← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لحاجَتِه، لا لحاجَةِ المسلمين إليه، فاعْتُبِرَتْ فيه الحاجَةُ، كمَن يأخُذُ لفَقْرِه. الثَّانِى، أن يأخُذَ لحَجَّةِ الفَرْضِ. وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى إسْقاطِ فَرْضِه وإبْراءِ ذِمَّتِه، أمّا التَّطَوُّعُ فله عنه مَنْدُوحَةٌ. وقال القاضى: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُه في الفَرْضِ والنَّفْلِ معًا. وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ الكلَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ، ولأنَّ الفَقِيرَ لا فَرْضٍ عليه، فالفَرْضُ منه كالتَّطَوُّعِ، فعلى هذا يَجُوزُ أن يُدْفَعَ ما يَحُجُّ به حَجَّة كاملةً، وما يُعِينُه في حَجِّه، ولا يجوزُ أن يَحُجَّ مِن زكاةِ نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَغْزُوَ بها.

стр. 3257

الثَّامِنُ، ابْنُ السَّبِيلِ، وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، دُونَ الْمُنْشِئ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُعْطَى قَدْرَ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى بَلَدِهِ. ــ ١٠٠٣ - مسألة: (الثَّامِنُ، ابنُ السَّبِيلِ؛ وهو المُسافِرُ المُنْقَطِعُ به دُونَ المُنْشِئ للسَّفَرِ مِن بَلَدِهِ) ابنُ السَّبيلِ هو الصِّنْفُ الثَّامِنُ من أصْنافِ الزَّكاةِ. ولا خِلافَ في اسْتِحْقاقِه وبَقاءِ سَهْمِه. وهو المُسافِرُ الَّذى ليس له ما يَرْجِعُ به إلى بَلَدِه، وإن كان ذا (١) يَسارٍ في بَلَدِه فيُعْطىَ ما يَرْجِع به إلى بَلَدِه. وهذا قولُ قَتادَةَ. ونحوُه قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى وقال الشافعىُّ: هو المُجْتازُ، ومَن يُرِيدُ إنْشاءَ السَّفَرِ إلى

стр. 3258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَلَدٍ أيضًا، فيُدْفَعُ إليهما ما يحْتاجانِ إليه لذَهابهِما وعَوْدِهِما؛ لأنَّه يُرِيدُ السَّفرَ لغيرِ مَعْصِيَةٍ، فأشْبَهَ المُجْتازَ. ولَنا، أنَّ السَّبِيلَ هو الطَّريقُ، وابنُ السَّبِيلِ المُلازِمُ للطرَّيقِ الكائِنُ فيها. كما يقالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ. للذى يُكْثِرُ الخُرُوجَ فيه. والقاطِنُ في بَلَدِهِ ليس في طَرِيقٍ، ولا يَثْبُتُ له حُكْمُ الكائِنِ فيها، ولهذا لا يَثْبُتُ له حُكْمُ السَّفَرِ بِعَزْمِه عليه دُونَ فِعْلِه، ولأنَّه لا يُفْهَمُ مِن ابنِ السَّبِيلِ إلَّا الغَرِيبُ دُونَ مَن هو في وَطَنِه ومَنْزِلِه، وإنِ انْتَهَتْ به الحاجَةُ مُنْتَهاهَا، فوَجَبَ أن يُحْمَلَ المَذْكورُ في الآيَةِ على الغَرِيبِ دُونَ غيرِه، وإنَّما يُعْطى وله اليَسَارُ في بَلَدِه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن الوُصُولِ إليه، والانتفاعِ به، فهو كالمَعْدُومِ في حَقِّه. فإن كان ابنُ السَّبِيلِ فِقيرًا في بَلَدِهِ، أُعْطِىَ لفَقْرِه وكَوْنِه ابنَ سَبِيلٍ، لوُجُودِ الأمْرَيْن فيه، ويُعْطى لكَوْنِه ابنَ سَبِيلٍ قَدْرَ ما يُوَصِّلُه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه للحاجَةِ إلى ذلك، فيُقَدَّرُ بقَدْرِها.

стр. 3259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن كان ابنُ السَّبِيلِ مُجْتازًا يُرِيدُ بَلَدًا غيرَ بَلَدِه، فقال أصحابُنا: يُدْفَعُ إليه ما يَكْفِيه في مُضِيِّه إلى مَقصِدهِ ورُجُوعِه إلى بَلَدِه؛ لأنَّ فيه إعانَةً على السَّفَرِ المُبَاحِ، وبلوغِ الغَرَضِ الصَّحِيحِ، لكنْ يُشْتَرَطُ كَونُ السَّفَرِ مُباحًا؛ إمَّا قُرْبَةَ كالحَجِّ والجِهادِ وزِيارَةِ الوالِدَيْن، أو مُباحًا كطَلَبِ المَعَاشِ وطَلَبِ التِّجاراتِ. وأمَّا المَعْصِيَةُ فلا يَجُوز الدَّفْعُ إليه فيها؛ لأنَّه إعانَةٌ عليها، فهو كفِعْلِها، فإنَّ وَسِيلَةَ الشئِ جارِيَةٌ مَجْراه. وإن كان السَّفَرُ للنُّزْهَةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه غيرُ

стр. 3260

وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يُغْنِيهِ، ــ مَعْصِيَةٍ. والثانِى، لا يُدْفَعُ إليه، لأنَّه لا حاجَةَ به إلى هذا السَّفَرِ. قال شيخُنا (١): ويَقْوَى عندِى أنَّه لا يَجُوزُ الدَّفْعُ للسَّفَرِ إلى غيرِ بَلَدِه؛ لأنَّه لو جاز ذلك لجاز لِلمُنْشِئ للسَّفَرِ مِن بَلَدِه، ولأنَّ هذا السَّفَرَ إن كان لجِهادٍ، فهو يَأْخُذُ له مِن سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ، وإن كان حَجًّا فغيرُه أهَمُّ منه، وإذا لم يَجُزِ الدَّفْعُ في هذَيْن، ففى غيرِهِما أوْلَى، وإنَّما وَرَد الشَّرْعُ بالدَّفْعِ إليه لِلرُّجُوعِ (٢) إلىْ بَلَدِه؛ لأنَّه أَمْرٌ تَدْعُو حاجَتُه إليه ولا غَناءَ به عنه، فلا يَجُوزُ إلْحاقُ غيرِه به؛ لأنَّه ليس في مَعْناه، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، فلا يَثْبُتُ جَوازُه لعَدَمِ النَّصِّ والقِياسِ. ١٠٠٤ - مسألة: (ويُعْطى الفَقِيرُ والمِسْكِينُ ما يُغْنِيهما) لأنَّ

стр. 3261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدَّفْعَ إليهما للحاجَةِ، فيُقَدَّرُ بقَدْرِها، فإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى هو ما تَحْصُلُ به الكِفايةُ. أُعْطِىَ ما يَكْفِيه في حَوْلٍ كامِلٍ؛ لأنَّ الحَوْلَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الزَّكاةِ بتَكَرُّرِه، فيَنْبَغِى أن يَأْخُذَ ما يكْفِيه إلى مِثْلِه، ويُعْتَبرُ وُجُودُ الكِفايَةِ له ولعائِلَتِه ومَن يَمُونُه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم مَقْصُودٌ دَفْعُ حاجَتِه، فيُعْتَبرُ له ما يُعْتَبرُ للمُنْفَردِ. وإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى يَحْصُلُ بخَمْسِين دِرْهمًا. جاز أن يَأْخُذَ له ولعائِلَتِه حتَّى يَصِيرَ لكلِّ واحِدٍ منهم خَمْسُون. قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبى داودَ، في مَن يُعْطَى الزَّكاةَ، وله عِيالٌ: يُعْطى كُلُّ واحدٍ مِن عِيالِه خَمْسِين خَمْسِين.

стр. 3262

وَالْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِهِ، وَالْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ مَا يَقضِيَان بِهِ دَيْنَهُمَا، وَالْمُؤلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ، ــ ١٠٠٥ - مسألة: (و) يُعْطى (العامِلُ قَدْرَ أُجْرَتِه) لأنَّ الَّذى يأْخُذُه بسَبَب العملِ، فوَجَبَ أن يكونَ بمِقْدَارِهِ، (والمُؤْلَّفُ ما يَحْصُلُ به التَّألِيفُ) لأنَّه المَقْصُودُ. ١٠٠٦ - مسألة: (والغارِمُ والمُكاتَبُ ما يَقْضِيانِ به دَيْنَهما) لأنَّ حاجَتَهُما إنَّما تَنْدَفِعُ بذلك.

стр. 3263

وَالغَازِى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ وَإنْ كَثُرَ، ــ ١٠٠٧ - مسألة: (والغَازِى ما يَحْتاجُ إليه لغَزْوِهِ وإن كَثُر) فيُدْفَعُ إليه قَدْرُ كِفايَتِه، وشِراءِ السِّلاحِ والفَرَسِ إن كان فارِسًا، وحُمُولَتِه ودِرْعِه، وسائِرُ ما يَحْتاجُ إليه لغَزْوِه، وإن كَثُر؛ لأنَّ الغَزْوَ إنَّما يَحْصُلُ بذلك. ومتى ادَّعَى أنَّه يُرِيدُ الغَزْوَ قُبِلَ قوْلُه؛ لأنَّه لا يمكنُ إقامَةُ البَيِّنَةِ على نِيَّتِه، ويُدْفَعُ إليه دَفْعًا مُراعًى، فإن لم يَغْزُ رَدَّه؛ لأنَّه أخَذَه لذلك، وإن مَضَى إلى الغَزْوِ فرَجَعَ مِن الطرَّيقِ، أو لم يُتِمَّ الغَزْوَ الَّذى دُفِع إليه مِن أجْلِه، رَدَّ ما فَضَل معه؛ لأنَّ الَّذى أخَذَ لأجْلِه لم يَفْعَلْه كلَّه.

стр. 3264

وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَمَنْ كَانَ ذَا عِيَالٍ أخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ. وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَعَ الْغِنَى، إلَّا أَرْبَعَةٌ؛ الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَارِمُ لإصْلَاحِ ذَاتِ البَيْنِ، وَالْغَازِى. ــ ١٠٠٨ - مسألة: (ولا يُزادُ أحَدٌ منهم على ذلك) لِما ذَكَرْنا. ولأنَّ الدَّفْعَ لحاجَةٍ، فوَجَبَ أن يُتَقَيَّدَ بها، وإنِ اجْتَمَعَ في واحِدٍ سَبَبانِ، كالغارِمِ الفَقِيرِ، دُفِعَ إليه لهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما سَبَبٌ للأخْذِ، فوَجَبَ أن يَثْبُتَ حُكْمُه حيثُ وُجِد. ١٠٠٩ - مسألة: (ومَن كان ذا عِيالٍ أخَذَ ما يَكْفِيهم) لِما ذَكَرْنا. ١٠١٠ - مسألة: (ولا يُعْطَى أحَدٌ منهم مع الغِنَى، إلَّا أرْبَعَةٌ؛ العامِلُ، والمُؤلَّفُ، والغارِمُ لإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والغازِى) يجوزُ للعامِلِ الأخْذُ مع الغِنَى، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه يَأْخُذُ أجْرَ عَمَلِه، ولأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل العامِلَ صِنْفًا غيرَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ، فلا يُشْتَرَطُ وُجُودُ

стр. 3265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَعْناهُما فيه كما لا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَعْناه فيهما. وكذلك المُؤَلَّفُ يُعْطَى مع الغِنَى؛ لظاهِرِ الآيَةِ، ولأنَّه يَأْخُذُ لحاجَتِنا إليه، أشْبَهَ العامِلَ، ولأنَّهم إنَّما أُعْطُوا لأجْلِ التَّأْلِيفِ، وذلك يُوجَدُ مع الغِنَى. والغارِمُ لإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والغازِى يَجُوزُ الدَّفْعُ إليهم مع الغِنَى. وبهذا قال مالِكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ وصاحِباه: لا يُدْفَعُ إلَّا إلى الفَقِيرِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه ﵇: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغنِيائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» (١). فظاهِرُ هذا أَنَّها كلَّها تُرَدُّ في الفُقَراءِ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٌّ (٢) إلَّا لِخَمْسَةٍ؛ لِغَازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ لِغَارِمٍ» (٣). وذكر بَقِيتَّهَم.

стр. 3266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل الفُقراءَ والمَساكِينَ صِنْفَيْنِ، وعَدَّ بعدَهما سِتَّةَ أصْنافٍ لم يَشْتَرِطْ فيهم الفَقْرَ، فيَجُوزُ لهم الأخْذُ مع الغِنَى بظاهِرِ الآيَةِ، ولأنَّ هذا يَأْخُذُ لحاجَتِنا إليه، أشْبَهَ العامِلَ والمُؤَلَّفَ، ولأنَّ الغارِمَ لإِصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ إِنَّما يُوثَقُ بضَمانِه، ويُقْبَلُ إذا كان مَلِيئًا، ولا ملاءَةَ مع الفَقْرِ، فإن أدَّى الغُرْمَ مِن مالِه، لم يكنْ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّه لم يَبْقَ غارِمًا، وإنِ اسْتَدانَ وأَدَّاها جاز له الأخْذُ؛ لبَقَاءِ الغُرْمِ. فصل: وخَمْسَةٌ لا يَأخُذُون إلَّا مع الحاجَةِ؛ وهم الفُقَراءُ، والمَساكِينُ، والمُكاتَبُ، والغارِمُ لمَصْلَحَةِ نَفْسِه في مُباحٍ، وابنُ السَّبِيلِ؛ لأنَّهم يأْخُذُون لحاجَتِهم لا لحاجَتِنا إليهم، إلَّا أنَّ ابنَ السَّبِيلِ إنَّما تُعْتَبَر حاجَتُه في مَكانِه وإن كان له مالٌ في بَلَدِه؛ لأنَّه الآن كالمَعْدُومِ.

стр. 3267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذا كان الرجلُ غَنِيًّا وعليه دَيْنٌ لمَصْلَحَتِه لا يُطِيقُ قَضاءه، جاز أن يُدْفَعَ إليه ما يُتِمُّ به قَضاءَه مع ما زاد عن حَدِّ الغِنَى. فإذا قُلْنا: الغِنَى يَحْصُلُ بخَمْسِين دِرْهَمًا. وِله مائةٌ، وعليه مائةٌ. جاز أن يُعْطى خَمْسِين؛ ليُتِمَّ قَضاءَ المائةِ مِن غيرِ أن يَنْقُصَ غناؤُه. قال أحمدُ: لا يُعْطى مَن عندَه خَمْسون دِرْهمًا أو حِسابُها مِن الذَّهَبِ، إلَّا مَدِينًا فيُعْطى دَيْنَه. ومتى أمْكَنَه قَضاءُ الدَّيْنِ مِن غيرِ نَقْصٍ مِن الغِنَى، لم يُعْطَ شَيْئًا. وإن قُلْنا: إنَّ الغِنَى لا يَحْصُلُ إلَّا بالكِفايَةِ. وكان عليه دَيْنٌ إذا قَضاه لم يَبْقَ له ما يَكْفِيه، أُعْطِىَ ما يُتِمُّ به قَضاءَ دَيْنِه، بحيث يَبْقَى له قَدْرُ كِفايَتِه بعدَ قَضاءِ الدَّيْنِ على ما ذَكَرْنا. وإن قَدَر على قَضائِه مع بقاءِ الكِفايَةِ، لم يُدْفَعْ إليه شئٌ. وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا كان له مائتَان، وعليه مِثْلُها، لا يُعْطى مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّ الغِنَى خَمْسُون دِرْهَمًا. وهذا يَدُلُّ على أنَّه اعْتَبَرَ في الدَّفْع إلى الغارِمِ كَوْنَه فَقِيرًا. وإذا أُعْطِىَ للغُرْمِ، وجَبَ صَرْفُه إلى قَضاءِ الدَّيْنِ، وإن أُعْطِىَ للفَقْرِ، جاز أن يَقْضِىَ به دَيْنَه.

стр. 3268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا أرادَ الرجلُ دَفْعَ زَكَاتِه إلى الغارِم، فله أن يُسَلّمَها إليه ليَدْفَعَها إك غَرِيمِه، فإن دَفَعَها إلى الغَرَيمِ قَضاءً عن الدَّيْنِ، ففيه عن أحمدَ رِوَايتانِ، إحْداهُما، يَجُوزُ ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ في ما نَقَل عنه أبو الحارثِ، قال: قلتُ لأحمدَ: رَجُلٌ عليه ألفٌ، وكان على رَجُلٍ زَكاةُ مَالِه ألفٌ، فأدَّاها عن هذا الَّذى عليه الدَّيْنُ، يَجُوزُ هذا مِن زَكَاتِه؟ قال: نعم، ما أرى بذلك بَأْسًا، لأنَّه دَفَع الزَّكاةَ في قَضاءِ دَيْنِ المَدِينِ، أشْبَهَ ما لو دَفَعَها إليه فقَضَى بها دَيْنَه. والثانيةُ، لا يَجُوزُ. قال أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أن يَدْفَعَه إليه، حتَّى يَقْضِىَ هو عن نَفْسِه. قِيلَ: هو مُحْتاجٌ يَخافُ أن يَدْفَعَه إليه، فيَأْكُلَه ولا يَقْضِىَ دَيْنَه. قال: فَقُلْ له يُوَكِّلُه حتَّى يَقْضِيَه. وظاهِرُ هذا أنَّه لا يَدْفَعُها إلى الغَريمِ إلَّا بوَكالَةِ الغارِمِ، لأنَّ الدَّيْنَ إنَّما هو على الغارِمِ، فلا يَصِحُّ قَضاوه إلا بتَوْكِيلِه. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ هذا على الاسْتِحْبابِ، ويكونُ قَضاؤُه عنه جائِزًا. وإن كان دافِعُ الزَّكاةِ الإِمامَ، جاز أن يَقْضِيَها عنه مِن غيرِ تَوْكِيلِه، لأنَّ للإِمامِ وِلايةَ عليه في إيفاءِ الدَّيْنِ، ولهذا يُجْبِرُه عليه إذا امْتَنَعَ منه.

стр. 3269

وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْغَازِى وَابْنِ السَّبِيلِ شَىْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ، لَزِمَهُمْ رَدُّهُ، وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ في الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يَأْخُذُ أيْضًا أخْذًا مُسْتَقِرًّا. ــ ١٠١١ - مسألة: (وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْغَازِى وَابْنِ السَّبِيلِ شَىْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ، لَزِمَهُمْ رَدُّهُ، وَالْبَاقُونَ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ في الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يَأْخُذُ أيْضًا أخْذًا مُسْتَقِرًّا) أصْنافُ الزَّكاةِ قسمان؛ قسمٌ يَأْخُذُونَ أخْذا مُستَقِرًّا، فلا يُراعَى حَالُهم بعدَ الدَّفْع، وهم الفُقراءُ، والمَساكِينُ، والعامِلُون، والمُؤَلَّفَةُ، فمتى أخَذُوها مَلَكُوها مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، لا يَجبُ عليهم رَدُّها بِحَالٍ. وقِسْمٌ يَأْخُذُون أخْذًا مُراعًى، وهم أَرْبَعَةٌ؛ المُكاتَبُون، والغارِمُون، والغُزَاةُ،

стр. 3270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وابنُ السَّبِيلِ، فإن صَرَفُوه في الجِهَةِ التى اسْتَحَقُّوا الأخْذَ لأجْلِها، وإلَّا اسْتُرْجِعَ منهم. والفَرْقُ بينَ هذا القِسْمِ والذي قَبْلَه، أنَّ هؤلاء أخَذُوا لمَعْنًى لم يَحْصُلْ بأخْذِهم للزكاةِ، والقِسم الأوَّلُ حَصَل المَقْصُودُ بأخْذِهم، وهو غِنَى الفُقراءِ والمَساكِينِ، وتَألِيفُ المُؤَلَّفِين، وأداءُ أجْرِ العامِلِين. وإن قَضَى المذْكُورُون في القِسْمِ الثَّانِى حاجَتَهم، وفَضَل معهم فَضْلٌ رَدُّوا الفَضْلَ؛ لأنَّهم أخَذُوه لِلحاجَةِ، وقد زَالَتْ. وذَكَر الخِرَقِىُّ، في غيرِ هذا البابِ، أنَّ الغَازِىَ إذا فَضَل معه شئٌ بعدَ غَزْوِه، فهو له؛

стр. 3271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّنا دَفَعْنا إليه قَدْرَ الكِفايَةِ، وإنَّما ضَيَّقَ على نَفْسِه. وظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ في المُكاتَبِ، أنَّه يأْخُذُ أخْذًا مُستَقِرًّا، فلا يَرُدُّ ما فَضَل؛ لأنَّه قال: وإذا عَجَز المُكاتَبُ، ورُدَّ في الرِّقِّ، وكان قد تُصُدِّقَ عليه بشئٍ، فهو لِسَيِّدِه. ونَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ المَرُّوذِىِّ والكَوْسَجِ. ونَقَل عنه حَنْبَلٌ، إذا عَجَز يَرُدُّ ما في يَدَيْه في المُكاتَبِين. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيز: إن كان باقِيًا بعَيْنِه اسْتُرْجِعَ منه؛ لأنَّه إنَّما دُفِع إليه ليَعْتِقَ به ولم يَقَعْ. وقال القاضى: كَلامُ الخِرَقِىِّ مَحْمُولٌ على أنَّ الَّذى بَقِىَ في يَدِه لم يكنْ عَيْنَ الزَّكاةِ، وإنَّما تَصَرَّفَ فيها، وحَصَل عِوَضُها وفائِدَتُها. ولو تَلِف المالُ الَّذى في يَدِ هؤلاء بغيرِ تَفرِيطٍ، لم يَرْجِعْ عليهم بشئٍ.

стр. 3272

وَإذَا ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بِالْغِنَى، ــ ١٠١٢ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الفَقْرَ مَن عُرِفَ بالغِنَى) لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا ببيِّنَةٍ؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «إنَّ المَسْألَةَ لَا تَحِلُّ لِأحَدٍ إلَّا لِثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِه، لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أو سِدَادًا

стр. 3273

أَوِ ادَّعَى إِنسَانٌ أَنَّهُ مُكاتَبٌ أوْ غارِمٌ أَوِ ابْنُ سَبِيلٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. ــ مِنْ عَيْشٍ». رَواه مسلمٌ (١). ولأنَّ الأصْلَ بقاءُ الغِنَى، فلم يُقْبَلْ قولُه بمُجَرَّدِه فيما يُخَالِفُ الأَصْلَ. وهل يُعْتَبَرُ في البَيِّنةِ على الفَقْرِ ثَلَاثَةٌ، أَو يُكْتَفَى باثْنَين؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُكْتَفَى إلَّا بثَلاثَةٍ، لظَاهِرِ الخَبَرِ. والثانِى، يُقْبَلُ اثْنان؛ لأنَّ قَوْلَهما يُقْبَلُ في الفقْرِ بالنِّسْبَةِ إلى حُقُوقِ الآدَمِيِّين المَبْنِيَّةِ على الشُّحِّ والضِّيقِ، فمْى حَقِّ اللَّهِ تعالى أوْلَى، والخَبَرُ إنَّما وَرَد في حِلِّ المَسْألَةُ، فيُقْتَصَرُ عليه. ١٠١٣ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّه مُكاتَبٌ أو غارِمٌ أو ابنُ سَبِيلٍ، لم يُقْبَلْ) قولُه (إلَّا ببَيِّنةٍ) لأنَّ الأصْلَ عدمُ ما يَدَّعِيه، وبراءَةُ الذِّمَّةِ. فإنْ كان يَدَّعِى الغُرْمَ من جِهَةِ إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، فالأمْرُ فيه ظاهِرٌ لا يَكادُ يَخْفَى، ويَكْفِى اشْتِهارُ ذلك، فإن خَفِىَ بر يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ.

стр. 3274

وَإنْ صَدَّقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ، أوِ الْغَارِمَ غَرِيمُهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ــ ١٠١٤ - مسألة: (فإنْ صَدَّقَ المُكاتَبَ سَيِّدُه، أوِ الغارِمَ غَرِيمُه، فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، يُقْبَلُ، لأنَّ الحَقَّ في العَبْدِ لِسَيِّدِه، فإذا أقَرَّ بانْتِقالِ

стр. 3275

وَإنِ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْغِنَى، قُبِلَ قَوْلُهُ. ــ حَقِّه عنه قُبِلَ، ولأنَّ الغَرِيمَ إذا صَدَّقَ الغارِمَ ثَبَت عليه ما أقَرَّ به. والثانى، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في أنَّه يُواطِئة ليَأْخُذَ المالَ به. ١٠١٥ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الفَقْرَ مَن لم يُعْرَفْ بالغِنَى، قُبِلَ

стр. 3276

وَإنْ رَآهُ جَلْدًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ، أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، بَعْدَ أَنْ يُخبِرَه أنَّهُ لا حَظَّ فِيهَا لِغَنىٍّ وَلا لِقَوِىٍّ مُكتَسِبٍ. ــ قولُه) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الغِنَى (فإنْ رآه جَلْدًا، وذَكَر أنَّه لا كَسْبَ له، أعْطاهُ مِن غيرِ يَمِينٍ، بعدَ أن يخْبِرَه أنَّه لا حَظَّ فيها لِغَنِىٍّ ولا لقَوِىِّ مُكْتَسِبٍ) إذا كان الرجلُ صَحِيحًا جَلْدًا، وذَكَرَ أنَّه لا كَسْبَ له، أُعْطِىَ مِن الزَّكاةِ، وقُبِلَ قولُه بغيرِ يَمِينٍ، إذا لم يُعْلَمْ كَذِبُه، لأنَّ النبىَّ ﷺ أُعْطَى الرَّجُلَيْنِ اللَّذيْن سَألاه، ولم يُحلِّفْهما، وفى بعضِ رِواياتِه، أنَّه قال: أتَيْنا النبىَّ ﷺ ، فَسَألْناهُ مِن الصَّدَقَةِ، فصَعَّدَ فينا النَّظَرَ، فرَآنا جَلْدَيْنِ، فقال: «إنْ شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا وَلَا حظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوىٍّ مُكْتَسِبٍ». رَواه أبو داودَ (١). فصل: وإنْ رآه مُتَجَمِّلًا قَبِلَ قولَه أيضًا؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن ذلك الغِنَى، بدَلِيلِ قولِه سبحانه: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أغْنِيَاءَ مِنَ الْتَّعَفُّفِ﴾ (٢). لكنْ ينْبَغِى أن يُخْبِرَه أنَّها زَكاةٌ؛ لئَلَّا يكونَ ممَّن لا تَحِلُّ له. وإن رآه ظاهِرَ المَسْكَنةِ أعْطاهُ منها، ولم يَحْتَجْ أن يُبَيِّنَ له شَرْطَ جَوازِ الأخْذِ، ولا أنَّ

стр. 3277

وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالًا، قُلِّدَ وَأُعْطِىَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَمَنْ غَرِمَ أَوْ سَافَرَ في مَعْصِيَةٍ، لَمْ يُدْفَعْ إِلَيْهِ، فَإِنْ تَابَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. ــ ما يَدْفَعُه إليه زكاةٌ. قال أحمدُ، ﵀، وقد سُئِل عن الرجلِ يَدْفَعُ زَكاتَه إلى رَجُلٍ: هل يقولُ له: هذه زَكاةٌ؟ فقال: يُعْطِيه ويَسْكُتُ، ولا يُقَرِّعُه. فاكْتَفَى بظاهِرِ حالِه عن السُّؤَالِ. ١٠١٦ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّ له عِيَالًا، قُلِّدَ وأُعْطِىَ) ذَكَرَه القاضى، وأبو الخَطّابِ، كما يُقَلَّدُ في دَعْوَى حاجَتِه. (ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) اختارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُهم، ولا يَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، وفارَقَ ما إذا ادَّعَى أنَّه لا كَسْبَ له، لأنَّه يَدَّعِى ما يُوافقُ الأصْلَ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الكَسْبِ والمالِ، وَيَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه. ١٠١٧ - مسألة: (ومَن سَافَر أو غرِم في مَعْصِيَةٍ، لم يُدْفَعْ إليه) شَىْءٌ (فإنْ تاب، فعلى وَجْهَيْن) مَن غَرِم في مَعْصِيَةٍ، كالخَمْرِ، والزِّنا،

стр. 3278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والقِمارِ، والغِناءِ، ونحوِه، لم يُدْفَعْ إليه شئٌ قبلَ التَّوْبَةِ؛ لأنَّه إعانةٌ على المَعْصِيَةِ. وكذلك إذا سافَرَ في مَعْصِيَةٍ، فأرادَ الرُّجُوعَ إلى بَلَدِه، لا يُدْفَعُ إليه شئٌ قبلَ التَّوْبَةِ، لِما ذَكَرْنا. فإن تاب مِن المَعْصِيَةِ، فقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّ إبْقاءَ (١) الدَّيْنِ في الذِّمَّةِ ليس مِن المَعْصِيَةِ، بل يَجِبُ تَفْرِيغُها، والإعانَةُ على الواجِبِ قُرْبَةٌ لا مَعْصِيَةٌ، فأشْبَهَ من أتْلَفَ مالَه في المَعاصِى حتَّى افْتَقَرَ، فإنَّه يُدْفَعُ إليه مِن سَهْمِ الفُقرَاءِ. والوجْهُ الثانى، لا يُدْفَعُ إليه؛ لأنَّه اسْتِدانَةٌ لِلمَعْصِيَةِ، فلم يُدْفَعْ إليه، كما لو لم يَتُبْ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَعُوذ إلى الاسْتِدَانَةِ لِلمَعاصِى ثِقَةً منه بأن دَيْنَه يُقْضَى، بخِلافِ من أتْلَفَ مالَه (٢) في المَعاصِى، فإنَّه يُعْطى لِفَقْرِه لا لِمَعْصِيَتِه. وكذلك مَن سافَرَ إلى مَعْصِيَةٍ، ثم تاب أو أراد الرُّجوعَ إلى بَلَدهِ،

стр. 3279

وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا في الْأَصْنَافِ كُلِّها. فَإنِ اقْتَصَرَ عَلَى إنْسَانٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ. وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا ثَلَاثَة مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، إِلَّا الْعَامِلَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وَاحِدًا. ــ يَجُوزُ الدَّفْعُ إليه، في أحدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّ رُجُوعَه، ليس بمَعْصِيَةٍ، أشْبَهَ غيرَه، بل ربَّما كان رُجوعُه إلى بَلَدِه تَرْكًا للمَعْصِيَةِ، وإقْلاعًا عنها، كالعَاقِّ يُرِيدُ الرُّجوعَ إلى أَبَوَيْه. والوجْهُ الثانى، لا يُدْفَعُ إليه، لأنَّ سبَبَ ذلك المَعْصِيَةُ، أشْبَهَ الغارِمَ في المَعْصِيَةِ. ١٠١٨ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صَرْفُها في الأصْنافِ كلِّها. فإنِ اقْتَصَرَ على إنسانٍ واحِدٍ أجْزَأه. وعنه، لَا يُجْزِئُه إلَّا ثَلاثَةٌ مِن كلِّ صِنْفٍ، إلَّا العامِلَ، فإنَّه يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا) يُسْتَحَبُّ. صَرْفُ الزَّكاةِ إلى جَمِيعِ الأصْنافِ، أو إلى مَن أمْكَنَ منهم، لأنَّه يَخْرُجُ بذلك مِن الخِلَافِ، ويَحْصُلُ الإِجْزاءُ يَقِينًا. فإنِ اقْتَصَرَ على إنْسانٍ واحِدٍ أجْزَأه. وهذا قولُ عُمَرَ، وحُذَيْفَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ. وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ،

стр. 3280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعَطَاءٌ. وإليه ذَهَب الثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصحابُ الرَّأْى. ورُوِىَ عن النَّخَعِىِّ: إن كان المالُ كَثِيرًا يَحْتَمِلُ الأصْنافَ قَسَمَه عليهم، وإن كان قَلِيلًا، جاز وَضْعُه في صِنْفٍ وَاحِدٍ. وقال مالكٌ: يَتَحَرَّى مَوْضِعَ الحاجَةِ منهم، ويُقَدِّمُ الأُوْلَى فالأَوْلَى. وقال عِكْرِمَةُ، والشافعىُّ: يَجِبُ أن يَقْسِمَ زَكاةَ كلِّ صِنْفٍ مِن مالِه على المَوْجُودِين مِن الأصْنافِ السِّتَّةِ الذين سُهْمانُهم ثابِتَةٌ، قِسْمَةً على السَّواءِ، ثمِ حِصَّةَ كُلِّ صِنْفٍ منهم، لا تُصْرَف إلى أقَلَّ من ثَلاثَةٍ [إنْ وَجَد منهم ثَلاثَةً] (١) أو أكْثَرَ، فإن لم يَجِدْ إلَّا واحدًا صَرَف حِصَّةَ ذلك الصِّنْفِ إليه. وروَى الأثْرَمُ ذَلك عن أحمدَ. اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل الصَّدَقَةَ لِجَميعِهم، وشَرَّكَ بينَهم فيها، فلم يَجُزْ الاقْتِصارُ على بَعْضِهم، كأهْلِ الخُمْسِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢). وقولُ النبىِّ ﷺ لمُعَاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ». مُتَّفَقٌ عليه (٣).

стр. 3281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلم يَذْكُرْ في الآيَةِ والخَبَرِ إلَّا صِنْفًا واحِدًا. وأمَر بَنِى زُرَيقٍ بدَفْعِ صَدَقَتِهم إلى سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ (١). وقال لقَبِيصَةَ: «أقِمْ يا قَبِيصَةُ، حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» (٢). ولو وَجَب صَرْفُها إلى جَمِيعِ الأصْنافِ لم يَجُزْ صَرْفُها إلى واحِدٍ، ولأنَّه لا يَجِبُ صَرْفُها إلى جَمِيعِ الأصْنافِ إذا فَرَّقَها السّاعِى، فكذلك المالِكُ، ولأنَّه لا يَجِبُ عليهم تَعْمِيمُ أهْلِ كلِّ صِنْفٍ بها، فجاز الاقْتِصارُ على واحِدٍ، كما لو وَصَّى لجَماعَةٍ لا يُمْكِنُ حَصْرُهم. ويُخَرَّجُ على هذَيْن المَعْنَيَيْنِ الخُمْسُ، فإنَّه يَجِبُ على الإِمامِ تَفْرِيقُه على جَمِيعِ مُسْتَحِقِّيه، بخِلافِ الزَّكاةِ. وهذا الَّذى اختَرْناه هو الَّلائِقُ بحِكْمَةِ الشَّرْعِ وحُسْنِه، إذ غيرُ جائِزٍ أن يُكَلِّفَ اللَّهُ

стр. 3282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَن وجَبَتْ عليه شاةٌ أو صاعٌ مِن البُرِّ، أو نِصْفُ مِثْقالٍ، دَفْعَه إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ نَفْسًا، أو إحدى وعِشْرِين نَفْسًا، أو أرْبَعَةٍ وعِشْرِين، مِن ثَمانِيَةِ. أصْنافٍ، لكلِّ ثَلَاثَةٍ منهم ثُمُنُها، الغالِبُ تَعَذُّرُ وُجُودِهم في الإِقْليمِ العظيمِ، فكيف يُكَلِّفُ اللَّهُ تعالى كلَّ مَن وجَبَتْ عليه زَكاةٌ جَمْعَهم وإعْطاءَهم، وهو سبحانه القائلُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢). وأظُنُّ مَن قال بوُجُوبِ دَفْعِها على هذا الوَجْهِ إنَّما يقولُه بلِسانِه، ولا يَفْعَلُه، ولا يَقْدِرُ على فِعْلِه، وما بَلَغَنَا أنَ النبىَّ ﷺ فَعَل هذا في صَدَقَةٍ مِن الصَّدَقاتِ، ولا أحَدٌ مِن خُلَفَائِه، ولا مِن صَحَابَتِه، ولا غيرِهم، ولو كان هذا هو الواجِبَ في الشَّرِيعَةِ المُطَهَرَةِ لَما أغْفَلُوه، ولو فَعَلُوه مع مَشَقَّتِه لنُقِلَ ولَما أُهْمِلَ، إذ لا يَجُوزُ على أهْلِ التَّوَاتُرِ إهْمالُ نَقْلِ ما تَدْعُو الحاجَةُ إلى نَقْلِه، [سِيَّما مع كَثْرَةِ] (٣) مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ، ووُجُودِ ذلك في كلِّ زَمانٍ، في كلِّ مِصْرٍ (٤) وبَلَدٍ، وهذا أمْرٌ ظاهِرٌ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، والآيَةُ إنَّما سِيقَتْ لبَيانِ مَن يَجُوزُ الصَّرْفُ إليه،

стр. 3283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا لإِيجابِ الصَّرْفِ إلى الجَمِيعِ؛ بدَلِيلِ أنَّه لا يَجِبُ تَعْمِيمُ كلِّ صِنْفٍ بها، فأمَّا العامِلُ، فإنَّه يَجُوزُ أن يكونَ واحِدًا؛ لأنَّه إنَّما يَأخُذُ أجْرَ عَمَلِه، فلم تَجُزِ الزِّيادَةُ عليه مع الغَناءِ عنه، ولأنَّ الرجلَ إذا تَوَلَّى إخْراجَها بنَفْسِه سَقَط سَهْمُ العامِلِ لعَدَمِ الحاجَةِ إليه، فإذا جاز تَرْكُهم بالكُلِّيَّةِ، جاز الاقْتِصَارُ على بَعْضِهم بطرَيقِ الأُوْلَى. فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّه يُسْتَحَبُّ تَفْرِيقُها على مَن أمْكَنَ مِن الأصْنافِ، وتَعْمِيمُهم بها. فإن كان المُتَوَلِّى لتَفْرِيقِها السّاعِىَ، اسْتُحِبَّ إحْصاءُ أهْلِ السُّهْمَانِ مِن عَمَلِه، حتى يكونَ فَراغُه مِن قَبْضِ الصَّدَقاتِ بعدَ تَناهِى أسْمائِهم وأنْسابِهم وحاجاتِهم وقَدْرِ كِفاياتِهم؛ ليكونَ تَفْرِيقُه عَقِيبَ جَمْعِ الصَّدَقَةِ. ويَبْدَا بإعْطاءِ العامِلِ؛ لأنَّه يَأْخُذُ على وَجْهِ المُعاوَضَةِ،

стр. 3284

وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا إِلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ، وَتَفْرِيقُهَا فِيهِمْ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ. ــ فكان اسْتِحْقَاقُه أوْلَى، ولذلك إذا عَجَزَتِ الصَّدَقَةُ عن أجْرِه، تُمِّمَ له (١) مِن بَيْتِ المالِ، ولأنَّ ما يَأْخُذُه أجْرٌ، وقد قال النبىُّ ﷺ : «أعْطُوا الأجِيرَ أجْرَهُ قَبْلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» (٢). ثم الأهَمِّ فالأهَمِّ، وأهَمُّهم أشَدُّهم حاجَة، ويُعْطِى كلَّ صِنْفٍ قَدْرَ كِفايَتِه على ما ذَكَرْنا، فإن فَضَلَتْ عن كِفايَتِهم نَقَل الفاضِلَ إلى أقْرَبِ البِلادِ إليه، وإن نَقَصَتْ أعْطى كلَّ إِنْسانٍ منهم ما يَرَى. ١٠١٩ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صَرْفُها إلى أقارِبِه الذين لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُهم، وتَفْرِيقُها فيهم على قَدْرِ حاجَتِهم) إذا تَوَلَّى الرجلُ تفريقَ زَكاتِه، اسْتُحِبَّ أن يَبْدَا بأقارِبِه الذين يَجُوزُ الدَّفْعُ إليهم، لقولِ النبىِّ ﷺ : «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِى الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ». رَواه الترمذِىُّ،

стр. 3285

وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ دَفْعُ زَكَاتِهِ إِلَى مُكَاتَبِهِ، وَإِلَى غَرِيمِهِ. ــ والنَّسائِىُّ (١). ويَخُصُّ ذوى الحاجَةِ؛ لأنَّهم أحَقُّ، فإنِ اسْتَوَوْا في الحاجَةِ، فأوْلاهم أقْرَبُهم نَسَبًا. ١٠٢٠ - مسألة: (ويَجُوزُ للسَّيِّدِ دَفْعُ زَكاتِه إلى مُكاتَبِه، وإلى غَرِيمِه) يَجُوزُ للسَّيِّدِ دَفْعُ زَكاتِه إلى مُكاتَبِه في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ؛ لأنَّه صار معه في بابِ المُعامَلَةِ كالأجْنَبِىِّ، يَجْرى بينَهما الرِّبا، فهو كالغَرِيمِ يَدْفَعُ زَكاتَه إلى غَرِيمِه، ويَجُوزُ للمُكاتَبِ رَدُّها إلى سَيِّدِه بحُكْمِ الوَفاءِ؛ [لأنَّها رَجَعَتْ إليه بحُكْمِ الوَفاءِ] (٢)، أشْبَهَ إيفاءَ الغَرِيمِ دَيْنَه بها.

стр. 3286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَجُوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إلى سَيِّدِ المُكاتَبِ وَفاءً عن دَيْنِ الكِتابَةِ. وهو الأُوْلَى؛ لأنَّه أعْجَلُ لعِتْقِه، وأوْصَلُ إلى المَقْصُودِ الذى كان الدَّفْعُ مِن أجْلِه، لأنَّه إذا أخَذَه المُكاتَبُ قد يَدْفَعُه وقد لا يَدْفَعُه. ونَقَل حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: قال سُفْيان: لا تُعْطِ مُكاتَبًا لك مِن الزَّكاةِ. قال: وسَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يقولُ: وأنا أرَى مثلَ ذلك. قال الأثْرَمُ:

стр. 3287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأل: يُعْطىَ المُكاتَبُ مِن الزَّكاةِ؟ قال: المُكاتَبُ بمَنْزِلَةِ العَبْدِ، وكيف يُعْطَى؟ ومَعْناه، واللَّهُ أعلمُ، لا يُعْطِى مُكاتَبَه مِن الزَّكاةِ؛ لأنَّه عَبْدُه ومالُه، يَرْجِعُ إليه إن عَجَز، وإن عَتَق فله وَلاؤُه، ولأنَّه لا تُقْبَلُ شَهادَتُه لمُكاتَبِه، ولا شهادَةُ مُكاتَبِه له، فلم يُعْطَ مِن زَكاتِه، كوَلَدِه. وكذلك يَجُوزُ للرجلِ دَفْعُ زَكاتِه إلى غَرِيمِه؛ لأنَّه مِن جُمْلَةِ الغارِمِين، فإن رَدَّه إليه الغارِمُ، فله أخْذُه. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ مُهَنَّا؛ لأنَّ الغَرِيمَ قد مَلَكَه بالأخْذِ، أشَبَهَ ما لو وَفَّاه مِن مالٍ آخرَ. وإن أسْقَطَ الدَّيْنَ عن الغريمِ وحَسَبَه زكاةً، لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بأدائِها، وهذا إسْقاطٌ. قال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن رجل له على رِجلٍ دَيْنٌ برَهْنٍ، وليس عندَه قَضاؤُه، ولهذا الرجلِ زكاةُ مالٍ يُرِيدُ أن يُفرِّقَها على المَساكِينِ، فيَدْفَعُ إليه رَهْنَه، ويقولُ له: الدَّيْنُ الذى عليك هو لك.

стр. 3288

فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى كَافِرٍ، وَلَا عَبْدٍ، ــ يَحْسُبُه مِن زكاةِ مالِه؟ قال: لا يُجْزِئُه ذلك. فقلتُ له: فيَدْفَعُ إليه زَكاتَه، فإن رَدَّه إليه قَضاءً مِن مالِه، له أخْذُه؟ قال: نعم. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ، وقِيلَ له: فإن أعْطاه، ثم رَدَّه إليه؟ قال: إذا كان بحِيلَةٍ، فلا يُعْجِبُنِى. قِيلَ له: فإنِ اسْتَقْرَضَ الذى عليه الدَّيْنُ دَراهِمَ، فقَضاه إيّاها، ثم رَدَّها عليه، وحَسَبَها مِن الزَّكاةِ؟ قال: إذا أراد بهذا إحْياءَ مالِه، فلا يَجُوزُ. فحَصَلَ مِنِ كَلامِه أنَّ دَفْعَ الزَّكاةِ إلى الغَرِيمِ جائِزٌ، سَواءٌ دَفَعَها ابْتِداءً، أو اسْتَوْفَى حَقَّه ثم دَفَع ما اسْتَوْفاه إليه، إلَّا أنَّه متى قَصَد بالدَّفْعِ إحْياءَ مالِه واسْتِيفاءَ دَيْنِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لحقِّ اللَّهِ تعالى، فلا يَجُوزُ صَرْفُها إلى نَفْعِه. واللَّهُ أعلمُ. فصل: قال، ﵀: (ولا يَجُوزُ دَفْعُها إلى كافِرٍ، ولا عَبْدٍ،

стр. 3289

وَلَا فَقِيرَةً لَهَا زَوْجٌ غَنِىٌّ، ــ ولا فَقِيرَةٍ لها زَوْجٌ غَنِىٌّ) قال الشَّيْخُ (١)، ﵀: لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العلمِ في أنَّ زَكاةَ المالِ لا تُعْطَى لكافِرٍ ولا لمَمْلُوكٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العلمِ أنَّ الذِّمِّىَّ لا يُعْطى مِن زَكاةِ الأمْوالِ شيئًا. وقد قال النبىُّ ﷺ لمُعَاذٍ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» (٢). فخَصَّهم بصَرْفِها إلى فُقَرائِهم، كما خَصَّهم بوُجُوبِها على أغْنِيائِهم، ولأنَّ المَمْلُوكَ لا يَمْلِكُ ما يُدفَعُ إليه، وإنَّما يَمْلِكُه سيِّدُه، فكأنَّه دَفَع إلى السَّيِّدِ، ولأنَّه تَجِبُ نَفَقَتُه على السَّيِّدِ، فهو غَنِىٌّ بغِناه.

стр. 3290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إلَّا أن يكونَ الكَافِرُ مُؤَلَّفًا قَلْبُه، فيَجُوزُ الدَّفعُ إليه. وكذلك إن كان عامِلًا، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه. وكذلك العَبْدُ إذا كان عامِلًا، يجوزُ أن يُعْطَى مِن الزَّكاةِ أجْرَ عَمَلِه، وقد مَضَى ذِكْرُ ذلك (١).

стр. 3291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والفَقِيرَةُ إذا كان لها زَوْجٌ غَنِىٌّ يُنْفِقُ عليها، لم يَجُزْ دَفْعُ الزَّكاةِ إليها؛ لأنَّ الكِفايَةَ حاصِلَة لها بما يَصِلُها مِن النَّفَقَةِ الواجِبَةِ، فأشْبَهَتْ مَن له عَقارٌ يَسْتَغْنِى بأُجْرَتِه. وإن لم يُنْفِقْ عليها، وتَعَذَّرَ ذلك، جاز الدَّفْعُ إليها، كما لو (١) تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ العَقارِ. وقد نَصَّ أحمدُ على هذا.

стр. 3292

وَلَا الْوَالِدَيْنِ وَإنْ عَلَوْا، وَلَا الْوَلَدِ وَإنْ سَفَلَ، ــ ١٠٢١ - مسألة: (ولا) إلى (الوالِدَيْن وإن عَلَوْا، ولا) إلى (الوَلَدِ وإن سَفَل) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ الزَّكاةَ لا يَجُوزُ دَفْعُها إلى الوالِدَيْن، في الحالِ التى يُجْبَرُ الدَّافِعُ إليهم على النَّفَقَةِ عليهم، ولأنَّ دَفْعَ زَكاتِه إليهم يُغْنِيهم عن نَفَقَتِه، ويُسقِطُها عنه، فيَعودُ نَفْعُها إليه، فكأنَّه دَفَعَها إلى نَفْسِه، فلم يَجُزْ، كما لو قَضَى بها دَيْنَه. وأراد المُصَنِّفُ بالوالِدَيْن الأبَ والأُمَّ. وقولُه: (وإن عَلَوْا) يَعْنِى آباءَهما وأُمَّهاتِهما، وإنِ ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهم مِن الدَّافِع، كأبَوَىِ الأبِ، وأبَوَىِ الأُمِّ، مَن يَرِثُ منهم ومَن لا يَرِثُ. وقولُه: (ولا إلى الوَلَدِ وإن سَفَل) يَعْنِى وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه مِن أوْلادِ البَنِين وأولادِ البَناتِ، الوارِثِ وغيرِه.

стр. 3293

وَلَا إِلَى الزَوْجَةِ، ــ نصَّ عليه أحمدُ، فقال: لا يُعْطِى الوالِدَيْن مِن الزَّكاةِ، ولا الوَلَدَ، ولا وَلَدَ الوَلَدِ، ولا الجَدَّ ولا الجَدَّةَ، ولا وَلَدَ البِنْتِ، قال النبىُّ ﷺ : «إنَّ ابْنِى هذَا سَيِّدٌ» (١). يَعْنِى الحسنَ، فجَعَلَه ابْنَه؛ لأنَّه مِن عَمُودَىْ نَسَبِه، فأشْبَهَ الوارِثَ، ولأنَّ بينَهما قَرابَةً جُزْئِيَّةً وبَعْضِيَّةً، بخِلافِ غيرِهما. ١٠٢٢ - مسألة؛ قال: (ولا إلى الزَّوْجَةِ) وذلك إجْماعٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الرجلَ لا يُعْطِى زَوْجَتَه مِن الزَّكاةِ؛ وذلك لأن نَفَقَتَها واجِبَةٌ عليه، فتَسْتَغْنِى بها عن أخْذِ الزَّكاةِ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إليها، كما لو دَفَعَها إليها على سَبِيلِ الإِنْفاقِ عليها.

стр. 3294

وَلَا لِبَنِى هَاشِم، وَلَا مَوَالِيهِمْ. ــ ١٠٢٣ - مسألة: (ولا لبَنِى هاشمٍ، ولا مَوالِيهم) لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ بَنِى هَاشِم لا تَحِلُّ لهم الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِى لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّما هِىَ أوْسَاخُ النَّاسِ». أخْرَجَه مسلمٌ (١). وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: أخَذَ الحَسَنُ تَمْرَةً مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ،

стр. 3295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال النبىُّ ﷺ : «كِخْ كِخْ». لِيَطْرَحَها، وقال: «أمَا شَعَرْتَ أنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وسَوَاءٌ أُعْطوا مِن خُمْسِ الخُمْسِ، أو لم يُعْطوْا؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ، ولأنَّ مَنْعَهم مِن الزَّكاةِ لشَرَفِهم، وشَرَفُهم باقٍ، فيَبْقَى المَنْعُ، فإن أُعْطُوا منها لغَزْوٍ أو حَمالَةٍ، جاز ذلك، ذَكَرَه شيخُنا (٢). وإن كان الهاشِمِىُّ عامِلًا، أو غارِمًا، لم يُجزِئْه الأخْذُ في أظْهَرِ الوَجْهَيْن، وقد ذَكَرْنا ذلك (٣).
следующие страницы →