← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم أسْمَعْه. وهذا قَوْلُ الشافعىِّ. وقال أصحابُ الرَّأْى: ليس له أن يَأْخُذَ منها؛ لأنَّه تَجبُ عليه الزكاةُ، فلم تَجِبْ له؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ ، لمُعاذٍ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ» (١). فجعلَ الأغْنِياءَ مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ. وإذا كان غَنِيًّا لم يكنْ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ، للخَبَرِ. ولَنا، أنَّه لا يَمْلِكُ ما يُغْنِيه، ولا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَكْفِيه، فجازَ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ، كما لو كان ما يَمْلِكُه لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، ولأنَّه فَقِيرٌ فجازَ له الأخْذُ؛ لأنَّ الفَقْرَ عِبارَةٌ عن الحاجَةِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢). [أى: مُحْتاجُونَ] (٣) وقال الشاعِرُ: * وإنِّى إلَى مَعْرُوفِها لفَقِيرُ * (٤) أى: مُحْتاجٌ. وهذا مُحْتاج، فيكونُ فَقِيرًا غيرَ غَنِىٍّ، ولأنَّه لو كان ما يَمْلِكُه لا زَكاةَ فيه لكانَ فَقِيرًا، ولا فَرْقَ في دَفْع الحاجَةِ بينَ المالَين، فأمّا الخَبَرُ فيَجُوزُ أن يكونَ الغِنَى المُوجِبُ للزكاةِ غيرَ الغِنَى المانِع منها؛ لِما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى، فيكونُ المانِعُ منها وُجُودَ الكِفالَةِ، والمُوجِبُ لها

стр. 3222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِلْكَ النِّصابِ، جَمْعًا بينَ الأدِلَّةِ. فصل: فإن مَلَك مِن (١) غيرِ الأثْمانِ ما يَقُومُ بكِفايَتِه، كمَن له مَكْسَبٌ يَكْفِيه، أو أُجْرَةُ عَقَارٍ أو غيرِه، فليس له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ. وهذا قَوْلُ الشافعىِّ وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه: إن كان المالُ ممّا لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، جاز الدَّفْعُ إليه. إلَّا أنَّ أبا يُوسُفَ قال: إن دَفَع إليه الزَّكاةَ فهو قَبِيحٌ، وأرْجُو أن يُجْزِئَه، لأنَّه ليس بغَنِىٍّ؛ لِما ذَكَرْنا لهم في المَسْألَةِ قبلَها. ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ (٢)، ثنا يحيى بنُ سَعِيدٍ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّه بِنِ عَدِىِّ بنِ الخِيارِ، عن رَجُلَيْن مِن أَصحابِ النبىِّ، ﷺ ، أنَّهما أتَيا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فسَأَلاه الصَّدَقَةَ، فصَعَّدَ فيهما النَّظَرَ، فَرَآهما جَلْدَيْن، فقال: «إنْ شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ». قال أحمدُ: ما أجْوَدَه مِن حديثٍ. وقال: هو أحْسَنُها إسْنادًا. ولأنَّ له ما يُغْنِيه عن الزَّكاةِ، فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه، كمالِكِ النِّصابِ.

стр. 3223

وَإنْ كَانَ مِنَ الأَثْمَانِ، فَكَذَلِكَ فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالأُخْرَى، إِذَا مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ، فَهُوَ غَنِىٌّ. ــ ٩٩٢ - مسألة: (وإن كان مِن الأثْمانِ، فكذلك في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. والأُخْرَى، إن مَلَك خَمْسِين دِرْهَمًا أو قِيمَتَها مِن الذَّهَبِ، فهو غَنِىٌّ) لا يجوزُ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إلى غَنِىٍّ لأجْلِ الفَقْرِ والمَسْكَنَةِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَلَها للفُقَراءِ والمَساكِينِ، والغَنِىُّ غيرُ داخِلٍ فيهم، ولقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ».

стр. 3224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واخْتَلفَ العلماءُ في الغِنَى المانِع مِن أخْذِ الزَّكاةِ، فنُقِلَ عن أحمدَ فيها رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّه مِلْكُ خَمْسِين دِرْهَمًا، أو قِيمتِها مِن الذَّهَبِ، أو وُجُودُ ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ على الدَّوامِ؛ مِن مَكْسَبٍ، أو تِجارَةٍ، أو أجْرٍ، أو عَقارٍ، أو نحوِ ذلك. ولو مَلَك مِن الحُبُوبِ، أو العُرُوضِ، أو العَقارِ، أو السّائِمَةِ، ما لا تَحْصُلُ به الكِفايَةُ، لم يكنْ غَنِيًّا. اخْتارَه الخِرَقِىُّ. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ. ورُوِىَ عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، أنَّهما قالا: لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لمَن له خَمْسُون دِرْهَمًا، أو قِيمَتُها، أو عِدْلُها مِن الذَّهَب (١). لِما روَى عبدُ اللَّهِ ابنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ مَسْأَلَتهُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُمُوشًا، أوْ خُدُوشًا، أوْ كُدُوحًا (٢) فِى وَجْهِهِ».

стр. 3225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقيل: يا رسولَ اللَّهِ، ما الغِنَى؟ قال: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ». رَواه أبو داودَ، والتِّرمذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ. فإن قيل: هذا يَرْوِيه حَكِيمُ بنُ جُبَيْرٍ، وكان شُعْبَةُ لا يَرْوِى عنه، وليس بقَوِىٍّ في الحديثِ. قُلْنا: قد قال عبدُ اللَّهِ بنُ عُثمانَ لسُفْيانَ: حِفْظِى أنَّ شُعْبَةَ لا يَرْوِى عن حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ. فقال سُفْيانُ: حَدَّثَناه زُبَيْدٌ عن محمدِ ابنِ عبدِ الرحمنِ. وقد قال علىٌّ وعبدُ اللَّه مِثْلَ ذلك. الثَّانيةُ، أنَّ الغِنَى ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ، فإذا لم يكنْ مُحْتاجًا حَرُمَتْ عليه الصَّدَقَةُ، وإن لم يَمْلِكْ شيئًا، وإن كان مُحْتاجًا حَلَّتْ له المَسْألَةُ، وإن مَلَك نِصابًا.

стр. 3226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأثْمانُ وغيرُها في هذا سَواءٌ. وهذا اخْتِيارُ أبى الخَطّاب، وابنِ شِهابٍ العُكْبَرِىِّ، وقَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال لقَبِيصَةَ بنِ المُخارِقِ: «لَا تَحِلُّ المَسْألَةُ إلَّا لِأحَدِ ثَلَاثَةٍ؛ رَجُل أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِه: قَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ». رَواه مسلمٌ (١). فمَدَّ إباحَةَ المَسْألَةُ إلى وُجُودِ إصَابَةِ القِوامِ أو السِّدادِ، ولأنَّ الحاجَةَ هى الفَقْرُ، والغِنَى ضِدُّها، فمَن كان مُحْتاجًا فهو فَقِير، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ، ومَن اسْتَغْنَى دَخَل في عمُومِ النُّصُوصِ والمُحَرِّمَةِ، والحديثُ الأوَّلُ فيه ضَعْفٌ، ثم يَجُوزُ أن تَحْرُمَ المَسْألَةُ ولا يَحْرُمَ أخْذُ الصَّدَقَةِ إذا جَاءَتْه مِن غيرِ مَسْألَةٍ، فإنَّ المَذْكُورَ فيه تَحْرِيمُ المَسْألَةُ، فنقْتَصِرُ عليه. وقال

стр. 3227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحسنُ، وأبو عُبَيْدٍ: الغِنَى مِلْكُ أُوقِيَّةٍ، وهى أرْبَعُون دِرْهَمًا؛ لِما روَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: قالْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأْلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ». وكانتِ الأُوقِيَّةُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أرْبَعِين دِرْهَمًا. رَواه أبو داودَ (١). وقال أصحابُ الرَّأْى: الغِنَى المانِعُ مِن أخْذِ الزَّكاةِ هو المُوجِبُ لها، وهو مِلْكُ نِصابٍ تَجِبُ فيه الزكاةُ، مِن الأثْمانِ، أو العُرُوضِ المُعَدَّةِ للتِّجارَةِ، أو السّائِمَةِ، أو غيرِها؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ لمُعاذٍ: «أَعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» (٢). فجَعَلَ الأغْنِياءَ مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ، فدَلَّ ذلك على أنَّ مَن تَجِبُ عليه غَنِىٌّ، ومَن لا تَجِبُ عليه ليس بغَنِىٍّ، فيكونُ فَقِيرًا، فتُدْفَعُ الزكاةُ إليه؛ لقَوْلِه: «فتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ». ولأنَّ المُوجِبَ للزكاةِ غِنًى، والأصْلُ عدَمُ الاشْتِراكِ، ولأنَّ مَن لا نِصَابَ له لا تَجِبُ عليه الزكاةُ، فلا يُمْنَعُ منها، كمَن له دُونَ الخَمْسِين. ووَجْهُ الرِّواية الأُولَى، أنَّه يجوزُ أن

стр. 3228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكونَ الغِنَى المانِعُ مِن أخْذِ الزَّكاةِ غيرَ المُوجِبِ لها، بدَلِيلِ حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ، وهو أخَصُّ مِن حَدِيثِهم، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ولأنَّ فيما ذَكرْنا جَمْعًا بينَ الحَدِيثَيْن، وهو أوْلَى مِن التَّعارُضِ، ولأنَّ حديثَ مُعاذٍ إنَّما يَدُلُّ على أنَّ مَن تَجِبُ عليه الزكاةُ غَنِىٌّ، أمّا أنَّه يَدُلُّ على أنَّ مَن لا تَجِبُ؛ عليه الزكاةُ فَقِيرٌ، فلا. وعلى هذا فلا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الغِنَى وُجودُ الفَقْرِ، فلا يَدُلُّ على جَوازِ الدَّفْعِ إلى غيرِ الغَنِىِّ إذا لم يَثْبُتْ فَقْرُه. وقَوْلُهم: الأصْلُ عَدَمْ الاشْتِراكِ. قُلْنا: قد قام دَلِيلُه بما ذَكَرْنا، فيَجِبُ الأَخْذُ به. واللَّهُ أعلمُ. فصل: فمَن قال: إنَّ الغِنَى هو الكِفايَةُ. سَوَّى بينَ الأثْمانِ وغيرِها، وجَوَّزَ الأخْذَ لكلِّ مَن لا كِفايَةَ له، وإن مَلَكَ نُصُبًا (١) مِن جَمِيع الأمْوالِ. ومَن قال بالرِّوايَةِ الأُخْرَى، فَرَّقَ بينَ الأثْمانِ وغيرِها، لحديثِ بنِ مَسْعُودٍ، ولأنَّ الأثمانَ آلةُ الإِنْفاقِ المُعَدَّةُ له دُونَ غيرِها، فجَوَّزَ الأخْذَ لكلِّ مَن لا يَمْلِكُ خَمْسِين دِرْهَمًا، ولا قِيمَتَها مِن الذَّهَبِ، ولا ما تَحْصُلُ بها الكِفايَةُ، مِن مَكْسَب، أو أُجْرَةِ عَقارٍ، أو غيرِه. فإن كان له مالٌ مُعَدٌّ للإِنْفاقِ مِن غيرِ الأثْمانِ، فيَنْبَغِى أن تُعْتَبَرَ الكِفايَةُ في حَوْلٍ كامِلٍ؛ لأنَّ الحَوْلَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الزَّكاةِ بتَكَرُّرِه، فيَأْخُذُ منها كلَّ حَوْلٍ ما يَكْفِيه إلى مِثْلِه. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 3229

الثَّالِثُ، الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَهُمُ الْجُبَاةُ لَهَا، وَالْحَافِظُونَ لَهَا. ــ ٩٩٣ - مسألة: (الثالثُ، العامِلُون عليها؛ وهم الجُباةُ لها، والحافِظُون لها) العامِلُون على الزَّكاةِ هم الصِّنْفُ الثالثُ مِن أصْنافِ الزَّكاةِ، وهم السُّعاةُ الذين يَبْعَثُهم الإِمامُ لأخْذِها مِن أرْبابِها، وجَمْعِها وحِفْظِها ونَقْلِها، ومَن يُعِينُهُمْ ممَّن يَسُوقُها ويَرْعاها ويَحْمِلُها، وكذلك الحاسِبُ والكاتِبُ والكَيّالُ والوَزّانُ والعَدّادُ، وكلُّ مَن يُحْتاجُ إليه فيها يُعْطىَ أُجْرَتَه منها؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَتِها، فهو كعَلْفِها، وقد كان النبىُّ ﷺ يَبْعَثُ على الصَّدَقَةِ سُعاةً، ويُعْطِيهم عِمالَتَهم، فَبَعَثَ عُمَرَ وأبا مُوسَى وابنَ اللُّتْبِيَّةِ (١) وغيرَهم، وليس فيه اخْتِلافٌ مع ما وَرَد مِن نَصِّ الكِتابِ ما يُغْنِى عن التَّطْوِيلِ.

стр. 3230

وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُسْلِمًا أَمِينًا، مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى، وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ وَلَا فَقْرُهُ. وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ، وَلَا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى. ــ ٩٩٤ - مسألة: (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُسْلِمًا أَمِينًا، مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى، وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ وَلَا فَقْرُهُ. وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ، وَلَا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مِن شَرْطِ العامِلِ أن يكونَ بالِغًا عاقِلًا أمِينًا؛ لأنَّ ذلك ضَرْبٌ مِن الوِلايَةِ، والوِلايةُ يُشْتَرطُ ذلك فيها، ولأنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ لا قَبْضَ لهما، والخائِنَ يَذْهَبُ بمالِ الزَّكاةِ ويُضَيِّعُه. ويُشْتَرَطُ إسْلامُه. اخْتارَه شيخُنا (١)، وأبو الخَطّابِ. وذَكَر الخِرَقِىُّ، والقاضى، أنَّه لا يُشْتَرَطُ إسْلامُه؛ لأَنَّه إجارَةٌ على عَمَلٍ، فجازَ أن يَتَولَّاه الكافِرُ، كجِبايَةِ الخَراجِ. وقِيلَ عن أحمدَ في ذلك رِوايتان.

стр. 3231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولَنا، أنَّه يُشْتَرَطُ له الأمانَةُ، فاشْتُرِطَ له الإِسْلامُ، كالشَّهادَة، ولأنَّه وِلايَةٌ على المُسْلِمِين، فاشْتُرِطَ لها الإسْلامُ، كسائِرِ الوِلاياتِ، ولأنَّ الكافِرَ ليس بأمِينٍ، ولهذا قال عُمَرُ: لا تَأْمَنُوهم وقد خَوَّنَهم اللَّهُ. وأَنْكَرَ على أبى مُوسى تَوْلِيَةَ الكِتابَةِ نَصْرَانِيًّا (١). فالزكاةُ التى هى رُكْنُ الإِسْلامِ أوْلَى. ويُشْتَرَطُ كَوْنُه مِن غيرِ ذَوِى القُرْبَى، إلَّا أن تُدْفَعَ إليه أُجْرَتُه مِن غيرِ الزَّكاةِ. وقال أصحابُنا: لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّها إجْرَةٌ على عَمَلٍ تَجُوزُ للغَنِىِّ، فجازَتْ لذَوِى القُرْبَى، كأُجْرَةِ النَّقَّالِ. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ. ولَنا، أنَّ الفَضْلَ بنَ عباسٍ والمُطَّلِبَ بنَ رَبِيعَةَ بنِ الحارِثِ سَألا النبىَّ ﷺ أن يَبْعَثَهما على الصَّدَقَةِ، فأبَى أن يَبْعَثَهما، وقال: «إنَّمَا هَذِهِ الصَّدَقَةُ أوْسَاخُ النَّاسِ، وَإنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لآلِ مُحَمَّدٍ» (٢). وهذا ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ أخْذِهم لها عِمالةً، فلا تَجوزُ مُخالَفَتُه. ويُفارِقُ النَّقَّالَ والحَمَّالَ،

стр. 3232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنَّه يَأْخُذُ أُجْرَةً لحَمْلِه لا لعِمالَتِه. ولا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُه؛ لأنَّ العَبْدَ يَحْصُلُ منه المَقْصُودُ، فأشْبَهَ الحُرَّ. ولا كَوْنُه فَقِيهًا إذا كُتِبَ له ما يَأْخُذُه، وحُدَّ له، كما كَتَب النبىُّ ﷺ لعُمّالِه فَرائِضَ الصَّدَقَةِ، وكذلك كَتَب أبو بكرٍ لعُمالِه، أو بَعَث معه مَن يُعَرِّفُه ذلك. ولا يُشْتَرَطُ كَوْنُه فَقِيرًا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل العامِلَ صِنْفًا غيرَ الفُقراءِ والساكِينِ، فلا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَعْناهما فيه كما لا يُشْتَرَطُ مَعْناه قيهما، وقد رُوِى عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، إلَّا لِخَمْسَةٍ؛ لغَازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أوْ لِغَارِمٍ، أوْ لِرَجُلٍ ابْتَاعَهَا بِمَالِه، أوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جارٌ (١) مِسْكِينٌ فتُصُدِّقَ عَلَى المِسْكِينِ، فَأهْدَى المِسْكِينُ إلَى الغَنِىِّ». رَواه أبو داودَ (٢). وذَكَر أصحابُ الشافعىِّ أنَّه تُشْتَرَطُ الحُرِّيَّةُ؛ لأنَّه وِلايةٌ، فنافاها الرِّقُّ، كالقَضاءِ، ويُشْتَرَطُ الفِقْهُ؛ ليَعْلَمَ قَدْرَ الواجبِ وصِفَتَه. ولَنا، ما ذَكَرْنا، ولا نُسَلِّمُ مُنافاةَ الرِّقِّ للوِلاياتِ الدِّيِنيَّةِ، فإنَّه يَجُوزُ أَنْ يكونَ إمامًا في الصَّلاةِ، ومُفْتِيًا، وراوِيًا للحديثِ،

стр. 3233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وشاهِدًا، وهذه مِن الوِلاياتِ الدِّينيَّةِ. وأمّا الفِقْهُ فإنَّما يَحْتاجُ إليه في مَعْرِفَةِ ما يَأْخُذُه ويَتْرُكُه، ويَحْصُلُ ذلك بالكتابةِ له كما فَعَل النبىُّ ﷺ وصاحِبُه، رَضِىَ اللَّهُ عنه. فصل: ذَكَر أبو بكرٍ في «التَّنْبِيهِ» في قَدْرِ ما يُعْطىَ العامِلُ رِوايَتْين؛ إحداهما، يُعْطَى الثُّمْنَ ممّا يَجْبيه. والثانيةُ، يُعْطَى بقَدْرِ عملِه. فعلى هذه الرِّوايَةِ يُخَيَّرُ الإِمامُ بينَ أن يَسْتَأْجَرَ العامِلَ إجارَةً صَحِيحَةً، بأَجْرٍ معلومٍ، إمّا على عملٍ معلومٍ، أو مُدَّةٍ معلومةٍ، من وبينَ أن يَجْعَلَ له جُعْلًا معلومًا على عَمَلِه، فإذا فَعَلَه اسْتَحَقَّ الجُعْلَ، وإن شاء بَعَثَه مِن غيرِ تَسْمِيَةٍ: ثم أعْطاه؛ فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: بَعَثَنِى النبىُّ ﷺ على الصَّدَقَةِ،

стр. 3234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلمّا رَجَعْتُ عَمَّلَنِى (١)، فقلتُ: أعْطِه مَن هو أحْوَجُ إليه مِنِّى. وذكَر الحديثَ (٢). فصل: ويُعْطِى منها أُجْرَةَ الحاسِبِ والكاتِبِ والحاشِرِ والخازِنِ والحافِظِ والرّاعِى ونحوِهم؛ لأنَّهم مِن العامِلِين، ويَدْفَعُ إليهم مِن حِصَّةِ العامِلِين، فأمّا الكَيَّالُ والوَزَّانُ ليَقْبِضَ العامِلُ الزَّكاةَ فعلى رَبِّ المالِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ دَفْعِ الزَّكاةِ.

стр. 3235

وَإنْ تَلِفَتِ الزَّكَاةُ في يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، اُعْطِىَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. ــ ٩٩٥ - مسألة: (فإنْ تَلِفَتِ الصَّدَقَةُ في يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أُعْطِىَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) إذا تَلِفَتِ الزكاةُ في يَدِ السّاعِى مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أمِينٌ، ويُعْطَى أُجْرَتَه مِن بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه لمصالِحِ المسلمين، وهذا مِن مَصالِحِهم. وإن لم تَتْلَفْ أُعْطِىَ أجْرَ عَمَلِه منها، وكان أكْثَرَ مِن ثُمْنِها؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَتِها، فجرَى مَجْرَى عَلْفِها ومُداواتِها.

стр. 3236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن رَأَى الإِمامُ أعْطاه أجْرَه مِن بيتِ المَالِ. أو يَجْعَلُ له رِزْقًا في بيتِ المالِ وَلَا يُعْطِيه منها شيئًا، فَعَل. وإن تَوَلَّى الإِمامُ أو الوالِى مِن قِبَلِه أخْذَ الصَّدَقَةِ وقَسْمَها، لم يَسْتَحِقَّ منها شيئًا؛ لأنَّه يَأْخُذ رِزْقَه مِن بيتِ المالِ. فصل: ويجوزُ للإمامِ أن يُوَلِّىَ السَّاعِىَ جِبايَتَها وتَفْرِيقَها، وأن يُوَلِّيَه أحَدَهما؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ وَلَّى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فقَدِمَ بصَدَقَتِه على النبىِّ ﷺ فقال: هذا لَكُم، وهذا أُهْدِىَ لِى (١). وقال لقَبِيصَةَ: «أقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» (٢). وأمَرَ مُعاذًا أن يَأْخُذَ الصدقةَ مِن أغْنِيائِهم فيَرُدَّها في فُقَرائِهم (٣). ويُروَى أنَّ زِيادًا وَلَّى عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ

стр. 3237

الرَّابِعُ، الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُم؛ وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ في عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشى شَرُّهُ، أَوْ يُرْجى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ، أَو إِسْلَامُ نَظِيرِهِ، أو جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا، أَوِ الدَّفْعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. وَعَنْهُ، ــ الصَّدَقَةَ، فلمّا جاءَ قِيلَ له: أين المالُ؟ قال: أوَ للمالِ بَعَثْتَنِى! أخَذْناها كما كنَّا نَأْخُذُها على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ووَضَعْناها حيثُ كُنّا نَضَعُها على عهدِ رسولَ اللَّهِ ﷺ . رَواه أبو داودَ (١). وعن أبى جُحَيْفَةَ، قال: أتانا مُصَدِّقُ النبىِّ ﷺ ، فأخَذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِنا، فوَضَعَها في فُقَرائِنا، وكنتُ غُلامًا يَتيمًا فأعْطانِى منها قَلُوصًا (٢). أخْرَجَه التِّرمِذِىُّ (٣). ٩٩٦ - مسألة: (الرَّابِعُ، الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُم؛ وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ في عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشى شَرُّهُ، أَوْ يُرْجى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ، أَو إِسْلَامُ نَظِيرِهِ، أو جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا، أَوِ الدَّفْعُ عَنِ

стр. 3238

أَنَّ حُكْمَهُمُ انْقَطَعَ. ــ المسلمين. وعنه، أنَّ حُكْمَهم انْقَطعَ) المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم قِسْمان؛ كُفّارٌ ومُسْلِمون، وهم جميعًا السّادَةُ المُطاعُون في عشائِرِهم كما ذَكَر. فالكُفّارُ ضَرْبان، أَحَدُهما، مَن يُرْجَى إسْلامُه، فيُعْطى لتَقوَى نِيَّتُه في الإِسْلامِ، وتَمِيلَ نَفْسُه إليه، فيُسْلِمَ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ يومَ فَتْحِ مَكَّةَ أعْطى صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ الأمانَ، واسْتَصْبَرَهُ صَفْوانُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ليَنْظُرَ في أمْرِه، وخَرَج معه إلى حُنَيْنٍ، فلمّا أعْطَىَ النبىُّ ﷺ العَطايا قال صفوانُ: مالِى؟ فأوْمأ النبىُّ ﷺ إلى وادٍ فيه إبِل مُحَمَّلَةٌ، فقال: «هَذَا لَكَ». فقال صَفْوانُ: هذا عَطاءُ مَن لا يَخْشَى الفَقْرَ (١). والضَّرْبُ الثَّانِى، مَن يُخْشَى شَرُّه، فيرجَى بعَطِيَّتِه كَفُّ شَرِّه، وكَفُّ شَرِّ غيرِه معه. فرَوَى ابنُ عباسٍ، أنَّ قَوْمًا كانوا يَأْتُونَ النبىَّ ﷺ فإن أعْطاهم مَدَحُوا الإسْلامَ، وقالوا: هذا دِينٌ حَسَنٌ. وإن مَنَعَهم ذمُّوا وعابُوا (٢). وقال أبو حنيفةَ:

стр. 3239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انْقطَعَ سَهْمُ هؤلاء. وهو أحدُ أقْوالِ الشافعىِّ؛ لِما رُوِى أنَّ مُشركًا جاء يَلْتَمِسُ مِن عُمَرَ مالًا فلم يُعْطِه، وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١). ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن عُثْمانَ ولا علىٍّ أنَّهم أعْطَوْهم شيئًا مِن ذلك، ولأنَّ اللَّهَ تعالى أظْهَرَ الإِسْلامَ وقَمَع المُشْرِكِين، فلا حاجَةَ بنا إلى التَّأْلِيفِ عليه. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢). وهذه الآيةُ في سورةِ بَراءة، وهى مِن آخِرِ ما نَزَل مِن القرآنِ، وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ ﷺ أعْطى المُؤَلَّفَةَ مِن المُشْرِكِين والمسلمين (٣). وأعْطى أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عَدِىَّ بنَ حاتمٍ، حينَ قَدِم عليه مِن الصَّدَقَةِ بثلاِثمائةِ جَمَلٍ، ثَلاثين بَعِيرًا (٤). ومُخالَفَةُ كتابِ اللَّهِ تعالى، وسُنَّةِ رسولِه،

стр. 3240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واطِّراحُهما بلا حُجَّةٍ لا يجوزُ، ولا يَثْبُتُ النَّسْخُ بتَرْكِ عُمَرَ وعثمانَ وعلىٍّ إعْطاءَهم، ولَعَلَّهم لم يَحْتاجُوا إليه (١) فتَرَكُوا ذلك لعَدَمِ الحاجَةِ إلى إعْطائِهم، لا لسُقُوطِ سَهْمِهم، ومثلُ هذا لا يَثْبُتُ به النَّسْخُ. واللَّهُ أعلمُ. وأمّا المسلمون فأرْبَعَةُ أضْرُبٍ؛ قومٌ بِن ساداتِ المسلمين لهم نُظرَاءُ مِن الكُفّارِ، أو مِن المسلمين الذين لهم نِيَّةٌ حَسَنَةٌ في الإِسْلامِ، فإذا أُعْطُوا رُجِىَ إسْلامُ نُظرَائِهم وحُسْنُ نِيّاتِهم، فيجوزُ إعْطاوهم؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أعْطَى عَدِىَّ بنَ حاتم، والزِّبْرِقانَ بنَ بَدْرٍ، مع حُسْنِ نِيَّاتِهما وإسْلَامِهما. الضَّرْبُ الثَّانِى، ساداتٌ مُطاعُون في قَوْمِهم، يُرْجَى بعَطِيَّتِهم قُوَّةُ إيمانِهم، ومُناصَحَتُهم في الجِهادِ، فيُعْطَوْن؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ أعْطَى عُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، والأقْرَعَ بنَ حابِسٍ، وعَلْقَمَةَ بنَ عُلَاثةَ، والطُّلقَاءَ مِن أهْلِ مَكةَ، وقال للأنْصارِ: «يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ عَلى مَا تَأْسَوْنَ؟ عَلَى لُعَاعَةٍ مِن الدُّنْيَا تَأْلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لَا إيمَانَ لَهُمْ، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إيِمَانِكُمْ» (٢). وروَى البخارىُّ (٣)، عن عَمْرو بنِ تَغْلِبَ، أنَّ النبىَّ

стр. 3241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ أعْطَى ناسًا وتَرَكَ ناسًا، فبَلَغَه عن الذين تَرَك أنَّهم عَتَبُوا، فصَعِدَ المِنْبَرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: «إنِّى أُعْطِى نَاسًا لِمَا في قُلُوبِهِم مِن الجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ نَاسًا إلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى والْخَيْرِ؛ مِنْهُمْ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ (١)». وعن أَنَسٍ، قال: حينَ أفاءَ اللَّهُ على رسولِه أمْوالَ هَوازِنَ، طَفِقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِى رِجالًا مِن قُرَيْشًا مائةً مِن الإبِلِ، فقال ناسٌ مِن الأنْصارِ: يَغْفِرُ اللَّهُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، يُعْطِى قُرَيْشًا ويَمْنَعُنَا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهم. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنِّى أُعْطِى رِجَالًا حَدِيْثِى عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُم». مُتَّفَقٌ عليه (٢). الضَّرْبُ الثالثُ، قومٌ في طَرَفِ بلادِ الإِسْلامِ، إذا أُعْطُوا دَفَعُوا عمَّن يَلِيهم مِن المسلمين. الضَّرْبُ الرابعُ، قَوْمٌ إذا اعْطُوا جَبَوُا الزَّكاةَ مِمّن لا يُعْطِيها إلَّا أن يَخافَ. فكلُّ هؤلاء يجوزُ الدَّفْعُ إليهم مِن الزَّكاةِ، لأنَّهم مِن المُؤلَّفَةِ قُلُوبُهم، فيَدْخُلُون في عُمُومِ

стр. 3242

الْخَامِسُ، الرِّقَابُ؛ وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ. ــ الآيَةِ. وحَكَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: المُؤلَّفَةُ قد انْقَطَعَ حُكْمُهم اليومَ. والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا. ولعلَّ معنَى قولِ أحمدَ: انْقَطَعَ حُكْمُهم. أنَّه لا يُحْتاجُ إليهم في الغالِبِ، أو أنَّ الأئِمَّةَ لا يُعْطونَهم اليومَ شيئًا، لعَدَمِ الحاجَةِ إليهم، فإنَّهم إنَّما يجوزُ إعْطِاؤُهم عندَ الحاجَةِ إليهم. واللَّهُ سبحانَه أعلمُ. ٩٩٧ - مسألة: (الخامسُ، الرِّقابُ؛ وهُم المُكاتَبُون) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ في ثُبُوتِ سَهْمِ الرِّقابِ، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ في أنَّ المُكاتَبِين مِن الرِّقابِ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ إليهم. وهو قولُ الجُمْهورِ.

стр. 3243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال مالكٌ: إنَّما يُصْرَفُ سَهْمُ الرِّقابِ في إعْتاقِ العَبِيدِ، ولا يُعْجِبُنِى أن يُعانَ منها مُكاتَبٌ. وقَوْلُه مُخالِفٌ لظاهِرِ الآيَةِ؛ لأنَّ المُكاتَبَ مِن الرِّقابِ؛ لأنَّه عَبْدٌ، واللَّفْظُ عامٌّ، فيَدْخُلُ في عُمُومِه. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه إنَّما يُدْفَعُ إليه إذا لم يَكُنْ معه ما يَقْضِى به كِتابَتَه، ولا يُدْفَعُ إلى مَن معه وَفاءُ كِتابَتِه شَئٌ؛ لأنَّه مُسْتَغْنٍ عنه في وَفاءِ الكِتابَةِ. فإن كان معه بعضُ الكِتابَةِ تَمَّمَ له وَفاءَ كِتابَتِه؛ لأنَّ حاجَتَه لا تَنْدَفِعُ إلَّا بذلك، وإن لم يكنْ معه شئٌ،

стр. 3244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أُعْطِىَ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إليه لوَفاءِ الكِتابَةِ؛ لما ذَكَرْنا. ولا يُعْطىَ بحُكْمِ الفَقْرِ شيئًا؛ لأنَّه عبدٌ. ويَجُوزُ إعْطاؤُه قبلَ حُلُولِ كِتابَتِه؛ لئَلَّا يَحِلَّ النَّجْمُ ولا شئَ معه، فَتُفْسَخَ الكِتابَةُ. ولا يُدْفَعُ إلى مُكاتَب كافِرٍ شئٌ؛ لأنَّه ليسَ مِن مَصارِفِ الزَّكاةِ.

стр. 3245

وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِىَ بِهَا أَسِيرًا مُسلِمًا. نَصَّ عَلَيْهِ. ــ ٩٩٨ - مسألة: (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِىَ بِهَا أَسِيرًا مُسلِمًا. نَصَّ عَلَيْهِ) لأنَّه فَكُّ رَقَبَةٍ مِن الأسْرِ، فهو كفكِّ رَقَبَةِ العَبْدِ مِن الرِّقِّ، ولأنَّ فيه إعْزازًا للدِّينِ، فهو كصَرْفِه إلى المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، ولأنَّه يَدْفَعُه إلى الأسِيرِ في فَكِّ رَقَبَتِه، أشْبَهَ ما يَدْفَعُه إلى الغارِمِ لفَكِّ رَقَبَتِه مِن الدَّيْنِ.

стр. 3246

وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِىَ مِنْهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ ٩٩٩ - مسألة: (وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِىَ مِنْهَا رَقَبَة يُعْتِقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في جَوازِ الإِعْتاقِ مِن الزَّكاةِ، فرُوِىَ عنه جَوازُ ذلك. وهو قَوْلُ ابنِ عباسٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، والعَنْبَرِىِّ، وأبى ثوْرٍ؛ لعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَفِى الرِّقَابِ﴾. وهو مُتَناوِلٌ للقِنِّ، بل هوِ ظاهِرٌ فيه، فإنَّ الرَّقَبَةَ تَنْصَرِفُ إليه إذا أُطْلِقَتْ، كقولِهِ تعالى: ﴿فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ﴾ (١). وتَقْدِيرُ الآيَةِ: وفى إعْتاقِ الرِّقابِ. ولأنَّه إعْتاقٌ للرَّقَبَةِ، فجاز صَرْفُ الزَّكاةِ فيه، كدَفْعِه في الكِتابَةِ. والثانيةُ، لا يجوزُ. وهو قولُ إبراهيمَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِى صَرْفَ الزَّكاةِ إلى الرِّقابِ، كقولِه: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يُرِيدُ الدَّفْعَ إلى المُجاهِدِين، كذلك ههُنا.

стр. 3247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعَبْدُ القِنُّ لا يُدْفَعُ إليه شئٌ. قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبى طالبٍ: قد كُنْتُ أقولُ: يُعْتِقُ مِن زَكاتِه، ولكنْ أهابُه اليومَ؛ لأنَّه يَجُرُّ الوَلاءَ. وفى مَوْضِعٍ آخَرَ، قِيلَ له: فما يُعْجِبُكَ مِن ذلك؟ قال: يُعِينُ في ثَمَنِها، فهو أسْلَمُ. وقد رُوِى نحوُ هذا عن النَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ فإنَّهما قالا: لا يُعْتِقُ مِن الزَّكاةِ رَقَبَةً كامِلَةً، لكنْ يُعْطِى منها في رَقَبَةٍ، وِيُعِينُ مُكاتَبًا. وبه قال أبو حنيفةَ وصاحِباه؛ لأنَّه إذا أعْتَقَ مِن زَكاتِه، انْتَفَعَ بوَلاءِ (١) مَن أعْتَقَه، فكأنَّه صَرَف الزَّكاةَ إلى نَفْسِه. وأخَذَ ابنُ عَقِيلٍ مِن هذه الرِّوايَةِ، أنَّ أحمدَ رَجَع عن القَوْلِ بالإِعْتاقِ مِن الزَّكاةِ. وهذا، واللَّهُ أعلمُ، إنَّما كان على سبيلِ الوَرَعِ مِن أحمدَ، فلا يَقْتَضِى رُجُوعًا؛ لأنَّ العِلَّةَ التى عَلَّل بها جَرُّ الوَلَاءِ، ومَذْهَبُه في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه أنَّ ما رَجَع مِن الوَلاءِ رُدَّ في مِثْلِه، فلا يَنْتَفِعُ إذًا بإعْتاقِه مِن الزَّكاةِ. فصل: ولا يجوزُ أن يَشْتَرِىَ مِن زَكاتِه مَن يَعْتِقُ عليه بالرَّحِمِ، فإنْ

стр. 3248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَعَل عَتَق عليه، ولم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ. وقال الحسنُ: لا بأْسَ أن يُعْتِقَ أباه مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّ دَفْعَ الزَّكاةِ لم يكنْ إلى أبِيه، وإنَّما دَفَع الثَّمَنَ إلى البائِعِ. ولَنا، أنَّ نَفْعَ زَكاتِه عادَ إلى أبِيه، فلم يَجُزْ، كما لو دَفَعَها إليه، ولأنَّ عِتْقَه حَصَل بنَفْسِ الشِّراءِ مُجازاةً وصِلَةً للرَّحِمِ، فلم يَجُزْ أن يُحْسَبَ له مِن الزَّكاةِ، كنَفَقَةِ أقارِبِه. ولو أعْتَقَ عبْدَه المَمْلُوكَ له عن زَكاتِه، لم يُجْزئْه؛ لأنَّ أداءَ الزَّكاةِ عن كلِّ مالٍ مِن جِنْسِه، والعَبْدُ ليس مِن جِنسِ ما تَجِبُ الزكاةُ فيه. وكذلك لو أعْتَقَ عَبْدًا مِن عَبِيدِ التِّجارَةِ، لم يَجُزْ، لأنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ في قِيمَتِهم، لا في عَيْنِهم.

стр. 3249

السَّادِسُ، الْغَارِمُونَ؛ وَهُمُ الْمَدِينُونَ، وَهُمْ ضَرْبَانِ؛ ضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ نَفْسِهِ في مُبَاحٍ. ــ ١٠٠٠ - مسألة: (السَّادِسُ، الْغَارِمُونَ؛ وَهُمُ الْمَدِينُونَ، وَهُمْ ضَرْبَانِ؛ ضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَضَرْبٌ غَرِمَ لإِصْلَاحِ نَفْسِهِ في مُبَاحٍ) الغارِمُون ضَرْبان؛ أحَدُهما، الغارِمُون لإِصْلاحِ نُفُوسِهم، ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِهم وثُبُوتِ سَهْمِهم في الزَّكاةِ، وأنَّ المَدِينين العاجِزِين عن وَفاءِ دُيُونِهم منهم. لكن مَن غَرِم في مَعْصِيَةٍ، مثلَ أن يَشْتَرِىَ خَمْرًا، أو يَصْرِفَه في زِنًا، أو قِمارٍ، أو غِناءٍ، أو نحوِه، لم يُدْفَعْ إليه قبلَ التَّوْبَةِ شئٌ؛ لأنَّه إعانَةٌ له على المَعْصِيةِ، وسَنَذْكُرُ ذلك. ولا يُدْفَعُ إلى غارِمٍ كافِرٍ؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الزَّكاةِ، ولذلك لم يُدْفَعْ إلى فقيرِهم ومُكاتَبهم. وإن كان مِن ذَوِى القُرْبَى، فقال أصحابُنا: يَجُوزُ الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّ عِلَّةَ مَنْعِه مِن الأخْذِ منها لفَقْرِه صِيانَتُه عن أكْلِها، لكَوْنِها أوْساخَ النّاسِ، وإذا أخَذَها للغُرْمِ صَرَفَها إلى الغُرَماءِ، فلا يَنَالُه دَناءَةُ وَسَخِها.

стр. 3250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال شيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ في مَنْعِهم مِن أخْذِها، وكَوْنِها لا تَحِلُّ لهم، ولأنَّ دَناءةَ أخْذِها تَحْصُلُ، سواءٌ أكَلَها أو لم يَأكُلْها. ولا يُدْفَعُ إلى غارِمٍ له ما يَقْضِى به دَيْنَه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه لحاجَتِه، وهو مُسْتَغْنٍ عنها. الضَّرْبُ الثَّانِى، مَن غَرِم لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وهو أن يَقَعَ بينَ الحَيَّيْن أو أهلِ القَرْيَتَيْن عَداوةٌ وضَغائِنُ، يَتْلَفُ بها نَفْسٌ أو مالٌ، ويَتَوَقَّفُ صُلْحُهم [على مَن] (٢) يَتَحَمَّلُ ذلك، فيَسْعَى إنْسَانٌ في الإِصْلاحِ بينَهم، ويَتَحَمَّلُ الدِّماءَ التى بينَهم والأمْوالَ، فيُسَمَّى ذلك حَمالَةً، بفَتحِ الحاءِ، وكانتِ العربُ تَعرِفُ ذلك، فكان الرجلُ منهم يَتَحَمَّلُ الحَمالةَ، ثم يَخْرُجُ في القَبائِلِ فيَسْألُ حتَّى يُؤَدِّيَها، فوَرَدَ الشرعُ بإباحَةِ المَسْألَةُ فيها، وجَعَل لهم نَصِيبًا مِن الصَّدَقَةِ، فرَوَى مسلمٌ (٣) بإسْنادِه، عن قَبِيصَةَ بنِ المُخارِقِ، قال: تَحَمَّلْتُ حَمالةً، فأتَيْتُ النبىَّ ﷺ سَألْتُه فيها، فقال:

стр. 3251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «أقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا». ثم قال: «يَا قَبِيصَةُ، إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالةً، فَيَسْألُ فِيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أصَابَتْهُ جَاثِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِن عَيْشٍ، أوْ قِوَامًا مِن عَيْشٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْبٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا يَوْمَ القِيَامَةِ». ورَوَى أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، إلَّا لخَمْسَةٍ» (١). ذَكَر منهم الغارِمَ.

стр. 3252

السَّابِعُ، في سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ. ــ ١٠٠١ - مسألة: (السَّابِعُ، في سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَهُمُ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ) هذا الصِّنْفُ السَّابِعُ مِن أصْنافِ الزَّكاةِ. ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِهم، وبَقاءِ حُكْمِهم. ولا خِلافَ في أَنَّهم الغزاةُ؛ لأنَّ سَبيلَ اللَّهِ عندَ الإِطْلاقِ هو الغَزْوُ، وقالْ اللَّهُ تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِي سَبيلِ اللَّهِ﴾ (١). وقال: ﴿وَتُجَهِدُونَ فِىٍ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ في سَبِيْلِهِ صَفًّا﴾ (٣). ذَكَر ذلك في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِه العزِيزِ. فصل: وإنَّما يَسْتَحِقُّ هذا السَّهْمَ الغُزاةُ الَّذين لا دِيوانَ لهم، وإنَّما يَتَطَوَّعُون بالغَزْوِ إذا نَشِطُوا. قال أحمدُ: يُعْطى ثَمَنَ الفَرَسِ، ولا يَتَوَلَّى مُخْرِجُ الزَّكاةِ شِراءَ الفَرَسِ بنَفْسِه؛ لأنَّ الواجِبَ إيتاءُ الزَّكاةِ، فإنِ اشْتَراها بنَفْسِه فما أعْطىَ إلَّا فَرَسًا. وكذلكَ الحُكْمُ في شِراءِ السِّلاحِ والمُؤْنَةِ.

стр. 3253

وَلَا يُعْطَى مِنْهَا في الْحَجِّ. وَعَنْهُ، يُعْطى الْفَقِيرُ مَا يَحُجُّ بِهِ الْفَرْضَ أوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ. ــ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: إن دَفَع ثَمَنَ الفَرَسِ وثَمَنَ السَّيْفِ فهو أعْجَبُ إلىَّ، وإنِ اشْتَراه هو رَجَوْتُ أن يُجْزِئَه. وقال أيضًا: يَشْتَرِى الرجلُ مِن زَكاتِه الفَرَسَ، ويَحْمِلُ عليه، وَالقَناةَ، ويُجَهِّزُ الرجلَ، وذلك لأنَّه قد صَرَف الزَّكاةَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فجاز، كما لو دَفَعَها إلى الغازِى فاشْتَرَى بها. وقال: ولا يَشْتَرِى مِن الزَّكاةِ فَرَسًا يصيرُ حَبِيسًا في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا دارًا، ولا ضَيْعَةً يُصَيِّرُها للرِّباطِ، ولا يَقِفُها على المُجاهِدِين؛ لأنَّه لم يُؤْتِ الزَّكاةَ لأحَدٍ، وهو مَأمُورٌ بإيتائِها. قال: ولا يَغْزُو الرجلُ على الفَرَسِ الَّذى أخْرَجَه مِن زَكاةِ مالِه؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَجْعَلَ نَفسَه مَصْرِفًا لزَكاتِه، كما لا يَحُوزُ أن يَقْضِىَ بها دَيْنَه، ومتى أخَذَ الفَرَسَ التى اشْتُرِيَتْ بمالِه، صارَ هو مَصْرِفًا لزَكاتِه. ١٠٠٢ - مسألة: (ولا يعْطىَ منها في الحَجِّ. وعنه، يُعْطىَ الفَقِيرُ قَدْرَ ما يَحُجُّ به الفَرْضَ أو يَسْتَعِينُ به فيه) اختَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ،

стр. 3254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﵀، في ذلك، فرُوِىَ عنه، أنَّه لا يُصْرَفُ منها في الحَجِّ. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وهى أصَحُّ؛ لأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عندَا الإطْلاقِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى الجهادِ، فإنَّ كلَّ ما في القُرآنِ مِن ذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إنَّما ارِيدَ به الجِهادُ، إلَّا اليَسِيرَ، فيَجِبُ أن يُحْمَلَ ما في آيَةِ الزَّكاةِ على ذلك؛ لأنَّ الظَّاهِرَ إرادَتُه به، ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تُصْرَف إلى أحَدِ رَجُلَيْن، مُحْتاجٍ إليها، كالفُقَراءِ والمَساكِينِ وفى الرِّقابِ والغارِمين لقَضاءِ دُيُونِهم، أو مَن يحْتاجُ إليه المسلمون، كالعاملِ والغازِى والمُؤَلَّفِ والغارِمِ لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ. والحَجُّ للفَقِيرِ لا نَفْعَ للمسلمين فيه، ولا حاجَةَ بهم إليه، ولا حاجَةَ به أيضًا؛ لأنَّ الفَقِيرَ لا فرْضَ عليه فيُسْقِطَه، ولا مَصْلَحَةَ له في إيجابِه عليه، وتَكْلِيفُه مَشَقَّةٌ قد رَفَّهَهْ اللَّهُ منها، وخَفَّفَ عنه إيجابَها. وتَوْفِيرُ هذا القدرِ على ذَوِى الحاجةِ مِن سائِرِ الأصْنافِ، أو دَفْعُه في ئصالِحِ المسلمين أوْلَى. ورُوِىَ عنه،

стр. 3255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّ الفَقِيرَ يُعْطىَ قَدْرَ ما يَحُجُّ به الفَرْضَ، أو يَسْتَعِينُ به فيه. يُرْوَى إعْطاءُ الزَّكاةِ في الحَجِّ عن ابنِ عباسٍ. وعن ابنِ عُمَرَ: الحَجُّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ. وهو قَوْلُ إسحاقَ؛ لِما رُوِى أنَّ رجلًّا جَعَل ناقَةً له في سَبيلِ اللَّهِ، فأرادَتِ امْرَأتُه الحَجَّ، فقال لها النبىُّ ﷺ : «ارْكَبِيهَا، فَإنَّ الحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ». رَواه أبو داودَ (١) بمعناه. والأوَّلُ أوْلَى. وأمّا الخَبَرُ فلا يَمْتَنِعُ أن يكونَ الحجُّ مِن سبيلِ اللَّهِ، والمُرادُ بالآيَةِ غيرَه؛ لِما ذَكَرْنا. فصل: فإذا قُلْنا: يُدْفَعُ في الحَجِّ منها. فلا يُعْطىَ إلَّا بشَرْطَين؛ أحَدُهما، أن يكونَ ممَّن ليس له ما يَحُجُّ به سِواها؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، وَلَا لِذِى مِرَّةٍ سَوِىٍّ» (٢). وقال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ (٣) إلَّا لِخَمْسَةٍ» (٤). ولم يَذْكُرِ الحاجَّ فيهم. ولأنَّه يَأْخُذُ

стр. 3256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لحاجَتِه، لا لحاجَةِ المسلمين إليه، فاعْتُبِرَتْ فيه الحاجَةُ، كمَن يأخُذُ لفَقْرِه. الثَّانِى، أن يأخُذَ لحَجَّةِ الفَرْضِ. وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى إسْقاطِ فَرْضِه وإبْراءِ ذِمَّتِه، أمّا التَّطَوُّعُ فله عنه مَنْدُوحَةٌ. وقال القاضى: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُه في الفَرْضِ والنَّفْلِ معًا. وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ الكلَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ، ولأنَّ الفَقِيرَ لا فَرْضٍ عليه، فالفَرْضُ منه كالتَّطَوُّعِ، فعلى هذا يَجُوزُ أن يُدْفَعَ ما يَحُجُّ به حَجَّة كاملةً، وما يُعِينُه في حَجِّه، ولا يجوزُ أن يَحُجَّ مِن زكاةِ نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَغْزُوَ بها.

стр. 3257

الثَّامِنُ، ابْنُ السَّبِيلِ، وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، دُونَ الْمُنْشِئ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُعْطَى قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى بَلَدِهِ. ــ ١٠٠٣ - مسألة: (الثَّامِنُ، ابنُ السَّبِيلِ؛ وهو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ به دُونَ المُنْشِئ للسَّفَرِ مِن بَلَدِهِ) ابنُ السَّبيلِ هو الصِّنْفُ الثَّامِنُ من أصْنافِ الزَّكاةِ. ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِه وبَقاءِ سَهْمِه. وهو المُسافِرُ الَّذى ليس له ما يَرْجِعُ به إلى بَلَدِه، وإن كان ذا (١) يَسارٍ في بَلَدِه فيُعْطىَ ما يَرْجِع به إلى بَلَدِه. وهذا قولُ قَتادَةَ. ونحوُه قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى وقال الشافعىُّ: هو المُجْتازُ، ومَن يُرِيدُ إنْشاءَ السَّفَرِ إلى

стр. 3258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَلَدٍ أيضًا، فيُدْفَعُ إليهما ما يحْتاجانِ إليه لذَهابهِما وعَوْدِهِما؛ لأنَّه يُرِيدُ السَّفرَ لغيرِ مَعْصِيَةٍ، فأشْبَهَ المُجْتازَ. ولَنا، أنَّ السَّبِيلَ هو الطَّريقُ، وابنُ السَّبِيلِ المُلازِمُ للطرَّيقِ الكائِنُ فيها. كما يقالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ. للذى يُكْثِرُ الخُرُوجَ فيه. والقاطِنُ في بَلَدِهِ ليس في طَرِيقٍ، ولا يَثْبُتُ له حُكْمُ الكائِنِ فيها، ولهذا لا يَثْبُتُ له حُكْمُ السَّفَرِ بِعَزْمِه عليه دُونَ فِعْلِه، ولأنَّه لا يُفْهَمُ مِن ابنِ السَّبِيلِ إلَّا الغَرِيبُ دُونَ مَن هو في وَطَنِه ومَنْزِلِه، وإنِ انْتَهَتْ به الحاجَةُ مُنْتَهاهَا، فوَجَبَ أن يُحْمَلَ المَذْكورُ في الآيَةِ على الغَرِيبِ دُونَ غيرِه، وإنَّما يُعْطى وله اليَسَارُ في بَلَدِه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن الوُصُولِ إليه، والانتفاعِ به، فهو كالمَعْدُومِ في حَقِّه. فإن كان ابنُ السَّبِيلِ فِقيرًا في بَلَدِهِ، أُعْطِىَ لفَقْرِه وكَوْنِه ابنَ سَبِيلٍ، لوُجُودِ الأمْرَيْن فيه، ويُعْطى لكَوْنِه ابنَ سَبِيلٍ قَدْرَ ما يُوَصِّلُه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه للحاجَةِ إلى ذلك، فيُقَدَّرُ بقَدْرِها.

стр. 3259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن كان ابنُ السَّبِيلِ مُجْتازًا يُرِيدُ بَلَدًا غيرَ بَلَدِه، فقال أصحابُنا: يُدْفَعُ إليه ما يَكْفِيه في مُضِيِّه إلى مَقصِدهِ ورُجُوعِه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ فيه إعانَةً على السَّفَرِ المُبَاحِ، وبلوغِ الغَرَضِ الصَّحِيحِ، لكنْ يُشْتَرَطُ كَونُ السَّفَرِ مُباحًا؛ إمَّا قُرْبَةَ كالحَجِّ والجِهادِ وزِيارَةِ الوالِدَيْن، أو مُباحًا كطَلَبِ المَعَاشِ وطَلَبِ التِّجاراتِ. وأمَّا المَعْصِيَةُ فلا يَجُوز الدَّفْعُ إليه فيها؛ لأنَّه إعانَةٌ عليها، فهو كفِعْلِها، فإنَّ وَسِيلَةَ الشئِ جارِيَةٌ مَجْراه. وإن كان السَّفَرُ للنُّزْهَةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه غيرُ

стр. 3260

وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ، ــ مَعْصِيَةٍ. والثانِى، لا يُدْفَعُ إليه، لأنَّه لا حاجَةَ به إلى هذا السَّفَرِ. قال شيخُنا (١): ويَقْوَى عندِى أنَّه لا يَجُوزُ الدَّفْعُ للسَّفَرِ إلى غيرِ بَلَدِه؛ لأنَّه لو جاز ذلك لجاز لِلمُنْشِئ للسَّفَرِ مِن بَلَدِه، ولأنَّ هذا السَّفَرَ إن كان لجِهادٍ، فهو يَأْخُذُ له مِن سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ، وإن كان حَجًّا فغيرُه أهَمُّ منه، وإذا لم يَجُزِ الدَّفْعُ في هذَيْن، ففى غيرِهِما أوْلَى، وإنَّما وَرَد الشَّرْعُ بالدَّفْعِ إليه لِلرُّجُوعِ (٢) إلىْ بَلَدِه؛ لأنَّه أَمْرٌ تَدْعُو حاجَتُه إليه ولا غَناءَ به عنه، فلا يَجُوزُ إلْحاقُ غيرِه به؛ لأنَّه ليس في مَعْناه، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، فلا يَثْبُتُ جَوازُه لعَدَمِ النَّصِّ والقِياسِ. ١٠٠٤ - مسألة: (ويُعْطى الفَقِيرُ والمِسْكِينُ ما يُغْنِيهما) لأنَّ
следующие страницы →