في يَدِه لسَيِّدِه، فاسْتَقْبَلَ به حَوْلاً، إن كان نِصاباً، وإلَّا ضَمَّه إلى ما في يَدِه، كالمُسْتَفادِ. وإن أدَّى المُكاتَبُ ما عليه، وبَقِىَ في يَدِه نِصابٌ، فقد صار حُرّاً تامَّ المِلْكِ، فيَسْتأنِفُ الحَوْلَ مِن حينِ عِتْقِه ويُزَكِّى، كسائِرِ الأحْرارِ.
стр. 2736
فَإِنْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَالاً، وَقُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُهُ. فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَإنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ. فَزَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ.
ــ
٨٢٥ - مسألة: (فإن مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَه مالاً، وقُلْنا: إنَّه يَمْلِكُه .
فلا زَكاةَ فيه. وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُه. فزَكاتُه على سَيِّدِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في زَكاةِ مالِ العَبْدِ الذى مَلَّكَه إيّاه سَيِّدُه، فرُوِىَ عنه، زكاتُه على سَيِّدِه. هذا مَذْهَبُ سُفْيانَ (١)، وأصحابِ الرَّأْىِ، وإسْحاقَ. وعنه، لا زَكاةَ فيه على واحِدٍ منهما. قال ابنُ المُنْذِرِ: وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ. وللشافعىِّ قَوْلان كالمَذْهَبَيْن وقال أبو بكرٍ: المَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ على الرِّوايَتَيْن في مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْلِيكِ؛ إحْداهُما، لا يَمْلِكُ. قال أبو بكرٍ: وهو اخْتِيارِى. وهو
стр. 2737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ العَبْدَ مالٌ، فلا يَمْلِكُ المالَ، كالبَهائِمِ، فعلى هذا تَكونُ زَكاتُه على السَّيِّدِ؛ لأنَّه مِلْكٌ له في يَدِ عَبْدِه، فكانت زَكاتُه عليه، كالمالِ الذى في يَدِ المُضارِبِ والوَكِيلِ. والثّانِيَةُ، يَمْلِكُ؛ لأنَّه آدَمِىٌّ يَمْلِكُ النِّكاحَ، فمَلَكَ المالَ، كالحُرِّ، ولأنَّ قَوْلَه ﵇: «مَنْ بَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ» (١). يَدُلُّ على أنَّه يَمْلِكُ، ولأنَّه بالآدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ للمِلْكِ مِن قِبَلِ أنَّ اللهَ تعالَى، خَلَق المالَ لبَنِى آدَمَ ليَسْتَعِينُوا به على القيامِ
стр. 2738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بوَظائِفِ العِباداتِ، وأعْباءِ التَّكالِيفِ، قال اللهُ تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١). فبالآدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ للمِلْكِ، كما تَمَهَّدَ
للتَّكْلِيفِ، فعلى هذا لا زَكاةَ على السَّيِّدِ في مالِ العَبْدِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، ولا على العَبْدِ؛ لنَقْصِ مِلْكِه، والزكاةُ إنَّما تَجِبُ على تامِّ المِلْكِ.
فصل: ومَن بعضُه حُرٌّ عليه زَكاةُ مالِه؛ لَأنَّه يَمْلِكُ بجُزْئِه الحُرِّ، ويُورَثُ عنه، فمِلْكُه كامِلٌ، فهو كالحُرِّ في وُجُوبِ الزكاةِ. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ. وفيه لهم وجْهٌ آخَرُ، لا تَجِبُ؛ لأنَّه ناقِصٌ، أشْبَهَ القِنَّ. والأوَّلُ أوْلَى. فأمّا أمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرُ فحُكْمُهما حُكْمُ القِنِّ؛ لأنَّه لا حُرِّيَّةَ فيهما.
стр. 2739
الثَّالِثُ، مِلْكُ نِصَابٍ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصاً يَسِيراً؛ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ.
ــ
٨٢٦ - مسألة: (الثّالِثُ، مِلْكُ نِصابٍ، فإن نَقَص عنه فلا زَكاةَ فيه، إلَّا أن يَكُونَ نَقْصاً يَسِيراً؛ كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْن) مِلْكُ النِّصابِ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ، لِما يَأْتِى في أبْوابِه مُفَصَّلاً إن شاء اللهُ. فإن نَقَص عن النِّصابِ فلا زَكاةَ فيه، إن كان النَّقْصُ كَثِيراً بالاتِّفاقِ، وإن كان يَسِيراً، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في ذلك، فرُوِىَ أنَّه قال، في نِصابِ الذَّهَبِ إذا نَقَص ثُمُناً: لا زَكاةَ فيه. اخْتارَه أبو بكرٍ، وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِ
стр. 2740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبىِّ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ» (١). وقال: «لَيْسَ فِى أقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالاً مِنَ الذَّهَبِ صَدَقَةٌ» (٢). ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ إذا نَقَص ثُلُثَ مِثْقالٍ زَكّاه. وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وسُفْيانَ. وإن نَقَص نِصْفاً لا زَكاةَ فيه. وقال أصحابُنا: إن كان النَّقْصُ يَسِيراً؛ كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْن، وجَبَتِ الزكاةُ؛ لأنَّه لا يَنْضَبِطُ غالِباً، فهو
стр. 2741
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كنَقْصِ الحَوْلِ ساعَةً أو ساعَتَيْن، وإن كان نَقْصًا بَيَنًّا، كالدّانِقِ (١) والدّانِقَيْن، فلا زَكاةَ فيه. وقال مالكٌ: إذا نَقَص نَقْصًا يَسِيرًا يَجُوزُ جَوازَ الوازِنَةِ، وجَبَتِ الزكاةُ؛ لأنَّها تَقُومُ مَقامَ الوازِنَةِ، أشْبَهَتِ الوازِنَةَ.
والأوَّلُ ظاهِرُ الأخْبارِ، فيَنْبَغِى أن لا يُعْدَلَ عنه.
стр. 2742
وَتَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ، إِلَّا فِى السَّائِمَةِ.
ــ
٨٢٧ - مسألة: (وتَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بالحِسابِ، إلَّا في السّائِمَةِ) فلا شئَ في أوْقاصِها على ما يَأتِى بَيانُه. واتَّفَقُوا على زِيادَةِ الحَبِّ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها بالحِسابِ، واخْتَلَفُوا في زِيادَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فرُوِىَ وُجُوب الزكاةِ فيها عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما. وبه قال عُمَرُ بن عبدِ العزِيزِ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، ومَكْحُول، والزُّهْرِىُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، وأبو حنيفةَ: لا شيء في زيادَةِ الدَّراهِمِ حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين، ولا في زِيادَةِ الذَّهَبِ حتى تَبْلُغَ أرْبَعَةَ دَنانِيرَ؛ لقَوْلِه ﵇: «مِنْ كُلِّ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا» (١). وعن مُعاذٍ، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «إذَا بَلَغَ
стр. 2743
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْوَرِقُ مِائتَيْن فَفِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ لَا شَىْءَ فِيهِ حَتَّى يَبلُغَ إلَى أرْبَعِينَ دِرْهمًا» (١). ولأنَّ له عَفْوًا في الابْتِداءِ، فكان له عَفْو بعدَ النِّصابِ، كالسّائِمَةِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «هَاتُوا رُبْعَ العُشُورِ، مِنْ كُلِّ أربَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيءٌ حَتَّى يتِمَّ مِائَتَيْن، فَإذَا كَانتْ مِائَتَىْ دِرْهَم فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ». رَواه الأثْرَمُ، والدّارَقُطْنِىُّ (٢). ورُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عليهما (٣)، ولم نَعْرِفْ لهما مُخالِفًا في الصحابَةِ، فيَكُونُ إجْماعًا.
ولأنَّه مال يَتَجَزَّأُ، فلم يَكُنْ له عَفْوٌ بعدَ النِّصابِ، كالحُبُوبِ. وما احْتَجُّوا به مِن الخَبَرِ الأوَّلِ فهو احْتِجاجٌ بدلِيلِ الخِطابِ، والمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه.
والخَبَرُ الثّانِى يَرْوِيه أبو العطُوفِ الجَرّاحُ بنُ مِنْهالٍ، وقد قال الدّارَقُطنيُّ:
стр. 2744
الرَّابعُ، تَمَامُ الْمِلْكِ، فَلَا زَكَاةَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ، [٤٣ و] وَلَا فِى السَّائِمَةِ الْمَوْقُوفَةِ،
ــ
هو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. وقال مالكٌ: هو دَجّالٌ. ويَرْوِيه عن عُبادَةَ بنِ نُسَيٍّ، عن مُعاذٍ، ولم يَلْقَ عُبادَةُ مُعاذًا، فيَكُونُ مُنْقَطِعًا. والماشِيَةُ يَشُقُّ تَشْقِيصُها، بخِلافِ الأثْمانِ.
٨٢٨ - مسألة: الشَّرْطُ (الرّابعُ، تَمامُ المِلْكِ، فلا زَكاةَ في دَيْن المكاتَبِ) بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لنُقْصانِ المِلْكِ فيه، فإنَّ له أن يُعَجِّزَ نَفْسَه، ويَمْتَنِعَ مِن أدائِه.
٨٢٩ - مسألة: (ولا) تَجِبُ (في السّائمَةِ المَوْقُوفَةِ، ولا في
стр. 2745
وَلَا فِى حِصَّةِ الْمُضَارِبِ مِنَ الرِّبْحِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، عَلَى أحدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا.
ــ
حِصَّةِ المُضارِبِ مِن الرِّبْحِ قبلَ القِسْمَةِ، على أحَدِ الوَجْهَيْن فيهما) لا تَجِبُ الزكاةُ في السّائِمَةِ المَوْقُوفةِ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَثْبُت فيها في وَجْهٍ، وفى وَجْهٍ يَثْبُتُ ناقِصًا، لا يَتَمَكَّنُ مِن التَّصَرُّفِ فيها بأنْواعِ التَّصَرُّفاتِ.
стр. 2746
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذَكَر شيخُنا في هذا الكِتابِ المَشْرُوحِ وَجْهًا آخَرَ، أنَّ الزكاةَ تَجبُ فيها.
وذَكَرَه القاضى. ونَقَل مُهَنّا عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لعُمُومِ قَوْلِه ﵇: «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» (١). ولعُمُوم غيرِه مِن النُّصُوصِ، ولأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى المَوْقُوف عليه في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، أشْبَهَتْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا حِصَّةُ المُضارِبِ مِن الرِّبْحِ قبلَ القِسْمَةِ، فلا تَجِبُ فيها الزكاةُ. نصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ صالحٍ، وابنِ مَنْصُورٍ، فقال: إذا احْتَسَبا يُزَكِّى المُضارِبُ إذا حالَ الحَوْلُ مِن حينَ احْتَسَبا؛ لأنَّه عَلِم ما لَه في المالِ، ولأنَّه إذا اتَّضَعَ بعدَ ذلك كانتِ الوَضِيعَة على صاحِبِ المالِ. يَعْنِى إذا اقْتَسَما؛ لأنَّ القِسْمَةَ في الغالِبِ تَكُونُ عندَ المُحاسبَةِ، فقَوْلُ أحمدَ يَدُلُّ على أنَّه أرادَ بالمُحاسبَةِ القِسْمَةَ؛ لقَوْلِه: إنَّ الوَضِيعَةَ تَكُونُ على رَبِّ المالِ.
وهذا إنَّما يَكُونُ بعدَ القِسْمَةِ، وهذا اخْتِيارُ شيخِنا (١). واختارَ أبو الخَطّابِ وُجُوبَ الزكاةِ فيها مِن حينِ ظُهُورِ الرِّبْحِ، إذا كَمَلَت
نِصابًا، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ الشَّرِكَةَ تُؤثِّرُ في غيرِ الماشِيةِ؛ لأنَّ العامِلَ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بظُهُورِه، فإذا مَلَكَه جَرَى في حَوْلِ الزكاةِ، ولأنَّ مِن أصْلِنا أنَّ الزكاةَ تَجِبُ في الضّالِّ والمَغْصُوبِ وإن كان رُجُوعُه مَظونًا، كذلك هذا.
стр. 2749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولَنا، أنَّ المُضارِبَ لا يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظُّهُورٍ على رِوايَةٍ، وعلى رِوايَةٍ يَمْلِكُه مِلْكًا غيرَ تامٍّ؛ لأنَّه وِقايَةٌ لرَأسِ المالِ، فلو نقَصَتْ قِيمَةُ الأصْلِ، أو خَسِر فيه، أو تَلِف بعضُه، لم يَحْصلْ للمُضارِبِ، ولأنَّه مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ فيه، فلم يكنْ فيه زَكاةٌ، كمالِ المُكاتَبِ. ولأنَّ مِلْكَه لو كان تامًّا لاختَصَّ برِبْحِه، كما لو اقْتَسَما ثم خَلَطا المالَ، والأمْرُ بخِلافِ ذلك، فإن مَن دَفَع إلى رَجُلٍ عَشَرَةً مُضارَبَةً، فرَبِحَ فيها عِشْرِين، ثم اتجَرَ فرَبِحَ ثَلاثِين، فإنَّ الخَمْسِين التى رَبِحَها بينَهما نِصْفَيْن، ولو تَمَّ مِلْكُه بمُجَرَّدِ ظُهُورِ الرِّبْحِ لمَلَكَ مِن العِشْرِين الأولَى عَشَرَةً، واخْتَصَّ برِبْحِها، وهى عَشرَة مِن الثَّلاِثين، وكانتِ العِشْرُون الباقِيَة بينَهما نِصْفَيْن، فيَصِيرُ للمُضارِبِ ثَلاُثون. وفارَق المَغْصُوبَ والضَّالَّ، فإنَّ المِلْكَ فيه تامٌّ، وإنَّما حِيلَ بينَه وبينَه بخِلافِ مَسْألَتِنا.
стр. 2750
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومَن أوْجَبَ الزكاةَ على المُضارِبِ، فإنَّما يُوجِبُها عليه إذا حال الحَوْلُ مِن حينِ تَبْلُغُ حِصَّتُه نِصابًا أو يَضُمُّها إلى ما عندَه مِن جِنْسِ المالِ، أو مِن الأثْمانِ، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ الشَّرِكَةَ تُؤَثِّرُ في غيرِ السّائِمَةِ. وليس عليه إخْراجُها قبلَ القِسْمَةِ، كالدَّيْنِ. وإنْ أرادَ إخْراجَها مِن المالِ قبلَ القِسْمَةِ لم يَجُزْ؛ لأنَّ الربْحَ وِقايَةٌ لرَأسِ المالِ. ويحْتَمِلُ أن يَجُوزَ؛ لأنَّهما دَخَلا على حُكْمِ الِإسْلامِ، ومِن حُكْمِه وُجُوبُ الزكاةِ، وإخْراجُها مِن المالِ.
فصل: وإن دَفَع إلى رَجُلٍ ألْفًا مُضارَبَةً، على أنَّ الرِّبْحَ بينَهما نِصْفَيْن، فحال الحَوْلُ وقد رَبِح ألْفَيْن، فعلى رَبِّ المالِ زَكاةُ ألْفَيْن. وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: عليه زَكاةُ الجَمِيعِ؛ لأنَّ الأصْلَ له، والرِّبْحَ [نَماءُ
مالِه] (١). ولَنا، أنَّ حِصَّةَ المُضارِبِ له دُونَ رَبِّ المالِ، لأنَّ للْمُضارِبِ المُطالَبَةَ بها، ولو أرادَ رَبُّ المالِ دَفْعَ حِصَّتِه إليه مِن غيرِ هذا المالِ لم يَلزَمْه قَبُولُه، ولا تَجِبُ على الِإنْسانِ زَكاةُ مِلْكِ غيرِه. وقَوْلُه: [إنَّه نماءُ] (١) مالِه. قُلْنا: إلَّا أنَّه لغيرِه، فلم تَجِبْ عليه زَكاتُه، كما لو وَهَب نِتاجَ سائِمَتِه لغيرِه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُخْرِجُ الزكاةَ مِن المالِ؛ لأنَّها مِن مُؤنَتِه، فكانت منه، كمُؤنَةِ حَمْلِه، ويُحْسبُ مِن الرِّبْحِ؛ لأنَّه وِقايَة لرَأسِ المالِ.
стр. 2751
وَمَنْ كانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِئٍ مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، زَكَّاهُ إِذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى.
ــ
٨٣٠ - مسألة: (ومَن كان له دَيْنٌ على مَلِئٍ مِن صَداقٍ أو غيرِه، زَكّاه إذا قَبَضَه لِما مَضَى) الدَّيْنُ على ضَرْبَيْن؛ أحَدُهما، دَيْنٌ على مُعْتَرِفٍ به باذِلٍ له، فعلى صاحِبِه زَكاتُه، إلَّا أنَّه لا يَلْزَمُه إِخْراجُها حتى يَقْبِضَه، فَيُزَكِّيَه لِما مَضَى. يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ الله عنه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأىِ. وقال عثمانُ بنُ عَفّانَ، وابنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وطاوسٌ، والنَّخَعِىُّ، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ،
стр. 2752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقَتَادَةُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ: عليه إخْراجُ الزكاةِ في الحالِ، وإن لم يَقْبِضْه؛ لأنَّهُ قادِرٌ على أخْذِه والتَّصَرُّفِ فيه، أشْبَهَ الوَدِيعَةَ. ورُوِىَ عن عائشةَ، وابنِ عُمَرَ: ليس في الدَّيْنِ زَكَاةٌ. وهو قولُ عِكْرِمَةَ؛ لأنَّه غيرُ تامٍّ، فلم تَجِبْ زَكَاتُه، كعَرْضِ القُنْيَةِ. ورُوِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وأبي الزِّنَادِ، يُزَكِّيه إذا قَبَضَه لسَنَةٍ واحِدَةٍ. ولَنا، أنَّه مِلْكُه، يَقْدِرُ على قَبْضِه والانْتِفاعِ به، فلَزِمَتْه زَكاتُه لِما مَضَى، كسائِرِ
стр. 2753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمْوالِه، ولا تَجِبُ عليه زَكاتُه قبلَ قَبْضِه؛ لأنَّه دَيْنٌ ثابتٌ في الذِّمَّةِ، فلم يَلْزَمْه الِإخْراجُ قبلَ قَبْضِه، كالدَّينِ على المُعْسِرِ، ولأَنَّ الزكاةَ تَجِبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، وليس مِن المُواساةِ أن يُخْرِجَ زَكاةَ مالٍ لا يَنْتَفِعُ به.
وَفِى الدَّيْنِ عَلَى غَيْرِ الْمَلِيءِ، وَالْمُؤَجَّلِ، وَالْمَجْحُودِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَالضَّائِعِ، رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، هُوَ كَالدَّيْنِ عَلَى الْمَلِئِ، وَالثَّانِيَةُ، لَا زَكَاةَ فِيهِ.
ــ
٨٣١ - مسألة: (وفى الدَّيْنِ على غيرِ المَلِئِ، والمُؤَجَّلِ، والمَجْحُودِ، والمَغْصوبِ، والضائِعِ، رِوايَتان) هذا الضَّرْبُ الثّانِي، وهو الدَّيْنُ على المُماطِلِ، والمُعْسِرِ، والمَجْحُودِ الذى لا بَيِّنَةَ به، والمَغْصُوبِ، والضّالِّ، حُكْمُه حُكْمُ الدَّيْنِ على المُعْسِرِ، وفى ذلك كُلِّه رِوايَتان؛ (إحْداهُما) لا تَجِبُ فيه الزكاةُ. وهو قولُ قَتادَةَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأهْلِ العِراقِ؛ لأنَّه مالٌ مَمْنُوع منه، غيرُ قادِرٍ على الانْتِفاعِ به، أشْبَهَ الدَّيْنَ على المُكاتَبِ. (و) الرِّوايَةُ (الثّانيةُ) يُزَكِّيه إذا قَبَضَه لِما مَضَى. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبي عُبَيْدٍ؛ لِما رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ
стр. 2756
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهُ عنه، أنَّه قال، في الدَّيْنِ المَظْنُونِ: إن كان صادِقًا فلْيُزَكِّه إذا قَبَضَه لِما مَضَى. وعن ابنِ عباس نحوُه. رَواهُما أبو عُبَيْدٍ (١). ولأنَّه مالٌ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فيه، أشْبَهَ الدَّيْنَ على المَلِئِ، ولأنَّ مِلْكَه فيه تامٌّ، أشْبَهَ ما لو نَسِىَ عندَ مَن أوْدَعَه. وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن. وعن عُمَرَ ابنِ عبدِ العزِيزِ، والحسنِ، واللَّيْثِ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ: يُزَكِّيه إذا قَبَضَه لعامٍ واحِدٍ؛ لأنَّه كان في ابْتِداءِ الحَوْلِ في يَدِه، ثم حَصَل بعدَ ذلك في يَدِه، فوَجَبَ أن لا تَسْقطَ الزكاةُ عن حَوْلٍ واحِدٍ. ولَنا، أنَّ هذا المالَ
في جميعِ الأحْوالِ على حالٍ واحِدٍ، فوَجَبَ أن يَتَساوَى في وُجُوبِ الزكاةِ أو سُقُوطِها، كسائِرِ الأمْوالِ. قَوْلُهم: إنَّه حَصَل في يَدِه في كل الحَوْلِ.
قُلْنا: هذا لا يُؤَثِّرُ؛ لأنَّ المانِعَ إذا وُجِد في بعضِ الحَوْلِ مَنَعَ، كنَقْصِ النِّصابِ، ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الغَرِيم يَجْحَدُه في الظّاهِرِ دُونَ الباطِنِ، أو فيهما.
стр. 2757
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا فَرْقَ بينَ الحالِّ والمُؤَجَّلِ؛ لأنَّ البَراءَةَ تَصِحُّ مِن المُؤَجَّلِ، ولولا أنَّه مَمْلُوكٌ لم تَصِحَّ منه البَراءَةُ، لكنَّه في حُكْم الدَّيْنِ على المُعْسِرِ، لتَعَذُّرِ قَبْضِه في الحالِ.
فصل: ولو أجَّرَ دارَه سِنِين بأربَعِين دِينارًا، مَلَك الأجْرَةَ مِن حينِ العَقْدِ، وعليه زكاةُ الجميعِ إذا حالَ الحَوْلُ؛ لأنَّ مِلْكَه عليها تامٌّ، بدَلِيلِ جَوازِ التَّصَرُّفِ فيها بأنْواعِ التَّصَرُّفاتِ، ولو كانت (١) جارِيَة كان له وَطْؤُها. وكَوْنُها يَعْرِضُ الرُّجُوعُ، لانْفِساخِ العَقْدِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ، كالصَّداقِ قبلَ الدُّخُولِ. ثم إن كان. قد قَبَض الأُجْرَةَ أخرَجَ الزكاةَ منها، وإن كانت دَيْنًا فهى كالدَّيْنِ، مُعَجَّلًا أو مُؤَجَّلًا. وقال ابنُ أبي موسى: فيه رِوايةٌ، أنَّه يُزَكِّيه في الحالِ، كالمَعْدِنِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِه ﵇: «لَا زَكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (٢).
وكما لو مَلَكَه بهِبَةٍ، أو مِيراثٍ، أو نحوِه. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُزَكِّيها حتى يَقْبِضَها ويَحُولَ عليها حَوْلٌ؛ بِناءً على أنَّ الأُجْرَةَ إنَّما تُسْتَحَقُّ بانْقِضاءِ مُدَّةِ الِإجارَةِ. وهذا يُذْكَرُ في مَوْضِعِه، إن شاء اللهُ تعالى.
стр. 2758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولو اشْتَرَى شيئًا بعِشْرِين دِينارًا، أو أسْلَمَ نِصابًا في شيءٍ، فحالَ الحَوْلُ قبلَ أن يَقْبِضَ المُشْتَرِى المَبِيعَ، أو المُسْلَمَ فيه، والعَقْدُ باقٍ، فعلى البائِعِ والمُسْلَمِ إليه زَكَاةُ الثَّمَنِ؛ لأنَّ مِلْكَه ثابِتٌ فيه، فإنِ انْفَسَخَ العَقْدُ لتَلَفِ المَبِيعِ، أو تَعَذَّرَ المُسْلَمُ فيه، وَجب رَدُّ الثَّمَنِ، وزَكاته على البائِعَ والمُسْلَمَ إليه.
فصل: والغَنِيمَةُ يملِكُ الغانِمُون أرْبًعَةَ أخْماسها بانْقِضاءِ الحَرْبِ، فإن كانت جِنْسًا واحِدًا تَجِبُ فيه الزكاةُ، كالأثْمانِ والسّائِمَةِ، ونَصِيبُ كلِّ واحِدٍ منهم نِصابٌ، فعليه زَكاتُه إذا انْقَضَى الحَوْلُ، ولا يَلْزَمُه إخْراجُ زَكاتِه قبلَ قَبضِه، كالدَّيْنِ على المَلِئِ. وإن كان دُونَ النِّصابِ فلا زَكاةَ فيه، إلَّا أن يَكُونَ أرْبَعَةُ أخْماسِها يَبْلُغُ النِّصابَ، فتَكُونُ خُلْطَةً، ولا تُضَمُّ إلى الخُمسِ؛ لأنَّه لا زَكاةَ فيه. فإن كانت أجْناسًا، كإبل وبَقَرٍ وغَنَمٍ، فلا زَكاةَ على واحِدٍ منهم؛ لأنَّ للإِمامِ أن يَقْسِمَ بينَهم قِسْمَةً بحُكْمٍ (١)، فيُعْطِىَ لكلِّ واحِدٍ منهم مِن أىِّ أصْنافِ المالِ شاء، فما تَمَّ مِلْكُه على شئٍ مُعَيَّن، بخِلافِ المِيراثِ.
стр. 2759
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّ حُكْمَ المالِ المَغْصُوبِ حُكْمُ الدَّيْنِ على المُعْسِرِ، على ما فيه مِن الخِلافِ، فإن كان سائِمَةً، وكانت مَعْلُوفَةً عندَ صاحِبِها وغاصِبِها فلا زَكاةَ فيها؛ لفُقْدانِ الشَّرْطِ. وإن كانت سائِمَةً عندَهما ففيها الزكاةُ، على الرِّوايَةِ في وُجُوبِ الزكاةِ في المَغْصُوبِ. وإن كانت مَعْلُوفَةً عندَ المالِكِ، سائِمَةً عندَ الغاصِبِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّ صاحِبَها لم يَرْضَ بإسامَتِها، فلم تَجِبْ عليه الزكاةُ بفِعْل الغاصِبِ، كما لو رَعَتْ مِن غيرِ أن يُسِيمَها. والثّانِي، عليه الزكاةُ؛ لأنَّ السَّوْمَ يُوجِبُ الزكاةَ مِن المالِكِ، فأوْجَبَها مِن الغاصِبِ، كما لو كانت سائِمَةً عندَهما، وكما لو غَصَب بَذْرًا فزَرَعَه، وَجَب العُشْرُ فيما خَرَج منه. وإن كانت سائِمَةً عندَ المالِكِ، مَعْلُوفَةً عندَ الغاصِبِ، فلا زَكاةَ فيها؛ لفُقْدانِ الشَّرْطِ. وقال القاضي: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها؛ لأنَّ العَلَفَ مُحَرَّمٌ، فلم يُؤَثِّرْ في الزكاةِ، كما لو غَصَب أثْمانًا فصاغَها حَلْيًا. قال أبو الحسنِ الآمِدِىُّ: هذا هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ العَلَفَ إنَّما أسْقَطَ الزكاةَ لِما فيه مِن المُؤْنَةِ، ولا مُؤْنَةَ عليه ههنا. ولَنا، أنَّ السَّوْمَ
стр. 2760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ وقد فُقِدَ، فلم يَجِبْ، كنَقْصِ النِّصابِ. قَوْله: إنَّ العَلَفَ مُحَرَّمٌ. مَمْنُوعٌ، إنَّما المُحَرَّمُ الغَصْبُ، والعَلَفُ تَصَرُّفٌ في مالِه بإطْعامِها إيّاه، ولا تَحْرِيمَ فيه، ولهذا لو عَلَفَها عندَ مالِكِها، لم يُحَرَّمْ عليه. وما ذَكَرَه الآمِدِىّ مِن خِفَّةِ المُؤْنَةِ غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ الخِفَّةَ لا تُعْتَبَرُ بنَفْسِها، وإنَّما تُعْتَبَرُ بمَظِنَّتِها، وهو السَّوْمُ، ثم يَبْطُلُ ما ذَكَراه بالمَعْلُوفَةِ عندَهما جميعًا، ويَبْطُلُ ما ذَكَرَه القاضى بما إذا عَلَفَها مالِكُها عَلَفًا مُحَرَّمًا، أو أتْلَفَ شاةً مِن النِّصابِ، فإنَّه مُحَرَّمٌ، وتَسْقُطُ به الزكاةُ. وأمّا إذا غَصَب ذَهَبًا فصاغَه حَلْيًا، فلا يُشْبِهُ ما اخْتَلَفْنا فيه؛ لأنَّ العَلَفَ فات به شَرْطُ الوُجُوبِ، والصِّياغَةُ لم يَفُتْ بها شئٌ، وإنَّما اخْتُلِفَ في كَوْنِها مُسْقِطَةً بشَرْطِ كَوْنِها مُباحَةً، فإذا كانت مُحَرَّمَةً لم يُوجَدْ شَرْطُ الِإسْقاطِ، ولأنَّ المالِكَ لو عَلَفَها عَلَفًا مُحَرَّمًا، سَقَطَتِ الزكاةُ، ولو صاغَها صِياغَةً مُحَرَّمَةً، لم تَسْقُط، فافْتَرَقا. ولو غَصَب حَلْيًا مُباحًا، فكَسَرَه، أو ضَرَبَه نَقْدًا، وَجَبَتْ فيه الزكاةُ؛ لأنَّ المُسْقِطَ لها زال، ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ،
стр. 2761
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما لو غَصَب مَعْلُوفَةً فأسامَها. ولو غَصب عُرُوضًا، فاتَّجَرَ فيها، لم تَجِبْ فيها الزكاةُ؛ لأنَّ نِيَّةَ التِّجارَةِ شَرْطٌ، ولم تُوجَدْ مِن المالِكِ، وسَواءٌ كانت للتِّجارَةِ عندَ مالِكِها أو لا؛ لأنَّ بَقاءَ النَيَّةِ شَرْطٌ، ولو لم يَنْوِ التِّجارَةَ به عندَ الغاصِبِ. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ فيها الزكاةُ إذا كانت للتِّجارَةِ عندَ مالِكِها واسْتَدامَ النِّيَّةَ؛ لأنَّها لم تَخْرُجْ عن مِلْكِه بغَصْبِها، وإن نَوَى بها الغاصِبُ القُنْيَةَ. وكلُّ مَوْضِعٍ أوْجَبْنا الزكاةَ، فعلى الغاصِبِ ضَمانُها؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل في يَدِه، فضَمِنَه، كتَلَفِه.
فصل: إذا ضَلَّتْ واحِدَةٌ مِن النِّصاب أو أكْثَرُ، أو غُصِبَتْ، فنَقَصَ النِّصابُ، فالحُكْمُ فيه كما لو ضَلَّ جَمِيعُه أَو غُصِبَ؛ لأنَّ كَمالَ النِّصابِ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ. لكنْ إن قُلْنا بوُجُوبِ الزكاةِ، فعليه الِإخْراجُ عن المَوْجُودِ عندَه. وإذا رَجَع الضّالُّ والمَغْصُوبُ أخْرَجَ عنه، كما لو رجَع جَمِيعُه.
стр. 2762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن أُسِرَ المالِكُ لم تَسْقُطِ الزكاةُ عنه، سَواءٌ حِيلَ بينَه وبينَ مالِه أو لم يُحَلْ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه في مالِه نافِذٌ، يَصِحُّ بَيْعُه، وهِبَتُه، وتَوْكِيلُه فيه. وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يُخَرَّجُ فيه وَجْهٌ، أنَّه لا تَجِبُ فيه الزكاةُ إذا حِيلَ بينَه وبينَه، كالمَغْصُوبِ.
فصل: وإنِ ارْتَدَّ قبلَ مُضِىِّ الحَوْلِ، وحال الحَوْلُ وهو مُرْتَدٌّ، فلا زَكاةَ عليه [نَصَّ عليه] (١)؛ لأنَّ الإسْلامَ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ، فعَدَمُه في بعضِ الحَوْلِ يُسْقِطُ الزكاةَ، كالمِلْكِ. وإن رَجَع إلىْ الِإسْلامِ قبلَ مُضِىِّ الحَوْلِ، اسْتَأنَفَ حَوْلًا؛ لِما ذَكَرْنا. نَصَّ عليه أحمدُ. فأمّا إنِ ارْتَدَّ بعدَ الحَوْلِ، لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ. وهو قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ؛ لأنَّ مِن شَرْطِها النِّيَّةَ، فسَقَطَتْ بالرِّدَّةِ، كالصلاةِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ مالِىٌّ، فلا يَسْقُطُ بالرِّدَّةِ، كالدَّيْنِ. وأمّا الصلاةُ فلا تَسْقُطُ أيضًا، لكنْ لا يُطالَبُ بفِعْلِها؛ لأنَّها لا تَصِحُّ منه، ولا تَدْخُلُها النِّيابَةُ، فإذا عاد لَزِمَه قَضاؤها، والزكاةُ تَدْخُلُها النِّيابَةُ، ويَأخُذُها الِإمامُ مِن المُمْتَنِعِ،
стр. 2763
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فكذا ههُنا [يَأخُذُها الِإمامُ مِن] (١) مالِه. فإن أسْلَمَ بعدَ أخْذِها، لم يَلْزَمْه أداؤها؛ لأنَّها سَقَطَتْ بأخْذِ الِإمام، كسُقُوطِها بالأخْذِ مِن المُسْلِمِ المُمْتَنِعِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ؛ لأنَّها عِبادَةٌ، فلا تَصحُّ بغيرِ نِيَّةٍ. وأصْلُ هذا إذا أُخِذَتْ مِن المُسْلِمِ المُمْتَنِعِ قَهْرًا، وسيَأتِى ذِكْرُه، إن شاء الله تعالى. وإن أخَذَها غيرُ الِإمامِ، أو نائِبُه، لم تَسْقُطْ عنه؛ لأنَّه لا وِلايةَ له عليه، فلا يَقُومُ مَقامَه بخِلافِ نائِبِ الِإمامِ. وإن أدّاها في حالِ رِدَّتِه، لم تُجْزِئْه، لأنَّه كافِرٌ، فلا تَصِحُّ منه، لكَوْنِها عبادَةً، كالصلاةِ.
فصل: وحُكْمُ الصداقِ حُكْمُ الدَّيْنِ؛ لأنَّه ديْنٌ للمرأةِ في ذَمَّةِ الرجلِ. فإن كان على مَلِئٍ وجَبَتْ فيه الزكاةُ، فإذا قَبَضَتْه أدَّتْ لِما
مَضَى، وإن كان على جاحِدٍ أو مُعْسرٍ فعلى الرِّوايَتَيْن. ولا فَرْقَ بينَ ما قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه؛ لأنَّه دَيْنٌ في الذِّمَّةِ، فهو كثَمَنِ مَبِيعِها، فإن سَقَط نِصْفُه بطَلاقِها قبلَ الدُّخُولِ، وقَبَضَتِ النِّصْفَ، فعليها زَكاةُ ما قَبَضَتْه خاصَّةً؛ لأنَّه دَيْنٌ لم تَتَعَوَّضْ عنه ولم تَقْبِضْه، فأشْبَهَ ما تَعَذَّرَ قَبْضُه لفَلَسٍ أو جَحْدٍ. وكذلك لو سَقَط الصَّداقُ كلُّه قبلَ قَبْضِه لانْفِساخ النِّكاحِ بسَبَبٍ مِن جِهَتِها، ليس عليها زَكاةٌ لِما ذَكَرْنا. ويَحْتَمِلُ أن تجِبَ عليها
стр. 2764
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زكاتُه؛ لأنَّ سُقُوطَه بسَبَبٍ مِن جِهَتِها، أشْبَهَ المَوْهُوبَ. وكذلك كلُّ دَيْنٍ سَقَط قبلَ قَبْضِه مِن غيرِ إسْقاطِ صاحِبهِ، أو أيِسَ صاحِبُه مِن اسْتِيفائِه. والمالُ الضّالُّ إذا أيس منه، فإنَّه لا زكاةَ على صاحِبهِ؛ لأنَّ الزكاةَ مُواساةٌ، فلاْ تَلْزَمُه المُواساةُ إلَّا ممّا حَصَل له. وإن كان الصَّداقُ نِصابًا، فحالَ عليه الحَوْلُ، ثم سَقَط نِصْفُه، وقَبَضَتِ النِّصْفَ، فعليها زَكاةُ النِّصْفِ المَقْبُوضِ؛ لأنَّ الزكاةَ وجَبَتْ فيه، ثم سَقَطَتْ مِن نِصْفِه لمَعْنًى اخْتَص به، فاخْتَصَّ السُّقُوطُ به. وإن مَضَى عليه حَوْلٌ قبلَ قَبْضِه، ثم قَبَضَتْه كلَّه، زَكَّتْه لذلك الحَوْلِ. وإن مَضَتْ عليه أحْوالٌ قبلَ قَبْضِه، ثم قَبَضَتْه، زَكَّتْه لِما مَضَى كلِّه. وقال أبو حنيفةَ: لا تَجِبُ الزكاةُ عليها ما لم تَقْبِضْه؛ لأنَّه بَدَل عمّا ليس بمالٍ، فلم تَجِبِ الزكاةُ فيه قبلَ قَبْضِه، كدَيْنِ الكِتابَةِ. ولَنا، أنَّه دَيْن يُسْتَحَقُّ قَبْضُه، وَيُجْبَرُ المَدِينُ على أدائِه،
فوَجَبَتْ فيه الزكاةُ، كثَمَنِ المَبِيعِ، بخِلافِ دَيْنِ الكِتابَةِ [فإنَّه لا] (١) يُسْتَحَقُّ قَبْضُه، وللمُكاتَبِ الامْتِناعُ مِن أدائِه، ولا يَصِحُّ قِياسُهم عليه؛ لأنَّه عِوَضٌ عن مالٍ.
فصل: وإن قَبَضَتْ صَداقَها قبلَ الدُّخُولِ، ومَضَى عليه حَوْلٌ، فزَكَّتْه، ثم طَلَّقَها الزَّوْجُ قبلَ الدُّخُولِ، رَجَع عليها بنِصْفِه، وكانتِ الزكاةُ مِن النِّصْفِ الباقِى لها. وقال الشافعيُّ في قولٍ: يَرْجِعُ الزَّوْج بنِصْفِ المَوْجُودِ ونِصْفِ قِيمَةِ المُخْرَجِ؛ لأنَّه لو تَلِف الكلُّ رَجَع عليها بنِصْفِ
стр. 2765
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قِيمَتِه، فكذلك إذا تَلِفَ البعضُ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١).
ولأنَّه يُمْكِنُه الرُّجُوعُ في العَيْنِ، فلم يَكُنْ له الرُّجُوعُ إلى القِيمَةِ، كما لو لم يَتْلَفْ منه شئٌ. ويُخَرَّجُ على هذا إذا تَلِف كلُّه، لعَدَمِ
إمْكانِ الرُّجُوعِ في العَيْنِ. وإن طَلَّقَها بعدَ الدُّخُولِ وقبلَ الِإخْراجِ، لم يَكُنْ لها الِإخْراجُ مِن النِّصابِ؛ لأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ تَعَلَّقَ به على وَجْهِ الشَّرِكَةِ، والزكاةُ لا تتعَلَّقُ به على وَجْهِ الشَّرِكَةِ، لكنْ يُخْرِجُ الزكاةَ مِن غيرِه، أو يَقْتَسِمانِه، ثم تُخْرِجُ الزكاةَ مِن حِصَّتِها. فإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ مَلَك النِّصْفَ مُشاعًا، وكان حُكْمُ ذلك كما لو باعَتْ نِصفَه قبلَ الحَوْلِ مُشاعًا، وسيَأتِى ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: فإن كان الصَّداقُ دَيْنًا، فأبْرَأتِ الزَّوْجَ منه بعدَ مُضىِّ الحَوْلِ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، عليها الزكاةُ؛ لأنَّها تَصَرَّفَتْ فيه، أشْبَهَ ما لو قَبَضَتْه. والثانيةُ، زَكاتُه على الزَّوْجِ؛ لأنَّه مَلَك ما مُلِّكَ عليه، فكأنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه عنه. والأوَّلُ أصَحُّ، وما ذَكَرْناه لهذه الرِّوايَةِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الزَّوْجَ لم يَمْلِكْ شيئًا، وإنَّما سَقَط عنه، ثم لو مَلَك في الحالِ لم يَقْتَضِ هذا وُجُوبَ زَكاةِ ما مَضى. ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الزكاةُ على واحِدٍ منهما؛ لِما ذَكَرْنا في الزَّوْجِ. وأمّا المرأةُ، فلم تَقْبِضِ الدَّيْنَ، أشْبَهَ ما لو سَقَط بغيرِ إسْقاطِها، وهذا إذا كان الدَّيْنُ ممَّا تَجِبُ فيه الزكاةُ إذا قَبَضَتْه. وكُلُّ دَيْنٍ على إنسانٍ أبرَأه صاحِبُه منه بعدَ مُضيِّ الحَوْلِ عليه،
стр. 2766
قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَاللُّقَطَةُ إِذَا جَاءَ رَبُّهَا زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِى كَانَ الْملْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا.
ــ
فحُكْمُه حُكْمُ الصَّداقِ فيما ذَكَرْنا. قال أحمدُ: إذا وَهَبَتِ المرأةُ مَهْرَها لزَوْجِها، وقد مَضَى له عَشْرُ سِنِين، فإنَّ الزكاةَ على المرأةِ؛ لأنَّ المالَ كان لها. وإذا وَهَب رجلٌ لرجلٍ مالًا، فحالَ الحَوْلُ، ثم ارْتَجَعَه الواهِبُ، فالزكاةُ على الذى كان عندَه. وقال في رجلٍ باع شَرِيكَه نَصِيبَه مِن دارِه، لم يُعْطِه شيئًا، فلمّا كان بعدَ سَنَةٍ، قال: ليس عندِى دَراهِمُ فأقِلْنِى. فأقالَه، قال: عليه أن يُزَكِّىَ؛ لأنَّه قد مَلَكَه حَوْلًا.
٨٣٢ - مسألة؛ (قال الخِرَقِيُّ: واللّقَطَةُ إذا جاء رَبُّها زَكّاها للحَوْلِ الذى كان المُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا منها) قد ذَكَرْنا في المالِ الضّائِعِ روايَتَيْن، وهذا منه. وعلى مُقْتَضَى قولِ الخِرَقِيِّ أنَّ المُلْتَقِطَ لو لم يَمْلِكها، كمَن لم يُعَرِّفْها، فإنَّه لا (١) زَكاةَ على مُلْتَقِطِها. وإذاْ جاء رَبُّها زَكّاها للزَّمانِ كلِّه، وإذا كانت ماشِيَةً فإنَّما تَجِبُ عليه زَكاتُها إذا كانت سائِمَةً عندَ المُلْتَقِطِ، فإن عَلَفَها فلا زَكاةَ على صاحِبِها، على ما ذَكَرْنا في المَغْصُوبِ.
стр. 2767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وزَكاتُها بعدَ الحَوْلِ الأوَّلِ على المُلْتَقِطِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ اللُّقَطَةَ تَدْخُلُ في مِلْكِه حُكْمًا (١) كالمِيراثِ، فتَصِيرُ كسائِرِ مالِه، يَسْتَقْبِلُ بها حَوْلًا. وعندَ أبي الخَطّابِ أنَّه لا يَمْلِكُها حتى يَخْتارَ ذلك. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وسنَذْكُرُ ذلك إن شاء الله في بابِه. وحَكَى القاضي في مَوْضِعٍ، أنَّ المُلْتَقِطَ إذا مَلَكَها وَجَب عليه مثلُها إن كانت مِثْلِيَّةً، أو قِيمَتُها إن لم تَكُنْ مِثْلِيَّةً. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. ومُقْتَضَى هذا أن لا تَجِبَ عليه زَكاتُها؛ لأنَّه دَيْنٌ، فمَنَعَ الزكاةَ، كسائِرِ الدُّيُونِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ الزكاةُ فيها لمَعْنًى آخَرَ، وهو أنَّ مِلْكَه غيرُ مُسْتَقِرٍّ عليها، ولصاحِبِها أخْذُها منه متى وَجَدَها. والمَذهَبُ الأوَّلُ، وما ذَكَره القاضى يُفْضِى إلى ثُبُوتِ مُعارَضَةٍ في حَقِّ مَن لا وِلايةَ عليه، بغيرِ فِعْلِه ولا اخْتِيارِه، ويَقْتَضِى ذلك أن يَمْنَعَ الدَّيْنُ الذى عليه المِيراثَ والوَصِيَّةَ، كسائِرِ الدُّيُونِ، والأمْرُ بخِلافِه. وما ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ يَبْطُلُ بما وَهَبَه الأبُ لوَلَدِه، وبنصْفِ الصَّداقِ، فإنَّ لهما اسْتِرْجاعَه، ولا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ.
стр. 2768
وَلَا زَكَاةَ فِى مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَنْقُصُ النِّصَابَ، إِلَّا فِي الْمَوَاشِى وَالْحُبُوبِ فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ــ
٨٣٣ - مسألة: (ولا زَكاةَ في مالِ مَن عليه دَيْنٌ يَنْقُصُ النِّصابَ، إلَّا في المَواشِى والحبوبِ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوالِ الباطِنَةِ، رِوايَةً واحِدَةً. وهى الأثْمانُ، وعُرُوضُ التِّجارَةِ. وبه قال عطاءٌ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، والحسنُ، والنَّخَعِيُّ، واللَّيْثُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأيِ. وقال رَبِيعَةُ، وحَمّادُ بنُ أبى سُليمانَ، والشافعيُّ في الجَدِيدِ: لا يَمْنَعُ؛ لأنَّه حُرٌّ مسلمٌ مَلَك نِصابًا حَوْلًا، فوَجَبَتْ عليه الزكاةُ، كمَن لا دَيْنَ عليه. ولَنا، ما روَى السّائِبُ بنُ يَزِيدَ، قال: سَمِعْتُ عثمانَ بنَ عفّانَ يقولُ: هذا شَهْرُ زَكاتِكم، فمَن كان عليه
стр. 2769
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَينٌ فَلْيُؤَدِّه، حتى تُخْرِجُوا زَكاةَ أمْوالِكُم. رَواه أبو عُبَيْدٍ في «الأمْوالِ» (١)، وفى لَفْظٍ: مَن كان عليه دَيْنٌ فلْيَقْضِ دَيْنَه، وَليُزَكِّ (٢) بَقِيَّةَ مالِه. قال ذلك بمَحْضَرٍ مِن الصَّحابَةِ ولم يُنْكِرُوه، فدَلَّ على اتِّفاقِهم عليه. وروَى أصحابُ مالكٍ، عن عُمَيْرِ بنِ عِمْرانَ، عن شُجاعٍ، عن نافِعٍ، عن ابنَ عُمَرَ، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا كَانَ لِرَجُلٍ ألف دِرْهَم وَعَلَيْهِ ألفُ دِرْهَم، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ» (٣). وهذا نَصٌّ. ولأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أغْنِيَائِكُمْ فَأردَّهَا فِى فُقَرَائِكُمْ» (٤). فدَلَّ على أنَّها إنَّما تَجِبُ على الأغْنِياءِ، ولا تُدْفَعُ إلَّا إلى الفُقَراءِ، وهذا ممَّن يَحِلُّ له أخْذُ الزكاةِ، فيكونُ فَقِيرًا، فلا تَجِبُ عليه الزكاةُ؛ لأنَّها إنَّما تَجِبُ على الأغنِياءِ للْخَبَرِ. وكذلك قَوْلُه ﵇: «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» (٥). فأمّا مَن لا دَيْنَ عليه فهو
стр. 2770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَنِىٌّ يَمْلِكُ (١) النِّصابَ، فهو بخِلافِ هذا. يُحقِّقُ هذا أنَّ الزكاةَ إنَّما وَجَبَتْ مُواساةً للفُقَراءِ، وشُكْرًا لنِعْمَةِ الغِنَى، والمَدِينُ مُحْتاجٌ إلى قَضاءِ دَينه كحاجَةِ الفَقِيرِ أو أشَدَّ، وليس مِن الحِكْمَةِ تَعْطِيلُ حاجَةِ المالِكِ (٢) لدَفْعِ حاجَةِ غيرِه، وقد قال ﵊: «ابْدَأ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» (٣). إذا ثَبَتَ ذلك فظاهرُ كلام شيخِنا أنَّه لا فَرْقَ بين الحالِّ والمؤجَّل؛ لِما ذَكَرنا مِن الأدِلَّةِ. وقال ابنُ أبى موسى: إنَّ المؤجَّلَ لا يَمْنَعُ وُجُودب الزكاةِ؛ لأنه غيرُ مُطالَبٍ به في الحالِ.
فصل: فأمّا الأمْوالُ الظّاهِرَةُ وهى المَواشِى، والحُبُوبُ، والثِّمارُ، ففيها رِوايتان؛ إحْداهما، أنَّ الدَّيْنَ يَمْنعُ وُجُوبَ الزكاةِ فيها؛ لِما ذَكَرْنا.