فَإِنْ كَانَ فِى بَلَدٍ، وَمَالُهُ فِى آخَرَ، أَخْرَجَ زَكَاةَ الْمَالِ فِى بَلَدِهِ، وَفِطْرَتَهُ فِى الْبَلَدِ الَّذِى هُوَ فِيهِ.
ــ
٩٨٠ - مسألة: (فإن كان في بَلَدٍ، ومالُه في آخَرَ، أخْرَجَ زكاةَ المالِ في بَلَدِه، وفِطْرَتَه في البَلَدِ الذى هو فيه) قال أحمدُ، في رِوايَةِ محمدِ ابنِ الحَكَمِ: إذا الرجلُ في بَلَدٍ، ومالُه في بَلَدٍ، فأحَبُّ إلىَّ أن يُؤَدِّىَ حيث كان المالُ، فإن كان بعضُه حيث هو، وبعضُه في مِصْرٍ، يُؤَدِّى زكاةَ كلِّ مالٍ حيث هو. فإن كان غائِبًا عن مِصْرِه وأهْلِه، والمالُ معه، فأسْهَلُ أن يُعْطِىَ بعضَه في هذا البَلَدِ، وبعضَه في البَلَدِ الآخَرِ. فأمّا إن كان المالُ في البَلَدِ الذى هو فيه حتى يَمْكُثَ فيه حَوْلًا تامًّا، فلا يَبْعَثُ بزَكاتِه إلى بَلَدٍ آخَرَ. فإن كان المالُ تِجارَةً يُسافِرُ به، فقال القاضى: يُفَرِّقُ زَكاتَه حيث حال حَوْلُه، في أىِّ مَوْضِع كان. ومَفْهُومُ كَلامِ أحمدَ في اعْتِبارِه الحَوْلَ التّامَّ، أنَّه يُسَهِّلُ في أن يُفَرِّقَها في ذلك البَلَدِ، وغيرِه مِن البُلْدانِ التى أقام بها في ذلك الحَوْلِ. وقال في الرجلِ يَغِيبُ عن أهْلِه، فتَجِبُ عليه الزكاةُ: يُزَكِّيه في المَوْضِع الذى أكْثَرُ مُقامِه فيه. فأمّا زكاةُ الفِطْرِ،
стр. 3187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنَّه يُفَرِّقُها في البَلَدِ الذى وجَبَتْ عليه فيه، سَواءٌ كان مالُه فيه أو لم يكنْ؛ لأنَّه سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ، ففُرِّقَتْ في البَلَدِ الذى سَبَبُها فيه.
فصل: إذا أخَذَ السّاعِى الصَّدَقَةَ، فاحْتاجَ إلى بَيْعِها لمَصْلَحَةِ مَن كَلَّفَه نَقْلَها، أو مَرَضِها ونَحْوِهما، فله ذلك؛ لِما روَى قَيْسُ بنُ أبى حازِمٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ رَأى في إِبِلِ الصَّدَقَةِ ناقَةً كَوْماءَ (١)، فسَألَ عنها؟ فقال المُصَدِّقُ: إنِّى ارْتَجَعْتُها بإِبلٍ. فسَكَتَ عنه. رَواه أبو عُبَيْدٍ في «الأمْوالِ» (٢)، وقال: الرِّجْعَةُ أن يَبِيعَها ويَشْتَرِى بثمَنِها مثلَها أو غيرَها. فإن لم يكنْ حاجَةٌ إلى بَيْعِها، فقال القاضى: لا يجوزُ، والبَيْعُ باطِلٌ، وعليه الضَّمانُ. قال شيخُنا (٣): ويَحْتَمِلُ الجَوازُ؛ لحديثِ
стр. 3188
وَإذَا حَصَلَ عِنْدَ الإِمَامِ مَاشِيَةٌ، اسْتُحِبَّ لَهُ وَسْمُ الإبِلِ فِى أَفْخَاذِهَا، وَالْغَنَمِ فِىِ آذَانِهَا، فَإِنْ كَانَتْ زَكَاةً كَتَبَ «للَّهِ» أوْ «زَكَاةٌ»، وَإنْ كَانتْ جِزْيَةً كَتَبَ «صَغَارٌ» أوْ «جِزْيَةٌ».
ــ
قَيْسٍ، فإنَّ النبىَّ ﷺ سَكَت حينَ أخْبَرَه المُصَدِّقُ بارْتِجاعِها، ولم يَسْتَفْصِلْ.
٩٨١ - مسألة: (وإذا حَصَل عندَ الإِمامِ ماشِيَةٌ، اسْتُحِبَّ له وَسْمُ الإِبِلِ في أفْخاذِها، والغَنَم في آذانِها، فإن كانت زَكاةً كَتَب «للَّه» أو «زكاة»، وإن كانت جزْيَةٌ كَتَب «صَغارٌ» أو «جِزْيَةٌ») إنَّما اسْتُحِبَّ ذلك؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ كان يَسِمُها (١)، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك،
стр. 3189
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَنِ الْحَوْلِ إِذَا كَمَلَ النِّصَابُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ ذَلِكَ.
ــ
لتَمْيِيزِها مِن غَنَمِ الجِزْية والضَّوالِّ، ولِتُرَدَّ إلى مَواضِعِها إذا شَرَدَتْ. ويَسِمُ الإِبِلَ والبَقَرَ في أفْخاذِها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ صُلْبٌ يَقِلُّ ألَمُ الوَسْمِ فيه، وهو قَلِيل الشَّعَرِ فتَظْهَرُ السِّمَةُ، ويَسِمُ الغَنَمَ في آذانِها؛ لأنَّه مكانٌ تَظْهَرُ فيه السِّمَةُ لا تَضَرَّرُ به الغَنَمُ.
فصل: قال: (ويَجُوزُ تَعْجِيلُ الزكاةِ عن الحَوْلِ إذا كَمَلَ النِّصابُ، ولا يَجُوزُ قبلَ ذلك) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى وُجِد سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ، وهو النِّصابُ الكامِلُ، جاز تَقدِيمُ الزكاةِ. وبهذا قال الحسنُ، وسَعِيدُ ابنُ جُبَيْر، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وحُكِىَ عن الحسنِ، أنَّه لا يَجُوزُ. وبه قال رَبِيعَةُ، ومالكٌ،
стр. 3190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وداودُ؛ لأنَّه رُوِى عن النبىِّ ﷺ أنه قال: «لَا تُؤَدَّى زَكَاةٌ قَبْلَ حُلُولَ الْحَوْلِ» (١). ولأنَّ الحَوْلَ أحَدُ شَرْطَىِ الزكاةِ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُ الزكاةِ عليه، كالنِّصابِ، ولأنَّ للزكاةِ وقْتًا، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُها عليه، كالصَّلاةِ. ولَنا، ما روَى علىٌّ، أنَّ العباسَ سَألَ رسولَ اللَّهِ ﷺ في تَعْجِيلِ صَدَقَتِه قبلَ أن تَحِلَّ، فرَخَّصَ له في ذلك. وفى لَفْظٍ (٢)، في تَعْجِيلِ الزكاةِ، فرَخَّصَ له في ذلك. رَواه أبو داودَ (٣). وقال يَعْقُوبُ بنُ شَيْبَةَ: هو أثْبَتُها إسْنادًا. وروَى التِّرْمذِىُّ (٤)، عن علىٍّ، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال لعُمَرَ:
стр. 3191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«إنَّا قَدْ أخَذْنَا زَكَاةَ الْعَبَّاس عَامَ أوَّل لِلْعَامِ». وفى لَفْظٍ قال: «إنَّا كُنَّا تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ لِعَامِنَا هَذَا عَامَ أوَّل» (١). رَواه سعيدٌ عن عَطاء، وابنِ أبى مُلَيْكَةَ، والحسنِ بنِ مسلمٍ، عن النبىِّ ﷺ مُرْسَلًا. ولأنَّ تَعْجِيلَ المالِ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِه، فجاز، كتَعْجِيلِ قَضاءِ الدَّيْنِ قبلَ حُلُولِ أجَلِه، وأداءِ كَفّارَةِ اليَمِينِ بعدَ الحَلِفِ وقبلَ الحِنْثِ، وكَفّارَةِ القَتْلِ بعدَ الجَرْحِ قبلَ الزُّهُوقِ، وقد سَلَّمَ مالكٌ تَعْجِيلَ الكَفّارَةِ، وفارَقَ تَقْدِيمَها قبلَ النِّصابِ؛ لأنَّه تَقدِيمٌ لها على سَبَبِها، فأشْبَهَ تَقْدِيمَ الكَفّارَةِ على اليَمِينِ، وكَفّارَةِ القَتْلِ على الجَرْحِ، ولأنَّه قَدَّمَها على الشَّرْطَيْنِ، وههُنا قَدَّمَها على أحَدِهما. وقَوْلُهم: إنَّ للزكاةِ وقْتًا. قُلْنا: الوَقْتُ إذا دَخَل في الشئِ رِفْقًا بالإِنْسانِ، كان له أن يُعَجِّلَه ويَتْرُكَ الإِرْفاقَ بنَفْسِه، كالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، وكمَن أدَّى زكاةَ مالٍ غائِب، وإن لم يكنْ على يَقِينٍ مِن وُجُوبِها، ومِن الجائِزِ أن يكونَ المالُ تالِفًا في ذلك الوَقْتِ، وأمّا الصلاةُ والصيامُ فتَعَبُّد مَحْضٌ، والتَّوْقِيتُ فيها غيرُ مَعْقُولٍ، فيَجِبُ أن يُقْتَصَرَ عليه.
فصل: فأمّا تَعْجِيلُها قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، فلا يَجُوزُ بغيرِ خِلافٍ
стр. 3192
وَفِى تَعْجِيلِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ رِوَايَتَانِ.
ــ
نَعْلمُه. فلو مَلك بعضَ نِصابٍ، فعَجَّلَ زَكاتَه، أو زكاةَ نِصابٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه تَعَجَّلَ الحُكْمَ قبلَ سَبَبِه.
٩٨٢ - مسألة: (وفى تَعْجِيلِها لأكْثَرَ مِن حَوْلٍ رِوايَتان) إحداهما، لا يجوزُ؛ لأنَّ النَّصَّ لم يَرِدْ بتَعْجِيلِها لأكْثَرَ مِن حَوْلٍ، فاقْتُصِرَ عليه. والثانيةُ، يجوزُ؛ لأنَّه قد رُوِى في حديثِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «وَأمَّا الْعَبَّاسُ فَهِىَ عَلَىَّ وَمِثْلُهَا». مُتَّفَقٌ عليه. ورَواه الإِمامُ أحمدُ (١) ورُوِىَ أنَّه قال ﵇، في حديثِ العباسِ: «إنَّا اسْتَسْلَفْنَا زَكَاةَ عَامَيْنِ». ولأنَّه تَعْجِيلٌ لها بعدَ وُجُوبِ النِّصابِ، أشْبَهَ تَقْدِيمَها على الحَوْلِ الواحِدِ.
стр. 3193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وما لم يَرِدْ به النَّصُّ يُقاسُ على المَنْصُوصِ إذا كان في مَعْناه، ولا نَعْلَمُ مَعْنًى سِوَى أنَّه تَقْدِيمٌ للمالِ الذى وُجِد سَبَبُ وُجُوبِه على شرْطِ وُجُوبِه، وهذا مُتَحَقِّق في التَّقْدِيمِ في الحَوْلَيْن، كتَحَقُّقِه في الحَوْلِ الواحِدِ. فعلى هذا إذا كان عندَه أكْثَرُ مِن النِّصاب، فعَجَّلَ زَكاتَه لحَوْلَيْن، جاز، وإن كان قَدْرَ النِّصابِ، مثلَ مَن عندَه أربَعُون شاةً، فعَجَّلَ شاتَيْن لحَوْلَيْن، وكان المُعَجَّلُ مِن غيرِه، جاز. وإن أخْرَجَ شاةً منه، وشاةً مِن غيرِه، أجْزَأ عن الحَوْلِ الأوَّلِ، ولم يُجْزِئْ عن الثَّانِى؛ لأنَّ النِّصابَ نَقَص. فإن تَكَمَّل بعدَ ذلك صار إخْراجُ زَكاتِه وتعْجِيلُه لها قبلَ كَمالِ نِصابِها، وإن أخْرَجَ الشّاتَيْن جَمِيعًا مِن النِّصابِ لم تَجِبِ الزكاةُ في الحَوْلِ الأوَّلِ، إذا قُلْنا: ليس له ارْتِجاعُ ما عَجَّلَه؛ لأنَّه كالتّالِفِ، فيكونُ النِّصابُ ناقِصًا. فإن كَمَلَ بعدَ ذلك، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ مِن حينَ كَمَلَ النِّصابُ، وكان ما عَجَّلَه سابِقًا على كَمالِ النِّصابِ، فلم يُجْزِئُ عنه.
стр. 3194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا تَعْجيلُها لِما زاد على الحَوْلَيْن، فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَجُوزُ رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ التَّعْجِيلَ على خِلافِ الأصْلِ، وإنَّما جاز في عامَيْن للنَّصِّ، فيَبْقَى فيما عَداه على [قَضِيَّةِ الأَصْلِ] (١).
стр. 3195
وَإنْ عَجَّلَهَا عَنِ النِّصَابِ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ، أجْزَأَ عَنِ النِّصَابِ دُونَ الزِّيَادَةِ.
ــ
٩٨٣ - مسألة: (وإن عَجَّلَها عن النِّصابِ وما يَسْتَفِيدُه، أجْزَأ عن النِّصابِ دُونَ الزِّيادَةِ) إذا مَلَك نِصابًا، فعَجَّلَ زَكاتَه وزكاةَ ما يَسْتَفِيدُه، وما يُنْتَجُ منه أو يَرْبَحُه فيه، أجْزَأه عن النِّصابِ دُونَ الزِّيادَة. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه تابع لِما هو مالِكُه. وحَكَى ابنُ عَقِيلٍ عن أحمدَ رِوايَةً، فيما إذا مَلَك مائَتى دِرْهَمٍ، وعَجَّل زكاةَ أرْبَعِمائةٍ، أنَّه يُجْزِئُه عنهما؛ لأنَّه قد وُجِد سَبَبُ وُجُوبِ الزكاةِ في الجُمْلَةِ، بخِلافِ تَعْجِيلِ الزكاةِ قبلَ مِلْكِ النِّصاب. وكذلك لو كان عندَه نِصابٌ مِن الماشِيَةِ، فعَجَّلَ زكاةَ نِصابَيْنِ. ولَنا، أنَّه عَجَّلَ زكاةَ ما ليس في مِلْكِه، فلم يَجُزْ، كالنِّصابِ الأوَّلِ، ولأنَّ الزائِدَ مِن الزكاةِ على زكاةِ النِّصابِ إنَّما سَبَبّهَا الزّائِدُ في المِلْكِ، فقد عَجَّلَ الزكاةَ قبلَ وُجُودِ سَبَبِها، فأشْبَهَ ما لو عَجَّلَ الزكاةَ قبلَ مِلْكِ النِّصابِ، وقَوْلُه: إنَّه تابعٌ. قُلْنا: إنَّما يَتْبَعُ في الحَوْلِ، فأمّا في الإِيجابِ، فإنَّ الوُجُوبَ ثَبَت بالزِّيادَة، لا بالأصْلِ، ولأنَّه إنَّما يَصِيرُ له حُكْمٌ بعدَ الوُجُودِ، فأمّا قبلَ ظُهُورِه فلا حُكْمَ له في الزكاةِ.
стр. 3196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن عَجَّلَ زكاةَ نِصابٍ مِن الماشِيَةِ، فتَوالَدَتْ نِصابًا، ثم ماتَتِ الأُمَّهاتُ وحال الحَوْلُ على النِّتاجِ، أجْزَأ المُعَجَّلُ عنها؛ لأنَّها دَخَلَتْ في حَوْلِ الأُمَّهاتِ، وقامَتْ مَقامَها، فأجْزَأتْ زَكاتُها عنها. فإذا كان عندَه أرْبَعُون مِن الغَنَمِ، فعَجَّلَ عنها شاةً، ثم تَوالَدَتْ أرْبَعِين سَخْلَةً، وماتَتِ الأُمَّهاتُ، وحالَ الحَوْلُ على السِّخالِ، أجْزَأتِ المُعَجَّلَةُ عنها؛ لأنَّها كانت مُجْزِئَةً عنها وعن أُمَّهاتِها لو بَقِيَتْ، فلأن تُجْزِئُ عن أحَدِهما أوْلَى.
стр. 3197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن كان عندَه ثَلاثُون مِن البَقَرِ، فعَجَّلَ عنها تَبِيعًا، ثم تَوالَدَتْ ثَلاثِين عِجْلَةً، وماتَتِ الأُمَّهاتُ، وحال الحَوْلُ على العُجُولِ، احْتَمَلَ أن يُجْزِئَ عنها، لأنَّها تابِعَةٌ لها في الحَوْلِ. واحْتَمَلَ أن لا يُجْزِئَ عنها. لأنَّه لو عَجَّلَ عنها تَبِيعًا مع بَقاءِ الأُمَّهاتِ لم يُجْزِئْ عنها، فلأن لا يُجْزِئَ عنها إذا كان التَّعْجِيلُ عنٍ غيرِها أوْلَى. وهكذا الحكمُ في مائةِ شاةٍ إذا عَجَّلَ عنها شاةً فتَوالدَتْ مائة، ثم ماتَتِ الأُمَّهاتُ، وحال الحَوْلُ على السِّخالِ. وإن تَوالَدَ نِصْفُها، ومات نِصْفُ الأُمَّهاتِ، وحال الحَوْلُ على الصِّغارِ ونِصْفِ الكِبارِ، فإن قُلْنا بالوَجْهِ الأوَّلِ، أجْزَأ المُعَجَّلُ عنهما جَمِيعًا، وإن قُلْنا بالثانِى، فعليه في الخَمْسِين سَخْلَةً شاةٌ؛ لأنَّها نِصابٌ لم تُؤدَّ زَكاتُه. وليس عليه في العُجُولِ إذا كانت خَمْسَةَ عَشَرَ شئٌ؛ لأنَّها لم تَبْلُغْ نِصابًا، وإنَّما وجَبَتِ الزكاةُ فيها بِنَاءً على أُمَّهاتِها التى عُجِّلَتْ
стр. 3198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زَكاتُها. وإن مَلَك ثَلاثِين مِن البَقَرِ، فعَجَّلَ مُسِنَّةً زكاةً لها ولنِتاجِها، فنُتِجَتْ عَشْرًا، أجْزَأتْه عن الثَّلاثِين دُونَ العَشرِ، ووَجَب عليه في العَشْرِ رُبْعُ مُسنَّةٍ. ويَحْتَمِل أن تُجْزئَه المُسِنَّةُ المُعَجَّلَةُ عن الجَمِيع؛ لأنَّ العَشْرَ تابِعَةٌ للثَّلاِثين في الوُجُوبِ والحَوْلِ، فإنَّه لولا مِلْكُه للثَّلاِثين لَما وَجَب عليه في العَشْرِ شئٌ، فصارَتِ الزِّيادَةُ على النِّصابِ مُنْقَسِمَةً أرْبَعَةَ
стр. 3199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أقْسامٍ؛ أحَدُها (١) ما لا يَتْبَعُ في وُجُوبٍ ولا حَوْلٍ، وهو المُسْتَفادُ مِن غيرِ الجِنْسِ، فهذا لا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكاتِه قبلَ وُجُودِه ومِلْكِ نِصابِه، بغيرِ خِلافٍ. الثانى، ما يَتْبَعُ في الوُجُوبِ دُونَ الحَوْلِ، وهو المُسْتَفادُ مِن الجِنْسِ بسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، فلا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكاتِه أيضًا قبلَ وُجُودِه، مع الخِلافِ في ذلك. وحَكى ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً أنَّه يُجْزِئُ. الثالثُ، ما يَتْبَعُ في الحَوْلِ دُونَ الوُجُوبِ، كالنِّتاجِ والرِّبْحِ إذا بَلَغ نِصابًا، فإنَّه يَتْبَعُ أصْلَه في الحَوْلِ، فلا يُجْزِئُ التَّعْجِيلُ عنه قبلَ وُجُودِه، كالذى قبلَه. الرابعُ، ما يَتْبَعُ في الحَوْلِ والوُجُوبِ، وهو الرِّبْحُ والنِّتاجُ إذا لم يَبْلُغْ نِصابًا، فهذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْن؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكاتِه قبلَ وُجُودِه، كالذى قبلَه. والثانى، يُجْزِئُ؛ لأنَّه تاجٌ في الوُجُوبِ والحَوْلِ، أشْبَهَ المَوْجُودَ.
стр. 3200
وَإنْ عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الطَّلْعِ وَالْحِصْرِمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
ــ
٩٨٤ - مسألة: (وإن عَجَّلَ عُشْرَ الثَّمَرَةِ قبلَ طُلُوعِ الطَّلْع والحِصْرِمِ (١)، لم يُجْزِئْه) لأنَّه تَقْدِيم لها قبلَ وُجُودِ سَبَبِها. فأمّا تَعجِيلُها بعدَ وُجُودِ الطَّلْعِ والحِصْرِمِ، وتَعْجِيلُ عُشْرِ الزَّرْعِ بعدَ نَباتِه، فظاهِرُ كَلامِ القاضى أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قال: كُلُّ ما تَتَعَلَّقُ الزكاةُ فيه بشيْئَيْن؛ حَوْل ونِصابٍ، جاز تَعْجِيلُ زَكاتِه. فمَفْهُومُه أنه لا يَجُوزُ تَعْجِيلُ زكاةِ غيرِه؛ لأنَّ الزكاةَ مُعَلَّقَةٌ بسَبَبٍ واحِدٍ، وهو إدراكُ الزَّرْعِ والثَّمَرَةِ،
стр. 3201
وَإِنْ عَجَّل زَكَاةَ النِّصَابِ، فتَمّ الْحَوْلُ وَهُوَ ناقِصٌ قدرَ مَا عَجَّلَهُ، جَازَ.
ــ
فإذا قَدَّمَها كان قبلَ وُجُودِ سَبَبِها، لكنْ إن أدّاها بعدَ الإِدْراكِ، وقبلَ اليُبْسِ والتَّصْفِيَةِ، جاز. وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بعدَ ظُهُورِ الطَّلْعِ والحِصْرِمِ ونَباتِ الزَّرْعِ، ولا يجوزُ قبلَ ذلك؛ لأنَّ وُجُودَ الزَّرْعِ وإطْلاعَ النَّخْلِ بمَنْزِلَةِ مِلْكِ النِّصابِ، والإِدْراكُ بمَنْزِلَةِ حَوَلانِ الحَوْلِ، فجاز تَقدِيمُها عليه، وتَعَلُّقُ الزّكاةِ بالإِدْراكِ لا يَمْنَعُ جَوازَ التَّعْجِيلِ، بدَلِيلِ أنَّ زكاةَ الفِطْرِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بهِلالِ شَوّالٍ، وهو زَمَنُ الوُجُوبِ، ويَجوزُ تَعْجِيلُها قبلَه.
٩٨٥ - مسألة: (وإن عَجَّلَ زكاةَ النِّصابِ، فتَمَّ الحَوْلُ وهو ناقِصٌ قَدْرَ ما عَجَّلَه، جاز) لأنَّ حُكْمَ ما عَجَّلَه حُكْمُ المَوْجُودِ في مِلْكِه، يَتِمُّ
стр. 3202
وإنْ عَجَّلَ زَكَاةَ الْمِائَتَيْنِ، فَنُتِجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةً، لَزِمَتْهُ شَاةٌ ثَالِثَةٌ،
ــ
النِّصابُ به، فلو زاد مالُه حتى بَلَغ النِّصابَ، أو زاد عليه، وحال الحَوْلُ، أجْزَأ المُعَجَّلُ عن زَكاتِه؛ لِما ذَكَرْنا. فإن نَقَص أكْثَرُ ممّا عَجَّلَه، فقد نَقَص بذلك عن كَوْنِه سَبَبًا للزكاةِ، مثلَ مَن له أرْبَعُون شاةً، فعَجَّل شاةً ثم تَلِفَتْ أُخْرَى، فقد خَرَج عن كَوْنِه سَبَبًا للزكاةِ، فإن زاد بعدَ ذلك، إمّا بنتاجٍ أو شِراءِ ما يَتِمُّ به النِّصابُ، اسْتُؤْنِفَ الحَوْلُ مِن حِينَ كَمَل النِّصابُ، ولم يُجْزِئُ ما عَجَّلَه، كما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
٩٨٦ - مسألة: (وإن عَجَّل زكاةَ المائتَيْن، فنُتِجَتْ عندَ الحَوْلِ سَخْلَةً، لَزِمَتْه شاةٌ ثالِثَةٌ) وبما ذَكَرْنا قال الشافعىُّ في المَسْألَتَيْن. وقال أبو حنيفةَ: ما عَجَّلَه في حُكْمِ التّالِفِ، فقال في المَسْألَةِ
стр. 3203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأُولَى: لا تَجِبُ الزكاةُ، ولا يكونُ المُخْرَجُ زكاة. وقال في هذه المَسْألَةِ: لا يَجِبُ عليه زِيادَة؛ لأنَّ ما عَجَّلَه زال مِلْكُه عنه، فلم يُحْسَبْ مِن مالِه، كما لو تَصَدَّقَ به تَطَوُّعًا. ولَنا، أنَّ هذا نِصابٌ تَجبُ الزكاةُ فيه بحُلُولِ الحَوْلِ، فجاز تَعْجِيلُها منه، كما لو كان أكثرَ مِن أرْبَعِين، ولأنَّ ما عَجَّلَه بمَنْزِلَةِ المَوْجُودِ في إجْزائِه عن مالِه، فكان بمَنْزِلَةِ المَوْجُودِ في تَعَلُّقِ الزكاةِ به، ولأنَّها لولم تُعَجَّلْ كان عليه شاتان، فكذلك إذا عُجِّلَتْ؛
стр. 3204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّ التَّعْجِيلَ إنَّما كان رِفْقًا بالمَساكِينِ، فلا يَصِيرُ سَبَبًا لنَقْصِ حُقُوقِهم، والتَّبرُّعُ يُخْرِجُ ما تَبَرَّعَ به عن حُكْمِ المَوْجُودِ في مالِه؛ وهذا في حُكْمِ المَوْجُودِ في الإِجْزاءِ عن الزكاةِ.
فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ قلْنا: لا يُجْزِئُه ما عَجَّلَه عن الزكاةِ. فإن كان دَفَعَها إلى الفُقَراء مُطْلَقًا، فليس له الرُّجُوعُ فيها، وإن كان دَفَعَها بشَرْطِ أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةَ فهل له الرُّجُوعُ؟ على وَجْهَيْن، يَأْتِى تَوْجيهُهما، إن شاء اللَّهُ تعالى.
فصل: وإن عَجَّلَ زكاةَ مالِه، ثم مات، فأراد الوارِثُ الاحْتِسابَ يها
стр. 3205
وَإنْ عَجَّلَهَا فَدَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ اسْتَغْنَى، أَجْزَأَتْ عَنْهُ.
ــ
عن زكاةِ حَوْلِه، لم يَجُزْ. وذَكَر القاضى وَجْهًا في جَوازِه بِناءً على ما لو عَجَّلَ زكاةَ عامَيْن. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَعْجِيل للزكاةِ قبلَ وُجُودِ سَبَبِها، أشْبَهَ ما لو عَجَّل زكاةَ نِصابٍ لغيرِه ثم اشْتَراه، وذلك لأن سَبَبَ الزكاةِ مِلْكُ النِّصابِ، ومِلْكُ الوارِثِ حادِثٌ، ص ولا يَبْنِى الوارِثُ على حَوْلِ المَوْرُوثِ، ولأنَّه لم يُخْرِجِ الزكاةَ، وإنَّما أخْرَجَها غيرُه عن نَفْسِه، وإخْراجُ الغيرِ عنه مِن غيرِ وِلايَةٍ ولا نِيابَةٍ لا يُجْزِئُ ولو نَوَى، فكيف إذا لم يَنْوِ؟ وقد قال أصْحابُنا: لو أخْرَجَ زَكاتَه وقال: إن كان مَوْرُوثِى قد مات فهذه زكاةُ مالِه، فبان أنَّه قد مات، لم يَقَعِ المَوْقِعَ. وهذا أبْلَغُ، ولا يُشبِهُ هذا تَعْجِيلَ الزكاةِ لعامَيْن؛ لأنَّه ثَمَّ عَجَّلَ بعدَ وُجُودِ السَّبَبَ، وأخْرَجَها بنَفْسِه بخِلافِ هذا. فإن قِيلَ: فإنَّه لو مات المَوْرُوثُ قبلَ الحَوْلِ، كان للوارِثِ ارْتِجاعُها، فإذا لم يَرْتَجِعْها احْتَسَبَ بها كالدَّيْنِ. قُلْنا: فلو أراد أن يَحْسِبَ الدَّيْنَ عن زَكاتِه لم يَصِحَّ، ولو كان له عندَ رجلٍ شاةٌ مِن غَصبٍ أو قَرْضٍ، فأراد أن يَحْسِبَها عن زَكاتِه لم تُجْزِئْه.
٩٨٧ - مسألة: (وإن عَجَّلها، فدَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، فمات أو ارْتَدَّ أو استَغْنَى، أجْزَأتْ عنه) إذا دَفَع الزكاةَ المُعَجَّلَةَ إلى مُسْتَحِقِّها، لم يَخْلُ مِن أرْبَعَةِ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن لا يَتَغَيَّرَ الحالُ، ففى هذا القِسْمِ يَقَعُ
стр. 3206
وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى غَنِىٍّ، فَافتَقَرَ عِنْدَ الْوُجُوبِ، لَمْ تُجْزِئْهُ،
ــ
المَدْفُوعُ مَوْقِعَه، ويُجْزِئُ عن المُزَكِّى، ولا يَلْزَمُه بَدَلُه، ولا له اسْتِرْجاعُه، كما لو دَفَعَها بعدَ وُجُوبِها. الثانى، أن يَتَغَيَّرَ حَالُ الآخِذِ، بأن يَمُوتَ قبلَ الحَوْلِ، أو يَسْتَغْنِىَ، أو يَرْتَدَّ. فهذا في حُكْمِ القِسْمِ الذى قبلَه، وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ ما كان شَرْطًا للزكاةِ إذا عدِم قبلَ الحَوْلِ لم يُجْزِئُ، كما لو تَلِف المالُ، أو مات رَبُّه. ولَنا، أنَّه أدَّى الزكاةَ إلى مُستَحِقِّها، فلم يَمْنَع الإِجْزَاءَ تَغَيُّرُ حالِه، كما لو اسْتَغْنَى بها، ولأنَّه حَقٌّ أدّاه إلى مُسْتَحِقِّه، فبَرِئَ منه، كالدَّيْنِ يُعجِّلُه قبلَ أجَلِه، وما ذَكَرُوه مُنْتَقِضٌ بما إذا اسْتَغْنَى بها، والحُكْمُ في الأصْلِ مَمْنُوعٌ، ثم الفَرْقُ بينَهما ظاهِرٌ، فإنَّ المالَ إذا تَلف تَبَيَّنَ عَدمُ الوُجُوبِ؛ فأشْبَهَ ما لو أدَّى إلى غَرِيمِه دَراهِمَ يَظُنُّها عليه، فتَبَيَّنَ أنَّها ليست عليه، وكما لو أدَّى الضّامِنُ الدَّيْنَ، فبان أنَّ المَضْمُونَ عنه قَضاه، وفى مَسْألَتِنا الحَقُّ واجِبٌ، وقد أخَذَه مُسْتَحِقُّه. القِسْمُ الثالِثُ، أن يَتَغَيَرّ حَالُ رَبِّ المَالِ، وسَيَأْتِى ذِكْرُ ذلك، إن شاء اللَّه تعالى. القِسْمُ الرّابعُ، أن يَتَغَيَّرَ حَالُهما، فهو كالقِسْمِ الثّالِثِ.
٩٨٨ - مسألة: (وإن دَفَعَها إلى غَنِىٍّ، فافْتَقَرَ عندَ الوُجُوبِ، لم تُجْزِئْه) لأنَّه لم يَدْفَعْها إلى مُسْتَحِقِّها، أشْبَهَ ما لو لم يَفْتَقِرْ.
стр. 3207
وَإنْ عَجَّلَها ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمِسكِينِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ الدَّافِعُ السَّاعِىَ، أوْ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ، رَجَعَ عَلَيْهِ.
ــ
٩٨٩ - مسألة: (وإن عَجَّلَها ثمْ هَلَك (١) المالُ، لم يَرْجِعْ على الآخِذِ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان الدّافِعُ السّاعِىَ، أو أعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلةٌ رَجَع عليه) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن عَجَّلَ زكاةَ مالِه، فدَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، ثم تَلِف المالُ أو بعضُه، فنَقَص النِّصابِ قبلَ الحَوْلِ، أو تَغَيَّرَ حالُ رَبِّ المالِ بمَوْتٍ أو رِدَّةٍ، أو باع النِّصابَ، فقال أبو بكرٍ: لا يَرْجِعُ بها على الفَقِيرِ، سَواءٌ أعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ أو لم يُعْلِمْه.
стр. 3208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القاضى: وهو المَذْهَبُ عندى؛ لأنَّها وصَلَتْ إلى الفَقِيرِ فلم يكنْ له ارْتِجاعُها، كما لو لم يُعْلِمْه، ولأنَّها زكاة دُفِعَتْ إلى مُسْتَحِقِّها، فلم يَجُزِ ارْتِجاعُها، كما لو تَغَيَرّ حَالُ الآخِذِ وَحْدَه. وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامِدٍ: إن كان الدّافِعُ لها السّاعِىَ، اسْتَرْجَعَها بكلِّ حالٍ، وإن كان رَبَّ المالِ، وأعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ، رَجَع بها، وإن أطْلَقَ لم يَرْجِعْ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مالٌ دَفَعَه عن ما يَسْتَحِقُّه القابِضُ [في الثانى] (١)، فإذا طَرَأ ما يَمْنَعُ الاسْتِحْقاقَ، وَجَب رَدُّه، كالأُجْرَةِ إذا انْهَدَمَتِ الدارُ قبلَ السُّكْنَى، أمّا إذا لم يُعْلِمْه فيَحْتَمِلُ أن يكونَ تَطَوُّعًا، ويَحْتَملُ أن يكونَ هِبَةً، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرُّجُوعِ. فعلى قولِ ابنِ حامِدٍ، إن كانتِ العَيْنُ لم تَتَغَيَّرْ أخَذَها، وإن زادَتْ زِيادَةً مُتَّصِلَةً أخَذَها (٢) بزِيادَتِها؛ لأنَّها تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، وإن كانت مُنْفَصِلَةً، أخَذَها دُونَ زِيادَتِها؛ لأنَّها حدَثَتْ
стр. 3209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في مِلْكِ الفَقِيرِ. وإن كانت ناقِصَةً، رَجَع على الفَقِيرِ بالنَّقْصِ؛ لأنَّ الفَقِيرَ قد مَلَكَها بالقَبْضِ، فكان نَقْصُها عليه، كالمَبِيعِ إذا نَقَص في يَدِ المُشْتَرِى، ثم عَلِم عَيْبَه. وإن كانت تالِفَةً أخَذَ قِيمَتَها يَوْمَ القَبْضِ؛ لأنَّ ما زاد بعدَ ذلك أو نَقَص فإنَّما هو في مِلْكِ الفَقِيرِ، فلم يَضْمَنْه، كالصَّداقِ يَتْلَفُ في يَدِ المَرْأةِ، فإن تَغَيَّرَ حالُهما، فهو كما لو تَغَيَّرَ حالُ رَبِّ المالِ سَواءٌ.
فصل: إذا قال رَبُّ المالِ: قد أعْلَمْتُه أنَّها زَكاةٌ مُعَجَّلَةٌ، فَلِىَ الرُّجُوعُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا تَسَلَّفَ الإِمامُ الزكاةَ، فهَلَكَتْ في يَدِه، فلا ضَمانَ عليه، وكانت مِن ضَمانِ الفُقَراءِ. ولا فَرْقَ بينَ أن يَسْألَه ذلك رَبُّ المال أو الفُقَراءُ أو لم يَسْألْه أحَدٌ؛ لأنَّ يَدَه كيَدِ الفُقَراءِ. وقال الشافعىُّ: إن تَسَلَّفَها مِن غيرِ سُؤالٍ ضَمِنَها؛ لأنَّ الفُقَراءَ رُشُدٌ، لا يُوَلَّى عليهم، فإذا قَبَض بغيرِ إذْنِهم ضَمِن، كالأبِ إذا قَبَض لابْنِه الكَبِيرِ. وإن كان بسُؤالِهم كان مِن ضَمانِهم؛ لأنَّه وَكِيلُهم، وإن كان بسُؤالِ أرْبابِ الأمْوالِ، لم يُجْزِئْهم الدَّفْعُ، وكان مِن ضَمانِهم؛ لأنَّه وَكِيلُهم. وإن كان بسُؤالِهما ففيه
стр. 3212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجهان؛ أصَحُّهما، أنَّه في ضَمانِ الفُقَراءِ. ولَنا، أنَّ للإِمامِ وِلايةً على الفُقَراءِ، بدَلِيلِ جَوازِ قَبْضِ الصَّدَقَةِ لهم بغيرِ إذْنِهم سَلَفًا وغيره، فإذا تَلِفَتْ في يَدِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ لم يَضْمَنْ، كوَلِىِّ اليَتِيمِ إذا قَبَض له. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالقَبْضِ بعدَ الوُجُوبِ، وفارَقَ الأبَ؛ فإنَّه لا يَجُوزُ له القَبْض لوَلَدِه الكَبِيرِ؛ لعَدَمِ وِلاِيته عليه، ولهذا يَضْمَنُ ما قَبَضَه له بعدَ وُجُوبِه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما يُقالُ: ثَوْبٌ ذو عَلَمٍ. ويجوزُ التَّعْبِيرُ عن الفَقِيرِ بالمِسْكِينِ بقَرِينَةٍ وبغيرِ قَرِينَةٍ، والشِّعْرُ أيضًا حُجَّةٌ لَنا، فإنَّه أخْبَرَ أنَّ الذى كانت حَلُوبَتُه وَفْقَ العِيالِ لم يُتْرَكْ له سَبْدٌ، فصارَ فَقِيرًا لا شئَ له. إذا تَقَرَّر ذلك، فالفَقِيرُ الذى لا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِه، ولا له مِن الأُجْرَةِ أو مِن المالِ الدّائِم ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِه، ولا له خَمْسُون دِرْهَمًا، ولا قِيمَتُها مِن الذَّهَبِ، مثلَ الزَّمْنَى والمَكافِيفِ وهم العُمْيانُ؛ لأنَّ هؤلاء في الغالِبِ لا يَقْدِرُون على اكْتِسابِ ما يقعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِهم، ورُبَّما لا يَقدِرُون على شئٍ أصْلًا، قال اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١). فمعنى قولِه: يقعُ مَوْقِعًا عِن كِفايَتِه. أنَّه يَحْصُلُ به مُعْظَمُ الكِفايَةِ أو نِصْفُها، مثلَ مَن يَكْفِيه عَشَرَةٌ،
стр. 3218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيَحْصُلُ له مِن مَسْكَنِه أو غيرِه خَمْسَةٌ فما زاد، والذى لا يجدُ إلَّا [ما لا يقعُ] (١) مَوْقِعًا مِن كِفايَتهِ، كالذى لا يُحصِّلُ إلَّا ثَلاثةً أو دُونَها، فهذا هو الفقيرُ، والأولُ هو المسكينُ. فأمّا الذى يَسْألُ، فيُحَصِّلُ الكِفايةَ أو مُعْظمَها مِن مَسْألَتِه، فهو مِن المَساكِينِ، لكنَّه يُعْطى جَمِيعَ كِفايتِه، ليَغْتَنِىَ عن السُّؤالِ. فإن قيل: فقد قال النبىُّ ﷺ : «لَيْسَ المِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِى تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الذى لا يَسْألُ النَّاسَ، وَلَا يُفْطنُ لَهُ فَيُتَصَدَّق عَلَيْهِ» (٢). قُلْنا: هذا تَجَوُّزٌ، وإنّما نَفَى
стр. 3219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسْكَنَةَ عنه مع وُجُودِها حَقِيقَةً. فيه، مُبالَغَةً في إثْباتِها في الذى لا يَسْألُ النَّاسَ، كما قال ﵇: «لَيْس الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَإنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ (١) نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» (٢). وأشْباهُ ذلك، كقَوْلِه: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟» قالوا: الذى لا يَعِيشُ له ولَدٌ قال: «لَا، وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِى لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِه شَيْئًا» (٣).
стр. 3220
وَمَنْ مَلَكَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ مَا لَا يَقُومُ بِكِفَايَتهِ، فَلَيْسَ بِغَنِىٍّ وَإنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ.
ــ
٩٩١ - مسألة: (ومَن مَلَك مِن غيرِ الأثْمانِ ما لا يَقُومُ بكِفايَتِه، فليسَ بغَنِىٍّ وإن كَثُرَتْ قِيمَتُه) وجُمْلَةُ ذلك، أنه إذا مَلَك ما لا يَتِمُّ به كِفايَتُه مِن غيرِ الأثْمانِ، فإن كان ممّا لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، كالعَقارِ ونَحْوِه، لم يكنْ ذلك مانِعًا مِن أَخْذِها (١). نَصَّ عليه أحمدُ، فقال، في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: إذا كان له عَقارٌ يَسْتَغِلُّه، أو ضَيْعَةٌ تُساوِى عَشَرَةَ آلافٍ أو أقَلَّ أو أكْثَرَ لا تُقِيمُه، يَأْخُذُ مِن الزَّكاةِ. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه فَقِيرٌ مُحْتاجٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيةِ. فأمّا إن مَلَك نِصابًا زَكَوِيًّا لا تَتِمُّ به الكِفايَةُ، كالمَواشِى والحُبُوبِ، فله الأخْذُ مِن الزَّكاةِ. قال المَيْمُونِىُّ: ذاكَرْتُ أحمدَ، فقلتُ: قد يكونُ للرجلِ الإِبِلُ والغَنَمُ تَجِبُ فيها الزكاةُ وهو فَقِيرٌ، ويكونُ له أرْبَعُون شاةً، ويكونُ له الضَّيْعَةُ لا تَكْفِيه، يُعْطَى مِن الصَّدَقَةِ؟ قال: نعم. وذَكَر قَوْلَ عُمَرَ: أعْطُوهم، وإن راحَتْ عليهم مِن الإِبِلِ كذا وكذا (٢). قلتُ: فلهذا قَدْرٌ مِن العَدَدِ أو الوَقْتِ؟ قال:
стр. 3221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم أسْمَعْه. وهذا قَوْلُ الشافعىِّ. وقال أصحابُ الرَّأْى: ليس له أن يَأْخُذَ منها؛ لأنَّه تَجبُ عليه الزكاةُ، فلم تَجِبْ له؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ ، لمُعاذٍ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ» (١). فجعلَ الأغْنِياءَ مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ. وإذا كان غَنِيًّا لم يكنْ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ، للخَبَرِ. ولَنا، أنَّه لا يَمْلِكُ ما يُغْنِيه، ولا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَكْفِيه، فجازَ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ، كما لو كان ما يَمْلِكُه لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، ولأنَّه فَقِيرٌ فجازَ له الأخْذُ؛ لأنَّ الفَقْرَ عِبارَةٌ عن الحاجَةِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢). [أى: مُحْتاجُونَ] (٣) وقال الشاعِرُ:
* وإنِّى إلَى مَعْرُوفِها لفَقِيرُ * (٤)
أى: مُحْتاجٌ. وهذا مُحْتاج، فيكونُ فَقِيرًا غيرَ غَنِىٍّ، ولأنَّه لو كان ما يَمْلِكُه لا زَكاةَ فيه لكانَ فَقِيرًا، ولا فَرْقَ في دَفْع الحاجَةِ بينَ المالَين، فأمّا الخَبَرُ فيَجُوزُ أن يكونَ الغِنَى المُوجِبُ للزكاةِ غيرَ الغِنَى المانِع منها؛ لِما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى، فيكونُ المانِعُ منها وُجُودَ الكِفالَةِ، والمُوجِبُ لها
стр. 3222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِلْكَ النِّصابِ، جَمْعًا بينَ الأدِلَّةِ.
فصل: فإن مَلَك مِن (١) غيرِ الأثْمانِ ما يَقُومُ بكِفايَتِه، كمَن له مَكْسَبٌ يَكْفِيه، أو أُجْرَةُ عَقَارٍ أو غيرِه، فليس له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ. وهذا قَوْلُ الشافعىِّ وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه: إن كان المالُ ممّا لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، جاز الدَّفْعُ إليه. إلَّا أنَّ أبا يُوسُفَ قال: إن دَفَع إليه الزَّكاةَ فهو قَبِيحٌ، وأرْجُو أن يُجْزِئَه، لأنَّه ليس بغَنِىٍّ؛ لِما ذَكَرْنا لهم في المَسْألَةِ قبلَها. ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ (٢)، ثنا يحيى بنُ سَعِيدٍ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّه بِنِ عَدِىِّ بنِ الخِيارِ، عن رَجُلَيْن مِن أَصحابِ النبىِّ، ﷺ ، أنَّهما أتَيا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فسَأَلاه الصَّدَقَةَ، فصَعَّدَ فيهما النَّظَرَ، فَرَآهما جَلْدَيْن، فقال: «إنْ شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ». قال أحمدُ: ما أجْوَدَه مِن حديثٍ. وقال: هو أحْسَنُها إسْنادًا. ولأنَّ له ما يُغْنِيه عن الزَّكاةِ، فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه، كمالِكِ النِّصابِ.
стр. 3223
وَإنْ كَانَ مِنَ الأَثْمَانِ، فَكَذَلِكَ فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالأُخْرَى، إِذَا مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ، فَهُوَ غَنِىٌّ.
ــ
٩٩٢ - مسألة: (وإن كان مِن الأثْمانِ، فكذلك في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. والأُخْرَى، إن مَلَك خَمْسِين دِرْهَمًا أو قِيمَتَها مِن الذَّهَبِ، فهو غَنِىٌّ) لا يجوزُ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إلى غَنِىٍّ لأجْلِ الفَقْرِ والمَسْكَنَةِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَلَها للفُقَراءِ والمَساكِينِ، والغَنِىُّ غيرُ داخِلٍ فيهم، ولقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ».
стр. 3224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واخْتَلفَ العلماءُ في الغِنَى المانِع مِن أخْذِ الزَّكاةِ، فنُقِلَ عن أحمدَ فيها رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّه مِلْكُ خَمْسِين دِرْهَمًا، أو قِيمتِها مِن الذَّهَبِ، أو وُجُودُ ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ على الدَّوامِ؛ مِن مَكْسَبٍ، أو تِجارَةٍ، أو أجْرٍ، أو عَقارٍ، أو نحوِ ذلك. ولو مَلَك مِن الحُبُوبِ، أو العُرُوضِ، أو العَقارِ، أو السّائِمَةِ، ما لا تَحْصُلُ به الكِفايَةُ، لم يكنْ غَنِيًّا. اخْتارَه الخِرَقِىُّ. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ. ورُوِىَ عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، أنَّهما قالا: لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لمَن له خَمْسُون دِرْهَمًا، أو قِيمَتُها، أو عِدْلُها مِن الذَّهَب (١). لِما روَى عبدُ اللَّهِ ابنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ مَسْأَلَتهُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُمُوشًا، أوْ خُدُوشًا، أوْ كُدُوحًا (٢) فِى وَجْهِهِ».
стр. 3225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقيل: يا رسولَ اللَّهِ، ما الغِنَى؟ قال: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ». رَواه أبو داودَ، والتِّرمذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ. فإن قيل: هذا يَرْوِيه حَكِيمُ بنُ جُبَيْرٍ، وكان شُعْبَةُ لا يَرْوِى عنه، وليس بقَوِىٍّ في الحديثِ. قُلْنا: قد قال عبدُ اللَّهِ بنُ عُثمانَ لسُفْيانَ: حِفْظِى أنَّ شُعْبَةَ لا يَرْوِى عن حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ. فقال سُفْيانُ: حَدَّثَناه زُبَيْدٌ عن محمدِ ابنِ عبدِ الرحمنِ. وقد قال علىٌّ وعبدُ اللَّه مِثْلَ ذلك. الثَّانيةُ، أنَّ الغِنَى ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ، فإذا لم يكنْ مُحْتاجًا حَرُمَتْ عليه الصَّدَقَةُ، وإن لم يَمْلِكْ شيئًا، وإن كان مُحْتاجًا حَلَّتْ له المَسْألَةُ، وإن مَلَك نِصابًا.