← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أراد إخْراجَ الفَرْضِ مِن نَوْعَيْنِ، نَظَرْنا؛ فإن لم نَحْتَجْ إلى تَشْقِيصٍ، كَزَكاةِ الثَّلاثِمائَةٍ يُخرِجُ عنها حِقَّتَيْن وخَمْسَ بَناتِ لَبُونٍ، جاز. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وإنِ احْتاجَ إلى تَشْقِيصٍ، كزَكاةِ المائَتَيْن، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مِن غيرِ تَشْقِيصٍ. وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ، على قِياسِ قولِ أصحابِنا في جَوازِ عِتْقِ نِصْفِ عَبْدَيْن في الكَفّارَةِ. وهذا غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بالتَّشْقِيصِ في زَكاةِ السّائِمَةِ إلَّا مِن حاجَةٍ، ولذلك جَعَل لها أوْقاصًا، دفْعًا للتَّشْقِيصِ عن الواجِبِ فيها، وعَدَل فيما دُونَ خَمْسٍ وعِشْرِين مِن الِإبِلِ عنِ الجِنْسِ إلى الغَنَمِ، فلا يَجُوزُ القَوْلُ بِجَوازِه مع إمْكانِ العُدُولِ عنه إلى فَرِيضَةٍ كامِلَةٍ. وإن وَجَد أحَدَ الفَرْضَيْن كامِلًا، والآخَرَ ناقِصًا لا يُمْكِنُه إخْراجُه، إلَّا بجُبْرانٍ معه، مِثْلَ أن يَجِدَ في المائَتَيْن خَمْسَ بَناتِ لَبُونٍ وثَلاثَ حِقاقٍ، تَعَيَّنَ أخْذُ الفَرِيضَةِ الكامِلَةِ؛ لأنَّ الجُبْرانَ بَدَلٌ لا يَجُوزُ مع المُبْدَلِ. وإن كان كلُّ واحِدٍ يَحْتاجُ إلى جُبْرانٍ، مثلَ أن يَجِدَ أرْبَعَ بَناتِ لَبُونٍ وثَلاثَ حِقاقٍ، فهو مُخَيَّرٌ

стр. 2837

وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ. ــ أيُّهما شاء أخْرَجَ [مع الجُبْران، إن شاء أخْرَجَ] (١) بَناتَ اللَّبُونِ وحِقَّةً وأخَذ الجُبْرانَ، وإن شاء أخْرَجَ الحِقاقَ وبِنْتَ اللَّبُونِ مع جُبْرانِها. فإن قال: خُذُوا مِنِّى حِقَّةً وثَلاثَ بَناتِ لَبُونٍ مع الجُبْرانِ. لم يَجُزْ؛ لأنَّه [لا يُعْدَلُ] (٢) عن الفَرْضِ مع وُجُودِه إلى الجُبْرانِ. ويَحْتَمِل الجَوازُ؛ لكَوْنِه لابُدَّ مِن الجُبْرانِ، وإن لم يَجِدْ إلَّا حِقَّةً وأرْبَعَ بَناتِ لَبُونٍ أدّاها وأخَذ الجُبْرانَ، ولم يَكُنْ له دَفْعُ ثَلاثِ بَناتِ لَبُونٍ وحِقَّةٍ مع الجُبْرانِ، في أصَحِّ الوَجْهَيْن. ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذين. وإن كان الفَرْضان مَعْدُومَيْن، أو مَعِيبَيْن، فله العُدُولُ عنهما مع الجُبْرانِ، فإن شاء أخْرَجَ أرْبَعَ جَذَعاتٍ وأخَذ ثَمانِىَ شِياهٍ أو ثَمانِين دِرْهَمًا، وإن شاء دَفَع خَمْس يَناتِ مَخاضٍ ومعها عَشْرُ شِياهٍ أو مِائَةُ دِرْهَمٍ. وإن أحَبَّ أن يَنْتَقِلَ عن الحِقاقِ إلى بَناتِ المَخاضِ، أو عن بَناتِ اللَّبُونِ إلى الجَذَعِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الحِقاقَ وبَناتِ اللَّبُونِ مَنْصُوصٌ عليهنَّ في هذا المالِ، فلا يَصْعَدُ إلى الحِقاقِ بجُبْرانٍ، ولا يَنْزِلُ إلى بَناتِ اللَّبُونِ بجُبْرانٍ. ٨٥٧ - مسألة:. (وليس فيما بينَ الفَرِيضَتَيْن شَئٌ) ما بينَ

стр. 2838

وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَعَدِمَهَا، أَخْرَجَ سِنًّا أَسْفَلَ مِنْهَا وَمَعَهَا شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، ــ الفَرِيضَتَيْن يُسَمَّى الأوْقاصَ، ولا شئَ فيها؛ لعَفْوِ الشّارِعِ عنها. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللهِ: الأوْقاصُ كما بينَ الثَّلاثِين إلى الأرْبَعِين في البَقَرِ وما أشْبَهَ هذا؟ قال: نعم، والشَّنَقُ ما دُونَ الفَرِيضَةِ. قُلْتُ له: كأنَّه ما دُونَ الثَّلاثِين مِن البَقَرِ؟ قال: نعم. وقال الشَّعْبِىُّ: الشَّنَقُ ما بينَ الفَرِيضَتَيْن أيضًا. قال أصحابُنا: والزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالنِّصابِ دُونَ الوَقْصِ. ومَعْناه: أنَّه إذا كان عندَه ثَلاثُون مِن الِإبِلِ، فالزكاةُ تَتَعَلَّقُ بخَمْسٍ وعِشْرِين دُونَ الخَمْسَةِ الزّائِدَةِ. فعلى هذا لو وَجَبَتِ الزكاةُ فيها، وتَلِفَتِ الخَمْسَةُ قبلَ التَّمَكُّنِ مِن أدائِها، وقلنا: إنَّ تَلَفَ المالِ قبلَ التَّمَكُّنِ يُسْقِطُ الزكاةَ. لم يَسْقُطْ ههُنا منها شئٌ، لأنَّ التّالِفَ لم تَتَعَلَّقِ الزكاةُ به، وإن تَلِف منها عَشْرٌ سَقَط مِن الزكاةِ خُمْسُها؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بتَلَفِ جُزْءٍ مِن النِّصابِ، وإنَّما تَلِف مِن النِّصابِ خُمْسُه. وأمّا مَن قال: لا تَأْثِيرَ لتَلَفِ النِّصابِ في إسْقاطِ الزكاةِ فلا فائدَةَ في الخِلافِ عندَه في هذه المَسْألَةِ فيما أعلمُ. ٨٥٨ - مسألة: (ومَن وَجَبَتْ عليه سِنٌّ فعَدِمَها، أخْرَجَ سِنًّا أسْفَلَ

стр. 2839

وَإنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ السَّاعِى. ــ منها ومعها شاتان أو عِشْرُون دِرْهَمًا، وإن شاء أخْرَجَ أعْلَى منها، وأخَذ مِثْلَ ذلك مِن السّاعِى) هذا هو المَذْهَبُ، إلَّا أنَّه لا يَجُوزُ أن يُخْرِجَ أدْنَى مِن ابْنَةِ مَخاضٍ، لأنَّها أدْنَى سِنٍّ تَجِبُ في الزكاةِ، ولا يُخْرِجَ أعْلَى مِن الجَذَعَةِ، إلَّا أن يَرْضَى رَبُّ المالِ بإخْراجِها بغيرِ جُبْرانٍ، فيُقْبَلُ منه. والاخْتِيارُ في الصُّعُودِ والنُّزُولِ، والشِّياهِ والدَّراهِمِ، إلى رَبِّ المالِ. وبهذا قال النَّخَعِىّ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. واخْتَلَفَ فيه عن إسْحاقَ. وقال الثَّوْرِىُّ: يُخْرِجُ شاتَيْن أو عَشَرَةَ دَراهِمَ؛ لأنَّ الشّاةَ مُقَوَّمَةٌ في الشَّرْعِ بخَمْسَةِ دَراهِمَ، بدَلِيلِ أنَّ نِصابَها أرْبَعُون، ونِصابَ الدَّراهِمِ مائَتان. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَدْفَعُ قِيمَةَ ما وَجَب عليه، أو دُونَ السِّنِّ الواجِبَةِ، وفَضْلَ ما بينَهما دَراهِمَ. ولَنا، أنَّ في حَدِيثِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه

стр. 2840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو بكرِ، لأنَسٍ، أنَّه قال: «ومَن بلَغَتْ عِنْدَه مِن الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ، وليست عندَه جَذَعَةٌ، وعندَه حِقَّةٌ، فإنَّها تُقْبَلُ منه الحِقَّةُ، ويَجْعَلُ معها شاتين، إنِ اسْتَيْسَرَتا له، أو عِشْرِين دِرْهَمًا، ومَن بَلَغَتْ عندَه صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وليست عندَه، وعندَه الجَذَعَةُ، فإنَّها تُقْبَلُ منه الجَذَعَةُ، ويُعْطِيه المُصَدِّقُ عِشْرِين دِرْهَمًا أو شاتَيْن، ومَن بَلَغَتْ عندَه صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وليست عندَه إلَّا ابْنَةُ لَبُونٍ، فإنَّها تُقْبَلُ منه بِنْتُ لَبُونٍ، ويُعْطِى شاتَيْن، أو عِشْرِين دِرْهَمًا، ومَن بَلَغَتْ صَدَقَتُه بِنْتَ لَبُونٍ، وليست عندَه، وعندَه بِنْتُ مَخاضٍ، فإنَّها تُقْبَلُ منه بِنْتُ مَخاضٍ، ويُعْطِى معها عِشْرِين دِرْهَمًا، أو شاتَيْن» (١). وهذا نَصٌّ ثابتٌ صحيحٌ، فلا يُلْتَفَتُ إلى ما سِواه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَجُوزُ العُدُوْلُ إلى هذا الجُبْرانِ مع وُجُودِ الأصْلِ؛ لأنَّه مَشْرُوطٌ في الخَبَرِ بعَدَمِ الأصْلِ. فإن أراد أن يُخْرِجَ في الجُبْرانِ شاةً، وعَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فقال القاضى: يَجُوزُ، كما قُلْنا في الكَفَّارَةِ، له إخْراجُها مِن جِنْسَيْن، ولأنَّ الشَّاةَ مَقامُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فإذا اخْتار إخْراجَها وعَشَرَةٌ جاز. ويَحْتَمِلُ المَنْعَ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ خَيَّرَ بينَ شاتَيْن أو عِشْرِين دِرْهَمًا، وهذا قِسْمٌ ثالِثٌ، فتَجْوِيزُه يُخالِفُ الخَبَرَ. واللهُ أعلمُ.

стр. 2841

فَإِنْ عَدِمَ السِّنَّ الَّتِى تَلِيهَا انْتَقَلَ إِلَى الْأُخْرَى، وَجَبَرَهَا بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ، أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَنْتَقِلُ إِلَّا إِلَى سِنٍّ تَلِى الْوَاجِبَ، ــ ٨٥٩ - مسألة: (فإن عَدِم السِّنَّ التى تَلِيها انْتَقَلَ إلى الأُخْرَى، وجَبَرَها بأرْبَعِ شِياهٍ، أو أرْبَعِين دِرْهَمًا. وقال أبو الخَطّابِ: لا يَنْتَقِلُ إلَّا إلى سِنٍّ تَلِى الواجِبَ) وذلك كمَن وجَبَتْ عليه جَذَعَةٌ فعَدِمَها وعَدِم الحِقَّةَ، أو وجَبَتْ عليه حِقَّةٌ فعَدِمَها وعَدِم الجَذَعَةَ وبِنْتَ اللَّبُونِ، فيَجُوزُ أن يَنْتَقِلَ إلى السِّنِّ الثالِثِ مع الجُبْرانِ، فيُخْرِجُ في الصُّورَةِ الأُولَى ابْنَةَ لَبُونٍ ومعها أرْبَعَ شِياهٍ أو أرْبَعِين دِرْهَمًا، ويُخْرِجُ ابْنَةَ مَخاضٍ في الثّانِيَةِ، ويُخْرِجُ معها مِثْلَ ذلك. ذَكَرَه القاضى. وذَكَر أنَّ أحمدَ أوْمَأ إليه. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. وقال أبو الخَطّابِ: لا يَنْتَقِلُ إلَّا إلى سِنٍّ تَلِى الواجِبَ، فأمَّا إنِ انْتَقَلَ مِن حِقَّةٍ إلى بِنْتِ مَخاضٍ، أو مِن جَذَعَةٍ إلى بِنْتِ لَبُونٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد بالعُدُولِ إلى سِنٍّ واحِدَةٍ، فيَجِبُ الاقْتِصارُ عليه، كما اقْتَصَرْنا في أخْذِ الشِّياهِ (١) عن الإِبِلِ على المَوْضِعِ الذى وَرَد

стр. 2842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به النَّصُّ. وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ. وَوَجْهُ الأوَّلِ أنَّه قد جَوَّزَ الانْتِقالَ إلى السِّنِّ التى تَلِيه مع الجُبْرانِ، وجَوَّز العُدُولَ عنها أيضًا إذا عَدِم مع الجُبْرانِ إذا كان هو الفَرْضَ، وههُنا لو كان مَوْجُودًا أجْزَأ، فإذا عَدِم جاز العُدُولُ إلى ما يَلِيه مع الجُبْرانِ، والنَّصُّ إذا عُقِل عُدِّىَ وعُمِلَ بمَعْناه، وعلى مُقْتَضَى هذا القولِ يَجُوزُ العُدُولُ عن الجَذَعَةِ إلى بِنْتِ مَخاضٍ مع سِتِّ شِياهٍ، أو سِتِّين دِرْهَمًا، ومِن بِنْتِ مَخاضٍ إلى الجَذَعَةِ، ويَأْخُذُ سِتَّ شِياهٍ، أو سِتِّين دِرْهَمًا. وإن أراد أن يُخْرِجَ عن الأرْبَعِ شِياهٍ شاتَيْن وعِشْرِين دِرْهَمًا، جاز؛ لأنَّهما جُبْرانان، فهما كالكَفّارَتيْن. وكذلك في الجُبْرانِ الذى يُخْرِجُه عن فَرْضِ المِائَتَيْن مِن الإِبِلِ، إذا أخْرَجَ عن خَمْسِ بَناتِ لَبُونٍ خَمْسَ بَناتِ مَخاضٍ، أو مكانَ أرْبَعِ حِقاقٍ أرْبَعَ بَناتِ لَبُونٍ، جاز أن يُخْرِجَ بعضَ الجُبْرانِ دَراهِمَ، وبعضَه شِياهًا. ومتى وَجَد سِنًّا تَلِى الواجِبَ لم يَجُزِ العُدُوالُ إلى سِنٍّ لا تَلِيه؛ لأنَّ الانْتِقالَ عن السِّنِّ التى تَلِيه إلى السِّنِّ الأُخْرَى بَدَلٌ لا يَجُوزُ مع إمْكانِ الأصْلِ. فلو عَدِم الحِقَّةَ وابْنَةَ اللَّبُونِ، ووَجَد الجَذَعَةَ وابْنَةَ المَخاضِ، وكان الواجِبُ الحِقَّةَ، لم يَجُزِ العُدُولُ إلى بِنْتِ المَخاضِ، وإن كان الواجِبُ ابْنَةَ لَبُونٍ، لم يَجُزْ إخراجُ الجَذَعَةِ.

стр. 2843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كان النِّصابُ كلُّه مِراضًا، وفَرِيضَتُه مَعْدُومَةً، فله أن يَعْدِلَ إلى السِّنِّ السُّفْلَى مع دَفْعِ الجُبْرانِ، وليس له أن يَصْعَدَ مع أخْذِ الجُبْرانِ؛ لأنَّ الجُبْرانَ أكْثَرُ مِن الفَضْلِ الذى بينَ الفَرْضَيْن وقد يَكُونُ الجُبْرانُ خَيْرًا مِن الأصْلِ، فإنَّ قِيمَةَ الصَّحِيحَيْن أكْثَرُ مِن قِيمَةِ المَرِيضَيْن، وكذلك قِيمَةُ ما بينَهما، وإذا كان كذلك لم يَجُزْ في الصُّعُودِ، وجاز في النُّزُولِ؛ لأنَّه مُتَطَوِّعٌ بالزّائِدِ، ورَبُّ المالِ يُقْبَلُ منه الفَضْلُ، ولا يَجُوزُ لِلسّاعِى أن يُعْطِىَ الفَضْلَ مِن المِساكِينِ لذلك. فإن كان المُخْرِجُ وَلِيًّا ليَتِيمٍ، لم يَجُزْ له النُّزُولُ أيضًا؛ لأنَّهْ لا يَجُوزُ أن يُعْطِىَ الفَضْلَ مِن مالِ اليَتِيمِ، فيَتَعَيَّنُ شِراءُ الفَرْضِ مِن غيرِ المالِ.

стр. 2844

وَلَا مَدْخَلَ لِلْجُبْرَانِ فِى غَيْرِ الإِبِلِ. ــ ٨٦٠ - مسألة: (ولا مَدْخَلَ للجُبْرانِ في غيرِ الإِبِلِ) وذلك لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد فيها، وليس غيرُها في مَعْناها، لأنَّها أكْثَرُ قِيمَةً، ولأنَّ الغَنَمَ لا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُها باخْتِلافِ سِنِّها، وما بينَ الفَرِيضَتَيْن في البَقَرِ يُخالِفُ ما بينَ الفَرِيضَتَيْن في الإِبِلِ، فامْتَنَعَ القِياسُ. فمَن عَدِم فَرِيضَةَ البَقَرِ أو الغَنَمِ ووَجَد دُونَها، لم يَجُزْ له إخْراجُها، وإن وَجَد أعلى منها فأحَبَّ أن يَدْفَعَها مُتَطَوِّعًا بغيرِ جُبْرانٍ، قُبِلَتْ منه، وإن لم يَفْعَلْ كُلِّفَ شِراءَها مِن غيرِ مالِه.

стр. 2845

فَصْلٌ: النَّوْع الثَّانِى، الْبَقَرُ، وَلَا شَىْءَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ اوْ تَبِيعَةٌ؛ وَهِىَ الَّتِى لَهَا سَنَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ؛ وَهِىَ الَّتِى لَهَا سَنَتَانِ، وَفِى السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِى كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، ثُمَّ فِى كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ. ــ فصل: قال، رَضِىَ اللهُ عنه: (النَّوْعُ الثّانِى، البَقَرُ، ولَا شَئَ فيها حتى تَبْلُغَ ثَلاثِين، فيَجِبُ فيها تَبِيعٌ أو تَبِيعَةٌ، وهى التى لها سَنَةٌ، وفى الأرْبَعِين مُسِنَّةٌ؛ وهى التى لها سَنَتان، وفى السِّتِّين تَبِيعان، ثم في كلِّ ثَلاثِين تَبِيعٌ، وفى كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةٌ) صدقةُ البَقَرِ ثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أما السُّنَّةُ فرَوَى أبو ذَرٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَا مِنْ صاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّى زَكاتَها، إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ أعْظَمَ مَا كَانَتْ وأسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِها وَتَطَؤُهُ بأخْفَافِها، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ». مُتَّفَقٌ عليه (١).

стр. 2846

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعن مُعاذٍ، قال: بَعَثَنِى النبيُّ ﷺ إلى اليَمَنِ، وأمَرَنِى أن آخُذَ مِن كلِّ حالِمٍ دِينارًا أو عَدْاَله مَعافِرَ (١)، وأمَرَنِى أن آخُذَ مِن كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةً، ومِن كلِّ ثَلاثِين بَقَرَةً تَبِيعًا حَوْلِيًّا. رَواه الإِمامُ أحمدُ (٢)، وهذا لَفْظُه، وأبو داودَ، والتّرْمذِىُّ، والنَّسائِىُّ، وابنُ ماجه، ولم يَذكُرِ التِّرْمذِىُّ: «حَوْليًّا». وقال: حديثٌ حسنٌ. وعندَ النَّسائِيِّ، قال: أمَرَنِى رسولُ اللهِ ﷺ حينَ بَعَثَنِى إلى اليَمَنِ أن لا آخُذَ مِن البَقَرِ شيئًا حتى تَبْلُغَ ثَلاثِين فإذا بَلَغَتْ ثَلاثِين، ففيها عِجْلٌ تابِعٌ، جَذَعٌ أو جَذَعَةٌ، حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين، فإذا بَلَغَتْ أرْبَعِين، فَفِيها (٣) بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٤)،

стр. 2847

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بإسْنادِهِ، عن يحيى بنِ الحَكَمِ، أنَّ مُعاذًا قال: بَعَثَنِى رسولُ اللهِ ﷺ أُصَدِّقُ أهْلَ اليَمَنِ، وأمَرَنِى أن آخُذَ مِن البَقَرِ مِن كلِّ ثَلاثِين تَبِيعًا، ومن كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةً. قال: فعَرَضُوا علىَّ أن آخُذَ ممّا بينَ الأرْبَعِين والخَمْسِين، وبينَ السِّتِّين والسَّبْعِين، وما بينَ الثَّمانِين والتِّسْعِين، فأبَيْتُ ذلك، وقُلْتُ لهم: حتى أسْألَ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك. فقَدِمْتُ، فأخْبَرْتُ النبىَّ ﷺ ، فأمَرَنِى أن آخُذَ مِن كلِّ ثَلاثِين تِبَيعًا، ومِن كلِّ (١) أرْبَعِين مُسِنَّةً، ومِن السِّتِّين تَبِيعَيْن، ومِن السَّبْعِين مُسِنَّةً وتَبِيعًا، ومِن الثَّمانِين مُسِنَّتَيْن، ومِن التِّسْعِين ثلاثَةَ أتْباعٍ، ومِن المِائَةِ مُسِنَّةً وتَبِيعَيْن، ومِن العَشرَةِ ومائَةٍ مُسِنَّتَيْن وتَبيعًا، ومِن العِشْرِين ومائَةٍ ثَلاثَ مُسِنّاتٍ أو أرْبَعَةَ أتْباعٍ، وأمَرَنِى رسولُ اللهِ ﷺ ، أن لا آخُذَ فيما بينَ ذلك شيئًا [إلَّا أن] (٢) تَبلُغَ مُسِنَّةً أو جَذَعًا. يَعْنِى تَبِيعًا. وزَعَم أنَّ الأوْقاصَ لا فَرِيضَةَ فيها. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ الزكاةِ في البَقَرِ. قال أبو عُبَيْدٍ: لا أعْلَمُ النّاسَ يَخْتَلِفُون فيه اليَوْمَ. ولا تَجِبُ في البَقَرِ زَكاةٌ حتى تَبْلُغَ ثَلاِثين في قولِ جُمْهُورِ العلماءِ. وحُكِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ،

стр. 2848

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والزُّهْرِىِّ أنَّهما قالا: في كلِّ خَمْسٍ شاةٌ؛ لأنَّها عُدِلَت بالإِبِلِ في الهَدْىِ والأُضْحِيَةِ، كذلك في الزكاةِ. ولَنا، ما تَقَدَّمَ مِن الخَبَرِ، ولأنَّ نُصُبَ الزكاةِ إنَّما تَثْبُتُ بالنَّصِّ والتَّوْقِيفِ، وليس فيما ذَكراه نَصٌّ ولا تَوْقِيفٌ، فلا يَثْبُتُ، وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بِخَمْسٍ وثَلاثِين مِن الغَنَمِ، فإنَّها تَعْدِلُ خَمْسًا مِن الإِبِلِ في الهَدْىِ، ولا زَكاةَ فيها، وإنَّما تَجِبُ الزكاةُ فيها إذا كانت سائِمَةً. وحُكِىَ عن مالكٍ في العوامِلِ والمَعْلُوفَةِ زَكاةٌ، كقَوْلِه في الإِبِلِ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ. ولَنا، ما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ ﷺ قال: «لَيْسَ فِى الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ». رَواه الدّارَقُطْنِىُّ (١). وعن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال الرّاوِى: أحْسَبُه عن النبىِّ ﷺ في صَدَقَةِ البَقَرِ، قال: «وَلَيْسَ فِى العَوَامِلِ شَيءٌ». رَواه أبو داودَ (٢). وهذا مُقَيَّدٌ يُحْمَلُ عليه المُطْلَقُ.؛ ولأنَّه قولُ عليٍّ، ومُعاذٍ، وجابِرٍ، ولأنَّ صِفَةَ النَّماءِ مُعْتَبَرَةٌ في الزكاةِ، وإنَّما تُوجَدُ في السّائِمَةِ.

стр. 2849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والواجِبُ فيها في كلِّ ثلاثِين تَبِيعٌ أو تَبِيعَةٌ، وهو الذى له سَنَةٌ ودَخَل في الثّانِيَةِ، وقِيلَ له ذلك لأنَّه يَتبَعُ أُمَّه. وفى كلِّ أرْبَعِين مُسِنَّةٌ، وهى التى لها سَنَتان، وهى الثَّنِيَّةُ. ولا فرْضَ في البَقَرِ غَيْرُهما. وفى السِّتِّين تَبِيعانِ كما ذَكَر في أوَّلِ المَسْألَةِ. وهذا قولُ جُمْهُورِ العلماءِ؛ منهم الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحسنُ، ومالكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ، في رِوايَةٍ عنه: فيما زاد على الأرْبَعِين بحِسابِه، في كلِّ بَقَرَةٍ رُبعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ، فِرارًا مِن جَعْل الوَقْصِ تِسْعَةَ عَشَرَ، فإنَّه مُخَالِفٌ لجَمِيعِ أوْقاصِها، فإنَّها عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ. ولَنا، حَدِيثُ مُعاذٍ المذْكُورُ، وهو صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولأنَّ البَقَرَ أحَدُ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فلم يَجِبْ في زَكاتِها كَسْرٌ، كسائِرِ الأنْواعِ، ولا يَنْتَقِلُ مِن فَرْضِها فيها بغيرِ وَقْصٍ، كسائِرِ الفُرُوضِ، وكما بينَ الثَّلاثِين والأرْبَعِين، ومُخالَفَةُ قَوْلِهم للأُصُولِ أشَدُّ مِنْ الوُجُوهِ التى ذَكَرْناها، وعلى أنَّ أوْقاصَ الإِبِلِ والغَنَمِ مُخْتَلِفَةٌ، فجاز الاخْتِلاف ههُنا. فإن رَضِىَ رَبُّ المالِ بإعْطاءِ المُسِنَّةِ عن التَّبِيعِ، والتَّبِيعَيْن عن المُسِنَّةِ، أو أكبَرَ منها سِنًّا عنها، جاز. واللهُ أعلمُ.

стр. 2850

وَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِى الزَّكَاةِ فِى غَيْرِ هَذَا، إلَّا ابْنُ لَبُونٍ مَكَانَ بنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، فَيُجْزِئُ الذَّ كَرُ فِى الْغَنَمِ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَفِى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. ــ ٨٦١ - مسألة: (ولا يُجْزِئُ الذَّكَرُ في الزكاةِ في غيرِ هذا، إلَّا ابنُ لَبُونٍ مَكانَ بِنْتِ مَخاضٍ إذا عَدِمَها، إلَّا أن يَكُونَ النِّصابُ كلُّه ذُكُورًا، فيُجْزِئُ الذَّكُرُ في الغَنَمِ، وَجْهًا واحِدًا، وفى البَقَرِ والإِبِلِ في أحَدِ الوَجْهَيْن) الذَّكَرُ لا يُخْرَجُ في الزكاةِ أصْلًا إلَّا في البَقَرِ، فأمّا ابنُ لَبُونٍ مَكانَ بِنْتِ مَخاضٍ فليس بأصْلٍ، ولهذا لا يُجْزِئُ مع وُجُودِها، وإنَّما يُجْزِئُ الذَّكَرُ في البَقَرِ عن الثَّلاثِين، وما تَكَرَّرَ منها، كالسِّتِّين والتِّسْعِينَ، وَما تَرَكَّبَ مِن الثَّلاثِين وغيرِها، كالسَّبْعِين، فيها تَبِيعٌ ومُسِنَّةٌ. وإن شاء أخْرَجَ مكانَ الذُّكُورِ إناثًا؛ لوُرُودِ النَّصِّ بهما، فأمّا الأرْبَعُون وما تَكَرَّرَ منها، كالثَّمانِين، فلا يُجْزِئُ في فَرْضِها إلَّا الإِناثُ، لِنَصِّ الشّارعِ عليها، إلَّا أن يُخْرِجَ عن المُسِنَّةِ تَبِيعَيْنِ، فيَجُوزُ. فإذا بَلَغَتْ مائةً وعِشْرِين خُيِّرَ المالِكُ بينَ إخْراجِ ثَلاثِ مُسِنّاتٍ، أو أرْبَعَةِ أتْباعٍ، أيُّهما شاء أخْرَجَ على ما نَطَق به الخَبَرُ، هذا التَّفْصِيلُ فيما إذا كان في بَقَرِه إناثٌ.

стр. 2851

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا كان في ماشِيَتِه إناثٌ لم يَجُزْ إخْراجُ الْذَّكَرِ، وجْهًا واحِدًا، إلَّا في المَوْضِعَيْن المَذْكُورَيْن. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ إخْراجُ الذَّكَرِ مِن الغَنَمِ الإِناثِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» (١). ولَفْظُ الشّاةِ يَقَعُ على الذَّكَرِ والأُنْثَى، ولأنَّ الشّاةَ إذا أُمِرَ بها مُطْلَقًا، أجْزَأ فيها الذَّكَرُ والأُنْثَى، كالأُضْحِيَةِ. ولَنا، أنَّه حَيوانُ تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِه، فكانتِ الأُنوثِيَّةُ مُعْتَبَرَةً في فَرْضِه، كالإِبِلِ، والمُطْلَقُ يَتَقَيَّدُ بالقِياسِ على سائِرِ النُّصبِ، والأُضْحِيَةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ بالمالِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. فصل: فإن كانت ماشِيَتُه كلُّها ذُكُورًا، أجْزَأ الذَّكَرُ في الغَنَمِ، وَجْهًا واحِدًا، ولأنَّ الزكاةَ مُواساةٌ، فلا يُكَلَّفُ المُواساةَ مِن غيرِ مالِه، ويَجُوزُ إخْراجُه في البَقَرِ في أصَحِّ الوَجْهَيْن لذلك. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ نَصَّ على المُسِنّاتِ في الأرْبَعِينات، فيَجِبُ اتِّباعُ مَوْرِدِه، فيُكَلَّفُ شِراءَها إذا عَدِمَها، كما لو لم يَكُنْ في ماشِيَتِه إلا مَعِيبًا. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّا قد جَوَّزْنا الذَّكَرَ في الغَنَمِ، مع أنَّه لا مَدْخَلَ له في زَكاتِها مع وُجُودِ الإِناثِ، فالبَقَرُ التى للذَّكَرِ فيها مَدْخَلٌ أوْلَى. وفى الإِبِلِ وَجْهان؛

стр. 2852

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أوْجَهُهما ما ذَكَرْنا. وْالفَرْقُ بينَ النُّصُبِ الثَّلاثَةِ، أنَّ النبىَّ ﷺ نَصَّ على الأُنْثَى في فَرائِضِ الإِبِلِ والبَقَرِ، وأطْلَقَ الشّاةَ الواجِبَةَ، وقال في الإِبِلِ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ بِنْتَ مَخَاضٍ، أخْرَجَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا» (١). ومِن حيث المَعْنَى أنَّ الإِبِلَ يَتَغَيَّرُ فَرْضُها بزيادَةِ السِّنِّ، فإذا جَوَّزْنا إخْرِاجَ الذَّكَرِ أفْضَى إلى التَّسْوِيَةِ بينَ الفَرْضَيْن؛ لأنَّه يُخْرِجُ ابنَ لَبُونٍ عن خمْسٍ وعِشْرِين للخبَرِ، وعن سِتٍّ وثَلاِثين، وهذا المَعْنَى يَخْتَصُّ الإِبِلَ. فعلى هذا يُخْرِجُ أُنْثَى ناقِصَةً بقَدْرِ قِيمَةِ الذَّكَرِ. فإن قِيلَ: فالبَقَرُ أيضًا يَأْخُذُ منها تَبِيعًا عن ثَلاِثين، وتَبِيعًا عن أرْبَعِين إذا كانت كلُّها أتْبِعَةً، وقُلْنا بِأخْذِ الصَّغِيرَةِ مِن

стр. 2853

وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ، وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ إِلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ. ــ الصِّغارِ. قلنا: هذا يَلْزَمُ مِثْلُه في إخْراجِ الأُنْثَى، فلا فَرْقَ. ومَن جَوَّزَ إخْراجَ الذَّكَرِ في الكلِّ، قال: يَأْخُذُ ابْنَ لَبُونٍ مِن خَمْسٍ وعِشْرِين، قِيمَتُه دُونَ قِيمَةِ ابنِ لَبُونٍ يَأْخُذُه مِن سِتَّةٍ وثَلاثِينَ، ويَكُونُ بينهما في القِيمَةِ كما بينَهما في العَدَدِ، ويَكُونُ الفَرْضُ بصِفَةِ المالِ، وإذا اعْتَبَرْنا القِيمَةَ لم يُرَدَّ إلى التَّسْوِيَةِ، كما قُلْنا في الغَنَمِ. ويَحْتَمِلُ أن يُخْرِجَ ابنَ مَخاضٍ عن خَمْسَةٍ وعِشْرِين مِن الإِبِلِ، فيَقُومَ الذَّكَرُ مَقامَ الأَنْثَى التى في سِنِّه، كَسائِرِ النُّصُبِ. ٨٦٢ - مسألة: (ويُؤْخَذُ مِن الصِّغارِ صَغِيرَةٌ، ومِن المِراضِ مَرِيضَةٌ (١). وقال أبو بكرٍ: لا يُؤْخَذُ إلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ على قَدْرِ المالِ) متى كان حالُ نصابٍ كلِّه صِغارًا جاز أخْذُ الصَّغِيرَةِ، في الصَّحِيحِ مِن

стр. 2854

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَذْهَبِ. وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذلك بأن تُبَدَّلَ كِبارٌ بصِغارٍ في أثْناءِ الحَوْلِ، أو يَكُونَ عندَه نِصابٌ مِن الكِبارِ، فتَوالَدَ نِصابًا مِن الصِّغارِ.، ثم تَمُوتَ الأُمَّهاتُ، ويَحُولَ الحَوْلُ على الصِّغارِ. وقال أبو بكرٍ: لا يُؤْخذُ إلَّا كَبِيرَةٌ تجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ. وهو قولُ مالكٍ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «إنَّما حَقُّنَا فِى الجَذَعَةِ أوِ الثَّنِيَّةِ» (١). ولأنَّ زِيادَةَ السِّنِّ في المالِ لا يَزِيدُ بها الواجِبُ، كذلك نُقْصانُه لا يَنْقُصُ به. ولَنا، قولُ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ الله عنه: واللهِ لو مَنَعُونِى عَناقًا كانُوا يُؤَدُّونَها إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لقاتلْتُهم عليها (٢). فدَلَّ على أنَّهم كانوا يُؤَدُّونَ العَناقَ، ولأنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ مِن غيرِ اعْتِبارِ قِيمَتِه، فيُجْزِئُ الأخْذ مِن عَيْنِه، كسائِرِ الأمْوالِ. وأمّا زِيادَة السِّنِّ، فليس يَمْتَنِعُ الرِّفْقُ بالمالكِ في المَوْضِعَيْن، كما [أنَّ ما] (٣) دُونَ النِّصابِ عَفْوٌ، وما فَوْقَه عَفْوٌ، والحديثُ مَحْمُولٌ على مالٍ فيه كبارٌ،

стр. 2855

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وظاهِرُ ما ذَكَرَه شيخُنا ههُنا، وقولُ الأصحابِ أنَّ الحُكْمَ في الفُصْلانِ والعُجُولِ، كالحُكْمِ في السِّخالِ؛ لِما ذَكَرْنا في الغَنَمِ، ويَكُونُ التَّعْدِيلُ بالقِيمَةِ مكانَ زِيادَةِ السِّنِّ، كما قُلْنا في إخْراجِ الذَّكَرِ مِن الذُّكُورِ، قال شيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ إخْراجُ الفُصْلانِ والعُجُولِ، وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِئلَّا يُفْضِىَ إلى التَّسْوِيَةِ بينَ الفُروضِ، فيُخْرِجَ ابْنَةَ مَخاضٍ عن خَمْسٍ وعِشْرِين، وسِتٍّ وثَلاثِين وسِتٍّ وأرْبَعِين، وإحْدَى وسِتِّين، ويُخْرِجَ ابْنَتَىِ اللَّبُونِ عن. سِتٍّ وسَبْعِين، وإحْدَى وتِسْعِين، ومائةٍ وعِشْرِين، ويُفْضِىَ إلى (٢) الانْتِقَالِ مِن بِنْتِ اللَّبُونِ الواحِدَةِ مِن إحْدَى وسِتِّين إلى ابْنَتَىْ لَبُونٍ في سِتٍّ وسَبْعِين، مع تَقارُبِ الوَقْصِ بينَهما،

стр. 2856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبينَهما في الأصْلِ أرْبَعون، والخَبَرُ وَرَد في السِّخالِ، فيَمْتَنِعُ قِياسُ الفُصْلانِ والعُجُولِ عليها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الفَرْقِ.

стр. 2857

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وكذلك إذا كان النِّصابُ كلُّه مِراضًا، فالصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ جَوازُ إخْراجِ الفَرْضِ منه، ويَكُونُ وَسَطًا في القِيمَةِ، ولا اعْتِبارَ بقِلَّةِ العَيْبِ وكَثْرَتِه؛ لأنَّ القِيمَةَ تَأْتِى على ذلك. وهو قولُ الشافعىِّ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ. وقال مالكٌ: إن كانت كلُّها جَرْباءَ أخْرَجَ جَرْباءَ، وإن كانت هَتْماءَ كُلِّفَ شِراءَ صَحِيحَةٍ. وقال أبو بكرٍ: لا يُجْزِئُ إلَّا صَحِيحَةٌ، لأنَّ أحمدَ قال: لا يُؤْخَذُ إلَّا ما يَجُوزُ في الأضاحِى، وللنَّهْىِ عن أخْذِ ذاتِ العَوارِ، فعلى هذا يُكَلَّفُ شِراءَ صَحِيحَةٍ بقَدْرِ قِيمَةِ المَرِيضَةِ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ» (١). وقال: «إنَّ اللهَ لَمْ يَسأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ». رَواه أبو داودَ (٢). ولأنَّ مَبْنَى الزكاةِ على المُواسَاةِ، وتَكْلِيفُ الصَّحِيحَةِ عن المِراضِ إخْلالٌ بالمُواساةِ، ولهذا يَأْخُذُ مِن الرَّدِئِ مِن الحَيَوانِ والثِّمارِ مِن جِنْسِه، ومِن اللِّئامِ والهُزالِ مِن المَواشِى مِن جنْسِه، كذا هذا. وأمّا الحَدِيثُ فيُحْمَلُ على ما إذا كان فيه صَحِيحٌ، فإنَّ الغَالِبَ الصِّحَّةُ. وإن كان في النِّصابِ بعضُ الفَريضَةِ صَحِيحًا، أخْرَجَ الصَّحِيحَةَ، وتَمَّمَ الفَرِيضَةَ مِن المِراضِ على قَدْرِ المالِ، ولا فَرْقَ في هذا بينَ الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ. والحُكْمُ في الهَرِمَةِ والمَعِيبَةِ كالحُكْمِ في المَرِيضَةِ سَواءٌ؛ لأنَّها في مَعْناها. واللهُ أعلمُ.

стр. 2858

فَإِنِ اجْتَمَعَ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، وَصِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُورٌ وَإنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ. ــ ٨٦٣ - مسألة: (فإنِ اجْتَمَعَ كِبارٌ وصِغارٌ، وصِحاحٌ ومِراضٌ، وذُكُورٌ وإناثٌ، لم يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ على قَدْرِ قِيمَةِ المَالَيْن) متى كان عندَه نِصابٌ، فنَتَجَتْ منه سِخالٌ في أثْناءِ الحَوْلِ، وجَبَتِ الزكاةُ في الجَمِيعِ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، وكأَنَّ حَوْلَ السِّخالِ حَوْلُ أصْلِها. وحُكِىَ عن الحسنِ، والنَّخَعِىِّ: لا زَكاةَ في السِّخالِ حتى يَحُولَ عليها الحَوْلُ؛ لقولِه ﵇: «لَا زَكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» (١). ولَنا، قولُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، لساعِيه: اعْتَدَّ عليهم بالسَّخْلَةِ، يَرُوحُ بها الرّاعِى على يَدَيْه، ولا تَأْخُذْها منهم (٢). وهو مَذْهَبُ عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا. والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بمالِ التِّجارَةِ، فإنَّه يُضَمُّ إليه نَماؤُه بالاتِّفاقِ،

стр. 2859

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيُقاسُ عليه. والحُكْمُ في فُصْلانِ الإِبِلِ، وعَجاجِيلِ البَقَرِ، كالحُكْمِ في السِّخالِ. إذا ثَبَت هذا فإنَّ السَّخْلَةَ لا تُؤْخَذُ في الزكاةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قولِ عُمَرَ، ولِما ذَكَرْنا في المَسألَةِ التى قَبْلَها. فصل: وإن كان في النِّصابِ ذُكُورٌ وإناثٌ، لم يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى. وقد ذَكَرْنا ذلك. وإن كان فيه صِحاحٌ ومِراضٌ، أخْرَجَ صَحِيحَةً قِيمَتُها على قَدْرِ قِيمَةِ المالَيْن، ولا يَجُوزُ إخراجُ المَرِيضَةِ، لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١). ولقولِه ﵇: «وَلَا يُخْرَجُ فِى الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إلَّا أنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ» (٢). وإن كان النِّصابُ كلُّه مِراضًا إلَّا مِقْدارَ الفَرْضِ، فهو مُخَيَّرٌ بينَ إخْراجِه، وبينَ شِراءِ فَرِيضَةٍ قَلِيلَةِ القِيمَةِ فيُخْرِجُها، ولو كانتِ الصَّحِيحَةُ غيرَ الفَرِيضَةِ بعَدَدِ الفَرِيضَةِ، مثلَ مَن وَجَب عليه ابْنَتا لَبُونٍ، وعندَه حُواران (٣) صَحِيحان، فإنَّ عليه شِراءَ صَحِيحَتَيْن، فيُخْرِجُهما. وإن وَجَبَتْ عليه حِقَّتان وعندَه ابْنَتا لَبُونٍ صَحِيحَتان، خُيِّرَ بينَ إخْراجِهما مع الجُبرانِ، وبينَ شِراءِ حِقَّتَيْن صَحِيحَتَيْن على قَدْرِ قِيمَةِ المالِ. وإن كان

стр. 2860

وَإنْ كَانَ نَوْعَيْنِ؛ كَالْبَخَاتِىِّ وَالْعِرَابِ، وَالْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ، وَالْضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، ــ عندَه جَذَعَتانْ صَحِيحَتان، فله إخْراجُهما مع أخْذِ الجُبْرانِ. وإن كان عليه حِقَّتان، ونِصْفُ مالِه صَحِيحٌ، ونِصْفُه مَرِيضٌ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: له إخْراجُ حِقَّةٍ صَحِيحَةٍ وحِقَّةٍ مَرِيضَةٍ، لأنَّ النِّصْفَ الذى يَجِبُ فيه إحْدَى الحِقَّتَيْن مَرِيضٌ كلُّه. والصَّحِيحُ في المَذْهَبِ خِلافُ ذلك؛ لأنَّ في مالِه صَحِيحًا ومَرِيضًا، فلم يَمْلِكْ إخراجَ مَرِيضَةٍ، كما لو كان نِصابًا واحِدًا، ولم يَتَعَيَّنِ النِّصْفُ الذى وَجَبَتْ فيه الحِقَّةُ في المِراضِ، وكذلك لو كان لشَرِيكَيْن، لم يَتَعَيَّنْ حَقُّ أحَدِهما في المِراضِ دُونَ الآخَرِ. وإن كان النِّصابُ كلُّه صَحِيحًا، لم يَجُزْ إخْراجُ المَعِيبَةِ وإن كَثُرَتْ قِيمَتُها، للنَّهْىِ عن أخْذِها، ولِما فيه مِنْ الإِضْرارِ بالفُقَراءِ، ولهذا يُسْتَحَقُّ رَدُّها في البَيْعِ وإن كَثُرتْ قِيمَتُها. ٨٦٤ - مسألة: (وإن كان نَوْعَيْن؛ كالبَخاتِىِّ والعِرابِ (١)،

стр. 2861

أَوْ كَانَ فِيهِ كِرَامٌ وَلِئَامٌ، وَسِمَانٌ وَمَهَازِيلُ، أُخِذَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ. ــ والبَقَرِ والجَوامِيسِ، والضَّأْنِ والمَعْزِ، أو كان فيه كِرامٌ ولِئامٌ، وسِمانٌ ومَهازِيلُ، أُخِذَتِ الفَرِيضَةُ مِن أحَدِهما على قَدْرِ قِيمَةِ المالَيْن) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في ضَمِّ أنْواعِ الأجْناسِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، في إيجابِ الزكاةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على ضَمِّ الضَّأْنِ إلى المَعْزِ. إذا ثَبَت هذا فإنَّه يُخْرِجُ الزكاةَ مِن أىِّ الأنْواعِ أحَبَّ، سَواءٌ دَعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك، بأن يَكُونَ الواجِبُ واحِدًا، و (١) لا يَكُونَ أحَدُ النَّوْعَيْن مُوجِبًا لواحِدٍ، أو لم تَدْعُ، بأن يَكُونَ كلُّ واحِدٍ مِن النَّوْعَيْن فيه فَرِيضَةٌ كامِلَةٌ، وقال عِكْرِمَةُ، ومالكٌ، وإسْحاقُ: يُخْرِجُ مِن أكْثَرِ العَدَدَيْنِ، فإنِ اسْتَوَيا أخْرَجَ مِن أيِّهِما شاء، وقال الشافعيُّ: القِياسُ أن يُؤْخَذَ مِن كلِّ نَوْعٍ ما يَخُصُّه. اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّها أنْوَاعٌ تَجِبُ فيها الزكاةُ، فتَجِبُ زكاةُ كلِّ نَوْعٍ منه، كأنْواعِ الثَّمَرَةِ والحُبُوبِ.

стр. 2862

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولَنا، أنَّهما نَوْعا جِنْسٍ مِن الماشِيَةِ، فجاز الإِخْراجُ مِن أيِّهما شاء، كما لو اسْتَوَى العَدَدانِ، وكالسِّمانِ والمَهازِيلِ، وما ذَكَرَه الشافعيُّ يُفْضِى إلى تَشْقِيصِ الفَرْضِ، وقد عَدَل إلى غَيْرِ الجِنْسِ فيما دُونَ خَمْسٍ وعِشرِين مِنِ الإِبِلِ مِن أجْلِ ذلك، فالعُدُولُ إلى النَّوْعِ أوْلَى. إذا ثَبَت ذلك، فإنه يُخرِجُ مِن أحَدِ النَّوْعَيْن ما قِيمَتُه كقِيمَةِ المُخْرَجِ مِن النَّوْعَيْن، فإذا كان النَّوْعان سَوِاءً، وقِيمَةُ المُخْرَجِ مِن أحَدهما اثْنَىْ عَشَرَ، وقِيمَةُ المُخْرَجِ مِن الآخرِ خَمْسةَ عَشَرَ، أخْرَجَ مِن أحَدِهما ما قِيمَتُه ثَلَاثةَ عَشَرَ، وإن كان الثُّلُثُ مَعْزًا، والثُّلُثان ضَأْنًا، أخْرَجَ ما قِيمَتُه أرْبَعَةَ عَشَرَ، وإن كان بالعَكْسِ، أخْرَجَ ما قِيمَتُه ثلاثةَ عَشَرَ. وإن كان في إبِلِه عَشْرٌ بَخاتِيٌّ، وعَشْرٌ مَهْرِيَّةٌ (١)، وعَشْرٌ عِرابِيَّةٌ، وقِيمَةُ ابْنَةِ المَخاضِ البُخْتِيةِ ثَلاُثون والمَهْرِيَّةِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُون، والعِرابِيَّةِ اثْنا عَشَر، أخْرَجَ ابْنَةَ مَخاضٍ قِيمَتُها ثُلُثُ قِيمَةِ بِنْتِ مَخاضٍ بخْتِيَّةٍ، وهو عَشَرَةٌ، وثُلُثُ قِيمَةِ مَهْرِيَّةٍ ثَمانِيَةٌ، وثُلُثُ قِيمَةِ عِرابِيَّةٍ أرْبَعَةٌ، فصار الجَمِيعُ اثْنَيْن وعِشْرِين. وكذلك الحُكْمُ في أنْواعِ البَقَرِ، وفى السِّمانِ مع المَهازِيلِ، والكَرائِمِ مع اللِّئامِ.

стр. 2863

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والأوْلَى أن يُخْرِجَ عن ماشِيَتِه مِن نَوْعِها؛ فيُخْرِجُ عن البَخاتِىِّ بُخْتِيَّةً، وعن العِرابِ عِرابِيَّةً، وعن الكِرام كَرِيمَةً، فإن أخْرَجَ عن الكِرامِ هَزِيلَةً بقِيمَةِ السَّمِينَةِ جاز. ذَكَرَه أبو بكَرٍ. وحُكِىَ غن القاضى أنَّه لا يَجُوزُ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ القِيمَةَ مع اتِّحادِ الجِنْسِ هى المَقْصُودَةُ، فإن أخْرَجَ عن النِّصاب مِن غيرِ نَوْعِه ممَّا ليس في مالِه منه شئٌ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْزِئُ؛ لأنَّه أخْرَجَ عنه مِن جِنْسِه، فجازَ كما لوْ أخْرَجَ من أحَدِ النَّوْعَيْنِ عنهما. اخْتاره أبو بكرٍ. والثانِي. لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه أخرَجَ مِن غيرِ نَوْعِ مالِه، أشْبَهَ ما لو أخرَجَ مِن غيرِ الجِنْسِ، وفارَقَ ما إذا أخرَجَ مِن أحَدِ نَوْعَىْ مالِه؛ لأنَّه جاز فِرارًا مِن تَشْقِيصِ الفَرْضِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. واللهُ أعلمُ.

стр. 2864

فَصلٌ: النَّوْعُ الثَّالِثُ، الْغَنمُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَتَجِبُ فِيهَا شُاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاهٍ، ثُمَّ فِى كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ. ــ فصل: قال رَضِىَ الله عنه: (النَّوْعُ الثّالِثُ) في (الغَنَمِ). ٨٦٥ - مسألة: (ولا شئَ فيها حتى تَبْلُغ أرْبَعِين، فَتَجِبُ فيها شاةٌ، إلى مِائَةٍ وعِشْرِين، فإذا زادَت واحِدَةً ففيها [شاتان إلى مِائَتَيْن، فإذا زادَت واحِدَةً فَفِيها] (١) ثَلاثُ شِياهٍ، ثُمَّ فِى كلِّ مائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) الأصْلُ في وُجُوبِ صَدَقَةِ الغَنَمِ السُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا السُّنَّةُ فما روَى أنَسٌ، في كتابِ الصَّدَقاتِ الذى كَتَبَه له أبو بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه (٢)، أنَّه قال: «في صَدَقَةِ الغَنَمِ في سائِمَتِها، إذا كانَتْ أرْبَعِين إلى عِشْرِين ومائَةٍ شاةٌ، فإذا زادَتْ على عِشْرِين ومائَةٍ إلَى مائَتَيْن، ففيها شاتان، فإذا زادَتْ على مائَتَيْن إلى ثلاِثمائةٍ ففيها ثَلاثُ شِيَاهٍ، فإذا زادَتْ على ثلاثمائَةٍ ففى كلِّ مائَةٍ شَاةٌ،

стр. 2865

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذا كانَتْ سَائِمَةُ الرجلِ ناقِصَةً مِن أرْبَعِين شَاةً واحِدَةً فليس فيها صَدَقَةٌ، إلَّا أنْ يَشاءَ رَبُّها، وَلَا يُخْرِجُ في الصدَقَةِ هَرِمَةً، وَلَا ذَاتَ عَوَارٍ، ولا تَيْسًا، إلَّا ما شاء المُصَدِّقُ» وأخْبارٌ سِوَى هذا. وأجْمَعَ المُسْلِمُون على وُجُوبِ الزكاةِ فيها، وهذا المَذْكُورُ ههُنا مُجْمَعٌ عليه، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، إلَّا أنَّه حُكِىَ عن مُعاذٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ الفَرْضَ لا يَتَغَيَّرُ بعدَ المِائَةِ وإحْدَى وعِشْرِين، حتى تَبْلُغَ مِائَتَيْن واثْنَيْن وأرْبَعِين، ليَكونَ مِثْلَىْ (١) مائَةٍ وإحْدَى وعِشْرِين. ورَواه سَعِيدٌ، عن خالِدٍ، عن مُغِيرَةَ، عن الشَّعْبِىِّ، عن مُعاذٍ، أنَّه كان إذا بَلَغَتِ الشِّياهُ مائَتَيْن لم يُغَيِّرْها، حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين ومائَتَيْن، فيَأْخُذَ منها ثَلاثَ شِياهٍ، فإذا بَلَغَت ثَلاثَمائَةٍ، لم يُغَيِّرْها، حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين وثَلَاثماثَةٍ، فيَأخُذَ منها أرْبَعًا. ولا يَثْبُتُ عنه. والحديثُ الذى رَوَيْناهُ دَلِيلٌ على خِلافِ ما رُوِىَ عنه، والإِجماعُ على خِلافِ هذا القولِ دَلِيلٌ على فَسادِهِ، وما رَواه سَعِيدٌ مُنْقَطِعٌ؛ فإنَّ الشَّعْبِىَّ لم يَلْقَ مُعاذًا. وظاهِرُ المذْهَبِ أنَّ فَرْضَ الغَنَمِ لا يَتَغَيَّرُ بعدَ مائَتَيْن وواحِدَةٍ، حتى يَبْلُغَ أرْبَعَمِائةٍ، فيَجِبُ في كلِّ مِائةٍ شاةٌ، ويَكُونُ ما بينَ مائتَيْن وواحِدَةٍ إلى أرْبَعِمائةٍ وَقْصًا، وذلك مائةٌ وتِسْعَةٌ وتِسْعُون. وهذا قولُ أكْثَرِ العلماءِ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّها إذا زادَتْ على ثَلاِثمائَةٍ واحِدَةً،

стр. 2866

وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمَعْزِ الثَّنِىُّ، وَمِنَ الضَّأْنِ الْجَذَعُ، ــ ففيها أرْبَعُ شِياهٍ، ثم لا يَتَغَيَّرُ الفَرْضُ حتى تَبْلُغَ خَمْسَمائَةٍ، فيَكُونُ في كلِّ مائَةٍ شاةٌ، ويَكُونُ الوَقْصُ الكَبِيرُ ما بينَ ثَلاِثمائةٍ وواحِدَةٍ إلى خَمْسِمائةٍ. اخْتارَه أبو بكرٍ. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ جَعَل الثَّلاثَمائةٍ حَدًّا للوَقْصِ، وغايَةً، فيَجِبُ أن يَتَعَقَّبَه تَغَيُّرُ النِّصابِ، كالمائتَيْن. ولَنا، أنَّ قولَ النبىِّ ﷺ : «فَإذَا زَادَتْ، فَفِى كُلِّ مائَةٍ شَاةٌ». يَقْتَضِى ألَّا يَجِبَ فيما دُونَ المائةِ شئٌ، وفى كِتابِ الصَّدَقاتِ الذى كان عندَ آلِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ: فإذا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمائةٍ وَاحِدَةً، فَلَيْس فِيهَا شَئٌ، حَتَّى تَبْلُغَ أرْبَعَمائةِ شَاةٍ، ففِيهَا أرْبَعُ شِيَاهٍ (١). وهذا صَرِيحٌ لا يَجُوزُ خِلافُه، وتَحْدِيدُ النِّصابِ لاسْتِقْرارِ الفَريضَةِ، لا لِلْغَايَةِ. ٨٦٦ - مسألة: (ويُؤْخَذُ مِن المَعْزِ الثَّنِىُّ، ومِن الضَّأْنِ الجَذَعُ)

стр. 2867

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يُجْزِئُ في صَدَقَةِ الغَنَمِ إلَّا الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ، وهو ما لَه سِتَّةُ أشْهُرٍ، والثَّنِيُّ مِن المَعْزِ، وهو مالَه سَنَةٌ، فإن تَطَوَّعَ المالكُ بأعْلَى منهما في السِّنِّ، جاز؛ لِما نَذْكُرُه. فإن كان الفَرْضُ في النِّصابِ أخَذَه السّاعِى، وإن كان فَوْقَ الفَرْضِ خُيِّرَ المالِكُ بينَ دَفْعِ واحِدَةٍ منه، وبينَ شِراءِ الفَرْضِ فيُخْرِجُه. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفة، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه: لا يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِيَّةُ منهما جَمِيعًا؛ لأنَّهما نَوْعا جِنْسٍ، فكان الفَرْضُ منهما واحِدًا، كالإِبِلِ والبَقَرِ. وقال مالكٌ: تُجْزِئُ الجَذَعَةُ منهما؛ لذلك، ولقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «إنَّمَا حَقُّنَا في الجَذَعَةِ أوِ الثَّنِيَّةِ» (١). ولَنا، على أبى حنيفةَ هذا الخَبَرُ، وقولُ [سِعْر بنِ دَيْسَمَ] (٢): أتانِى رجلان على بَعِيرٍ، فقالا: إنّا رسولا رسولِ اللهِ إليك، لتُؤَدِّىَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ. قلتُ: فأىَّ شئٍ تَأْخُذانِ؟ قالا: عَناقٌ، جَذَعَةٌ أو ثنِيَّةٌ. أخْرَجَه أبو داودَ (٣). ولَنا على مالكٍ، ما رَوَى سُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ، قال: أتانا مُصَدِّقُ النبىِّ ﷺ ،

стр. 2868

وَلَا يُؤْخَذُ تَيْسٌ، وَلَا هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ؛ وَهِىَ الْمَعِيبَةُ،. ــ وقال: أُمْرِنا أن نَأْخُذَ الجَذَعَةَ مِن الضَّأْنِ، والثَّنِيَّةَ مِن المَعْزِ (١). وهذا صَرِيحٌ، وفيه بَيانٌ للمُطْلَقِ في الحَدِيثَيْن قبلَه، ولأنَّ جَذَعَةَ الضَّأْنِ تُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ، بخِلافِ جَذَعَةِ المَعْزِ؛ بدَلِيلِ قولِ النبيِّ ﷺ لأبِي بُرْدَةَ ابنِ نِيَارٍ (٢)، في جَذَعَةِ المَعْزِ: «تُجْزِئُ عَنْكَ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ» (٣). ٨٦٧ - مسألة: (ولا يُؤْخَذُ) في الصَّدَقَةِ (تَيْسٌ، ولا هَرِمَةٌ، ولا ذاتُ عَوارٍ؛ وهى المَعِيبَةُ) هذه الثَّلاثُ لا تُؤْخَذُ لدَناءَتِها، ولقولِ

стр. 2869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١). ولأنَّ في حَدِيثِ أنَسٍ: «وَلَا يُخْرَجُ فِى الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، ولا تَيْسٌ، إلَّا أنْ يَشَاءَ المُصَدِّقُ» (٢). وقد قِيلَ: لا يُؤْخَذُ تَيْسُ الغَنَمِ لفَضِيلَتِه. وكان أبو عُبَيْدٍ يَرْوِى هذا الحَدِيثَ: «إلَّا مَا شَاءَ المُصَدَّقُ» (٣). بفَتْحِ الدّالِ يَعْنِى صاحِبَ المالِ. فعلى هذا يَكُونُ الاسْتِثْناءُ في الحَدِيثِ راجِعًا إلى التَّيْسِ وَحْدَه. وذَكَر الخَطّابِىُّ (٤) أنَّ جَمِيعَ الرُّواةِ يُخالِفُونَه في هذا، فيَرْوُونَه: «المُصَدِّقُ». بكَسْرِ الدّالِ. أى العامِلُ. وقال: التَّيْسُ لا يُؤْخَذُ؛ لنَقْصِه، وفسادِ لَحْمِه. وعلى هذا لا يَأْخُذُ المُصَدِّقُ، وهو السّاعِى، أحَدَ هذه الثَّلاثةِ، إلَّا أن يَرَى ذلك، بأن يَكُونَ جَمِيعُ المالِ مِن جِنْسِه، فيَكُونُ له أن يَأْخُذَ مِن جِنْسِ المالِ، فيَأْخُذُ هَرِمَةً مِن الهَرِماتِ، ومَعِيبَةً مِن المَعِيباتِ، وتَيْسًا مِن التُّيُوسِ. وقال مالكٌ،

стр. 2870

وَلا الرُّبَّى؛ وَهِىَ الَّتِى تُرَبِّى وَلَدَهَا، وَلَا الْحَامِلُ، وَلَا كَرَائِمُ الْمَالِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهُ. ــ والشافعىُّ: إن رَأى السّاعِى أنَّ أخْذَ هذه الثَّلاثِ خَيْرٌ له، وأنْفَعُ للفُقَراءِ، فله أخْذُها؛ لظاهِرِ الاسْتِثْناء. ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا. ولأنَّ في أخْذِ المَعِيبَةِ عن الصِّحاحِ إضْرارًا بالفُقَراءِ، ولذلك يَسْتَحِقُّ رَدُّها في البَيْعِ، ولأنَّهَا مِن شِرارِ المالِ، وقد قال ﵇: «إنَّ اللهَ لم يَسْأَلْكُمْ خيْرَهُ، ولم يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ» (١). ٨٦٨ - مسألة: (ولا الرُّبَّى؛ وهى التى تُرَبِّى وَلَدَها، ولا الماخِضُ، ولا كَرائِمُ المالِ، إلَّا أن يَشاءَ رَبُّه) الرُّبَّى؛ قَرِيبَةُ العَهْدِ بالوِلادَةِ، تقولُ العَرَبُ: في رِبابِهَا. كما تَقُولُ: في نِفاسِها. قال الشاعرُ: * حَنِينَ أُمِّ الْبَوِّ في رِبابِهَا * (٢)

стр. 2871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال أحمدُ: والماخِضُ التى قد حان وِلادُها، فإن لم يَقْرُبْ وِلادُها، فهى خَلِفَةٌ. وهذه الثَّلاثَةُ لا تُؤْخَذُ لحقِّ رَبِّ المالِ، ولا تُؤْخَذُ أيضًا الأكُولَةُ؛ لذلك. قال عُمَرُ، رَضِىَ اللهُ عنه، لساعِيه: لا تَأْخُذِ الرُّبَّى ولا الماخِضَ، ولا الأكُولَةَ. وقال النبىُّ ﷺ لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولا فَحْل الغَنَمِ. فإن تَطَوَّعَ رَبُّ المالِ بإخْراجِها جاز أخْذُها، وله ثَوابُ الفَضْلِ، لأنَّ الحَقَّ له فجاز برِضاه، كما لو دَفَع فَرْضَيْن مكانَ فَرْضٍ. وإذا تَقَرَّرَ أنَّه لا يَجُوزُ أخْذُ الرَّدِئِ لأجْلِ الفُقَراءِ، ولا كَرائِمِ المالِ مِن أجْلِ أرْبابِه، ثَبَت أنَّ الحَقَّ في الوَسَطِ مِنْ المالِ. قال الزُّهْرِىُّ: إذا جاء المُصَدِّق قَسَّمَ الشِّياهَ ثَلاثًا؛ ثُلُثٌ خِيارٌ، وثُلُثٌ أوْساطٌ، وثُلُثٌ شِرارٌ، وأخَذَ مِن الوَسَطِ. ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه (٢). والأحادِيثُ تَدُلُّ على نَحْوِ هذا، فروَى أبو داودَ والنَّسائِىُّ، بإسْنادِهِما عن [شِعْرِ بنِ دَيْسَمَ] (٣) قال:

стр. 2872

وَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ. وَعَنْهُ، يَجُوزُ. ــ كنتُ في غَنَمٍ لى، فجاءَنِى رجلان على بَعِير، فقالا: إنّا رسولَا رسولِ اللهِ ﷺ إليك لتُؤَدِّىَ إلينا صَدَقَةَ غَنَمِك. قلتُ: وما علىَّ فيها؟ قالا: شاةٌ. فأعْمَدُ إلى شَاةٍ قد عَرَفْتُ مَكانَهَا مُمْتَلِئَةً مَخْضًا وشَحْمًا، فأخْرَجْتُها إليهما. قالا: هذه شافِعٌ، وقد نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن نَأْخُذَ شاةً شافِعًا (١). والشّافِعُ: الحامِلُ؛ سُمِّيَتْ بذلك لأنَّ وَلَدَها قد شَفَعَها. والمَخْضُ: اللَّبَنُ. ورَوَى أبو داودَ بإسْنادِه عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ، وَأنَّهُ لَا إلهَ إلَّا هُوَ، وَأعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، وَلَمْ يُعْطِ الهَرِمَةَ، وَلَا الدَّرِنَةَ، وَلَا المَرِيضَةَ، وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، ولَكِنْ مِنْ وَسَطِ أمْوالِكُمْ، فَإنَّ اللهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ» (٢). رَافِدَةً؛ مُعِينَةً؛ والدَّرِنَةُ؛ الجَرْباءُ، والشَّرَطُ؛ رُذالَةُ المالِ. ٨٦٩ - مسألة: (ولا يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ. وعنه، فيَجُوزُ) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ في شئٍ مِن الزَّكَواتِ. وبه قال مالكٌ،

стр. 2873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشافعيُّ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَجُوزُ. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ ابنِ عبدِ العزِيزِ، والحسنِ. وعن أحمدَ مثلُ قَوْلِهم فيما عدا زكاةَ الفِطْرِ. فأمّا زكاةُ الفِطْرِ فقد نَصَّ على أنَّه لا يَجُوزُ. قال أبو داودَ: قِيلَ لأحمدَ: وأنا أُعْطِى دَراهِمَ. يَعْنِى في صَدَقَةِ. الفِطْرِ، قال: أخافُ أن لا يُجْزِئَه خِلافُ سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ . وقال أبو طالِبٍ: قال أحمدُ: لا يُعْطِى قِيمَتَه. قِيلَ له: قَوْمٌ يَقُولُون: عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ كان يأْخُذُ بالقِيمَةِ. قال: يَدَعُون قولَ رسول اللهِ ﷺ ، ويَقُولُون قالَ فُلانٌ! قال ابنُ عُمَرَ: فَرَض رسولُ اللهِ ﷺ (١)، وقال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٢). ونُقِلَ عن أحمدَ في غيرِ زكاةِ الفِطْرِ جَوازُ إخْراجِ القِيمَةِ. قال أبو داودَ: وسُئِلَ أحمدُ عن رجلٍ باع ثَمَرَةَ نَخْلِه. قال: عُشْرُه على الذي باعَه. قِيلَ له: فَيُخْرِجُ تَمْرًا، أو ثَمَنَه؟ قال: إن شاء أخْرَجَ تَمْرًا، وإن شاء أخْرَجَ مِن الثَّمَنِ. ووَجْهُ ذلك قولُ مُعاذٍ لأهْلِ اليَمَنِ: ائْتُونِي بخمِيسٍ. (٣) أو لَبِيسٍ (٤) آخُذُه منكم، فإنَّه أيْسَرُ عليكم،

стр. 2874

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأنْفَعُ للمُهاجِرِين بالمَدِينَةِ (١). ورَوَى سَعِيدٌ، بإسْنادِه، قال: لَمّا قَدِمْ مُعاذٌ إلى اليَمَنِ، قال: ائْتُونِي بعَرْضِ ثِيابٍ آخُذُه مِنكم مكانَ الذُّرَةِ والشَّعِيرِ، فإنَّه أهْوَنُ عليكم، وخَيْرٌ للمُهاجِرِين بالمَدِينَةِ. ولأنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ حاجَةِ الفُقَراءِ، ولا يَخْتَلِفُ ذلك باخْتِلافِ صُوَرِ الأمْوالِ إذا حَصَلَتِ القِيمَةُ. ولَنا، قولُ ابنِ عُمَرَ: فَرَض رسولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ. فإذَا عَدَل عن ذلك فقد تَرَك المَفْرُوضَ. وقال النبىُّ ﷺ : «فِى أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» (٢)، «وفِى مِائَتَىْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» (٣). وهو وارِدٌ بَيانًا لقَوْلِه تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٤). فتَكُونُ الشّاةُ المذْكُورَةُ هى المَأْمُورُ بها، والأمْرُ للوُجُوبِ. وفى كِتابِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه (٥):

стр. 2875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذه فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ التى فَرَضَها رسولُ اللهِ ﷺ . وفَسَّرَها بالشّاةِ والبَعِيرِ. والفَرِيضَةُ واجِبَةٌ، والواجِبُ لا يَجُوزُ تَرْكُه. وقَوْلُه ﵇: «فَإنْ لَمْ يَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لبونٍ ذَكَرٌ». يَمْنَعُ إخْراجَ ابْنَةِ اللَّبُون مع وُجُودِ ابْنَةِ المَخاضِ، ويَدُلُّ على أنَّه أرادَ البَعِيرَ دُونَ المالِيَّةِ؛ فإنَّ خَمْسًا وعِشْرِين مِن الإِبِلِ لا تَخْلُو مِن مالِيَّةِ بِنْتِ مَخاضٍ، وإخْراجُ القِيمَةِ يُخالِفُ ذلك، ويُفْضِى إلى إخْراجِ الفَرِيضَةِ مكانَ الأُخْرَى مِن غيرِ جُبْرانٍ، وهو خِلافُ النَّصِّ. وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ قال لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنَ الْبَقَرِ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (١). ولأنَّ الزكاةَ
следующие страницы →