. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال أحمدُ: خَمْسَةٌ مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُون: ليس في الحَلْى زكاةٌ، زَكاتُه عارِيَّتُه. ووَجْهُ الأُولَى ما روَى جابِرٌ، عن النبىِّ ﷺ أنه قال: «لَيْسَ فِى الْحَلْى زَكَاةٌ» (١). ولأنَّه مُرْصَد لاسْتعْمالٍ مُبَاحٍ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالعَوامِلِ مِن البَقَرِ، وثِيابِ القُنْيَةِ. والأحادِيثُ الصَّحيحةُ التى احْتَجُّوا بها لا تَتَناوَلُ مَحِلَّ النِّزاعِ؛ لأنَّ الرِّقَةَ هى الدراهِمُ المَضْرُوبَةُ. قال أبو عُبَيْدٍ (٢): لا نَعْلَمُ هذا الاسْمَ في الكلامِ المَعْقُولِ عندَ العَرَبِ إلَّا على الدَّراهِم المَضْرُوبَةِ، ذاتِ السِّكَّةِ السّائِرَةِ في النّاسِ. وكذلك الأواقِىُّ ليس مَعْناها إلَّا الدَّراهِمَ، كلُّ أوقِيَّةٍ أرْبَعُون دِرْهَمًا. وأمّا حديثُ المَسَكَتَيْن، فقال أبو عُبَيْدٍ (٣): لا نَعْلَمُه إلَّا مِن وَجْهٍ قد تَكَلَّمَ النّاسُ فيه قَدِيمًا وحَدِيثًا. وقال التِّرْمذِىُّ (٤): ليس يَصِحُّ في هذا البابِ
стр. 3047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شئٌ ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد بالزكاةِ العارِيَّةَ،؛ قد ذَهَب إليه جَمَاعَةٌ مِن الصَّحابَةِ وغيرِهم، والتِّبْرُ غيرُ مُعَدٍّ للاسْتِعْمالِ، بخِلافِ الحَلْى. ولا فَرْقَ بينَ الحَلْى المُباحِ أن يكونَ مَمْلُوكًا لامرأةٍ تَلْبَسُه أو تُعِيرُه، أو لرَجُل يُحَلِّى به أهلَه، أو يُعِيرُه، أو يُعِدُّه لذلك؛ لأنَّه مَصرُوف عن جِهَةِ النَّماءِ إلى اسْتِعْمالٍ مُباحٍ، أشْبَهَ حَلْى المَرأةِ. فإن اتَّخَذَ حَلْيًا فِرارًا مِن الزكاةِ، لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ؛ لأنَّها إنَّما سَقَطَتْ عن ما أعِدَّ للاسْتِعْمالِ، لصَرْفِه عن جِهَةِ النَّماءِ، ففيما (١) عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
فصل: فإنِ انْكَسَرَ الحَلْىُ كَسْرًا لا يَمْنَعُ اللُّبْسَ، فهو كالصَّحِيحِ، إلَّا أن يَنْوِىَ تَرْكَ لُبْسِه، وإن كان كَسْرًا يَمْنعُ الاسْتِعْمالَ، ففيه الزكاةُ؛ لأنَّه صار كالنُّقْرَةِ (٢)، وإن نَوَى بحَلْى (٣) اللُّبْسِ التِّجارَةَ [أو الكِرَى] (٤)، انْعَقَدَ عليه حَوْلُ الزكاةِ مِن حِينَ نَوَى؛ لأنَّ الوُجُوبَ الأصْلُ، فانْصَرَفَ إليه بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى بمالِ التِّجارَةِ القُنْيَةَ.
فصل: وكذلك ما يُباحُ للرجالِ مِن الحَلْى، كخاتَمِ الفِضَّةِ،
стр. 3048
فَأَمَّا الْحَلْىُ الْمُحَرَّمُ، وَالآنِيَةُ، وَمَا أعِدَّ لِلْكِرَاءِ أَوِ النَّفَقَةِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا.
ــ
وقَبِيعَةِ (١) السَّيْفِ، وحِلْيَةِ المِنْطَقَة (٢)، على الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، والجَوْشَنِ (٣)، والخُوذَةِ وما في مَعناه، وأَنْف الذَّهَبِ. وكلُّ ما أُبِيحَ للرجلِ، حُكْمُه حُكْمُ حَلْى المرأةِ في عَدَمِ وُجُوبِ الزكاةِ؛ لأنَّه مَصْرُوفٌ عن جِهَةِ النَّماءِ، أشْبَهَ حَلْى المرأةِ.
٩٢٩ - مسألة: (فأمّا الحَلْىُ المُحَرَّمُ، والآنِيَةُ، وما أُعِدَّ للكِراءِ والنَّفَقَةِ، ففيه الزكاةُ إذا بَلَغ نِصابًا) كلُّ ما أعِدَّ للكِراءِ والنَّفَقَةِ إذا احْتِيجَ (٤) إليه ففيه الزكاةُ؛ لأنَّها إنَّما سَقَطَتْ عن ما أعِدَّ للاسْتِعْمالِ، لصَرْفِه عن جِهَةِ النَّماءِ، ففيما عَداه يَبْقَى كل الأصْلِ. ولأصحابِ
стр. 3049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشافعىِّ وَجْهٌ فيما أُعِدَّ للكِراءِ لا زَكاةَ فيه. وكلُّ ما كان اتِّخاذُه مُحَرَّمًا مِن الأثْمانِ ففيه الزكاةُ؛ لأنَّ الأصْل وُجُوبُ الزكاةِ فيها؛ لكَوْنِها مَخْلُوقَةً للتِّجارَةِ والتَّوَسُّلِ بها إلى غيرِها، ولم يُوجَدْ ما يُسْقِطُ الزكاةَ فيها، فبَقِيَتْ على الأصْلِ. قال أحمدُ: ما كان على سَرْجٍ أو لِجامٍ، ففيه الزكاةُ. ونَصَّ على حِلْيَةِ الثَّفَرِ (١) والرِّكابِ واللِّجامِ، أنَّه مُحَرَّمٌ. وقال، في رِوايَةِ الأثْرَمِ: أكْرَهُ رَأْسَ المُكْحلَةِ فِضَّةً. ثم قال: هذا شئٌ تَأوَّلْتُه. وعلى قِياسِ ما ذَكَرَه، حِلْيَةُ الدَّواةِ، والمِقْلَمَة، والسَّرْجِ، ونَحْوِه ممّا على الدّابَّةِ. ولو مَوَّهَ سَقْفَه بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فهو مُحَرَّم، وفيه الزكاةُ. وقال أصْحابُ الرَّأْى: يُباحُ؛ لأنَّه تابع للمُبَاحِ، فتَبِعَه في الإِباحَةِ. ولَنا، أنَّه سَرَفٌ، ويُفْضِى إلى الخُيَلاء، وكَسْرِ قُلُوبِ الفُقَراءِ، فحَرُمَ، كاتِّخاذِ الآنِيَةِ، وقد نَهَى النبىُّ ﷺ عن التَّخَتُّمِ بخاتَمِ الذَّهَبِ للرجل (٢)،
стр. 3050
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فتمْوِيهُ السَّقْفِ أوْلَى. فإن صار التَّمْويهُ الذى في السَّقْفِ مُسْتَهْلَكًا لا يَجْتَمِعُ منه شئٌ، لم تَحْرُم اسْتِدامَتُه؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في إتْلافِه وإزالَتِه، ولا زكاةَ فيه؛ لأنَّ مَالِيَتّهَ ذَهَبتْ، وإن لم تَذْهَبْ مالِيته ولم يكنْ مُسْتَهْلَكًا، حَرُمَتِ اسْتِدامَتُه. وقد بَلَغَنا أن عُمَرَ بنَ عبدِ العزِيزِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لَمَّا وَلِىَ، أراد جَمْعَ ما في مَسْجِدِ دِمَشْقَ ممّا مُوِّهَ به مِن الذَّهَبِ، فقِيلَ له: إنَّه لا يَجْتَمِعُ منه شئٌ. فتَرَكَه. ولا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ المَصاحِفِ ولا المَحارِيبِ، ولا اتِّخاذُ قَنادِيلَ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لأنَّها بمَنْزِلَةِ الآنِيَةِ. وإن وَقَفَها على مَسْجِدٍ أو نَحْوِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس ببِرٍّ ولا مَعْرُوفٍ، ويكونُ ذلك بمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ، فتُكْسَرُ وتُصْرَفُ في مَصْلَحَةِ المَسْجِدِ وعِمارَتِه. وكذلك إن حَبَّسَ الرجلُ فَرَسًا له لِجامٌ مُفَضَّضٌ. وقد قال أحمدُ، في الرجلِ يَقِفُ فَرَسًا في سبِيلِ اللَّهِ، ومعه لِجامٌ مُفَضَّضٌ: فهو على ما وَقَفَه، وإن بِيعَتِ الفِضَّةُ مِن السَّرْجِ واللِّجامِ، وجُعِلَتْ في وَقْفٍ مِثْلِه فهو أحَبُّ إلىَّ؛ لأنَّ الفِضَّةَ لا يُنْتَفَعُ بها، ولَعَلَّه يَشْتَرِى بذلك سَرْجًا ولِجامًا، فيكونَ أنْفَعَ للمسلمين. قِيل: فتُباعُ الفِضَّةُ، وتُنْفَقُ على الفَرَسِ؟ قال: نعم. وهذا يَدُلُّ على إباحَةِ حِلْيَةِ السَّرْجِ واللِّجامِ بالفِضَّةِ، لولا ذلك لَما قال: هو على ما وَقَفَه. وهذا لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ به، فأشْبَهَ حِلْيَةَ المِنْطَقَةِ. وإذا قُلْنا بتَحْرِيمِه، فصار بحيث لا يَجْتَمِعُ منه
стр. 3051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شئٌ، لم تَحْرُمِ اسْتِدامَتُه، كقَوْلِنا في تَمْوِيهِ السَّقْفِ. وقال القاضى: تُباحُ عِلاقَةُ المُصْحَفِ ذَهَبًا وفِضَّةً للنِّساءِ خاصَّةً. وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّ حِلْيَةَ المرأةِ ما لَبِسَتْه، وتَحَلَّتْ به في بَدَنِها أو ثِيابِها، وما عَداه فحُكْمُه حُكْمُ الأوانِى، يَسْتَوِى فيه الرِّجالُ والنِّساءُ. ولو أُبِيحَ لها ذلك لأُبِيحَ عِلاقَة الأوانِى، ونَحوُه. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. ويَحْرُمُ على الرجل خاتَمُ الذَّهَبِ، لنَهْى النبىِّ ﷺ عنه (١)، وكذلك طَوْقُ الفِضَّةِ، لأنَّه غيرُ مُعْتادٍ في حَقِّه، فهذا وكلُّ ما يَحْرُمُ اتِّخاذُه، إذا بَلَغ نِصابًا ففيه الزكاةُ، أو بَلَغ نِصابًا بضَمِّه إلى ما عندَه؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: واتِّخاذُ الأوانِى مُحَرَّمٌ على الرِّجالِ والنِّساءِ، وكذلك اسْتِعْمالُها. وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَحْرُمُ اتِّخاذُها. وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الآنِيَةِ (٢)، ففيها الزكاةُ بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه بينَ أهلِ العلمِ،
стр. 3052
وَالاعْتِبَارُ بِوَزْنِهِ، إِلَّا مَا كانَ مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ،
ــ
ولا زكاةَ فيه حتى يَبْلُغَ نِصابًا، أو يكونَ عندَه ما يَبْلُغُ بضَمِّه إليه نِصابًا، فإن لم يَبْلُغْ نِصابًا فلا زكاةَ فيه؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، لقَوْلِه ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَة» (١). وغيرِ ذلك.
٩٣٠ - مسألة: (والاعْتِبارُ بوَزْنِهِ، إلَّا ما كان مُباحَ الصِّناعَةِ ،
стр. 3053
فَإِنَّ الاعْتِبَارَ فِى النِّصَابِ بِوَزْنِهِ، وَفِى الإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ.
ــ
فإنَّ الاعْتِبارَ في النِّصاب بوَزْنِه، وفى الإِخْراجِ بقِيمُتِه) اعْتِبارُ النِّصابِ في الذَّهَبِ المُحَلَّى والآنِيَةِ وغيرِه ممّا تَجِبُ فيه الزكاةُ بالوَزْنِّ؛ للخَبَرِ، فإن كانت قِيمَتُه أكثر مِن وَزْنِه لصِناعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، فلا عِبْرَةَ بها، لأنَّها لا قِيمَةَ لها في الشَّرْعِ، وله أن يُخْرِجَ عنها قَدْرَ رُبْعِ عُشْرِها بقِيمَتِه غيرَ مَصُوغٍ، وله كَسْرُها وإخْراجُ رُبْعِ عُشْرِها مَكْسُورًا، وإن أخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِها مَصُوغًا، جاز، لأنَّ الصِّناعَةَ لم تَنْقُصْها عن قِيمَةِ المَكْسُورِ. وذَكَر أبو الخَطّابِ وَجْهًا في اعْتِبارٍ قِيمَتِها إذا كانت صِناعَتُها مباحةً، كمَن عندَه حَلْىٌ للكِراءِ، وَزْنُه مائة وخمْسُون دِرْهَمًا، وقِيمَتُه مائتان، تَجِبُ فيه الزكاةُ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ».
стр. 3054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وما كان مُباحَ الصِّناعَةِ، كحَلْى التِّجارَةِ، فالاعْتِبارُ في النِّصابِ بوَزْنِه؛ لِما ذَكَرْنا، وفى الإِخْراجِ بقِيمَتِه. فإذا كان وَزْنُه مائتَيْن، وقِيمَتُه ثَلاثَمائةٍ، فعليه قَدْرُ رُبْعِ عُشْرِه في زِنَتِه وقِيمَتِه؛ لأنَّ زِيادَةَ القِيمَةِ ههُنا بغيرِ مُحَرَّمٍ، أشبَهَ زِيادَةَ قِيمَتِه لنَفاسَةِ جَوْهَرِه. فإن أخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِه مُشاعًا، جاز، وإن دَفَع قَدْرَ رُبْعِ عُشْرِه وزاد في الوَزْنِ، بحيث يَسْتَوِيانِ في القِيمَةِ، بأن أخْرَجَ سَبْعَةَ دَراهِم ونِصْفًا، جاز، وكذلك إن أخْرَجَ حَلْيًا وَزْنُه خَمْسَةُ دَراهِمَ، وقِيمَتُه سَبْعَةٌ ونِصْفٌ؛ لأنَّ الرِّبا لا يَجْرِى ههنا. وإن أراد كسْرَه ودَفْعَ رُبْعِ عُشْرِه مَكْسُورًا لم يَجُزْ؛ لأنَّ كَسْرَهُ
стр. 3055
وَيباحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ، وَقبِيعَةُ السَّيْفِ.
ــ
يَنْقُصُ قِيمَتَه. وحَكَى (١) القاضى في «المُجَرَّدِ» إذا نَوَى بالحَلْى القُنْيَةَ، أنَّ الاعْتِبارَ في الإِخْراجِ بوَزْنِه أيضًا، فإن كان للتِّجارَةِ اعْتُبِرَ بقِيمَتِه، قال: وعندى في الحَلْى المُعَدِّ للقُنْيَةِ أنَّه تُعْتَبَرُ قِيمَتُه أيضًا. فإن كان في الحَلْى جَواهِرُ ولآلِئُ، وكان للتِّجارَةِ، قُومَ جَمِيعُه، وإن كان لغيرِها فلا زكاةَ فيها؛ لأنَّها لا زكاةَ فيها مُنْفَرِدَةً، فكذلك مع غيرِها.
٩٣١ - مسألة: (ويُباحُ للرِّجالِ مِن الفِضَّةِ الخَاتَمُ، وقَبِيعَةُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكُلابِ (١)، فاتَّخَذَ أنْفًا مِن وَرِقٍ فأنْتَنَ عليه، فأمَرَه النبىُّ ﷺ فاتَّخَذَ أنْفًا مِن ذَهَبٍ. رَواه أبو داودَ (٢). وقال الإِمامُ أحمدُ: يَجُوزُ رَبْطُ الأسْنانِ بالذَّهَبِ إن خُشِىَ عليها أن تَسْقُطَ، قد فَعَلَه النّاسُ، ولا بَأْسَ به عندَ الضَّرُورَةِ. وروَى الأثْرَمُ، عن أبى جَمْرَةَ الضُّبَعِىِّ (٣)، وموسى بنِ طَلْحَةَ، وأبى رافِعٍ (٤)، وثابِتٍ البُنانِىِّ (٥)، وإسْماعِيلَ بنِ زَيْدٍ بن ثابِتٍ (٦)، والمُغِيرَةِ بن عبدِ اللَّه (٧)، أنَّهم شَدُّوا أسْنانَهُم بالذَّهَبِ. وما عَدا ذلك مِن الذَّهَبِ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ الرُّخْصَةُ فيه في السَّيْفِ. قال أحمدُ: قد رُوِى أنَّه كان في سَيْفِ عثمانَ بنِ حُنَيْفٍ مِسْمارٌ مِن ذَهَبٍ.
стр. 3060
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال: إنَّه كان لعُمَرَ سَيْف فيه سَبائِكُ مِن ذَهَبٍ. مِن حديثِ إسْماعِيلَ ابنِ أُمَيَّةَ، عن نافِعٍ. وروَى التِّرْمذِىّ (١)، بإسْنادِه، عن مَزِيدَةَ العَصرِىِّ، أنَّ النبىَّ ﷺ دَخَل مَكَّةَ وعلى سَيْفِه ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. ورُوِىَ عن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى تَدُلُّ على تَحْرِيمِ ذلك. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: يَخافُ عليه أن يَسْقُطَ يَجْعَلُ فيه مِسْمارًا مِن ذَهَبٍ؟ قال: إنَّما رُخِّصَ في الأسْنانِ، وذلك إنَّما هو على وَجْهِ الضَّرُورَةِ، فأمّا المِسْمارُ، فقد رُوِىَ: «مَنْ تَحَلَّى بخَرْبَصِيصَةٍ» (٢). قلتُ: أىُّ شئٍ خَرْبَصِيصَةٌ؟ قال: شئٌ صغيرٌ مثلُ الشُّعَيْرَةِ. وِروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِهِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْم: «مَنْ تَحَلَّى بِخرْبَصِيصَةٍ، كُوِىَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَغْفُورًا لَهُ أوْ مُعَذَّبًا» (٣). وحُكِى عن أبى بكر مِن أصْحابِنا، أنَّه أباح
стр. 3061
وَيُبَاحُ للِنِّسَاءِ من الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ، وَفيهِ الزَّكَاةُ.
ــ
يَسيرَ الذَّهَبِ، ولعَلَّه يَحْتَجُّ بما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ، ولأنَّه أحَدُ الثَّلَاثةِ المُحَرَّمَةِ على الذُّكُورِ دُونَ الإِناثِ، فلم يُحَرَّمْ يَسِيرُه، كسائِرِها. وكلُّ ما أُبِيحَ مِن الحَلْى فلا زَكاةَ فيه إذا أُعِدَّ للاسْتِعْمالِ.
٩٣٣ - مسألة: (ويُباحُ للنِّساءِ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ وكلُّ ما جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بلُبْسِه، قَلَّ أوْ كَثُر. وقال ابنُ حامِدٍ: إن بَلَغ الْفَ مِثْقالٍ حَرُم، وفيه الزكاةُ) يُباحُ للنِّساءِ مِن حَلْىِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والجَواهِرِ كلُّ ما جَرَتْ عادَتُهُنَّ بلُبْسِه؛ كالسِّوارِ، والخَلْخالِ، والقُرْطِ، والخاتَمِ، وما يَلْبَسْنَه على وُجُوهِهِنَّ، وفى أعْناقِهِنَّ، وأيدِيهِنَّ، وأرْجُلِهِنَّ، وآذانِهِنَّ
стр. 3062
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيرِه. فأمّا ما لم تَجْرِ عادَتُهُنَّ بلُبْسِه، كالمِنْطَقَةِ وشِبْهِها مِن حَلْى الرِّجالِ، فهو مُحَرَّمٌ، وعليها زَكاتُه، كما لو اتَّخَذَ الرَّجُلُ لنَفْسِه حَلْى المرأةِ.
وقَلِيلُ الحَلْى وكثيرُه سَواءٌ في الإِباحَةِ والزكاةِ. وقال ابنُ حامِدٍ: يُباحُ ما لم يَبْلُغْ الْفَ مِثْقالٍ، فإن بَلَغَها حَرُم، وفيه الزكاةُ؛ لِما روَى أبو عُبَيْدٍ (١)، والأثْرَمُ، عن عَمْرِو بنِ دينارٍ، قال: سُئِل جابِرٌ عن الحَلْى، هل فيه زكاةٌ؟ قال: لا. فقِيلَ لَه (٢): ألْفُ دِينارٍ؟ قالَ: إنَّ ذلك لكَثِيرٌ. ولأنَّه يَخْرُجُ إلى السَّرَفِ والخُيَلاءِ، ولا يحْتاجُ إليه في الاسْتِعْمالِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الشَّرْعَ أباحَ التَّحَلِّى مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْيِيدٍ،
стр. 3063
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا يَجُوزُ تَقْيِيدُه بالرَّأى والتَّحَكُّمِ، وحديثُ جابِرٍ ليس بصَريحٍ في نَفْى الوُجُوبِ، بل يَدُلُّ على التَّوَقُّفِ, وقد رُوِىَ عنه خِلافُه، فرَوَى الجُوزَجانِىُّ، بإسْنادِه، عن أبى الزُّبَيْرِ، قال: سأَلْتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الحَلْى فيه زكاةٌ؟ قال: لا. قلتُ: إنَّ الحَلْى يكونُ فيه أَلْفُ دِينارٍ. قال: وإن كان فيه، يُعَارُ ويُلْبَسُ (١). ثم إنَّ قولَ جابِرٍ قولُ صَحابِىٍّ، وقد خالَفَه غيرُه مِن الصَّحابَةِ ممَّن يَرَى التَّحَلِّىَ مُطْلَقًا، فلا يَبْقَى قَولُه حُجَّةً، والتَّقْيِيدُ بمُجَرَّدِ الرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ غيرُ جائِزٍ. واللَّهُ أعلمُ.
стр. 3064
بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ
تَجِبُ الزَّكَاةُ في عُرُوضِ التِّجَارَةِ، إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا،
ــ
بابُ زكاةِ العُرُوضِ
٩٣٤ - مسألة: (تَجِبُ الزكاةُ في عُرُوضِ التِّجارَةِ، إذا بَلَغَتْ قِيمَتُها نِصابًا) العُرُوضُ: جمع عَرْض. وهو غيرُ الأثْمانِ مِن المالِ على اخْتِلافِ أنْواعِه؛ مِن الحَيَوانِ، والعَقارِ، والثِّيابِ، وسائِرِ المالِ. والزكاةُ واجِبَةٌ فيها في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ في العُرُوضِ التى يُرادُ بها التِّجارَةُ الزكاةَ، إذا حال عليها الحَوْلُ. رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابْنِه، وابنِ عباسٍ. وبه قال الفُقَهاءُ السَّبْعَةُ (١)، والحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومَيْمُونُ بنُ مِهْرانَ، والنَّخَعِىُّ, والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وإسحاقُ. وحُكِىَ عن مالكٍ، وداودَ، أنَّه لا زكاةَ فيها؛ لأنَّ النبىِّ ﷺ قال: «عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ والرَّقِيقِ» (٢). ولَنا، ما روَى أبو
стр. 3065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
داودَ (١)، بإِسْنادِه عن سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يأْمُرُنا أن نُخْرِجَ الزكاةَ ممّا نُعِدُّه للبَيْعِ. وروَى الدّارَقُطْنِىُّ (٢)، عن أبِى ذَرٍّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «في الإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِى الْغَنَم صَدَقَتُها، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ». قالَه بالزّاى. ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ أنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ في عَيْنها، وثَبَت أنَّها تَجِبُ في قِيمَتِها. وعن أبى عَمْرِو ابنِ حِمَاسٍ، عن أبيه، قال: أمَرَنِى عُمَرُ، فقال: أدِّ زكاةَ مالِكَ. فقلتُ: ما لى مالٌ إلَّا جِعابٌ (٣) وأدَمٌ. فقال: قَوِّمْها ثم أدِّ زَكاتَها. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو عُبَيْدٍ (٤). وهذه قَضِيَّةٌ يَشْتَهرُ مِثْلُها ولم تُنْكَرْ، فتكونُ إجْماعًا, ولأنَّه مالٌ تَامٌّ فوَجَبَت فيه الزكاةُ، كالسّائِمَة. وخَبَرُهم المُرادُ به زكاةُ العَيْنِ، لا زكاةُ القِيمَةِ؛ بدَلِيلِ ما ذَكَرْنا، على أنَّ خَبَرَهم عامٌّ، وحَدِيثُنا خاصٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه.
стр. 3066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُعْتَبَرُ أن تَبْلُغَ قِيمَتُه نِصابًا؛ لأنَّه مالٌ تامٌّ يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ، فاعْتُبِرَ له النِّصابُ، كالماشِيَةِ، ويُعْتَبَرُ له الحَوْل؛ لقَوْلِه ﵇: «لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (١). ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. فعلى هذا مَن مَلَك عَرْضًا للتِّجارَةِ، فحال عليه الحَوْلُ وهو نِصابٌ، قَوَّمَهُ في آخِرِ الحَوْلِ، فما بَلَغ أخْرَجَ زَكاتَه، ولا تَجِبُ فيه الزكاةُ إلَّا إذا بَلَغَتْ قِيمَتُه نِصابًا، وحال عليه الحَوْلُ وهو نِصابٌ، فلو مَلَك سِلْعَةً قِيمَتُها دُونَ النِّصابِ، فمَضَى نِصْفُ حَوْلٍ وهى كذلك، ثم زادت قِيمَتُها، فبَلَغَتْ نِصابًا، أو باعَها بنِصابٍ، أو مَلَك في أثْناءِ الحَوْلِ عَرْضًا آخَرَ وأثْمانًا تمَّ بها النِّصابُ، ابْتَدَأ (٢) الحَوْلَ مِن حِينئِذٍ، ولا يُحْتَسَبُ عليه بما مَضَى. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأهلِ العِراقِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. ولو مَلَك للتِّجارَةِ نِصابًا، فنَقَصَ عن النِّصابِ في أثْناءِ الحَوْلِ، ثم زاد حتى بَلَغ نِصابًا، اسْتَأنفَ الحَوْلَ عليه، لكَوْنِه انْقَطَعَ بنَقْصِه في أثْناءِ الحَوْلِ. وقال مالكٌ: يَنْعَقِدُ الحَوْلُ على ما دُونَ النِّصابِ، فإذا كان في آخِرِه نِصابًا زَكّاه. وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ كَوْنه نِصابًا في طَرَفَى الحَوْلِ دُونَ وَسَطِه؛ لأنَّ التَّقْوِيمَ يَشُقُّ في جَمِيع الحَوْلِ، فعُفِى عنه إلَّا في آخِرِه، فصار الاعْتِبارُ به، ولأنَّه يَحْتاجُ إلى تعَرُّفِ قِيمَتِه في كلِّ وَقْتٍ، ليَعْلَمَ أنَّ قِيمَتَه تَبْلُغُ نِصابًا، وذلك يَشُقُّ. ولَنا، أنَّه مالٌ
стр. 3067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ والنِّصابُ، فيجِبُ اعْتِبارُ كَمالِ النِّصابِ في جَمِيعِ الحَوْلِ، كسائِرِ الأمْوالِ التى يُعْتَبَرُ لها ذلك. وقَوْلُهم: يَشُقُّ التَّقْوِيمُ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ غيرَ المُقارِبِ للنِّصابِ لا يَحْتاجُ إلى تَقْوِيم، لظُهُورِ مَعْرِفَتِه، والمُقاربُ للنِّصاب إن سَهُل عليه التَّقْوِيمُ، وإلَّا فله الأداءُ والأخْذُ بالاحْتِياطِ، كالمُسْتَفادِ في أَثْناءِ الحَوْلِ إن سَهُل عليه ضَبْطُ حَوْلِه، وإلَّا فله تَعْجِيلُ زَكاتِه مع الأصْلِ.
فصل (١): وإذا مَلَك نُصُبًا للتِّجارَةِ في أوْقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ لم يَضُمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ؛ لِما ذَكَرْنا في المُسْتَفادِ، وإن كان العَرْضُ الأوَّلُ ليس بنِصابٍ فكَمَلَ بالثّانِى نِصابًا، فَحَوْلُهما مِن حينَ مَلَك الثّانِى، ونَماؤُهما تابعٌ لهما، ولا يُضَمُّ الثّالِثُ إليهما، بل ابْتِداءُ الحَوْلِ فيه مِن حينَ مَلَكَه، وتَجِبُ زَكاتُه إذا حال عليه الحَوْلُ، وإن كان دُونَ النِّصابِ؛ لأنَّ في مِلْكِه نِصابًا قَبْلَه، ونَماؤُه تابعٌ له.
فصل: والواجِبُ فيه رُبْعُ عُشْرِ قِيمَتِه؛ لأنَّها زكاةٌ تَتَعَلَّقُ بالقِيمَةِ، فأشْبَهَتْ زكاةَ الأثْمانِ، وتَجِبُ فيما زاد بحِسابِه، كالأثْمانِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه تَجِبُ فيه الزكاةُ في كلِّ حَوْلٍ. وبهذا قال الثَّوْرِى، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْى. وقال مالكٌ: لا يُزَكِّيه إلَّا لحَوْلٍ واحِدٍ، إلَّا أن يكونَ مُدَبَّرًا؛ لأنَّ الحَوْلَ الثّانِى لم يَكُنِ المالُ عَيْنًا في أحَدِ
стр. 3068
وَيُؤْخَذُ مِنْهَا لَا مِنَ الْعُرُوضِ، وَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إِلَّا أَنْ يَمْلِكَهَا
ــ
طَرَفَيْه، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالحَوْلِ الأوَّلِ إذا لم يكنْ في أوَّلِه عَيْنًا. ولَنا، أنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ في الحَوْلِ الأوَّلِ، لم يَنْقُصْ عن النِّصابِ، ولم تَتَبَدَّلْ صِفَتُه، فوَجَبَتْ زَكاتُه في الحَوْلِ الثّانِى، كما لو نَضَّ (١) في أوَّلِه ولا نُسَلمُ أنَّه إذا لم يكنْ في أوَّلِه عَيْنًا لا تَجِبُ الزكاةُ فيه. وإذا اشْتَرَى عَرْضًا للتِّجارَةِ بعَرْضٍ للقُنْيَةِ، جَرَى في حَوْلِ الزكاةِ مِن حينِ الشِّراءِ.
٩٣٥ - مسألة: (ويُؤْخَذُ منها لا مِن العُرُوضِ) تُخْرَجُ الزكاةُ مِن قِيمَةِ العُرُوضِ دُونَ عَيْنِها؛ لأنَّ نِصابَها يُعْتَبَرُ بالقِيمَةِ لا بالعَيْنِ، فكانتِ الزكاةُ منها كالعَيْنِ في سائِرِ الأمْوالِ. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ. وقال في الآخَرِ: هو مُخَيَّرٌ بينَ الإِخْراجِ مِن قِيمَتِها ومِن عَيْنها. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ، فجاز إخْراجُها منه، كسائِرِ الأمْوالِ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في المالِ، إنَّما وَجَبَت في قِيمَتِه.
٩٣٦ - مسألة: (ولا تَصِيرُ للتِّجارَةِ إلَّا أن يَمْلِكَها بفِعْلِه بنِيَّةِ التِّجارَةِ
стр. 3069
بِفِعْلِهِ بنِيَّةِ التِّجَارَةِ بهَا،
ــ
بها) لا يَصِيرُ العَرْضُ للتِّجارَةِ إلَّا بشَرْطَيْن؛ أحَدُهما، أن يَمْلِكَه بفِعْلِه، كالبَيْعِ، والنِّكاحِ، والخُلْعِ، وقَبُولِ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ، والغَنِيمَةِ، واكْتِسابِ المُباحاتِ؛ لأنَّ ما لا يَثْبُتُ له حُكْمُ الزكاةِ بدُخُولِه في مِلْكِه لا يَثْبُتُ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كالسَّوْمِ. ولا فَرْقَ بينَ أن يَمْلِكَه بعِوَضٍ أو بغَيْرِ
فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ، أَوْ مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ بِهَا، لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ.
ــ
أن يَمْلِكَه بعِوَضٍ. [وهو قولُ الشافعىِّ. فإن مَلَكَه بغيرِ عِوَضٍ، كالهِبَةِ، والغَنِيمَةِ، ونحوِهما، لم يَصِرْ للتِّجارَةِ؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه بعِوَضٍ] (١)، أشْبَهَ المَوْرُوثَ. الثانِى، أن يَنْوِىَ عندَ تَمَلُّكِه أنَّه للتِّجارَةِ، فإن لم يَنْوِ عندَ تَمَلُّكِه أنَّه للتِّجارَةِ لم يَصِرْ للتِّجارَةِ؛ لقَوْلِه في الحديثِ: ممَّا نُعِدُّه للبَيْعِ (٢). ولأنَّهَا مَخْلُوقَة في الأصْلِ للاسْتِعْمالِ، فلا تَصِيرُ للتِّجارَةِ إلَّا بنِيَّتها، كما أنَّ ما خُلِق للتِّجارَةِ لا يَصِيرُ للقُنْيَةِ إلَّا بنِيَّتها (٣).
٩٣٧ - مسألة: (فإن مَلَكَها بإرْثٍ، أو مَلَكَها بفِعْلِه بغيرِ نِيَّةِ التِّجارَةِ، ثم نَوَى التِّجارَةَ بها, لم تَصِرْ للتِّجارَةِ) إذا مَلَك العَرْضَ بالإِرْثِ لم يَصِرْ للتِّجارَةِ وإن نَواها؛ لأنَّه مَلَكَه بغير فِعْلِه، فجَرَى مَجْرَى الاسْتِدانَةِ، فلم يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، ومُجَرَّدُ النِّيَّةِ لا يَصِيرُ بها العَرْضُ للتِّجارَةِ؛ لِما ذَكَرْنا. وكذلك إن مَلَكَها بفِعْلِه بغير نِيَّةِ التِّجارَةِ، ثم نَواها بعدَ ذلك، لم تَصِرْ للتِّجارَةِ؛ لأنَّ الأصلَ في العُرُوضِ القُنْيَةُ، فإذا صارت للقُنْيَةِ لم تَنْتَقِلْ عنه بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نوَى الحاضِرُ السَّفَرَ، وعَكْسُه ما لو نَوَى المُسافِرُ الإِقامَةَ، يَكْفِى فيه مُجَرَّدُ النِّيَّةِ.
стр. 3072
وَإنْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ لِلتِّجَارَةِ، فَنَوَاهُ لِلْقُنْيَةِ، ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ. وَعَنْهُ، أن الْعُرُوضَ تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
ــ
٩٣٨ - مسألة: (وإن كان عندَه عَرْضٌ للتِّجارَةِ، فنَواه للقُنْيَةِ، ثم نَواه للتِّجارَةِ، لم يَصِرْ للتِّجارَةِ. وعنه، أنَّ العُرُوضَ تَصِيرُ للتِّجارَةِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ) لا (١) يَخْتَلِف المَذْهَبُ أنَّه إذا نَوَى بعَرْضِ التِّجارَةِ القُنْيَةَ، أنَّه يَصِيرُ للقُنْيَةِ، وتَسْقُطُ الزكاةُ منه. وبهذا قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال مالكٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن: لا يَسْقُطُ حُكْمُ التِّجارَةِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى بالسّائِمَةِ العَلْفَ. ولَنا، أنَّ القُنْيَةَ الأصْلُ، والرَّدُّ إلى الأصْلِ يَكْفِى فيه مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى بالحَلْى التِّجارَةَ، أو نَوَى المُسافِرُ الإِقامَةَ، ولأنَّ نِيَّةَ التِّجارَةِ شَرْط لوُجُوبِ الزكاةِ في العُرُوضِ. فإذا نَوَى القُنْيَةَ زالت نِيَّةُ التِّجارَةِ ففات شَرْطُ الوُجُوبِ، وفارَقَ السّائِمَةَ إذا نَوَى عَلْفَها؛ لأنَّ الشَّرْطَ فيها الإسامَةُ دُونَ نِيَّتِها، فلا يَنْتَفِى الوُجُوبُ إلَّا بانْتِفاءِ السَّوْمِ. وإذا صار العَرْضُ للقُنْيَةِ، ثم نَواه للتِّجارَةِ، لم يَصِرْ للتِّجارَةِ؛ لِما ذَكَرْنا. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ،
стр. 3073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثَّوْرِىِّ. وذَهَب أبو بكرٍ، وابنُ عَقِيلٍ، إلى أنَّها تَصِيرُ للتِّجارَةِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. وحَكَوْه رِوايَةً عن أحمدَ. قال بعضُ أصحابنا: هذا على أصَحِّ الرِّوايَتَيْن، لقولِ سَمُرَةَ: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ أن نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ ممّا نُعِدُّه للبَيْعِ (١). وهذا داخِلٌ في عُمُومِه، ولأنَّ نِيَّةَ القُنْيَةِ كافِيَةٌ بِمُجَرَّدِها، فكذلك نِيَّةُ التِّجارَةِ، بل هذا أوْلَى؛ لأنَّ الإِيجابَ يُغَلَّبُ على الإِسْقاطِ احْتِياطًا, ولأنَّه نَوَى به التِّجارَةَ، أشْبَهَ ما لو نَوَى حالَ الشِّراءِ. ووَجْهُ الأُولَى أنَّ كلِّ ما لا يَثْبُتُ له الحُكْمُ بدُخُولِه في مِلْكِه، لا يَثْبُتُ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نوَى بالمَعْلُوفَةِ السَّوْمَ، ولأنَّ القُنْيَةَ الأَصْلُ، والتِّجارَةُ فَرْعٌ عليها، فلا يَنْصَرِفُ إلى الفَرْعِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كالمُقِيمِ يَنْوِى السَّفَرَ. ويُعْتَبَرُ وُجُودُ النِّيَّةِ في جَمِيعِ الحَوْلِ؛ لأنَّها (٢) شَرْطٌ أمْكَنَ اعْتِبارُه في جَمِيعِ الحَوْلِ، فاعْتُبِرَ فيه، كالنِّصابِ.
فصل: وإذا كانت عندَه ماشِيَةٌ للتِّجارةِ نِصْف حَوْلٍ، فنَوَى بها الإِسامَةَ، وقطَعَ نِيَّةَ التِّجارَةِ، انْقَطَعَ حَوْلُ التِّجارَةِ، واسْتَأْنَفَ حَوْلًا.
стр. 3074
وَتُقَوَّمُ الْعُرُوضُ عِنْدَ الْحَوْلِ بِمَا هُوَ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِين، مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ.
ــ
كذلك قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأنَّ حَوْلَ التِّجارَةِ انْقَطَعَ بنِيَّةِ الاقْتِنَاءِ، وحَوْلُ السَّوْمِ لا يُبْنَى على حَوْلِ التِّجارَةِ. قال شيخُنا (١): والأشْبَهُ بالدَّلِيلِ أنَّها متى كانت سائِمَةً مِن أوَّلِ الحَوْلِ، وجَبَتِ الزكاةُ فيها عندَ تمامِه. يُرْوَى نحوُ هذا عن إسحاقَ؛ لأنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لوُجُوبِ الزكاةِ وُجِد في جَمِيعِ الحَوْلِ خالِيًا عن مُعارِض، فوَجَبَتْ به الزكاةُ، كما لو لم يَنْوِ التِّجارَةَ، أو كما لو كانتِ السّائِمَةُ لا تَبْلُغُ نِصابَ القِيمَةِ.
٩٣٩ - مسألة: (وتُقَوَّمُ العُرُوضُ عندَ الحَوْلِ بما هو أحَظُّ للمساكينِ، مِن عَيْن أو وَرِقٍ، ولا يُعْتَبَرُ ما اشْتُرِيَتْ به) إذا حال الحَوْلُ على عُرُوضِ التِّجارَةِ، وقِيمَتُها بالفِضَّةِ نِصابٌ، ولا تَبْلُغُ نِصابًا بالذَّهَبِ،
стр. 3075
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوَّمْناها بالفِضَّةِ، وإن كانت قِيمَتُها بالذَّهَبِ تَبْلُغُ نِصابًا, ولا تَبْلُغُ نِصابًا بالفِضَّةِ، قَوَّمْناها بالذَّهَبِ؛ لتَجِبَ الزكاةُ فيها، ويَحْصُلَ الحَظُّ للفُقَراءِ، سَواءٌ اشْتَراها بذَهَبٍ أو عُرُوض. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: تُقَوَّمُ بما اشْتَراه مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ؛ لأنَّ نِصابَ العَرْضِ (١) مَبْنِىٌّ على ما اشْتَراه به، فوَجَبَتِ الزكاةُ فيه، [واعْتُبِرَتْ به، كما لو لم يَشْتَرِ به شيئًا. ولَنا، أنَّ قِيمَتَه بَلَغَتْ نِصابًا، فوَجَبتِ الزكاةُ فيه] (٢)، كما لو اشْتَراه بعَرْضٍ وفى البَلَدِ نَقْدان مُسْتَعْمَلان، تَبْلُغُ قِيمَةُ العَرْضِ (١) بأحَدِهما نِصابًا, ولأن تَقْوِيمَه لحَظِّ المَساكِينِ، فيُعتَبَرُ ما لهم فيه الحَظُّ، كالأصْلِ. وأمّا إذا لم يَشْتَرِ بالنَّقْدِ شيئًا، فإنَّ الزكاةَ في عَيْنه لا في قِيمَتِه، بخِلافِ العَرْضِ، فإن كان النَّقْدُ مُعَدًّا للتِّجارةِ، فيَنْبَغِى أن تَجِبَ الزكاةُ فيه إذا بَلَغَتْ قِيمَتُه بالنَّقْدِ الآخَرِ نِصابًا، وإن لم يَبْلُغْ بعَيْنه نِصابا، كالسّائِمَةِ التى للتِّجارَةِ.
стр. 3076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن بَلَغَتْ قيمة العُرُوضِ نِصابًا بكلِّ واحدٍ مِن النَّقْدَيْن، قوَّمَه بما شاء منهما، وأخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ قِيمَتِه مِن أىِّ النَّقْدَيْن شاء، لكنِ الأُوْلَى أن يُخْرِجَ مِن النَّقْدِ المُسْتَعْمَلِ في البَلَدِ؛ لأنَّه أحَظُّ للمَساكِينِ، فإن كانا مُسْتَعْمَلَيْن أخْرَجَ مِن الغالِبِ في الاسْتِعْمالِ لذلك، فإن تَساوَيا أخْرَجَ مِن أيهما شاء. وإن باع العُرُوضَ بنَقْدٍ، وحال الحَوْلُ عليه، قَوَّمَ النَّقْدَ دُونَ
стр. 3077
وَإنِ اشْتَرَى عَرْضًا بِنِصَابٍ مِنَ الأثْمَانِ أَوْ مِنَ الْعُرُوضِ, بَنَى عَلَى حَوْلِهِ.
ــ
العُرُوضِ؛ لأنَّه إنَّما يُقَوِّمُ ما حال عليه الحَوْلُ دُون غيرِه.
٩٤٠ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَىَ عَرْضًا بنصابٍ مِن الأثْمانِ أو مِن العُرُوضِ، بَنَى على حَوْلِه) لأنَّ مالَ التِّجارَةِ إنَّما تَتَعَلَّقُ الزكاةُ بقِيمَتِه، وقِيمَتُه هى: الأثْمانُ، إنَّما كانت ظاهِرَةً فخَفِيَتْ، فأشْبَهَ ما لو كان له (١) نِصابٌ فأقْرَضَه، لم يَنْقَطِعْ حَوْلُه بذلك. وهكذا الحُكْمُ إذا باع العَرْضَ بنِصابٍ أو بعَرْضٍ قِيمَتُه نِصابٌ؛ لأنَّ القِيمَةَ كانت خَفِيَّة فَظَهَرَتْ، أو بَقِيَتْ على خَفائِها، فأشْبَهَ ما لو كان له قَرْضٌ فاسْتَوْفاه، أو أقْرَضَه إنْسانًا آخَرَ، ولأنَّ النَّماءَ في الغالِبِ في التِّجارَةِ إنَّما يَحْصُلُ بالتَّقْلِيبِ، ولو كان ذلك يَقْطَعُ الحَوْلَ لكان السَّبَبُ الذى وَجَبَتْ فيه الزكاةُ لأجْلِه يَمْنَعُها؛ لأنَّ الزكاةَ لا تَجِبُ إلَّا في زَمانٍ نامٍ. وإن قَصَد بالأثْمانِ غيرَ التِّجارَةِ لم يَنْقَطِع الحَوْلُ. وقال الشافعىُّ: يَنْقَطِعُ؛ لأنَّه مالٌ تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنه دُون قِيمَتِه، فانْقَطَعَ الحَوْلُ بالبَيْعِ به (٢)، كالسّائِمَةِ. ولَنا، أنَّه مِن جِنْسِ القِيمَةِ التى تَتَعَلَّقُ الزكاةُ بها، فلم يَنْقَطِعِ الحَوْلُ ببَيْعِها به، كما لو قَصَد به التِّجارَةَ، وفارَقَ السّائِمَةَ، فإنَّها مِن غيرِ جِنْسِ القِيمَةِ.
стр. 3078
وَإنِ اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ، وَإنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنَ السَّائِمَةِ لِلتِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ دُونَ السَّوْمِ، فَإِنْ لَمْ تَبْلُغ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ، فعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ.
ــ
٩٤١ - مسألة: (وإنِ اشْتَراه بنِصابٍ مِن السّائِمَةِ لم يَبْنِ على حَوْلِه) إذا أَبْدَلَ عَرْضَ التِّجارَةِ بنِصابٍ مِن السّائِمَةِ، ولم يَنْوِ به التِّجارَةَ، أو اشْتَرَى بنِصابٍ مِن السّائِمَةِ عَرْضًا للتِّجارَةِ، لم يَبْنِ حَوْلَ أحَدِهما على الآخَرِ؛ لأنَّهما مُخْتَلِفان. وإن أبدَلَ عَرْضَ التِّجارَةِ بعَرْضِ القُنيةِ بَطَل الحَوْلُ. وإنِ اشْتَرَى عَرْضَ التِّجارَةِ بعَرْضِ القُنْيَةِ، انْعَقَدَ عَليه الحَوْلُ مِن حينَ مَلَكَه إن كان نِصابًا؛ لأنَّه اشْتَرَاه بما لا زكاةَ فيه، فلم يُمْكنْ بِناءُ الحَوْلِ عليه. وإنِ اشْتَراه بما دُونَ النِّصابِ مِن الأثْمانِ، أو مِن عُرُوضِ التِّجارَةِ، انْعَقَدَ عليه الحَوْلُ مِن حينِ تَصِيرُ قِيمَتُه نِصابًا؛ لأنَّ مُضِىَّ الحَوْلِ على نِصابٍ كامِلٍ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ، وقد ذَكَرْناه.
٩٤٢ - مسألة: (وإن مَلَك نِصابًا مِن السّائِمَةِ للتِّجارَةِ، فعليه زكاةُ التِّجارَةِ دُونَ السَّوْمِ، فإن لم تَبْلُع قِيمَتُه نِصابَ التِّجارَةِ، فعليه زكاةُ السَّوْمِ) إذا اشْتَرَى للتِّجارَةِ نِصابًا مِن السّائِمَةِ،
стр. 3079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فحال الحَوْلُ، والسَّوْمُ ونِيَّةُ التِّجارَةِ موْجُودان، زَكّاه زكاةَ التِّجارَةِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ في الجَدِيدِ: يُزَكِّيها زكاةَ السَّوْم؛ لأنَّها أقْوَى؛ لانْعِقادِ الاجْماعِ عليها، واخْتِصاصِها بالعَيْنِ، فكانت أولَى. ولَنا، أنَّ زكاةَ التِّجارَةِ أحَظُّ للمَساكِينِ؛ لأنَّها تَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بالحِسابِ، ولأنَّ الزّائِدَ عن النِّصابِ قد وُجِد سَبَبُ وُجُوبِ زَكاتِه، فوَجَبَ، كما لو لم يَبْلُغْ بالسَّوْمِ نِصابًا، وإن سَبَق وَقْتُ وُجُوبِ زكاةِ السَّوْمِ وَقْتَ وُجُوبِ زكاةِ التِّجارَةِ، مثلَ أن يَمْلِكَ
стр. 3080
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أرْبَعِين مِن الغَنَمِ قِيمَتُها دُونَ مائَتى دِرْهَمٍ، ثم صارت قِيمَتُها في أثْناءِ الحَوْلِ مائَتى دِرْهَمٍ، فقال القاضى: يَتأخَّرُ وُجُوبُ الزكاةِ حتى يَتمَّ حَوْلُ التِّجارَةِ؛ لأنّه أنْفَعُ للفُقَراءِ، ولا يُفْضِى إلى سُقُوطِها؛ لأنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها إذا تَمَّ حَوْلُ التِّجارَةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ زكاةُ العَيْنِ عندَ تَمامِ حَوْلِها؛ لوُجُودِ مُقْتَضِيها مِن غيرِ مُعارِضٍ. فإذا تَمَّ حَوْلُ التِّجارَةِ وَجَبَتْ زكاةُ الزّائِدِ عن النِّصابِ، لوُجُودِ مُقْتَضِيها؛ لأنَّه مالٌ للتِّجارَةِ، حال عليه الحَوْلُ وهو نِصابٌ، ولا يُمْكِنُ إيجابُ الزَّكاتَين بكمالِهما (١)؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إيجابِ زَكاتَين في حَوْلٍ واحِدٍ بسَبَبٍ واحِدٍ، فلم يَجُزْ ذلك؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَا ثِنَى (٢) في الصَّدَقَة» (٣). وفارَقَ هذا زكاةَ التِّجارَةِ، وزكاةَ الفِطْرِ في العَبْدِ الذى للتِّجارَةِ؛ لأنَّهما يَجْتَمِعان لكَوْنِهما بسَبَبَيْن، فإنَّ زكاةَ الفِطْرِ، تَجِبُ عن بَدَنِ المُسْلِمِ طُهْرَةً له،
стр. 3081
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وزكاةَ التِّجارَةِ تَجِبُ عن قِيمَتِه شُكْرًا لنِعْمَةِ الغِنَى مُواساةً للفُقَراءِ. فأمّا إن وُجِد نِصابُ السَّوْمِ دُونَ التِّجارَةِ، كمَن مَلَك نِصابًا مِن السّائِمَةِ للتِّجارَةِ، لا تَبْلُغُ قِيمَتُها مائَتى دِرْهَمٍ، وحال الحَوْلُ عليها كذلك، فإنَّ زكاةَ العَيْنِ تَجبُ (١) فيها بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ لها مُعارِضٌ، أشْبَهَ إذا لم تكنْ للتِّجارَةِ. وكذلك إن مَلَك أرْبَعًا مِن الإبِلِ، قِيمَتُها مائتا دِرْهَمٍ، تَجِبُ فيها زكاةُ التِّجارَةِ بغيرِ خِلافٍ؛ لِما ذَكَرْنا.