وَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ فِى سَفَرِهِ، ثُمَّ جَامَعَ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
ــ
به ما يَتَعَلَّقُ بالجِماعِ، كما لو حَلَف لا يَدْخلُ دَارًا، وهو فيها، فخَرَجَ منها. وقال مالكٌ: يَبْطُلُ صَوْمُه، ولا كَفّارَةَ عليه؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على أكْثَرَ مِمّا فَعَلَه مِن تَرْكِ الجِماعِ، أشْبَهَ المُكْرَهَ. قال شيخُنا (١): وهذه المسألةُ تَقْرُبُ مِن الاسْتِحالَةِ، إذ لا يَكادُ يَعْلَمُ أَوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ على وَجْهٍ يَتَعَقَّبُه النَّزْعُ مِن غيرِ أن يَكُونَ قبلَه شيءٌ مِن الجِماعِ، فلا حاجَةَ إلى فَرْضِها، والكَلامِ فيها.
فصل: ومَن جامَعَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، فَتَبَيَّنَ أنَّه كان طَلَع، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ. وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: لا كَفّارَةَ عليه، ولو عَلِم في أثْناءِ الوَطْءِ، فاسْتَدامَ ذلك، فلا كَفّارَةَ عليه أيضًا؛ لأنَّه إذا لم يَعْلَمْ لم يَأْثَمْ، أَشْبَهَ النَّاسِىَ، وإن عَلِم فاسْتَدامَ، فقد حَصَل الذى أثِمَ به في غيرِ صَوْمٍ. ولَنا.، حديثُ المُجامِعِ، حيث أمَرَه النبىُّ ﷺ بالكَفّارَةِ ولم يَسْتَفْصِلْ (٢). ولأنَّه أفْسَدَ صومَ رمضانَ بجِماعٍ تامٍّ، فوَجَبَت عليه الكَفّارَةُ، كما لو عَلِم، ووَطْءُ النَّاسِى مَمْنُوعٌ. ثم إنَّه لا يَحْصُلُ به الفِطْرُ على الرِّوايَةِ الأُخرَى.
١٠٧٧ - مسألة: (وإن نَوَى الصومَ في سَفَرِه، ثم جامَعَ، فلا
стр. 3467
وَعَنْهُ، عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
ــ
كَفّارَةَ عليه. وعنه، عليه الكَفّارَةُ) إذا نَوَى الصومَ في سَفَرِه، ثم أفْطَرَ بالجِماعِ، ففى الكَفّارَةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، تَجِبُ. اخْتارَها القاضى؛ لأنَّه أفْطَرَ بجِماعٍ، فلَزِمَتْه الكَفّارَةُ، كالحاضِرِ. والثانيةُ، لا كَفّارَةَ عليه. اخْتارَها شيخُنا (١)، وهى الصَّحِيحَةُ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه صومٌ لا يَجِبُ المُضِىُّ فيه، فلم تَجِبِ الكَفّارَةُ بالجِماعِ فيه، كالتَّطَوُّعِ، وفارَقَ الحاضِرَ الصَّحِيحَ، فإنَّه يَجِبُ عليه المُضِىُّ في الصومِ، وإن كان مَرِيضًا يُباحُ له الفِطْرُ، فهو كالمُسافِرِ قِياسًا عليه، ولأَنَّه يُفْطِرُ بنِيَّةِ الفِطْرِ، فيَقَعُ الجِماعُ بعدَ حُصُولِ الفِطْرِ، أشْبَهَ ما لو أكلَ ثم جامَعَ. ومتى أفْطَرَ المُسافِرُ فله فِعْلُ جَمِيعِ ما يُنافِى الصومَ مِن الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ وغيرِه؛ لأنَّ حُرْمَتَها بالصومِ، فيَزُولُ بزَوالِه، كمَجِئِ اللَّيْلِ.
стр. 3468
وَلَا تَجِبُ [٥٨ و] الْكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فِى صِيَامِ رَمَضَانَ.
ــ
١٠٧٨ - مسألة: (ولا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بغيرِ الجِماعِ في نَهارِ رمضانَ) إذا جامَعَ في غيرِ صومِ رمضانَ لم تَجِبْ عليه الكَفّارَةُ، في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وقال قَتادَةُ: تَجِبُ على مَن وَطِئَ في قَضاءِ رمضانَ؛ لأنَّه عِبادَةٌ تَجِبُ الكَفّارَةُ في أدائِها، فوَجَبَتْ في قَضائِها، كالحَجِّ. ولَنا، أنَّه جامَعَ في غيرِ رمضانَ، فلم يَلْزَمْه كَفّارَةٌ، كما لو جامَعَ في صِيامِ الكَفّارَةِ، والقَضاءُ يُفارِقُ الأداءَ؛ لأنَّه مُتَعَيِّنٌ بزَمانٍ مُحْتَرَمٍ، فالجِماعُ فيه هَتْكٌ له، بخِلافِ القَضاءِ.
فصل: ولا تَجِبُ الكَفّارَةُ بإفْسادِ الصومِ بغيرِ الجِماعِ. وعن أحمدَ في المُحْتَجِمِ، إن كان عالِمًا بالنَّهْىِ فعليه الكَفّارَةُ. وقال عَطاءٌ في المُحْتَجِمِ: عليه الكَفّارَةُ. وقال مالكٌ: تَجِبُ الكَفّارَةُ بكلِّ ما كان هَتْكًا للصومِ، إلَّا الرِّدَّةَ، قِياسًا على الإِفْطارِ بالجِماعِ. وحُكِىَ عن عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ، أنَّ الفِطْرَ بالأكْلِ والشُّرْبِ يُوجِبُ ما يُوجِبُ الجِماعُ. وبه قال أبو حنيفةَ،
стр. 3469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَّا أنَّه اعْتَبَرَ ما يُتَغَذَّى به، أو يُتَداوَى به، فلو ابْتَلَعَ حَصاةً أو نَواةً أو فُسْتُقَةً بقِشْرِها، فلا كَفّارَةَ عليه. واحْتَجَّ بأنَّه أفْطَرَ بأعلى ما في البابِ مِن جِنْسِه، فوَجَبَتْ عليه الكَفّارَةُ، كالمُجامِعِ. ولَنا، أنَّه أفْطَرَ بغيرِ جِماعٍ، فلم يُوجِبِ الكَفّارَةَ، كبَلْعِ الحَصاةِ، وكالرِّدَّةِ عندَ مالكٍ، ولأنَّه لا نَصَّ في إيجابِ الكَفّارَةِ بهذا, ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الجِماعِ؛ لأنَّ الحاجَةَ إلى الزَّجْرِ عنه أمَسُّ، والحِكمةَ في التَّعَدِّى (١) به آكَدُ، ولهذا يَجِبُ به الحَدُّ إذا كان مُحَرَّمًا، ويَخْتَصُّ بإفْسادِ الحَجِّ دُونَ سائرِ مَحْظُوراتِه، ويُفْسِدُ صومَ اثْنَيْن في الغالِبِ، دُونَ غَيرِه.
стр. 3470
وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
ــ
١٠٧٩ - مسألة: (والكَفّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، فإن لم يَسْتَطِعْ فإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ كَفّارَةَ الوَطْءِ في رمضانَ مُرَتَّبَةٌ، ككَفارَةِ الظِّهارِ، يَلْزَمُه العِتْقُ، فإن عَجَز عنه انْتَقَلَ إلى الصيامِ، فإن عَجَز انْتَقَلَ إلى الإِطْعامِ المَذْكُورِ. وهذا قولُ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها على التَّخْيِيرِ بينَ هذه الثَّلاثَةِ، فبِأيِّها كَفَّرَ أجْزَأه. وهى رِوايَةٌ عن مالكٍ؛ لِما روَى مالكٌ، وابنُ جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رجلاً أفْطَرَ في رمضانَ، فأمَرَه النبىُّ ﷺ أن يُكَفِّرَ بعِتْقِ رَقَبَةٍ، أو صِيامِ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، أو إطْعامِ سِتِّين مِسْكِينًا (١). و «أو» حَرْفُ تَخْيِيرٍ. ولأنَّها تَجِبُ بالمُخالَفَةِ، فكانت على التَّخْيِيرِ، ككَفَّارَةِ اليَمِينِ. وعن مالكٍ،
стр. 3471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه قال: الذى نَأْخُذُ به في الذى يُصِيبُ أهْلَه في شهرِ رمضانَ، إطْعامُ سِتِّين مِسْكِينًا، وصِيامُ ذلك اليَوْمِ، وليس التَّحْرِيرُ والصيامُ مِن كفّارَةِ رمضانَ في شئٍ. وهذا القولُ مُخالِفٌ للحديثِ الصَّحيحِ، مع أنَّه ليس له أصْلٌ يَعْتَمِدُ عليه، ولا شئٌ يَسْتَنِدُ إليه، وسُنَّةُ النبىِّ ﷺ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى الحديثُ الصَّحِيحُ، رَواه مَعْمَرٌ، ويُونُسُ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، وموسى بنُ عُقْبَةَ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وعِراكُ بنُ مالكٍ، وغيرُهم، عن الزُّهْرِىِّ، عن حُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال للواقِعِ على أهْلِه: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟». قال: لا. قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟». قال: لا. قال: «فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟». قال: لا. وذَكَر سائِرَ الحدِيثِ، وهذا لَفْظُ التَّرْتِيبِ، والأخْذُ به أوْلَى مِن رِوايَةِ مالكٍ؛ لأنَّ أصحابَ الزُّهْرِىِّ اتَّفَقُوا على رِوايَتِه هكذا, سِوَى مالكٍ وابنِ جُرَيْجٍ، فيما عَلِمْنا، واحْتِمالُ الغَلَطِ فيهما أكْثَرُ مِن احْتِمالِه في سائِرِ أصحابِه، ولأنَّ التَّرْتِيبَ زِيادَةٌ، والأخْذُ بالزِّيادَةِ مُتَعَيِّنٌ، ولأنَّ حديثَنا لَفْظُ النبىِّ ﷺ ، وحَدِيثُهم لَفْظُ الرَّاوِى، ويَحْتَمِلُ أنَّه رَواه بـ «أو» لاعتِقادِه أنَّ مَعْنَى اللَّفْظَيْن سَواءٌ، ولأنَّها كَفّارَةٌ فيها صومُ شَهْرَيْن مُتَتابِعَيْن، فكانت مُرَتَّبَةً، كالظِّهارِ والقَتْلِ.
стр. 3472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فعلى هذه الرِّوايةِ، إذا عَدِم الرَّقَبَةَ انْتَقَلَ إلى الصومِ المَذْكورِ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في دُخولِ الصومِ في هذه الكَفّارَةِ، إلَّا قَوْلًا شاذًّا يُخالِفُ السُّنَّةَ الثابِتَةَ، وقد ذَكَرْناه. ولا خِلافَ بينَ مَن أوْجَبَه أنَّه شَهْران مُتَتابعان؛ للخَبَرِ. فإن لم يَشْرَعْ في الصيامِ حتى وَجَد الرَّقَبَةَ لَزِمَه العِتْقُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ سَألَ المُواقِعَ عن ما يَقْدِرُ عليه حينَ أخْبَرَه بالعِتْقِ، ولم يَسْألْه عن ما كان يَقْدِرُ عليه حالَةَ المُواقَعَةِ، وهى حالَةُ الوُجُوبِ، ولأَنَّه وَجَد المُبْدَلَ قبلَ التَّلَبُّسِ بالبَدَلِ، فلَزِمَه، كما لو وَجَدَه حالَ الوُجُوبِ. وإن شَرَع في الصومِ قبلَ القُدْرَةِ على الإِعْتاقِ، ثم قَدَر عليه، لم يَلْزَمْه الخُرُوجُ إليه، إلَّا أن يشاءَ أن يُعْتِقَ، فيُجْزِئُه، ويَكُونُ قد فَعَل الأوْلَى. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه العِتْقُ؛ لأنَّه قَدَر على الأصْلِ قبلَ أدْاءِ فَرْضِه بالبَدَلِ، فبَطَلَ حُكْمُ البَدَلِ، كالمُتَيمِّمِ يَرَى الماءَ. ولَنا، أنّه شَرَع في الكَفّارَةِ الواجِبَةِ عليه، فأجْزَأَتْه، كما لو اسْتَمَرَّ العَجْزُ، وفارَقَ العِتْقُ التَّيَمُّمَ، لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ وإنَّما يَسْتُرُه؛ فإذا وُجِد الماءُ ظَهَر حُكْمُه، بخِلافِ الصومِ؛ فإنَّه يَرْفَعُ حُكْمَ الجِماعِ بالكُلِّيَّةِ. الثانِى، أنَّ الصيامَ تَطُولُ مُدَّتُه، فيَشُقُّ إلْزامُه الجَمْعَ بينَه وبينَ العِتْقِ، بخِلافِ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ.
стр. 3473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: (فإن لم يَسْتَطِعْ فإطعامُ سِتِّين مِسْكِينًا) قال شيخُنا (١) ﵀: ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، في دُخُولِ الإِطْعامِ في كَفّارَةِ الوَطْءِ في رمضانَ في الجُمْلَةِ، وهو مَذْكُورٌ في الخَبَرِ. ولأَنَّه إطْعامٌ في كَفّارَةٍ فيها صومُ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْن، فكان سِتِّين مِسْكِينًا، ككَفّارةِ الظِّهارِ. وقَدْرُ المُطْعَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا مِن البُرِّ، لكلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ وهو رُبْعُ الصَّاعِ، أو ثلاثون صاعًا مِن التَّمْرِ أو الشَّعِيرِ، لكل مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ. وقال أبو حنيفةَ: مِن البُرِّ لكلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ، ومن غيرِه صاعٌ لكلِّ مِسْكِينٍ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ في حَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ: «فأطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ». رَواه أبو داودَ (٢). وقال أبو هُرَيْرَةَ: يُطْعِمُ مُدًّا مِن أىِّ الأنْواعِ شاء. وبهذا قال عَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ المُجامِعِ، أنَّ النبىَّ ﷺ أُتِىَ بمِكْتَلٍ مِن تَمْرٍ، قَدْرُه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فقالَ: «خُذْ هذا، فَأطْعِمْهُ عَنْكَ». رَواه أبو داودَ (٣). ولَنا، ما روَى أحمدُ (٤): حَدَّثنا إسْماعِيلُ، ثنا أيُّوبُ،
стр. 3474
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ عَنْهُ. وَعَنْهُ، لَا تَسْقُطُ. وَعَنْهُ، أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ، فَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ.
ــ
عن أبى يَزِيدٍ (١) المَدَنِىِّ، قال: جاءَتِ امرأةٌ مِن بنى بَياضَةَ بنِصْفِ وَسْقِ شَعِيرٍ، فقالَ النبىُّ ﷺ للمُظاهِرِ (٢): «أَطْعِمْ هذا، فَإنَّ مُدَّىْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ» (٣). ولأنَّ فِدْيَةَ الأذَى نِصْفُ صاعٍ مِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ بلا خِلافٍ، فكذا هذا. والمُدُّ مِن البُرِّ يَقُومُ مَقامَ نِصْفِ صاعٍ مِن غيرِه، بدَلِيلِ هذا الحديثِ، ولأنَّه قولُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وزيدٍ، ولا مُخالِفَ لهم في الصحابةِ. وأمّا حديثُ سَلَمَةَ بنِ صَخرٍ، فقد اخْتُلِفَ فيه، وحديثُ أصحابِ الشافعىِّ يَجُوزُ أن يَكُونَ الذى أُتِىَ به النبىُّ ﷺ قاصِرًا عن الواجِبِ، فاجْتُزِئَ به لعَجْزِ المُكَفِّرِ عن ما سِواه.
١٠٨٠ - مسألة: (فإن لم يَجدْ سَقَطَت عنه. وعنه، لا تَسْقُطُ. وعنه، أنَّ الكَفّارَةَ على التَّخْيِيرِ، فبِأيِّها كَفَّرَ أجْزَأَه) ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ المُجامِعَ في رمضانَ إذا عَجَز عن العِتْقِ والصِّيامِ والإِطْعامِ، أنَّ الكَفّارَةَ
стр. 3475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَسْقُطُ عنه. وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ. وقال الزُّهْرِىُّ: لا بُدَّ مِن التَّكْفِيرِ، بدَلِيلِ أنَّ الأعْرابِىَّ أَخْبَرَ النبىَّ ﷺ بإعْسارِهِ قبلَ أن يَدْفَعَ إليه العَرَقَ، ولم يُسْقِطْها عنه، ولأنَّها كَفّارَةٌ واجِبَةٌ فلم تَسْقُطْ بالعَجْزِ عنها، كسائِرِ الكَفّاراتِ. وهذه الرِّوايَةُ الثانيةُ عن أحمدَ. وهو قِياسُ قول أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، أنًّ الأعْرابِىَّ لَمّا دَفَع إليه النبىُّ ﷺ التَّمْرَ، فأخْبَرَهْ بحاجَتِه، قال: «أطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (١). ولم يَأْمُرْه بكَفّارَةٍ أُخْرَى. قَوْلُهم: إنَّه أخْبَرَ النبىَّ ﷺ بعَجْزِه فلم يُسْقِطْها. قُلْنا: قد أسْقَطَها عنه بعدَ ذلك، وهذا آخِرُ الأمْرَيْن مِن رسولِ اللهِ ﷺ . وأمّا القِياسُ على سائِرِ الكَفّاراتِ، فلا يَصِحُّ؛ لمُخالَفَتِه النَّصَّ. والاعتبارُ بالعَجْزِ في حالَةِ الوُجُوبِ، وهو حالَةُ الوَطْءِ.
стр. 3476
بَابُ مَا يُكْرَهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ، وَحُكْمُ الْقَضَاءِ
يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ، وَأنْ يَبْتَلِعَ النُّخَامَةَ. وَهَلْ يُفْطِرُ بِهِمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
بابُ ما يُكْرَهُ وما يُسْتَحَبُّ، وحُكْمُ القَضاءِ
١٠٨١ - مسألة: (ويُكْرَهُ للصّائِمِ أن يَجْمَعَ رِيقَه فيَبْلَعَه، وأن يَبْتلعَ النُّخامَةَ. وهل يُفْطِرُ بهما؟ على وَجْهَيْن) لا يُفَطِّرُ ابْتِلاعُ الرِّيقِ إذا لم يَجْمَعْه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ غُبارَ الطّرِيقِ. ويُكْرَهُ للصّائِمِ جَمْعُ رِيقِه وابْتِلاعُه؛ لإِمْكانِ التَّحَرُّزِ منه. فإن جَمَعَه ثم ابْتَلَعَه قَصْدًا، لم يُفَطِّرْه؛ لأنَّه يَصِلُ إلى جَوْفِه مِن مَعِدَتِه، أشْبَهَ إذا لم يَجْمَعْه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُفَطِّرُه؛ لأنَّه أمْكَنَه التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ ما لو قَصَد ابْتِلاعَ غُبارِ الطرَّيقِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الرِّيقَ لا يُفَطِّر إذا
стр. 3477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يَجْمَعْه، وإن قَصَد ابْتِلاعَه، فكذلك إذا جَمَعَه، بخِلافِ غُبارِ الطَّريقِ. فإن خَرَج ريقُه إلى ثَوْبِه، أو بينَ أَصابِعِه، أو بينَ شَفَتَيْه، ثم عاد فابْتَلَعَه، أو بَلَع رِيقَ غيرِه، أفْطَرَ؛ لأنَّه ابْتَلَعَه مِن غيرِ فَمِه، أشْبَهَ غيرَ الرِّيقِ. فإن قِيلَ: فقد رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ ﷺ كان يُقَبِّلُها وهو صائِمٌ, ويَمُصُّ لِسانَها. رَواه أبو داودَ (١). قُلْنا: قد رُوِىَ عن أبى داودَ أنَّه قال: هذا إسْنادٌ ليس بصَحِيحٍ. ويَجُوزُ أن يَكُونَ يُقَبِّلُ في الصوم، ويَمُصُّ لِسانَها في غيرِه. ويَجُوزُ أن يَمُصَّه ثم لا يَبْتَلِعُه، ولأنَّه لم يَتَحَقَّقِ انْفِصالُ ما على لِسانِها مِن البَلَلِ إلى فَمِه، فأشْبَهَ ما لو تَرَك حَصاةً مَبْلُولَةً في فيه، أو لو تَمَضْمَضَ بماءٍ ثم مَجَّه. ولو تَرَك في فَمِه حَصاةً أو دِرْهَمًا فأخْرَجَه وعليه بِلَّةٌ مِن الرِّيقِ، ثم أعادَه في فِيه، نَظَرْتَ؛ فإن كان ما عليه مِن الرِّيقِ كَثِيرًا فابْتَلَعَه، أفْطَرَ، وإن كان يَسِيرًا لم يُفْطِرْ بابْتِلاعِ رِيقِه. وقال بعضُ أصحابِنا: يُفْطِرُ لابْتِلاعِه ذلك البَلَلَ الذى كان على الجِسْمِ.
стр. 3478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولَنا، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْفِصالُ ذلك البَلَلِ ودُخُولُه إلى حَلْقِه، كالمَضْمَضَةِ، والتَّسَوُّكِ بالسِّواكِ الرَّطْبِ والمَبْلُولِ. ويُقَوِّى ذلك حديثُ عائشةَ في مَصِّ لِسانِها. ولو أخْرَجَ لِسانَه وعليه بِلَّةٌ، ثم عاد فأدْخَلَه وابْتَلَعَ رِيقَه، لم يُفْطِرْ.
فصل: وإنِ ابْتَلَعَ النُّخامَةَ، فقد. روَى حَنْبَلٌ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يَقُولُ: إذا تَنَخَّمَ ثم ازْدَرَدَه، فقد أفْطَرَ؛ لأنَّ النُّخامَةَ تَنْزِلُ مِن الرَّأْسِ، والرِّيقُ مِن الفَمِ. ولو تَنَخَّعَ مِن جَوْفِه ثم ازْدَرَدَه، أفْطَرَ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منها، أشْبَهَ الدَّمَ، ولأنَّها مِن غيرِ الفَمِ، أشْبَهَ القَئَ. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يُفْطِرُ. فإنَّه قال، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ:
стр. 3479
وَيُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعَامِ، وَإنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِى حَلْقِهِ، أَفْطَرَ.
ــ
ليس عليك قَضاءٌ إذا ابْتَلَعْتَ النُّخاعَةَ وأنت صائمٌ. لأنَّه مُعْتَادٌ في الفَمِ، أشْبَهَ الرِّيقَ.
فصل: فإن سال فَمُه دَمًا، أو خَرَج إليه قَلْسٌ (١) أو قَىْءٌ فازْدَرَدَه، أفْطَرَ وإن كان يَسِيرًا؛ لأنَّ الفَمَ في حُكْمِ الظّاهِرِ، والأصْلُ حُصُولُ الفِطْرِ بكلِّ واصِلٍ منه، لكنْ عُفِىَ عن الرِّيقِ، لعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، فيَبْقَى فيما عَداه على الأصْلِ. وإن ألْقاه مِن فِيه، وبَقِىَ فَمُه نَجِسًا، أو تَنَجَّسَ فَمُه بشئٍ مِن خارِجٍ، فابْتَلَعَ رِيقَه، فإن كان معه جُزْءٌ مِن المُنَجَّسِ أفْطَرَ بذلك الجُزْءِ، وإلَّا فلا.
١٠٨٢ - مسألة: (ويُكْرَهُ ذَوْقُ الطَّعامِ، وإن وَجَد طَعْمَه في
стр. 3480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَلْقِه، أفْطَرَ) قال أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أن يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعامِ، فإن فَعَل لم يَضُرَّه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ مِن غيرِ حاجَةٍ؛ لأنَّه رُبَّما دَخَل حَلْقَه فأفْطَرَ، ولا بَأْسَ به مع الحاجَةِ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: لا بَأْسَ أن يَذوقَ الطَّعامَ الخَلَّ، والشَّئَ يُرِيدُ شِراءَه (١). والحسنُ كان يَمْضَغُ الجَوْزَ لابنِ ابنِه وهو صائِمٌ (٢). ورَخَّصَ فيه إبراهيمُ. فإن فَعَل فوَجَدَ طَعْمَه في حَلْقِه أفْطَرَ، وإلَّا لم يُفْطِرْ.
فصل: ولا بَأْسَ بالسِّواكِ للصَّائِمِ قبلَ الزَّوالِ. قال أحمدُ: لا بَأْسَ به؛ لِما روَى عامِرُ بنُ رَبِيعةَ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، ما لا أُحْصِى، يَتَسَوَّكُ وهو صائِمٌ (٣). حديث حسنٌ. ولكنَّه يَكُونُ عُودًا ذاوِيًا. وهل يُكْرَهُ السِّواكُ للصّائِمِ بعدَ الزّوالِ؟ على رِوايَتَيْن، ذَكَرْناهما في بابِ الوُضُوءِ (٤). ويُكْرَهُ للصائِمِ السِّواكُ بالعُودِ الرَّطْبِ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
стр. 3481
وَيُكْرَهُ مَضْغُ الْعِلْكِ. الَّذِى لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أجْزَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ مَضْغُ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أجْزَاءٌ، إِلَّا أنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ، وَمَتَى وَجَدَ طَعْمَهُ فِى حَلْقِهِ، أَفْطَرَ.
ــ
وهو قولُ قَتادَةَ، والشَّعْبِىِّ، وإسحاقَ، ومالكٍ في رِوايَةٍ؛ لأنَّه مُغَرِّرٌ بصوْمِه؛ لكَوْنِه رُبَّما يَتحَلَّلُ منه أجْزَاءٌ تَصِلُ إلى حَلْقِه، فيُفَطِّرُه. وعنه، لا يُكْرَهُ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه يُرْوَى عن علىٍّ، وابنِ عُمَر، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، ولِما رَوَيْنا مِن الحديثِ واللهُ أعْلَمُ.
١٠٨٣ - مسألة: (ويُكْرَهُ مَضْغُ العِلْكِ الذى لا يَتَحَلَّلُ منه أجْزاءٌ، ولا يَجُوزُ مَضْغُ ما يَتَحَلَّلُ منه أجْزاءٌ إلَّا أن لا يَبْلَعَ رِيقَه، وإن وَجَدَ طَعْمَه في حَلْقِه، أفْطَرَ) المَنْقُولُ عن أحمدَ، ﵀، كَراهَةُ مَضْغِ العِلْكِ. قال إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لأحمدَ: الصّائِمُ يَمْضَغُ العِلْكَ؟ قال: لا.
стр. 3482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أصحابُنا: العِلْكُ ضَرْبان؛ أحَدُهما، ما يَتَحَلَّلُ منه أجْزاءٌ وهو الرَّدِئُ الذى يَتَحَلَّلُ بالمَضْغِ، فلا يَجْوزُ مَضْغُه، إلَّا أن لا يَبْلَعَ رِيقَه، فإن فَعَل فنَزَلَ إلى حَلْقِه منه شئٌ، أفْطَرَ به، كما لو تَعَمَّدَ أَكْلَه. والثانِى، القَوِىُّ الذى يَصْلُبُ بالمَضْغِ، فهذا يُكْرَهُ مَضْغه ولا يَحْرُمُ. ومِمَّن كَرِهَه الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومحمدُ بنُ علىٍّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ؛ وذلك لأنَّه يَحْلُبُ الفَمَ، ويَجْمَعُ الرِّيقَ، ويُورِث العَطَشَ. ورَخَّصَتْ عائشةُ في مَضْغِه. وبه قال عَطاءٌ؛ لأنَّه لا يَصِلُ إلى الجَوْفِ منه شئٌ، فهو كوَضْعِ الحَصاةِ في فِيه. ومتى مَضَغَه ولم يَجِدْ طَعْمَه في حَلْقِه، لم يُفْطِرْ. وإن وَجَد طَعْمَه في حَلْقِه ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يُفَطِّره، كالكُحْلِ إذا وَجَد طَعْمَه في حَلْقِه. والثانى، لا يُفَطِّرُه؛ لأنَّه لا يُتْرَكُ منه شئٌ، ومجَرَّدُ الطَّعْمِ لا يُفَطِّرُ؛ بدَلِيلِ أنَّه قد قِيلَ: إنَّ مَن لَطَخ باطِنَ قَدَمِه بالحَنْظَلِ وَجَد طَعْمَه، ولا يُفْطِرُ. بخِلافِ الكُحْلِ، فإنَّ أَجْزاءَه
стр. 3483
وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ــ
تَصِلُ إلى الحَلْقِ، ويُشَاهَدُ إذا تَنَخَّعَ. قال أحمدُ: مَن وَضَعَ في فِيه دِرْهَمًا أو دِينارًا وهو صائِمٌ، فلا بَأْسَ به، ما لم يَجِدْ طَعْمَه في حَلْقِه، وما يَجِدُ طَعْمَه فلا يُعْجِبُنِى. وقال عبدُ اللهِ: سَألْتُ أبى عن الصّائِمِ يَفْتِلُ الخُيُوطَ، قال: يُعْجِبُنِى أن يَبْزُقَ.
١٠٨٤ - مسألة: (وتُكْرَهُ القُبْلَةُ، إلَّا أن يَكُونَ ممَّن لا تُحَرِّكُ شَهْوَتَه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) وجُمْلَتُه أنَّ المُقَبِّلَ لا يَخْلُو مِن ثَلاثَةِ أقْسَامٍ؛ أحَدُها، أن يَكُونَ ذا شَهْوَةٍ مُفْرِطَةٍ، يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه إذا قَبَّلَ أنْزَلَ أو مَذَى، فهذا تَحْرُمُ عليه القُبْلَةُ؛ لأنَّها مُفْسِدَةٌ لصَوْمِه، أشْبَهَتِ الأكْلَ. الثانِى، أن يَكُونَ ذا شَهْوَةٍ، لكنَّه لا يَغْلِبُ على ظَنِّه ذلك، فيُكْرَهُ له التَّقْبِيلُ, لأنَّه يُعَرِّضُ صَوْمَه للفِطْرِ، ولا يَأْمَنُ عليه الفَسادَ؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ في المَنامِ،
стр. 3484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأعْرَضَ عَنِّى، فقُلْتُ له: [ما لى] (١)؟ فقال: «إنَّكَ تُقَبِّلُ وَأنْتَ صَائِمٌ» (٢). ولأنَّ العِبادَةَ إذا مَنَعَتِ الوَطْءَ مَنَعَت دَواعِيَه، كالإِحْرامِ. ولا تَحْرُمُ القُبْلَةُ في هذه الحال؛ لِما رُوِىَ أنَّ رجلاً قَبَّلَ وهو صائِمٌ، فأرْسَلَ امْرَأتَه، فسَألَتِ النبىَّ ﷺ ، فأخْبَرَها النبىُّ ﷺ أنَّه يُقَبِّلُ وهو صائِمٌ، فقالَ الرجلُ: إنَّ رسول اللهِ ﷺ ليس مِثْلَنا، قد غَفَر اللهُ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه وما تَأخَّرَ. فغَضِبَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وقال: «إنِّى لَأخْشَاكُمْ لِلّهِ، وَأعْلَمُكُمْ بِمَا أتَّقِى». رَواه مسلمٌ بمَعْناه (٣). ورُوِىَ عن عُمَرَ، أنَّه قال: هَشَشْتُ فقَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ صَنَعْتُ
стр. 3485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اليَوْمَ أمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ. قال: «أرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وَأنْتَ صَائِمٌ؟» قُلْتُ: لا بَأْسَ به. قال: «فَمَهْ». رَواه أبو داودَ (١). ولأنَّ إفْضَاءَه إلى إفْسادِ الصومِ مَشْكُوكٌ فيه، ولا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بالشَّكِّ. الثالثُ، أن يَكُونَ مِمَّن لا تُحَرِّكُ القُبْلَةُ شَهْوَتَه، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تُكْرَهُ له. وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ كان يُقَبِّلُ وهو صائِمٌ، لَمّا كان مالِكًا لإِرْبِهِ، وغيرُ ذِى الشَّهْوَةِ في مَعْناه. وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رجلاً سَألَ النبىَّ ﷺ عن المُباشَرَةِ للصائِمِ، فرَخَّصَ له، فأتاه آخَرُ فسَألَه (٢)، فنَهاه، فإذا الذى رَخَّصَ له شيخٌ، والذى نَهاه شابٌّ. أخْرَجَه أبو داودَ (٣). ولأنَّها مُباشَرَةٌ لغيرِ شَهْوَةٍ، أشْبَهَتْ لَمْسَ اليَدِ لحاجَةٍ.
стр. 3486
وَيَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ, فَإِنْ شُتِمَ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: إِنِّى صَائِمٌ.
ــ
والثانيةُ، يُكْرَهُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ حُدُوثَ الشَّهْوَةِ، ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ تَمْنَعُ الوَطْءَ، فاسْتَوَى في القُبْلَةِ فيها مَن تُحَرِّكُ شَهْوَتَه ومَن لا تُحَرِّكُ، كالإِحرامِ. فأمّا اللَّمْسُ لغيرِ شَهْوَةٍ، كلَمْسِ اليَدِ ليَعْرِفَ مَرَضَها، ونحوِه، فليس بمكْرُوهٍ بحالٍ؛ لأنَّ ذلك لا يُكْرَهُ في الإِحْرامِ، أشْبَهَ لَمْسَ ثَوْبِها.
١٠٨٥ - مسألة: (ويَجِبُ عليه اجْتِنابُ الكَذِبِ والغِيبَةِ
стр. 3487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشَّتْمِ، فإن شُتِمَ اسْتُحِبَّ أن يَقُولَ: إنِّى صائِمٌ) يَجِبُ على الصّائِمِ أن يُنَزِّهَ صَوْمَه عن هذه الأشْياءِ. قال أحمدُ: يَنْبَغِى للصّائِمِ أن يَتَعاهَدَ صَوْمَه مِن لِسانِه، ولا يُمارِىَ، ويَصُونَ صومَه، كانُوا إذا صامُوا قَعَدُوا في المَساجِدِ، فقالُوا: نَحْفَظُ صَوْمَنا, ولا نَغْتابُ أحَدًا. ولا يَعْمَلَ عَمَلًا يَجْرَحُ به صَوْمَه. وقال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، والعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلّهِ حِاجَةٌ فِى أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». وقال أبو هُرَيْرَةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إلَّا الصِّيامَ، فَإنَّهُ لِى وَأنَا أجْزِى بِهِ، الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه لخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، للِصَّائِمِ فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». مُتَّفَقٌ عليهما (١).
وَيُسْتَحَبُّ التَّتَابُعُ فِى قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَلَا يَجِبُ.
ــ
عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا، [كَانَ لَهُ] (١) مِثْلُ أجْرِه، مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أجْرِ الصَّائِمِ شىْءٌ». قال التِّرْمِذِىُّ (٢): حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
١٠٨٨ - مسألة: (يُسْتَحَبُّ التَّتابُعُ في قَضاءِ رمضانَ، ولا يَجبُ) لا نَعْلَمُ خِلافًا في اسْتِحْبابِ التَّتابُع في قَضاءِ رمضانَ, لأنَّه أشْبَهُ بالَأداءِ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ، ولا يَجِبُ. هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وأنَسِ ابنِ مالكٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأبى قِلابَةَ، ومُجاهِدٍ، وأهلِ المدينةِ،
стр. 3497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومالكٍ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وغيرِهم (١). وحُكِىَ وُجُوبُ التَّتابُعِ عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ. وقال داودُ: يَجِبُ، ولا يُشْتَرَطُ؛ لِما روَى ابنُ المُنْذِرِ بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ، فَلْيَسْرُدْهُ، وَلَا يَقْطَعْهُ» (٢). ولَنا، قَوْلُه (٣) تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤). غيرُ مُقَيَّدٍ بالتَّتابُعِ. فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالت: نَزَلَتْ: (فَعِدَّةٌ منْ أيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ). فسَقَطَت «مُتَتَابِعاتٍ» (٥). قُلْنا: هذا لم تَثْبُتْ عندَنا صِحَّتُه، ولو صَحَّ فقد سَقَطَتِ اللَّفْظَةُ المُحْتَجُّ بها. وأيضًا قولُ الصحابةِ، قال ابنُ عُمَرَ: إن سافَرَ؛ إن شاء فَرَّقَ، وإن شاء تابَعَ. ورُوِىَ مَرْفُوعًا (٦). وقال أبو عُبَيْدَةَ (٧)، في
стр. 3498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَضاءِ رمضانَ: اللهُ لم يُرَخِّصْ لكم في فِطْرِه، وهو يُرِيدُ أن يَشُقَّ عليكم في قَضائِه (١). وعن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، أنَّه قال: بَلَغَنِى أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِل عن تَقْطِيعِ قَضاءِ رمضانَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ كَانَ عَلَى أحَدِكُمْ دَيْنٌ فقَضَاهُ مِنَ الدِّرْهَمِ و (٢) الدِّرْهَمَيْن، حَتَّى يَقْضِىَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَاضِيًا دَيْنَهُ؟» قالُوا: نعم يا رسولَ اللهِ. قال: «فاللهُ أحَقُّ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ مِنْكُمْ». رَواه الأثْرَمُ (٣). ولأنَّه صومٌ لا يَتَعَلَّقُ بزَمانٍ بعَيْنِه، فلم يَجِبْ فيه التَّتابُعُ، كالنَّذْرِ المُطْلَقِ، وخَبَرُهم لم تَثْبُتْ صِحَّتُه، ولم يَذْكُرْه أَصحابُ السُّنَنِ، ولو صَحَّ حَمَلْناه على الاسْتِحْبابِ؛ جَمْعًا بَيْنَه وبينَ ما ذَكَرْناه. واللهُ أعلمُ.
стр. 3499
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيرِ عُذْرٍ.
ــ
فصل: قال، ﵀: (ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضاءِ رمضانَ إلى رمضانَ آخَرَ مِن غيرِ عُذْرٍ) وجُمْلَتُه أنَّ مَن عليه صومٌ مِن رمضانَ، فله تَأْخِيرُه ما لم يَدْخُلْ رمضانُ آخَرُ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان يكونُ علىَّ الصيامُ مِن شهرِ رمضانَ، فما أقْضِيه حتى يَجِئَ شعبانُ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولا يجوزُ تَأْخِيرُه إلى رمضانَ آخَرَ مِن غيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها،
стр. 3500
فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ.
ــ
لم تُؤَخِّرْه إلى ذلك، ولو أمْكَنَها لأَخَّرَتْه، ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، فلم يَجُزْ [تَأْخِيرُ الأُولَى] (١) عن الثانيةِ، كالصَّلواتِ (٢) المَفْرُوضَةِ.
١٠٨٩ - مسألة: (فإن فَعَل، فعليه القضاءُ، وإطْعامُ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ) إذا أخَّرَ قَضاءَ رمضانَ حتى أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ لعُذْرٍ، فليس عليه إلَّا القَضاءُ؛ لعُمومِ الآيَةِ. وإن كان لغيرِ عُذْرٍ، فعليه مع القَضاءِ إطعامُ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، ومجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ. وقال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه صومٌ واحبٌ، فلم يَجِبْ عليه في تَأْخِيرِه كَفّارَةٌ، كالأداءِ والنَّذْرِ. ولنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ، ولم يُرْوَ عن غيرِهم خلافُهم. ورُوِىَ مُسْنَدًا مِن طريقٍ ضَعِيفٍ (٣)، ولأنَّ تَأْخِيرَ صومِ رمضانَ عن وَقْتِه إذا لم يُوجِبِ القَضاءَ أوْجَبَ الفِدْيَةَ، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ.
فصل: فإن أخَّرَه لعُذْرٍ حتى أدْرَكَه رَمضانان أو أكْثَرُ، لم يَكُنْ عليه
стр. 3501
وَإِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ.
ــ
أكثرُ مِن فِدْيَةٍ مع القَضاءِ؛ لأنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لا يَزْدادُ بها الواجِبُ، كما لو أخَّرَ الحَجَّ الواجِبَ سِنِينَ، لم يَكُنْ عليه أكثرُ مِن فِعْلِه.
١٠٩٠ - مسألة: (وإن أخَّرَه لعُذْرٍ فلا شئَ عليه، وإن مات) مَن مات وعليه صِيامٌ مِن رمضانَ قبلَ إمْكانِ الصِّيامِ، إمّا لضِيقِ الوَقْتِ، أو لعُذْرٍ مِن مَرَضٍ، أو سَفَرٍ، أو عَجْزٍ عن الصومِ، فلا شئَ عليه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن طاوُسٍ، وقَتادَةَ أَنَّهما قالا: يَجِبُ الإِطْعامُ عنه؛ لأنَّه صومٌ واجِبٌ سَقَط بالعَجْزِ عنه، فوَجَبَ الإِطْعامُ عنه، كالشَّيْخِ الهِمِّ (١) إذا تركَ الصيامَ لعَجْزِه عنه. ولَنا، أنَّه حَقٌّ للهِ تعالى وَجَب بالشَّرْعِ، مات مَن يَجِبُ عليه قبلَ إمْكانِ فِعْلِه، فسَقَطَ إلى غيرِ بَدَلٍ، كالحَجِّ، ويُفارِقُ الشَّيْخَ الهِمَّ (١)؛ فإنَّهُ يَجُوزُ ابْتِداءُ الوُجُوبِ عليه، بخِلافِ المَيِّتِ.
стр. 3502
وَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ آخَرَ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمِ مِسْكِينٌ. وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَهَلْ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ أَوِ اثْنَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
١٠٩١ - مسألة: (وإن أخَّرَه لغيرِ عُذْرٍ، فمات قبلَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، أُطْعِمَ عنه لكلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ. ومَن مات بعدَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، فهل يُطْعَمُ عنه لكلِّ يومٍ مِسْكينٌ أو اثْنان؟ على وَجْهَيْن) إذا أخَّرَ قَضاءَ رمضانَ مع إمْكانِ القَضاءِ، فمات، أُطْعِمَ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِىَ ذلك عن عائشةَ، وابنِ عباسٍ. وبه قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والَأوْزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وابنُ عُلَيَّةَ، وأبو عُبَيْدٍ، في الصَّحِيحِ عنهم. وقال أبو ثَوْرٍ: يُصامُ عنه. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وروَى ابنُ عباسٍ نحْوَه (٢). ولَنا، ما روَى ابنُ ماجه، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال:
стр. 3503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» (١). رَواه التِّرْمِذِىُّ، وقال: الصَّحِيحُ عن ابنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ. وعن عائشةَ أيضًا، قالت: يُطْعَمُ عنه في قَضاءِ رمضانَ، ولا يُصامُ (٢). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ مات وعليه نَذْرٌ يَصُومُ شَهْرًا، وعليه صومُ رمضانَ؟ قال: أمّا رمضانُ فيُطْعَمُ عنه، وأمّا النَّذْرُ فيُصامُ عنه (٣). رَواه الأثْرَمُ في السُّنَنِ. ولأنَّ الصومَ لا تَدْخُلُه النِّيابَةُ حالَ الحَياةِ، فكذلك بعدَ الوَفاةِ، كالصلاةِ. فأمّا حَدِيثُهم فهو في النَّذْرِ؛ لأنَّه قد جاء مُصَرَّحًا به في بعضِ الألْفاظِ، كذلك رَواه البخارىُّ، عن ابنِ عباسٍ (٤)، قال:
стр. 3504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قالَتِ امرأةٌ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّى ماتَتْ وعليها صومُ نَذْرٍ، أفأقْضِيه عنها؟ قال: «أرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أكَانَ يُؤَدِّى ذَلِكَ عَنْهَا؟» قالت: نعم. قال: «فَصُومِى عَنْ أُمِّكِ». وقالت عائشةُ، وابنُ عباسٍ كقَوْلِنا، وهما راوِيا حَدِيثِهم، فدَلَّ على ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن مات المُفَرِّطُ بعدَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، لم يَجِبْ عليه أكْثَرُ مِن إطْعامِ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، فيما رَواه عنه أبو داودَ، أنَّ رجلاً سَألَه عن امرأةٍ أفْطَرَتْ رمضانَ، ثم أدْرَكَها رمضانُ آخَرُ، ثم ماتَتْ؟ قال: يُطْعَمُ عنها. قال له السّائِلُ: كم أُطْعِمُ؟ قال: كم أفْطَرَتْ؟ قال: ثَلاثِين يَوْمًا. قال: اجْمَعْ ثلاثِين مِسْكِينًا، وأطْعِمْهم مَرَّةً واحِدَةً، وأشْبِعْهم. قال: ما أطْعِمُهم؟ قال: خُبْزًا ولَحْمًا إن قَدَرْتَ مِن أوْسَطِ طَعامِكم. وذلك لأنَّه بإخْراجِ كَفَّارَةٍ واحِدَةٍ، زال تَفْرِيطُه بالتَّأْخِيرِ، فصار كما لو مات مِن غيرِ تَفْرِيطٍ. وقال أبو الخَطّابِ: يُطْعَمُ عنه لكلِّ يومٍ مِسْكِينان؛ لأنَّ المَوْتَ بعدَ التَّفْرِيطِ بدُونِ التَّأْخِيرِ عن رمَضانَ آخَرَ يُوجِبُ كَفّارَةً، والتَّأْخِيرُ بدُونِ المَوْتِ يُوجِبُ كَفّارَةً، فإذا اجْتَمَعَا وَجَب كَفَّارَتان، كما لو فَرَّطَ في يَوْمَيْن.
стр. 3505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في جَوازِ التَّطَوُّعِ بالصومِ مِمَّن عليه صومُ فَرْضٍ؛ فنَقَلَ عنه حَنْبَلٌ، أنَّه لا يَجُوزُ، بل يَبْدَأُ بالفَرْضِ حتى يَقْضِيَه؛ إن كان عليه نَذْرٌ صامَه، يَعْنِى بعد الفَرْضِ. وروَى حَنْبَلٌ، [عن أحمدَ] (١)، بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا، وعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ». ولأنَّه عِبادَةٌ يَدْخُلُ في جُبْرانِها المالُ، فلم يَصِحَّ التَّطَوُّعُ قبلَ أَداءِ فَرْضِها، كالحَجِّ. ورُوِىَ عنه، أنَّه يَجُوزُ له التَّطَوُّعُ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بوَقْتٍ مُوَسَّعٍ، فجاز التَّطَوُّعُ في وَقْتِها قبلَ فِعْلِها، كالصلاةِ يُتَطَوَّعُ في وَقْتِها قبلَ فِعْلِها، وعليه يُخَرَّجُ الحَجُّ. ولأنَّ التَّطَوُّعَ بالحَجِّ يَمْنَعُ فِعْلَ واجِبِه المُتَعَيَّنِ، فأشْبَهَ صومَ التَّطَوُّعِ في رمضانَ، على أنَّ لنا في الحَجِّ مَنْعًا. والحَدِيثُ يَرْوِيه ابنُ لَهيعَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وفى سِياقِه ما هو مَتْرُوكٌ، فإنَّه قال في آخِرِه: «وَمَنْ أدْرَكَهُ رَمَضَانُ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ». ويُخَرَّجُ في التَّطَوُّعِ بالصلاةِ في حَقِّ مَن عليه القَضاءُ مثلُ ما ذَكَرْنا في الصومِ، بل عَدَمُ الصِّحَّةِ في الصلاةِ أوْلَى؛ لأنَّها تَجِبُ على الفَوْرِ، بخِلافِ الصومَ.