. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، فقال: يُعْطِى الخُمس مِن الرِّكازِ على مَكانِه، وإن تَصَدَّقَ به على المساكينِ أجْزَأه. واخْتاره الخِرَقِىُّ. وهذا قولُ الشافعىِّ؛ لِما روَى الإِمامُ أحمدُ (١)، بإسْنادِه عن عبدِ اللَّهِ بنِ بِشْرٍ الخَثْعَمِىِّ، عن رجل مِنِ قَوْمِه يُقالُ له: ابنُ حُمَمَةَ، قال: سَقَطْتُ على جَرَّةٍ مِن دَيْرٍ قَدِيمٍ بالكُوفةِ، عندَ جَبّانَةِ بِشْرٍ، فيها أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، فذَهَبْتُ بها إلى علىٍّ، ﵇، فقال: اقْسِمْها خَمْسَةَ أخْماسٍ فقَسَمْتُها، فأخَذَ منها علىٌّ خُمْسًا، وأعْطانِى أرْبَعَةَ أخْماسٍ، فلَمّا أدْبَرْتُ دَعانِى، فقال: في جِيرانِك فُقَراءُ ومَساكِينُ؟ قلتُ: نعم. قال: فخُذْها فاقْسِمْها بينَهم. والمَساكِينُ مَصْرِفُ الصَّدَقاتِ؛ ولأنَّه حَقٌّ يَجِبُ في الخارجِ مِن الأرْضِ، فأشْبَهَ صَدَقَةَ المَعْدِنِ.
стр. 3012
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَجُوزُ لواجِدِ الرِّكازِ أن يَتَوَلَّى تَفْرِقَةَ الخُمْسِ بنَفْسِه. وبه قال أصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ علىٍّ. ولأنَّه أدَّى الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فبَرِئَ منه، كما لو فَرَّقَ الزكاةَ. ويَتَخَرَّجُ أن لا يَجوزَ؛ لأنَّه فَىْءٌ، فلم يَمْلِكْ تَفْرِقَتَه بنَفْسِه كخُمْسِ الغَنِيمَةِ. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ. وإن فَعَل ضَمَّنَه الإِمامُ. قال القاضى: ليس للإِمامِ رَدُّ خُمْسَ الرِّكازِ على واجِدِه؛ لأنَّه حَقُّ مالٍ فلم يَجُزْ رَدُّه على مَن وَجَب عليه، كالزكاةِ، وخُمْسِ الغَنِيمَةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، رَدَّ بَعْضَه على واجِدِه، ولأنَّه فَىْءٌ، فجاز رَدُّه أو رَدُّ بَعْضِه على واجِدِه، كخراجِ الأرْضِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
فصل: ويَجِبُ الخُمْسُ على مَن وَجَد الرِّكازَ، مِن مسلمٍ، وذِمِّىٍّ، وحُرٍّ، وعَبْدٍ، ومُكاتَبٍ، وكَبِيرٍ، وصَغِيرٍ، وعاقِلٍ، ومَجْنُونٍ، إلَّا أنَّ الواجِدَ له إذا كان عَبْدًا فهو لسَيِّدِه؛ لأنَّه كَسْبُ مالٍ، أشْبَهَ الاحْتِشاشَ، والمُكاَتَبُ يَمْلِكُه، وعليه خُمْسُه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ كَسْبه، والصَّبِىُّ والمَجْنُونُ يَمْلِكانه، ويُخْرِجُ عنهما وَلِيُّهما. وهذا قولُ أكثرَ أهلِ العلمِ.
стр. 3013
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ على الذِّمِّىِّ في الرِّكازِ يَجِدُه الخُمْسَ. قاله مالكٌ، وأهلُ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأهلُ العراقِ مِن أصحابِ الرَّأْى وغيرُهم: وقال الشافعىُّ: لا يَجِبُ الخُمسُ إلَّا على مَن تَجبُ عليه الزكاةُ؛ لأنَّه زكاةٌ. وحُكِىَ عنه في الصَّبِىِّ والمرأةِ، أنَّهما لا يَمْلِكَانِ الرِّكازَ. وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: إذا وَجَدَه عَبْدٌ يُرْضَخُ له منه، ولا يُعْطاه كلَّه. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: «وَفِى الرِّكازِ الْخُمْسُ» (١). فإنَّه يَدُلُّ بعُمُومِه على وُجُوبِ الخُمْسِ في كلِّ رِكازٍ، وبمَفْهُومِه على أنَّ بَاقيَه لواجِدِه كائِنًا مَن كان، ولأنَّه مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه، فكان فيه الخُمْسُ على مَن وَجَدَه، وباقِيه لواجِدِه، كالغَنِيمَةِ، ولأنَّه اكْتِسابُ مالٍ، فكان لواجِدِه إن كان حُرًّا، ولسَيِّدِه إن كان عَبْدًا، كالاحْتِشاش والاصْطِيادِ. ويَتَخَرَّجُ لَنا أن لا يَجِبَ الخُمْسُ إلَّا على مَن تَجِبُ عليه الزكاةُ، بِناءً على أنه زكاةٌ. والأوَّلُ أصَحُّ.
стр. 3014
إِنْ وَجَدَهُ فِى مَوَاتٍ، أَوْ أَرْضٍ لَا يَعْلَمُ مَالِكَهَا، وَإِنْ عَلِمَ مَالِكَهَا،
ــ
فصل: وباقِى الرِّكازِ لواجِدِه؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ عُمَرَ وعَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنهما، دَفَعا باقِىَ الرِّكازِ بعدَ الخُمْسِ إلى واجدِه. ولأنَّه مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه، فكان لواجِدِه بعدَ الخُمْسِ، كالغَنِيمَةِ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه.
٩١٨ - مسألة؛ قال: (إن وَجَدَه في مَواتٍ أو أرْضٍ لا يَعْلَمُ
стр. 3015
أوْ كَانَتْ مُنْتَقِلَةً إِلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ أَيْضًا. وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِمَالِكِهَا، أوْ لِمَنِ انْتَقَلَتْ عَنْهُ، إِنِ اعْتَرَفَ بهِ، وَإلَّا فَهُوَ لأوَّلِ مَالِكٍ. وَإنْ وَجَدَهُ فِى أَرْضِ حَرْبِىٍّ مَلَكَهُ، إِلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيْكُونُ غَنِيمَةً.
ــ
مالِكَها، وإن عَلِم مالِكَها، أو كانت مُنْتَقِلَةً إليه، فهو له أيضًا. وعنه، أنَّه لمالِكِها، أو لمَن انْتَقَلَتْ عنه، إنِ اعْتَرَفَ به، وإلَّا فهو لأوَّلِ مالكٍ. وإن وَجَدَه في أرْضِ حَرْبِىٍّ مَلَكَه، إلَّا أن لا يَقْدِرَ عليه إلَّا بجَماعَةٍ مِن المسلمين، فيَكُونُ غَنِيمَة) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَوْضِعَ الركازِ لا يَخْلُو مِن أرْبَعَةِ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن يَجِدَه في مَواتٍ، أو أرْضٍ لا يَعْلَمُ لها مالِكًا، كالأرْضِ التى يُوجَدُ فيها آثارُ المُلْكِ، مِن الأَبْنِيَةِ القَدِيمَةِ، والتُّلُولِ، وجُدْرانِ الجاهِلِيَّةِ، وقبُورِهم. فهذا فيه الخُمْسُ بغيرِ خِلافٍ فيه، إلَّا ما ذَكَرْنا. ولو وَجَدَه في هذه الأرْضِ على وَجْهِها، أو في طَرِيقٍ غيرِ مَسْلُوكٍ، أو قَرْيَةٍ خَرابٍ، فهو كذلك في الحُكْمِ؛ لِما روَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سُئِل رسولُ اللَّهِ ﷺ عن اللُّقَطَةِ،
стр. 3016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال: «[مَا لَمْ يَكُنْ] (١) فِى طَرِيقٍ مَأْتِىٌّ، أوْ فِى قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِى الرِّكازِ الْخُمْسُ». رَواه النَّسائِىُّ.
القسمُ الثَّانِى، أن يَجِدَه في مِلْكِه المُنْتَقِلِ إليه، فهو له في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّه مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه في الإِسلامِ، فكان لمَن ظَهَر عليه، كالغَنائِمِ، ولأنَّ الرِّكازَ لا يُمْلَكُ بمِلْكِ الأرْضِ؛ لأنَّه مُودَعٌ فيها، وإنَّما يُمْلَكُ بالظُّهُورِ عليه، وهذا قد ظَهَر عليه، فوَجَبَ أن يَمْلِكَه. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، هو للمالِكِ قبلَه إنِ اعْتَرَفَ به، وإن لم يَعْتَرِفْ به فهو للذى قَبْلَه كذلك إلى أوَّلِ مالِكٍ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه كانت يَدُه على الدَّارِ، فكانت على ما فيها، وإنِ انْتَقَلَتِ الدّارُ بالمِيراثِ، حُكِم
стр. 3017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأنَّه مِيراثٌ، فإنِ اتفَقَ الوَرَثَةُ على أنَّه لم يكن لمَوْروثِهم (١)، فهو لأوَّلِ مالِكٍ، فإن لم يُعْرَفْ أوَّلُ مالكٍ، فهو كالمالِ الضّائِعِ الذى لا يُعْرَفُ له مالِكٌ. والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاء اللَّه؛ لأنَّ الرِّكازَ لا يُمْلَكُ بمِلْكِ الدّارِ؛ لأنَّه ليس مِن أجْزائِها، وإنَّما هو مُودَعٌ فيها، فهو كالمُباحاتِ مِن الحَطَبِ والحَشِيشِ والصَّيْدِ يَجِدُه في أرْضِ غيرِه، فيَأْخُذُه، لكنْ إنِ ادَّعَى المالكُ الذى انْتَقَلَ عنه المِلْكُ (٢) أنَّه له، فالقولُ قولُه (٣)؛ لأنَّ يَدَه كانت عليه، بكوْنِها (٤) على مَحَلِّه، وإن لم يَدَّعِه، فهو لواجدِه. وإنِ اخْتَلَفَ الوَرَثَةُ، فادَّعَى بعضُهم أنه لمَوْروثِهم (١) وأنْكَرَ البَعْضُ، فحُكْمُ مَن أنكَرَ في نَصيبِه حُكْمُ المالِكِ الذى لم يَعْتَرِفْ به، وحُكْمُ المُدَّعِين حُكْمُ المالِكِ المُعْتَرِفِ.
стр. 3018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسمُ الثّالثُ، أن يَجِدَه في مِلْكِ آدَمِىٍّ مَعْصُومٍ، مسلمٍ أو ذِمِّىٍّ، فعن أحمدَ ما يَدُلّ على أنَّه لصاحِبِ الدّارِ، فإنَّه قال، في مَن اسْتَأْجَرَ حَفّارًا ليَحْفِرَ له في دارِهِ فأصاب كَنْزًا عادِيًّا (١)، فهو لصاحِب الدّارِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. ونُقِل عن أحمدَ ما يَدُل على أنَّه لواجِدِه؛ لأنَّه قال، في مَسْألَةِ مَن اسْتَأجَرَ أجِيرًا ليَحْفِرَ له في دارِهِ، فأصَابَ في الدّارِ كَنْزًا: فهو للأجِيرِ. نَقَل عنه ذلك محمدُ بنُ يحيى الكَحّالُ (٢). قال القاضى: هو الصَّحِيحُ. وهذا يَدُلّ على (٣) أنَّ الرِّكازَ لواجِدِه. وهو قولُ الحسنِ بنِ صالِحٍ، وأبى ثَوْرٍ. واسْتَحْسَنَه أبو يُوسُفَ. وذلك لأنَّ الكَنْزَ لا يُمْلَكُ بمِلْكِ الدّارِ، على ما ذَكَرْنا في القِسْمِ الذى قبلَه، لكنْ إنِ ادَّعاه المالِكُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ يَدَه عليه بكَوْنِها على مَحَلِّه. وإن لم يَدَّعِه، فهو لواجِدِهِ. وقال الشافعىُّ: هو لمالِكِ الدّارِ إنِ اعْتَرَفَ به، وإلَّا فهو لأوَّلِ مالكٍ. ويُخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك، على ما (٣) ذَكَرْنا في القِسْمِ الثَّانِى.
стр. 3019
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنِ اسْتَأْجَرَ حَفّارًا ليَحْفِرَ له طَلبًا لكَنْزٍ يَجِدُه، فوَجَدَه، فهو للمُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه اسْتَأْجَرَه لذلك، أشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَه ليَحْتَشَّ له أو ليَصْطادَ، فإنَّ الحاصِلَ مِن ذلك للمُسْتَأْجِرِ دُونَ الأجيرِ. وإنِ اسْتَأْجَرَه لأمْرٍ غيرِ طَلَبِ الرِّكازِ، فالواجِدُ له هو الأجِيرُ. وهَكذا قال الأوْزاعِىُّ.
فصل: وإنِ اكْتَرَى دارًا، فوَجدَ فيها رِكازًا، فهو لواجِدِه، في أحَدِ الوَجْهيْن، وفى الآخَرِ، هو للمالِكِ، بِناءً على الرِّوايَتَيْن، في مَن وَجَد رِكازًا في مِلْكٍ انْتَقَلَ إليه. وإنِ اخْتَلَفا، فقال كلُّ واحِدٍ منهما: هذا كان لى. فعلى وَجْهَيْن أيضًا، أحَدُهما، القولُ قولُ المالِكِ، لأنَّ الدِّفْنَ تابعٌ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسمُ الرابعُ، أن يَجِدَه في أرْضِ الحَرْبِ، فإن لم يَقْدِرْ عليه إلَّا بجَماعَةٍ [مِن] (١) المسلمين، فهو غَنِيمَةٌ لهم، وإن قَدَر عليه بنَفسِه فهو لواجِدِه، حُكْمُه حُكْمُ ما لو وَجَده في مَواتٍ مِن أرْضِ المسلمين. وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: إن عَرَف مالِكَ الأرْضِ وكان حَرْبِيًّا، فهو غَنِيمَةٌ أيضًا؛ لأنَّه في حِرْزِ مالِكٍ مُعَيَّنٍ، أشْبَهَ ما لو أخَذَه مِن بَيْتٍ أو خِزانَةٍ. ولَنا، أنَّه ليس لمَوْضِعِه مالِك مُحْتَرَمٌ، أشْبَهَ ما لو لم يُعْرَفْ مالِكُه. ويُخَرَّجُ لَنا مِثْلُ قولِهم، بِناءً على قولِنا: إنَّ الرِّكازَ في دارِ الإِسلامِ يكونُ لمالكِ الأرْضِ.
стр. 3022
وَالرِّكَازُ مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، عَلَيْهِ عَلَامَتُهُمْ. فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ، فَهُوَ لُقَطَةٌ.
ــ
٩١٩ - مسألة: (والرِّكازُ ما وُجِد مِن دِفْنِ الجاهِلِيَّهِ، عليه علامَتُهم. فإن كان عليه عَلامَةُ المسلمين أو لم تَكُنْ عليه عَلامَةٌ، فهو لُقَطَةٌ) الدِّفْنُ، بكَسْرِ الدَّالِ؛ المَدْفُونُ. والرِّكازُ؛ هو المدْفُونُ في الأرْضِ. واشْتِقاقُه مِن رَكَز يَرْكِزُ (١): إذا أخْفَى. يقالُ: رَكَز الرُّمْحَ، إذا غَرَز أسْفَلَه في الأرْضِ. ومنه الرِّكْزُ، وهو الصَّوْتُ الخَفِىُّ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (٢). والرِّكازُ الذى يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ الخُمْسِ ما كان مِن دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ. هذا قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، ويُعْتَبَرُ ذلك بأن يُرَى عليه عَلامتُهم، كأسْماءِ مُلُوكِهم، وصُوَرِهم، وصُلُبِهم، وصُوَرِ أصْنامِهم، ونَحْوِ ذلك؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لهم، فإن كان عليه عَلامَةُ الإِسلامِ، أو اسْمُ النبىِّ ﷺ ، أو أحَدٍ مِن خُلَفاءِ المسلمين، أو وُلاتِهم، أو آيَةٌ مِن القُرْآنِ،
стр. 3023
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونَحْوُ ذلك، فهو لُقَطَةٌ؛ لأنَّه مِلْكُ مسلمٍ لم يُعْلَمْ زَوالُه عنه. وإن كان على بَعْضِه عَلامَةُ الإِسلامِ، وعلى بَعْضِه عَلامَةُ الكُفْرِ، فكذلك. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُور؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنه صار إلى مسلمٍ، ولم يُعْلَمْ زَوالُه عن مِلْكِه، فأشْبَهَ ما على جَمِيعِه عَلامَةُ المسلمين. وكذلك إن لم يكنْ عليه عَلامَةٌ فهو لُقَطَة، تَغْلِيبًا لحُكْمِ الإِسلامِ، إلَّا أن يَجِدَه في مِلْكٍ انْتَقَلَ إليه، فيَدَّعِيَه المالِكُ قبلَه، بلا بَيِّنَةٍ ولا صِفَةٍ.، فهل يُدْفَعُ إليه؟ فيه رِوايَتانِ، ذَكَرهما ابنُ تَيْمِيَةَ (١) في كِتابِ «المُحَرَّرِ»؛ إحْداهما، لا يُدْفَعُ إليه، كَاللُّقَطَةِ. والثّانِيَةُ، يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه تَبَعٌ للمِلْكِ. فإن كان على بَعْضِه عَلامَةُ الكُفّارِ، وليس على بَعْضِه عَلامَة، فيَنْبَغِى أن يكونَ رِكازًا؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مِلْكُ الكُفّارِ.
стр. 3024
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م
المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة
تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣
ص. ب: ٦٣ إمبابة
стр. 3025
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأحاديثِ. وأجْمَعَ المسلمون على أنَّ في مائتَى دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَراهِمَ، وعلى أنَّ الذَّهَبَ إذا كان عِشْرِين مِثْقالًا قِيمَتُها مائتا دِرْهَمٍ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيه، إلَّا ما اخْتُلِفَ فيه عن الحسن.
٩٢٠ - مسألة: (ولا شئَ في الذَّهبِ حتى يَبْلُغَ عِشْرِين مِثْقالًا، فيَجِبُ فيه نِصْفُ مِثْقالٍ) لا يَجبُ في الذَّهَبِ زكاةٌ إلَّا أن يَبْلُغَ عِشْرِين مِثْقالًا، إلَّا أن يتمَّ بعَرْضِ تِجارَةٍ أو وَرِقٍ، على ما فيه مِن الخِلافِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الذَّهَبَ إذا كان عِشْرينَ مِثْقالًا قِيمَتُها مائَتا دِرْهمٍ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها، إلَّا ما حُكِىَ عن الحسنِ، أنَّه قال: لا شئَ فيها حتى تَبْلُغَ أرْبَعِين. وأجْمَعُوا على أنَّه إذا كان أقَلَّ مِن عِشْرِين مِثْقالًا ولا يَبْلُغُ قِيمَةَ مائتَى دِرْهَمٍ، فلا زكاةَ فيه. وقال عامَّةُ الفُقَهاءِ: نِصابُ الذَّهَبِ عِشْرُون مِثْقالًا مِن غيرِ اعْتِبارِ قِيمَتِها. وحُكِىَ عن عَطاءٍ وطاوُسٍ، والزُّهْرِىِّ، وسُلَيْمانَ بنِ حَرْبٍ (١)، وأيوبَ السَّخْتِيانِىِّ (٢)، أنَّهم قالُوا: هو مُعْتَبَرٌ بالفِضَّةِ، فما كان قِيمَتُه مائتَى دِرْهَم ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ عن النبىِّ ﷺ تَقْدِيرٌ فِى نِصابِهِ، فثَبَتَ أنَّه حَمَلَه على الفِضَّةِ. ولنَا، ما روَى عمرُو بنُ شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن
стр. 3028
وَلَا فِى الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَى دِرْهَمٍ، فَيَجِبُ فِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ.
ــ
النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «لَيْسَ فِى أقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ، وَلَا فِى أقَلَّ مِنْ مِائتَى دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ». رَواه أبو عُبَيدٍ (١). وروَى ابنُ ماجه (٢) عن ابنِ (٣) عُمَرَ، وعائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِين دِينارًا فصاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، ومِن الأرْبَعِين دِينَارًا دِينارًا (٣). وروَى سعيدٌ والأثْرَمُ، عن علىٍّ: على كلِّ أرْبَعِين دينارًا دِينارٌ، وفى كلِّ عِشرِينَ دِينارًا نِصْف دِينارٍ. ورَواه غيرُهما مَرْفُوعًا (٤). ولأنَّه مالٌ تَجِبُ في عَيْنِه، فلم يُعْتَبَرْ بغيرِه، كسائِرِ الأمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ.
٩٢١ - مسألة؛ قال: (ولا في الفِضَّةِ حتى تَبْلُغَ مائتَى درْهَمٍ، فيَجِبُ فيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) لا تَجِبُ فيما دُونَ المائتَى دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ
стр. 3029
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَدقَةٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لِقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَيْس فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ». مُتَّفَقٌ عليه (١). والأوقِيَّةُ أرْبَعُون دِرْهَمًا. فإذا بَلَغَتْ مائتَى دِرْهَم ففيها خَمْسَةُ دَرَاهِمَ. لا خِلَافَ بينَ العلماءِ في ذلك، والواجِبُ فيه رُبْعُ العُشْرِ بغير خِلافٍ. وقد رَوَى البُخَارِىُّ (٢)، بإسْنادِهِ، في كِتابِ أنَسٍ: «وَفِى الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإنْ لَم تَكُنْ إلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْس فِيهَا شَىْءٌ، إلَّا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا». الرِّقَةُ: الدَّراهِمُ المَضْرُوبَةُ. والدَّراهِمُ التى يُعْتَبَرُ بها النِّصابُ هى الدَّراهِمُ التى كلُّ عَشَرةٍ منها سَبْعَةُ مَثاقِيلَ بِمثْقالِ الذَّهَبِ، وكلُّ دِرْهَمٍ نِصْفُ مِثْقالٍ وخُمْسُه، وهى الدَّراهِمُ الإِسْلاميَّةُ التى يُقَدَّرُ بها نُصُبُ الزكاةِ، ومِقْدارُ الجِزْيَةِ، والدِّياتُ، ونِصابُ القَطْعِ في السَّرِقَةِ، وغيرُ ذلك. وكانتِ الدَّراهِمُ في صَدْرِ الإِسلامِ صِنْفَيْنِ؛ سُودًا وطَبَرِيَّةً، وكانتِ السُّودُ ثمَانِيَةَ دَوانِيقَ، والطَّبَرِيَّةُ أرْبَعَةَ دَوانِيقَ، فجُمِعا في الإِسلامِ، وجُعِلا دِرْهَمَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، كلُّ دِرْهَم ستةُ دَوانِيقَ، فَعَل ذلك بنو أُمَيَّةَ. ولا فَرْقَ في ذلك بينَ التِّبْرِ والمَضْرُوبِ. ومتى نَقَص النِّصابُ فلا زكاةَ فيه.
стр. 3030
وَلَا زَكَاةَ فِى مَغْشُوشِهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ مَا فِيهِ نِصَابًا،
ــ
هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لظاهِرِ الحديثِ. قال أصْحابُنا: إلَّا أن يكونَ نَقْصًا يَسِيرًا. وقدا ذكَرْنا الخِلافَ فيما مَضَى.
٩٢٢ - مسألة: (ولا زكاةَ في مَغْشُوشِهما حتى يَبْلُغَ قَدْرُ ما فيه
стр. 3031
فَإِنْ شَكَّ فِيهِ، خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ وَبَيْنَ الْإِخْرَاجَ.
ــ
نِصابًا) مَن مَلَك ذَهَبًا أو فِضَّةً مَغْشُوشًا، أو مُخْتَلِطًا بغيرِه، فلا زكاةَ فيه حتى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ نِصابًا، لِما ذكرنا مِن الأحاديثِ.
٩٢٣ - مسألة: (فإن شَكَّ فيه، خُيِّرَ بينَ سَبْكِه وبينَ الإِخْراجِ) إذا شَكَّ في بُلُوغِ قَدْرِ ما في المَغْشُوش مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ نِصابًا، خُيِّرَ بينَ سَبْكهما ليَعْلَمَ قَدْرَ ما فيهما، وبينَ أن يَسْتَظْهِرَ ويُخْرِجَ؛ لِيَسْقُطَ الفَرْضُ بِيَقِينٍ. فإن أحَبَّ أن يُخْرِجَ اسْتِظْهارًا، فأراد إخْراجَ الزكاةِ مِن المَغْشُوشَةِ، وكان الغِشُّ لا يَخْتَلِفُ، مثلَ أن يكونَ الغِشُّ في كلِّ دِينارٍ سُدْسَه، وعَلِم ذلك، جاز أن يُخْرِجَ منها؛ لأنَّه يكونُ مُخْرِجًا لرُبْعِ العُشْرِ، وإن اخْتَلَفَ قَدْرُ ما فيها، أو لم يُعْلَمْ، لم يُجْزِئْه الإِخْراجُ منها، إلَّا أن يَسْتَظْهِرَ بإخْراجِ ما يَتَيَقَّنُ أنَّ فيما أخْرَجَه مِن العَيْنِ قَدْرَ الزكاةِ.
стр. 3032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن أخْرَجَ عنها ذَهَبًا أو فِضَّةً لا غِشَّ فيه، فهو أفْضَلُ. وإن أراد إسْقاطَ الغِشِّ، وإخْراجَ الزكاةِ عن قَدْرِ ما فيه مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ، كمن معه أرْبَعَةٌ وعِشْرون دِينارًا، سُدْسُها غِش، فأسْقَطَ السُّدْسَ أرْبَعَةً، وأخْرجَ نِصْفَ دِينارٍ عن عشْرِين، جاز؛ لأنَّه لو سَبَكَها لم يَلْزَمْه إلَّا ذلك، ولأنَّ غِشَّها لا زكاةَ فيه، إلَّا أن يكونَ غِشُّ الذَّهَبِ فِضَّةً، وعندَه مِن الفِضَّةِ ما يَتمُّ به النِّصابُ، [أو له] (١) نِصابٌ سِواه، فيكونُ عليه زكاةُ الغِشِّ حِينَئذٍ. وكذلك إن قُلنا بضَمِّ الذَّهَبِ إلى الفِضَّةِ. وإنِ ادَّعَى رَبُّ المالِ أنَّه عَلِم الغِشَّ، أو أنَّه اسْتَظْهَرَ وأخْرَجَ الفَرْضَ، فيَلْزَمه بغيرِ يَمِينٍ. وإن زادت قِيمَةُ المَغْشُوشِ بالغِش، فصارَتْ قِيمَةُ العِشْرين تُساوِى اثْنَيْن وعِشْرِين، فعليه إخْراجُ رُبْعِ عُشْرِها ممَّا قِيمته كقِيمَتِها، لأنَّ عليه إخْراجَ زكاةِ المالِ الجيِّدِ مِن جِنْسِه، بحيث لا يَنْقُصُ عن قِيمته، واللَّهُ أعلمُ.
стр. 3033
وَيُخْرِجُ عَنِ الْجَيِّدِ الصَّحِيحِ مِنْ جنْسِهِ،
ــ
٩٢٤ - مسألة: (ويُخْرِجُ عن الجَيِّدِ الصَّحِيحِ مِن جِنْسِه) ويُخْرِجُ عن كلِّ نَوْعٍ مِن جِنْسِه، لأنَّ الفُقَراءَ شُرَكاؤُه، وهذه وَظِيفَةُ الشَّرِكَةِ. فإن كان أنْواعًا مُتَساوِيَةَ القِيَمِ، جاز إخْراجُ الزكاةِ (١) مِن أحَدِهما، كما يُخْرِجُ مِن أحَدِ نَوْعَى الغَنَمِ. وإن كانت مُخْتَلِفَةَ القِيَمِ أخَذَ مِن كلِّ نَوْعٍ ما يَخُصُّه. وإن أخْرَجَ مِن أوْسَطِها ما يَفِى (٢) بقَدْرِ الواجِبِ، [وقِيمَتِه، جاز، لأنَّ الإِخْراجَ مِن كلِّ نَوْعٍ يَشُقُّ. وإن أخْرَجَ مِن أجْوَدِها بقَدْرِ الواجِبِ] (٣) جاز، وله ثوابُ الزِّيادَةِ، لأنَّه زاد خَيْرًا. وإن أخْرَجَه بالقِيمَةِ، مثلَ أن يُخرِجَ عن نِصْفِ دِينارٍ رَدِئٍ ثُلُثَ دِينارٍ جَيِّدٍ، لم يَجُزْ؛ لأن النبىَّ ﷺ على نِصْفِ دِينارٍ، فلم يَجُزِ
стр. 3034
فإِنْ أَخْرَجَ مُكَسَّرًا أوْ بَهْرَجًا زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَضْلِ.
ــ
النَّقْصُ منه. وإن أخْرَجَ مِن الأدْنَى مِن غيرِ زِيادَةٍ، لم يَجُزْ (١)؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢). وإن زاد في المُخْرَجِ ما يَفِى (١) بقيمَةِ الواجِبِ، كمَن أخْرَجَ عن دِينارٍ دِينارًا ونِصْفًا يَفِى بِقيمَتِه، جاز؛ لأنَّ الرِّبا لا يَجْرِى بينَ العَبْدِ وسَيِّدِه. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ إخْراجُ الرَّديئَةِ عن الجَيِّدَةِ مِن غيرِ جُبْرانٍ؛ لأنَّ الجَوْدَةَ إذا لاقَتْ جِنْسَها فيما فيه الرِّبا لا قِيمَةَ لها. ولَنا، أن الجَوْدَةَ مُتَقَوَّمَةٌ في الإِتْلافِ، ولأنَّه إذا لم يَجْبُرْه بما يُتِمُّ به قِيمَةَ الواجِبِ، دَخَل في قَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ الآية. ولأنَّه أخْرَجَ رَدِيئًا عن جَيِّدٍ بقَدْرِه، فلم يَجُزْ (١)، كالماشِيَةِ. وأمَّا الرِّبا فلا يَجْرِى ههُنا، لأنَّه لا رِبا بينَ العَبْدِ وَسَيِّدِه. فإن قِيلَ: فلو أخْرَجَ في المَاشِيَةِ في الجَيِّدَةِ رَدِيئَتَيْن، لم يَجُزْ (١)، أو أخْرَجَ عن القَفِيزِ الجَيِّدِ قَفِيزَيْن رَدِيئَيْن، لم يَجُزْ (١)، فَلِمَ أجَزْتُم ههنا؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما أنَّ القَصْدَ في الأثْمانِ القِيمَةُ لا غيرُ، فإذا تَساوَى الواجِبُ والمُخْرَجُ في القِيمَةِ والوَزْنِ، جاز، وسائِرُ الأمْوالِ يُقْصَدُ الانْتِفاعُ بعَيْنها، فلا يَلْزَمُ مِن التَّساوِى في الأمْرَيْنِ الجَوازُ؛ لِفَواتِ بَعْضِ المَقْصُودِ.
٩٢٥ - مسألة: (فإن أخْرَجَ مُكَسَّرًا أو بَهْرَجًا زاد (٣) قَدْرَ مَا
стр. 3035
نَصَّ عَلَيْهِ.
ــ
بينهما مِن الفَضلِ (١). نَصَّ عليه) إذا أخْرَجَ عن الصِّحاحِ مُكَسَّرَةً، وزاد بقَدْرِ ما بينهما مِن الفَضْلِ، جازَ؛ لأنَّه أدَّى الواجِبَ عليه قِيمَةً وقَدْرًا. وإن أخرَجَ بَهرَجًا عن الجَيِّدِ وزاد بقَدْرِ ما يُساوِى قِيمَةَ الجَيِّدِ، جاز لذلك. وهكذا ذَكَرَ أبو الخَطَّابِ. وقال القاضى: يَلْزَمُه إخْراجُ جَيِّدٍ، ولا يَرْجِعُ فيما أخْرَجَه مِن المَعِيبِ، لأنَّه أخْرَجَ مَعِيبًا في حقِّ اللَّهِ، فأشْبَهَ ما لو أخْرَجَ مَرِيضَةً عن صِحاحٍ. وبهذا قال الشافعىُّ، إلَّا أنَّ أصْحابَه قالُوا: له الرُّجُوعُ فيما أخْرَجَ مِن المَعِيبِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ.
стр. 3036
وَهَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الْفِضَّةِ فِى تَكْمِيلِ النِّصَابِ، أوْ يُخْرَجُ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
٩٢٦ - مسألة: (وهل يُضمُّ الذَّهَبُ إلى الفِضَّةِ في تَكْمِيل النِّصابِ، أو يُخْرَجُ أحَدُهما عن الآخَرِ؟ على رِوَايَتَيْنِ) إذا كان له مِن كلِّ واحِدٍ مِن الذَّهَبِ والفِضةِ ما لا يَبْلُغُ نِصابًا بمُفرَدِه، فقد نُقِل عن أحمدَ، أنَّه تَوَقَّفَ في ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ، في رِوايَةِ الأثْرَم وجَماعَةٍ، وقَطَع في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، أنَّه لا زكاةَ عليه حتى يَبْلُغَ كلُّ واحدٍ منهما نِصابًا. وقد نَقَل الخِرَقِىُّ فيها رِوايَتَيْن. وتْقَلَهما غيرُه مِن الأصْحابِ؛ إحْداهما، لا يُضمُّ. وهو قولُ ابنِ أبِى لَيْلَى، والحسنِ بنِ صالِحٍ، وشَرِيكٍ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبِى ثَوْرٍ. واخْتِيارُ أبِى بَكرٍ عبدِ العَزِيز؛ لقَوْلِه ﵇: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ». مُتَّفَقٌ عليه (١)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وهل يُخْرَجُ أحَدُهما عن الآخَرِ في الزكاةِ؟ فيه رِوايتانِ. نَصَّ عليهما أحمدُ؛ إحْداهما، لا يَجُوزُ. اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّهُما جِنْسان فلم يَجُزْ إخْراجُ أحَدِهما عن الآخَرِ، كسائِرِ الأجْناسِ، ولأنَّ أنْواعَ الجِنْسِ إذا لم يُخرَجْ أحَدُهما عن الآخَرِ إذا كان أقَلَّ في المِقْدارِ، فمع اخْتِلافِ الجِنْسِ أوْلَىِ. والثانيةُ، يَجُوزُ؛ لأن المَقْصُودَ مِن أحَدِهما يَحْصُلُ بإخْراجِ الآخرِ، فيُجْزِئ، كأنواعِ الجِنْس، وذلك لأن المَقْصُودَ [منهما جَمِيعًا] (١) الثَّمَنِيَّةُ (٢) والتَّوَسُّلُ بهما إلى المَقَاصِدِ، وهما يَشْتَرِكان فيه على السَّواءِ، فأشْبَهَ إخْراجَ المُكسَّرَةِ عن الصِّحاحِ، بخِلافِ سائِرِ الأجْناسِ والأنْواعِ، ممَّا تجِبُ فيه الزكاةُ، فإنَّ لكلِّ جِنْسٍ مَقْصُودًا مُخْتَصًّا به، لا يَحْصُلُ مِن الجِنْسِ الآخَر، وكذلك أنْواعُها
стр. 3039
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا يحْصُلُ مِن إخْراجِ غيرِ الواجِب مِن الحِكْمَةِ ما يَحْصُلُ مِن إخْراجِ الواجِبِ، وههُنا المَقْصُودُ حاصِلٌ، فوَجَبَ إجْزاؤُه، إذ لا فَائِدَةَ فِى اخْتِصاصِ الإِجْزاءِ بعَيْنٍ مِع (١) مُساواةِ غيرِها لها في الحِكْمَةِ، ولأنَّ ذلك أوفقُ بالمُعْطِى والآخِذِ وأرْفقُ بهما، فإنَّه لو تَعَيَّنَ إخْراجُ زكاةِ الدَّنانِيرِ منها، شَقَّ على مَن يَمْلِكُ [أقَلَّ مِن] (٢) أرْبَعِينَ دِينارًا إخْراجُ جُزْءٍ مِن دِينارٍ، ويَحْتاجُ إلى التَّشْقيصِ ومُشارَكَةِ الفَقِيرِ له في دِينارٍ مِن مالهِ، أو بَيْعِ أحَدِهما نَصيبَه، ولأنَّه إذا دَفَع إلى الفَقِيرِ قِطْعَةً مِن الذَّهَبِ في مَوْضِعٍ لا يُتَعامَلُ بها فيه، أو قِطْعَةً (٣) في مَكانٍ لا يَتَعامَلُون به فيه، لا يَقدِرُ على قَضاءِ حاجَتِه بها، وإن أراد بَيْعَها احْتاجَ إلى كُلْفَةِ البَيْعِ، والظَّاهِرُ أنَّها تَنْقُصُ عِوَضُها عن قِيمَتِها، فقد دار بينَ ضَرَرَيْنِ، وفى جَوازِ إخْراجِ أحَدِهما عن الآخَرِ دَفْعٌ لهذا الضَّرَرِ وتحْصِيلٌ لِحكْمَةِ الزكاةِ على الكَمالِ، فلا وَجْهَ لِمَنْعِه، وإن تُوُهِّمَتْ ههُنا مَنْفَعَةٌ تَفُوتُ بذلك، فهى يَسِيرَةٌ مَغْمُورَةٌ فيما يَحْصُلُ مِن النَّفْعِ الظَّاهِرِ، ويَنْدَفِعُ مِن الضَّرَرِ والمَشَقَّةِ مِن
стр. 3040
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجانِبَيْن، فلا يُعْتَبَرُ. وهذا اخْتِيارُ شيخِنا (١). وعلى هذا لا يَجُوزُ الإِبْدالُ في مَوْضِعٍ يَلْحَقُ الفَقِيرَ ضَرَرٌ، مثلَ أن يَدْفَعَ إليه ما لا يُنْفقُ عِوَضًا عمَّا يُنْفقُ؛ لأنَّه إذا لم يَجُزْ إخْراجُ أحَدِ النَّوْعَيْن عن الآخَر مع الضَّرَرِ، فمع غيرِه أوْلَى. وإن اخْتَارَ المالِكُ الدَّفع مِن الجِنْسِ، واخْتارَ الفَقِيرُ الأخْذَ مِن غيرِه؛ لضَرَرٍ يَلْحَقُه في أخذِ الجِنْسِ، لم يَلْزَمِ المالِكَ إجابَتُه؛ لأنَّه أدَّى ما فَرَض اللَّهُ عليه، فلم يُكَلَّفْ سِواه. واللَّهُ أعلمُ.
стр. 3041
ويَكُونُ الضَّمُّ بِالأَجْزَاءِ. وَقِيلَ: بِالْقِيمَةِ فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ.
ــ
٩٢٧ - مسألة: (ويَكُونُ الضَّمُّ بالأجْزاءِ. وقِيلَ: بالقِيمَةِ فيما فيه الحَظُّ للمَساكِينِ) إذا قُلْنا: يُضَمُّ أحَدُ النَّقْدَيْن إلى الآخرِ في تَكْمِيل النِّصابِ. فإنَّما يُضَمُّ بالأجْزاءِ، فيُحْسَبُ كلُّ واحِدٍ منهما مِن نِصابِه، فإذا كَمَلَتْ أجْزَاؤُهما نِصابًا وجَبَتِ الزكاةُ، مثلَ أن يكونَ عندَه نِصْف نِصابٍ مِن أحَدِهما، ونِصْفُ نِصابٍ أو أكْثَرُ مِن الآخَر، أو ثُلُثٌ مِن أحَدِهما، وثُلُثان مِن الآخَرِ، وهو أن يَمْلِكَ مائةَ دِرْهَم وعَشَرَةَ دَنانِيرَ، أو خَمْسَةَ عَشَرَ دِينارًا وخَمْسِمين دِرْهَمًا، أو بالعَكْسِ، فيَجِبُ عليه فيه الزكاة، فإن نَقَصَتْ أجْزَاوهما عن نِصابٍ فلا زكاةَ فيها. سُئِل أحمدُ، عن رجلٍ يَمْلِكُ مائةَ دِرْهَمٍ وثمانِيَةَ دَنانِيرَ؟ فقال: إنَّما قال مَن قال: فيها الزكاةُ. إذا كان عندَه عَشَرَةُ دَنانِيرَ ومائةُ دِرْهَم. وهذا قولُ مالكٍ، وأبى يُوسُفَ، ومحمدٍ، والأوْزاعِىِّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا تُعْتَبَرُ قِيمَتُه في إيجابِ الزكاةِ إذا كان مُنْفَرِدًا، فلا يُعْتَبَرُ إذا كان مَضْمُومًا، كالحُبُوبِ،
стр. 3042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنْواعِ الأجْناسِ كلِّها. وقد قِيلَ: يُضَمُّ بالقِيمَةِ إذا كان أحَظَّ للمسَاكِينِ. قال أبو الخَطّابِ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، أنَّها تُضَمُّ بالأحْوَطِ مِن الأجْزاءِ والقِيمَةِ. ومَعْناه، أنَّه يُقَوَّمُ الغالِى منها بقِيمَةِ الرَّخِيصِ، فإذا بَلَغَتْ قِيمَتُهما بالرَّخِيصِ نِصابًا وجَبَتِ الزكاةُ فيهما، كمَن مَلَك مائةَ دِرْهَمٍ وتِسْعَةَ دَنانِيرَ قِيمَتُها مائةُ دِرْهَمٍ، أو عَشَرَةَ دَنانِيرَ وتِسْعِين دِرْهَمًا قِيمَتُها عَشَرَةُ دَنانِيرَ، فتَجِبُ عليه الزكاةُ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ في تَقْوِيمِ الدَّنانِيرِ بالفِضَّةِ؛ لأنَّ كلَّ نِصابٍ وَجَب فيه ضَمُّ الذَّهَبِ إلى الفِضَّةِ، ضُمَّ بالقِيمَةِ، كَنِصابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ، ولأنَّ أصْلَ الضَمِّ لحَظِّ (١) الفُقَراءِ، فكذلك صِفَتُه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الزكاةَ تَجِبُ في عَيْنِ الأثْمانِ، فلم تُعْتَبَرْ قِيمَتُها، كما لو انْفرَدَتْ، وتُخالِفُ نِصابَ القَطْعِ، فإنَّ النِّصابَ فيه الورِقُ خَاصَّةً، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وفى الأُخْرَى، أنَّه لا يَجِبُ في الذَّهَبِ حتى يَبْلُغَ رُبْعَ دِينارٍ.
стр. 3043
وَتُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ــ
٩٢٨ - مسألة: (وتُضَمُّ قِيمَةُ العُرُوضِ إلى كلِّ واحِدٍ منهما) يَعْنِى إذا كان في مِلْكِه ذَهَب أو فِضَّة أو عُرُوضٌ (١) للتِّجارَةِ، فإنَّ قِيمَةَ العُرُوضِ تُضَمُّ إلى كلِّ واحِدٍ منهما، ويَكْمُلُ به نِصابُه. قال شيخُنا (٢): لا أعْلَمُ فيه خِلافًا. وقال الخَطّابِىُّ: لا أعْلَمُ عَامَتّهَم اخْتَلَفُوا فيه؛ وذلك لأنَّ الزكاةَ إنَّما تَجِبُ في قِيمَةِ العُرُوضِ، وهو يُقَومُ بكلِّ واحِدٍ منهما، فيُضَمُّ إلى كلِّ واحِدٍ منهما. فلو كان ذَهَبٌ وفِضَّة وعُرُوضٌ، وَجَب ضَمُّ الجَمِيعِ بَعْضِه إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ (٣) النِّصابِ؛ لأنَّ العَرْضَ مَضْمُومٌ إلى كلِّ واحِدٍ منهما، فيَجِبُ ضَمُّهما إليه.
стр. 3044
فَصْلٌ: وَلَا زَكَاةَ فِى الْحَلْى الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَالِ، فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
ــ
فصل: قال: (ولا زكاةَ في الحَلْى المُباحِ المُعَدِّ للاستِعْمالِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ) رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وأنَسٍ، وعائشةَ، وأسماءَ أخْتِها، رَضِىَ اللَّه عنهم. وبه قال القاسمُ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادَةُ، ومحمدُ بنُ علىٍّ، ومالكٌ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وذَكَر ابنُ أبى موسى عن أحمدَ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّ فيه الزكاةَ. رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عباسٍ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وابنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال أحمدُ: خَمْسَةٌ مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُون: ليس في الحَلْى زكاةٌ، زَكاتُه عارِيَّتُه. ووَجْهُ الأُولَى ما روَى جابِرٌ، عن النبىِّ ﷺ أنه قال: «لَيْسَ فِى الْحَلْى زَكَاةٌ» (١). ولأنَّه مُرْصَد لاسْتعْمالٍ مُبَاحٍ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالعَوامِلِ مِن البَقَرِ، وثِيابِ القُنْيَةِ. والأحادِيثُ الصَّحيحةُ التى احْتَجُّوا بها لا تَتَناوَلُ مَحِلَّ النِّزاعِ؛ لأنَّ الرِّقَةَ هى الدراهِمُ المَضْرُوبَةُ. قال أبو عُبَيْدٍ (٢): لا نَعْلَمُ هذا الاسْمَ في الكلامِ المَعْقُولِ عندَ العَرَبِ إلَّا على الدَّراهِم المَضْرُوبَةِ، ذاتِ السِّكَّةِ السّائِرَةِ في النّاسِ. وكذلك الأواقِىُّ ليس مَعْناها إلَّا الدَّراهِمَ، كلُّ أوقِيَّةٍ أرْبَعُون دِرْهَمًا. وأمّا حديثُ المَسَكَتَيْن، فقال أبو عُبَيْدٍ (٣): لا نَعْلَمُه إلَّا مِن وَجْهٍ قد تَكَلَّمَ النّاسُ فيه قَدِيمًا وحَدِيثًا. وقال التِّرْمذِىُّ (٤): ليس يَصِحُّ في هذا البابِ
стр. 3047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شئٌ ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد بالزكاةِ العارِيَّةَ،؛ قد ذَهَب إليه جَمَاعَةٌ مِن الصَّحابَةِ وغيرِهم، والتِّبْرُ غيرُ مُعَدٍّ للاسْتِعْمالِ، بخِلافِ الحَلْى. ولا فَرْقَ بينَ الحَلْى المُباحِ أن يكونَ مَمْلُوكًا لامرأةٍ تَلْبَسُه أو تُعِيرُه، أو لرَجُل يُحَلِّى به أهلَه، أو يُعِيرُه، أو يُعِدُّه لذلك؛ لأنَّه مَصرُوف عن جِهَةِ النَّماءِ إلى اسْتِعْمالٍ مُباحٍ، أشْبَهَ حَلْى المَرأةِ. فإن اتَّخَذَ حَلْيًا فِرارًا مِن الزكاةِ، لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ؛ لأنَّها إنَّما سَقَطَتْ عن ما أعِدَّ للاسْتِعْمالِ، لصَرْفِه عن جِهَةِ النَّماءِ، ففيما (١) عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
فصل: فإنِ انْكَسَرَ الحَلْىُ كَسْرًا لا يَمْنَعُ اللُّبْسَ، فهو كالصَّحِيحِ، إلَّا أن يَنْوِىَ تَرْكَ لُبْسِه، وإن كان كَسْرًا يَمْنعُ الاسْتِعْمالَ، ففيه الزكاةُ؛ لأنَّه صار كالنُّقْرَةِ (٢)، وإن نَوَى بحَلْى (٣) اللُّبْسِ التِّجارَةَ [أو الكِرَى] (٤)، انْعَقَدَ عليه حَوْلُ الزكاةِ مِن حِينَ نَوَى؛ لأنَّ الوُجُوبَ الأصْلُ، فانْصَرَفَ إليه بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى بمالِ التِّجارَةِ القُنْيَةَ.
فصل: وكذلك ما يُباحُ للرجالِ مِن الحَلْى، كخاتَمِ الفِضَّةِ،
стр. 3048
فَأَمَّا الْحَلْىُ الْمُحَرَّمُ، وَالآنِيَةُ، وَمَا أعِدَّ لِلْكِرَاءِ أَوِ النَّفَقَةِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا.
ــ
وقَبِيعَةِ (١) السَّيْفِ، وحِلْيَةِ المِنْطَقَة (٢)، على الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، والجَوْشَنِ (٣)، والخُوذَةِ وما في مَعناه، وأَنْف الذَّهَبِ. وكلُّ ما أُبِيحَ للرجلِ، حُكْمُه حُكْمُ حَلْى المرأةِ في عَدَمِ وُجُوبِ الزكاةِ؛ لأنَّه مَصْرُوفٌ عن جِهَةِ النَّماءِ، أشْبَهَ حَلْى المرأةِ.
٩٢٩ - مسألة: (فأمّا الحَلْىُ المُحَرَّمُ، والآنِيَةُ، وما أُعِدَّ للكِراءِ والنَّفَقَةِ، ففيه الزكاةُ إذا بَلَغ نِصابًا) كلُّ ما أعِدَّ للكِراءِ والنَّفَقَةِ إذا احْتِيجَ (٤) إليه ففيه الزكاةُ؛ لأنَّها إنَّما سَقَطَتْ عن ما أعِدَّ للاسْتِعْمالِ، لصَرْفِه عن جِهَةِ النَّماءِ، ففيما عَداه يَبْقَى كل الأصْلِ. ولأصحابِ
стр. 3049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشافعىِّ وَجْهٌ فيما أُعِدَّ للكِراءِ لا زَكاةَ فيه. وكلُّ ما كان اتِّخاذُه مُحَرَّمًا مِن الأثْمانِ ففيه الزكاةُ؛ لأنَّ الأصْل وُجُوبُ الزكاةِ فيها؛ لكَوْنِها مَخْلُوقَةً للتِّجارَةِ والتَّوَسُّلِ بها إلى غيرِها، ولم يُوجَدْ ما يُسْقِطُ الزكاةَ فيها، فبَقِيَتْ على الأصْلِ. قال أحمدُ: ما كان على سَرْجٍ أو لِجامٍ، ففيه الزكاةُ. ونَصَّ على حِلْيَةِ الثَّفَرِ (١) والرِّكابِ واللِّجامِ، أنَّه مُحَرَّمٌ. وقال، في رِوايَةِ الأثْرَمِ: أكْرَهُ رَأْسَ المُكْحلَةِ فِضَّةً. ثم قال: هذا شئٌ تَأوَّلْتُه. وعلى قِياسِ ما ذَكَرَه، حِلْيَةُ الدَّواةِ، والمِقْلَمَة، والسَّرْجِ، ونَحْوِه ممّا على الدّابَّةِ. ولو مَوَّهَ سَقْفَه بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فهو مُحَرَّم، وفيه الزكاةُ. وقال أصْحابُ الرَّأْى: يُباحُ؛ لأنَّه تابع للمُبَاحِ، فتَبِعَه في الإِباحَةِ. ولَنا، أنَّه سَرَفٌ، ويُفْضِى إلى الخُيَلاء، وكَسْرِ قُلُوبِ الفُقَراءِ، فحَرُمَ، كاتِّخاذِ الآنِيَةِ، وقد نَهَى النبىُّ ﷺ عن التَّخَتُّمِ بخاتَمِ الذَّهَبِ للرجل (٢)،
стр. 3050
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فتمْوِيهُ السَّقْفِ أوْلَى. فإن صار التَّمْويهُ الذى في السَّقْفِ مُسْتَهْلَكًا لا يَجْتَمِعُ منه شئٌ، لم تَحْرُم اسْتِدامَتُه؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في إتْلافِه وإزالَتِه، ولا زكاةَ فيه؛ لأنَّ مَالِيَتّهَ ذَهَبتْ، وإن لم تَذْهَبْ مالِيته ولم يكنْ مُسْتَهْلَكًا، حَرُمَتِ اسْتِدامَتُه. وقد بَلَغَنا أن عُمَرَ بنَ عبدِ العزِيزِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لَمَّا وَلِىَ، أراد جَمْعَ ما في مَسْجِدِ دِمَشْقَ ممّا مُوِّهَ به مِن الذَّهَبِ، فقِيلَ له: إنَّه لا يَجْتَمِعُ منه شئٌ. فتَرَكَه. ولا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ المَصاحِفِ ولا المَحارِيبِ، ولا اتِّخاذُ قَنادِيلَ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لأنَّها بمَنْزِلَةِ الآنِيَةِ. وإن وَقَفَها على مَسْجِدٍ أو نَحْوِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس ببِرٍّ ولا مَعْرُوفٍ، ويكونُ ذلك بمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ، فتُكْسَرُ وتُصْرَفُ في مَصْلَحَةِ المَسْجِدِ وعِمارَتِه. وكذلك إن حَبَّسَ الرجلُ فَرَسًا له لِجامٌ مُفَضَّضٌ. وقد قال أحمدُ، في الرجلِ يَقِفُ فَرَسًا في سبِيلِ اللَّهِ، ومعه لِجامٌ مُفَضَّضٌ: فهو على ما وَقَفَه، وإن بِيعَتِ الفِضَّةُ مِن السَّرْجِ واللِّجامِ، وجُعِلَتْ في وَقْفٍ مِثْلِه فهو أحَبُّ إلىَّ؛ لأنَّ الفِضَّةَ لا يُنْتَفَعُ بها، ولَعَلَّه يَشْتَرِى بذلك سَرْجًا ولِجامًا، فيكونَ أنْفَعَ للمسلمين. قِيل: فتُباعُ الفِضَّةُ، وتُنْفَقُ على الفَرَسِ؟ قال: نعم. وهذا يَدُلُّ على إباحَةِ حِلْيَةِ السَّرْجِ واللِّجامِ بالفِضَّةِ، لولا ذلك لَما قال: هو على ما وَقَفَه. وهذا لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ به، فأشْبَهَ حِلْيَةَ المِنْطَقَةِ. وإذا قُلْنا بتَحْرِيمِه، فصار بحيث لا يَجْتَمِعُ منه