وَإِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ.
ــ
أكثرُ مِن فِدْيَةٍ مع القَضاءِ؛ لأنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لا يَزْدادُ بها الواجِبُ، كما لو أخَّرَ الحَجَّ الواجِبَ سِنِينَ، لم يَكُنْ عليه أكثرُ مِن فِعْلِه.
١٠٩٠ - مسألة: (وإن أخَّرَه لعُذْرٍ فلا شئَ عليه، وإن مات) مَن مات وعليه صِيامٌ مِن رمضانَ قبلَ إمْكانِ الصِّيامِ، إمّا لضِيقِ الوَقْتِ، أو لعُذْرٍ مِن مَرَضٍ، أو سَفَرٍ، أو عَجْزٍ عن الصومِ، فلا شئَ عليه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن طاوُسٍ، وقَتادَةَ أَنَّهما قالا: يَجِبُ الإِطْعامُ عنه؛ لأنَّه صومٌ واجِبٌ سَقَط بالعَجْزِ عنه، فوَجَبَ الإِطْعامُ عنه، كالشَّيْخِ الهِمِّ (١) إذا تركَ الصيامَ لعَجْزِه عنه. ولَنا، أنَّه حَقٌّ للهِ تعالى وَجَب بالشَّرْعِ، مات مَن يَجِبُ عليه قبلَ إمْكانِ فِعْلِه، فسَقَطَ إلى غيرِ بَدَلٍ، كالحَجِّ، ويُفارِقُ الشَّيْخَ الهِمَّ (١)؛ فإنَّهُ يَجُوزُ ابْتِداءُ الوُجُوبِ عليه، بخِلافِ المَيِّتِ.
стр. 3502
وَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ آخَرَ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمِ مِسْكِينٌ. وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَهَلْ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ أَوِ اثْنَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
١٠٩١ - مسألة: (وإن أخَّرَه لغيرِ عُذْرٍ، فمات قبلَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، أُطْعِمَ عنه لكلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ. ومَن مات بعدَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، فهل يُطْعَمُ عنه لكلِّ يومٍ مِسْكينٌ أو اثْنان؟ على وَجْهَيْن) إذا أخَّرَ قَضاءَ رمضانَ مع إمْكانِ القَضاءِ، فمات، أُطْعِمَ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِىَ ذلك عن عائشةَ، وابنِ عباسٍ. وبه قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والَأوْزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وابنُ عُلَيَّةَ، وأبو عُبَيْدٍ، في الصَّحِيحِ عنهم. وقال أبو ثَوْرٍ: يُصامُ عنه. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وروَى ابنُ عباسٍ نحْوَه (٢). ولَنا، ما روَى ابنُ ماجه، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال:
стр. 3503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» (١). رَواه التِّرْمِذِىُّ، وقال: الصَّحِيحُ عن ابنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ. وعن عائشةَ أيضًا، قالت: يُطْعَمُ عنه في قَضاءِ رمضانَ، ولا يُصامُ (٢). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ مات وعليه نَذْرٌ يَصُومُ شَهْرًا، وعليه صومُ رمضانَ؟ قال: أمّا رمضانُ فيُطْعَمُ عنه، وأمّا النَّذْرُ فيُصامُ عنه (٣). رَواه الأثْرَمُ في السُّنَنِ. ولأنَّ الصومَ لا تَدْخُلُه النِّيابَةُ حالَ الحَياةِ، فكذلك بعدَ الوَفاةِ، كالصلاةِ. فأمّا حَدِيثُهم فهو في النَّذْرِ؛ لأنَّه قد جاء مُصَرَّحًا به في بعضِ الألْفاظِ، كذلك رَواه البخارىُّ، عن ابنِ عباسٍ (٤)، قال:
стр. 3504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قالَتِ امرأةٌ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّى ماتَتْ وعليها صومُ نَذْرٍ، أفأقْضِيه عنها؟ قال: «أرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أكَانَ يُؤَدِّى ذَلِكَ عَنْهَا؟» قالت: نعم. قال: «فَصُومِى عَنْ أُمِّكِ». وقالت عائشةُ، وابنُ عباسٍ كقَوْلِنا، وهما راوِيا حَدِيثِهم، فدَلَّ على ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن مات المُفَرِّطُ بعدَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، لم يَجِبْ عليه أكْثَرُ مِن إطْعامِ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، فيما رَواه عنه أبو داودَ، أنَّ رجلاً سَألَه عن امرأةٍ أفْطَرَتْ رمضانَ، ثم أدْرَكَها رمضانُ آخَرُ، ثم ماتَتْ؟ قال: يُطْعَمُ عنها. قال له السّائِلُ: كم أُطْعِمُ؟ قال: كم أفْطَرَتْ؟ قال: ثَلاثِين يَوْمًا. قال: اجْمَعْ ثلاثِين مِسْكِينًا، وأطْعِمْهم مَرَّةً واحِدَةً، وأشْبِعْهم. قال: ما أطْعِمُهم؟ قال: خُبْزًا ولَحْمًا إن قَدَرْتَ مِن أوْسَطِ طَعامِكم. وذلك لأنَّه بإخْراجِ كَفَّارَةٍ واحِدَةٍ، زال تَفْرِيطُه بالتَّأْخِيرِ، فصار كما لو مات مِن غيرِ تَفْرِيطٍ. وقال أبو الخَطّابِ: يُطْعَمُ عنه لكلِّ يومٍ مِسْكِينان؛ لأنَّ المَوْتَ بعدَ التَّفْرِيطِ بدُونِ التَّأْخِيرِ عن رمَضانَ آخَرَ يُوجِبُ كَفّارَةً، والتَّأْخِيرُ بدُونِ المَوْتِ يُوجِبُ كَفّارَةً، فإذا اجْتَمَعَا وَجَب كَفَّارَتان، كما لو فَرَّطَ في يَوْمَيْن.
стр. 3505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في جَوازِ التَّطَوُّعِ بالصومِ مِمَّن عليه صومُ فَرْضٍ؛ فنَقَلَ عنه حَنْبَلٌ، أنَّه لا يَجُوزُ، بل يَبْدَأُ بالفَرْضِ حتى يَقْضِيَه؛ إن كان عليه نَذْرٌ صامَه، يَعْنِى بعد الفَرْضِ. وروَى حَنْبَلٌ، [عن أحمدَ] (١)، بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا، وعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ». ولأنَّه عِبادَةٌ يَدْخُلُ في جُبْرانِها المالُ، فلم يَصِحَّ التَّطَوُّعُ قبلَ أَداءِ فَرْضِها، كالحَجِّ. ورُوِىَ عنه، أنَّه يَجُوزُ له التَّطَوُّعُ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بوَقْتٍ مُوَسَّعٍ، فجاز التَّطَوُّعُ في وَقْتِها قبلَ فِعْلِها، كالصلاةِ يُتَطَوَّعُ في وَقْتِها قبلَ فِعْلِها، وعليه يُخَرَّجُ الحَجُّ. ولأنَّ التَّطَوُّعَ بالحَجِّ يَمْنَعُ فِعْلَ واجِبِه المُتَعَيَّنِ، فأشْبَهَ صومَ التَّطَوُّعِ في رمضانَ، على أنَّ لنا في الحَجِّ مَنْعًا. والحَدِيثُ يَرْوِيه ابنُ لَهيعَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وفى سِياقِه ما هو مَتْرُوكٌ، فإنَّه قال في آخِرِه: «وَمَنْ أدْرَكَهُ رَمَضَانُ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ». ويُخَرَّجُ في التَّطَوُّعِ بالصلاةِ في حَقِّ مَن عليه القَضاءُ مثلُ ما ذَكَرْنا في الصومِ، بل عَدَمُ الصِّحَّةِ في الصلاةِ أوْلَى؛ لأنَّها تَجِبُ على الفَوْرِ، بخِلافِ الصومَ.
стр. 3506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في كَراهِيَةِ القَضاءِ في عَشْرِ ذى الحِجَّةِ، فرُوِىَ أنَّه لا يُكْرَهُ. وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان يَسْتَحِبُّ قَضاءَ رمضانَ في العَشْرِ، ولأنَّه أيَّامُ عِبادَةٍ، فلم يُكْرَهِ القَضاءُ فيه، كعَشْرِ المُحَرَّم. والثانيةُ، يُكْرَهُ. رُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ، والزُّهْرِىِّ؛ لأنَّه يُرْوَى عَن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كَرِهَه. ولأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَا مِنْ أيَامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيهَا أحَبُّ إلَى اللهِ سُبْحَانَهُ مِنْ هَذِهِ الْأيَّامِ». يَعْنِى أيّامَ العَشْرِ. قالُوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قال: «ولا الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رَجُلاً خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَىْءٍ» (١). فاسْتُحِبَّ إخْلاؤُها للتَّطَوُّعِ لينالَ (٢) فَضِيلَتَها، ويَجْعَلُ القَضاءَ في غيرِها. وقالْ بعضُ أصحابِنا: هاتان الرِّوايَتان مَبْنِيَّتان على الرِّوايَتَيْن في إباحَةِ التَّطَوُّعِ قبلَ صومِ الفَرْضِ وتَحْرِيمِه، فمنَ أباحَه كَرِه القَضاءَ فيها؛ لتَوْفِيرِها على التَّطَوُّعِ لينالَ (٢) فَضْلَه فيها مع فَضْلِ القَضاءِ،
стр. 3507
وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أوْ حَجٌّ أَوِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ، فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ. وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
ومَن حَرَّمَه لم يَكْرَهْه، بل اسْتَحَبَّ فِعْلَه فيها, لِئَلَّا تَخْلُوَ مِنِ العِبادَةِ بالكُلِّيَّةِ. قال شَيْخُنا (١): ويَقْوَى عندِى أنَّ هاتَيْن الرِّوايَتَيْن فرْعٌ على إباحَةِ التَّطَوُّعِ قبلَ القَضاءِ، أمّا على رِوايَةِ التَّحْرِيمِ، فيَكُونُ صَوْمُها تَطَوُّعًا قبلَ الفَرْضِ مُحَرَّمًا، وذلك أبْلَغُ مِن الكَراهَةِ. واللهُ أعلمُ.
١٠٩٢ - مسألة: (ومَن مات وعليه صومٌ مَنْذُورٌ أو حَجٌّ أو اعْتِكافٌ، فَعَلَه عنه وَلِيُّه. وإن كانت صلاةً مَنْذُورَةً، فعلى رِوَايَتَيْن) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن مات وعليه صومُ نَذْرٍ، ففَعَلَه عنه وَلِيُّه، أجْزَأ عنه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يَجِبُ على الوَلِىِّ قَضاءُ دَيْنِ المَيِّتِ إذا لم يُخَلِّفْ تَرِكَةً، كذلك هذا، لكنْ يُسْتَحَبُّ له أن يَصُومَ عنه لتَفْرِيغِ ذِمَّتِه، وكذلك يُسْتَحَبُّ له قَضاءُ الدَّيْنِ عنه، ولا يَخْتَصُّ ذلك بالوَلِىِّ، بل كلُّ مَن قَضَى (١) عنه وصام عنه
وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَوْمُ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ.
ــ
١٠٩٤ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صِيامُ أيّامِ البِيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ، وصومُ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ) صِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَبٌّ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، بدَلِيلِ ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أوْصَانِى خَلِيلِى بثَلاثٍ؛ صِيامِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ورَكْعَتَىِ الضُّحَى، وأن أُوتِرَ قبلَ أن أنامَ. وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْروٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال له: «صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، فَإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ». مُتَّفَقٌ عليهما (١). ويُسْتَحَبُّ أنْ يَجْعَلَ هذه الثَّلاثَةَ أيّامَ [البِيضِ، وهى] (٢) ثلاثَ عَشْرَةَ، وأرْبَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ؛ لِما روَى أبو ذَرٍّ، قال: قال
стр. 3516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رسولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ، إذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةً، فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وأَربَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ» (١). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ. وروَى النَّسائِىُّ (٢)، أنَّ النبىَّ ﷺ قال لأعْرابِىٍّ: «كُلْ». قال: إنِّى صائِمٌ. قال: «صَوْمُ مَاذا؟». قال: صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّام مِن الشَّهْرِ. قال: «إنْ كُنْتَ صَائِمًا فعَلَيْكَ بِالغُرِّ الْبِيضِ، ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأرْبَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ». وعن مِلْحانَ القَيْسِىِّ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنا أن نَصُومَ البِيضَ؛ ثلاثَ عَشْرَةَ، وأرْبَعَ عَشْرَةَ، وخمْسَ عَشْرَةَ، وقال: «هُوَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ». أخْرجه أبو داودَ (٣). وسُمِّيَتْ أيّامَ البِيضِ لابْيِضاضِ لَيْلِها، والتَّقْدِيرُ: أيّامَ اللَّيالِى البِيضِ. وذَكَر أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ أنَّ اللهَ سُبْحَانَه تاب على آدمَ فيها، وبَيَّضَ صحِيفَتَه. ورَوى أسامَةُ ابنُ زَيْدٍ أنَّ نبىَّ اللهِ ﷺ كان يَصُومُ يومَ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ، فسُئِلَ عن
стр. 3517
وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، [٥٩ و] وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ.
ــ
ذلك، فقالَ: «إنَّ أعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ». رَواه أبو داودَ (١)، وفى لَفْظٍ: «فَأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلِى وَأَنَا صَائِمٌ».
١٠٩٥ - مسألة: (ومَن صام رمضانَ، وأتْبَعَه بسِتٍّ مِن شَوّالٍ، فكَأنَّما صام الدَّهْرَ) صَوْمُ سِتَّةِ أَيّامٍ مِن شَوّالٍ مُسْتَحَبٌّ، عندَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، رُوِىَ عن كَعْبِ الأحْبارِ (٢)، والشَّعْبِىِّ، ومَيْمُونِ بنِ مِهْران، والشافِعِىِّ. وكَرِهَه مالكٌ، وقال: ما رَأَيْتُ أحَدًا مِن أَهْلِ الفِقْهِ يَصُومُها، ولم يَبْلُغْنى ذلك عن أحَدٍ مِن السَّلَفِ، وإنَّ أهْلَ العِلْمِ يَكْرَهُون ذلك، ويخافُون بِدْعَتَه، وأن يُلْحَقَ برمضانَ ما ليس منه. ولَنا، ما روَى
стр. 3518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ». رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ. قال أحمدُ: هو مِن ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ عن النبىِّ ﷺ ، ولا يَجْرِى مَجْرَى التَّقْدِيمِ لرمضانَ؛ لأنَّ يَوْمَ العِيدِ فاصِلٌ. وروَى سعيدٌ بإسْنادِه عن ثَوْبانَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، شَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصَامَ سِتَّةَ أيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرِ، وَذَلِكَ تَمَامُ سَنَةٍ» (٢). يَعْنِي أنَّ الحَسَنَةَ بعَشْرِ أمْثالِها، فالشَّهْرُ بعَشَرَةٍ، والسِّتَّةُ بسِتِّينَ يَوْمًا. فذلك سَنَةٌ كامِلَةٌ. فإن قِيلَ: فالحَدِيثُ لا يَدُلُّ على فَضِيلَتِها؛ لأَنَّه شَبَّهَ صِيامَها بصِيامِ الدَّهْرِ، وهو مَكْرُوهٌ. قُلْنا: إنَّما كُرِهَ صَوْمُ الدَّهْرِ؛ لِما فيه مِن الضَّعْفِ، والتَّشَبُّهِ بالتَّبَتُّلِ، لولا ذلك لكانَ فَضْلًا عَظِيمًا؛ لاسْتِغْراقِه الزَّمانَ بالعبادَةِ والطَّاعَةِ، والمرادُ بالخَبَرِ التَّشْبِيهُ
стр. 3519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به في حُصولِ العِبادَةِ به على وَجْهٍ لا مَشَقَّةَ فيه، كما قال ﵇: «مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ» (١). مع أنَّ ذلك لا يُكْرَهُ، بل يُسْتَحَبُّ بغيرِ خِلافٍ. وكذلك نَهَى عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْروٍ عن قِراءَةِ القُرْآنِ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ. وقال: «مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَكَأنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (٢). أرادَ التَّشْبِيهَ بثُلُثِ القُرْآنِ في الفَضْلِ، لا
стр. 3520
وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ. وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ.
ــ
في كَراهَةِ الزِّيادَةِ عليه. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِها مُتَتابِعَةً أو مُتَفَرِّقَةً، في أَوَّلِ الشَّهْرِ أو في آخِرِه؛ لأنَّ الحَدِيثَ وَرَد مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْيِيدٍ، ولأنَّ فَضِيلَتَها لكَوْنِها تَصِيرُ مع الشَّهْرِ عُشْرَ السَّنَةِ، والحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثالِها، فيكونُ كَأنَّه صام السَّنَةَ كُلَّها، فإِذا وُجِد ذلك في كُلِّ سَنَةٍ صار كصيامِ الدَّهْرِ كُلِّه. وهذا المَعْنَى يَحْصُلُ مع التَّفْرِيقِ. واللهُ أَعْلَمُ.
١٠٩٦ - مسألة: (وصِيامُ يَوْمِ عاشُوراءَ كَفّارَةُ سَنَةٍ، ويَوْمِ عَرَفَةَ كَفّارَةُ سَنَتَيْن. ولا يُسْتَحَبُّ لمَن كان بعَرَفَةَ) صِيامُ هذَيْن اليَوْمَيْن مُسْتَحَبٌّ؛ لِما روَى أبو قَتادَةَ، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال في صِيامِ عَرَفَةَ: «إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ» (١).
стр. 3521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال في صِيامِ عاشُوراءَ: «إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ». أخْرَجَه مسلمٌ (١).
فصل: يَوْمُ عاشُوراءَ هو اليَوْمُ العاشِرُ مِن المُحَرَّمِ. هذا قولُ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بصَوْمِ يومِ عاشُوراءَ، العاشِرِ مِن المُحَرَّمِ. أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (٢). وقال: حسنٌ صحيحٌ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أَنَّه قال: التّاسِعُ. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ كان يَصُومُ التّاسِعَ. أخْرَجَه مسلمٌ بمَعْناه (٣). وروَى عنه عَطاءٌ، أنَّه قال: صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ (٤). فعلى هذا يُسْتَحَبُّ صومُ التَّاسِعِ والعاشِرِ، نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ إسحاقَ. قال أحمدُ: فإنِ اشْتَبَهَ عليه أوَّلُ الشَّهْرِ صام ثَلاثَةَ أيَّامٍ. وإنَّما يَفْعَلُ ذلك ليَحْصُلَ له التّاسِعُ والعاشِرُ يَقِينًا.
فصل: واخْتُلِفَ في صَوْمِ عاشُوراءَ، هل كان واجِبًا؟ فذَهَبَ القاضى إلى أنَّه لم يَكُنْ واجِبًا، وقال: هذا قِياسُ المَذْهَبِ، واسْتَدَلَّ بأمْرَيْن؛
стр. 3522
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدُهما، أنَّ النبىَّ ﷺ ، أمَر مَن لم يَأْكُلْ بالصومِ. والنِّيَّةُ في اللَّيْلِ شَرْطٌ في الواجِبِ. والثانى، أنَّه لم يأْمُرْ مَن أكَل بالقَضاءِ، ويَشْهَدُ لهذا ما روَى مُعاوِيَةُ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إنَّ هذَا يَوْمُ عاشُوراءَ، لم يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيامَهُ، فَمَنْ شاءَ فَلْيَصُمْ، ومَنْ شاءَ فلْيُفْطِرْ» (١). وهو حديثٌ صحَيحٌ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه كان مَفْرُوضًا؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ أنَّ النبىَّ ﷺ صامَه، وأَمَر بصِيامِه، فلمّا افْتُرِضَ رمضانُ كان هو الفَرِيضَةَ، وتَرَك عاشُوراءَ، فمَن شاء صامَه، ومَن شاء تَرَكَه (٢). حديثٌ صحيحٌ. وحَدِيثُ مُعاوِيةَ مَحْمُولٌ على أنَّه أرادَ، ليس هو مكْتُوبًا عليكم الآنَ. وأمَّا تَصْحِيحُه بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، وتَرْكُ الأمْرِ بقَضائِه، فيَحْتَمِلُ أن يَقُولَ: مَن لم يُدْرِكِ اليومَ بكَمالِه لم يَلْزَمْه قَضاؤُه. كما قُلْنا في مَن أَسْلَمَ وبَلَغ في أثْناءِ يومٍ من رمضانَ. على أنَّه قد روَى
стр. 3523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو داودَ (١)، أنَّ أَسْلَمَ (٢) أتَتِ النبىَّ ﷺ ، فقالَ: «صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هذَا؟»، قالُوا: لا. قال: «فَأتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ».
فصل: فأمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ، فهو اليَوْمُ التّاسِعُ مِن ذى الحِجَّةِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. سُمِّىَ بذلك؛ لأنَّ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ فيه. وقيل: سُمِّىَ بذلك؛ لأنَّ إبراهيمَ ﵇ أُرِىَ في المَنامِ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ أَنَّه يُؤْمَرُ بذَبْحِ ابْنِه، فأصْبَحَ يَوْمَه يَتَرَوَّى، هل هذا مِن اللهِ أو حُلْمٌ. فسُمِّىَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فلمّا كانتِ اللَّيْلَةُ الثانيةُ رَآه أيضًا، فأصْبَحَ فعَرَفَ أنَّه مِن اللهِ، فسُمِّىَ يومَ عَرَفَةَ. وهو يومٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ، وفَضْلُه كَبِيرٌ.
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ لمَن كان بعَرَفَةَ أن يَصُومَه؛ ليَتَقَوَّى على الدُّعاءِ عندَ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ، وكانت عائشةُ وابنُ الزُّبَيْرِ يَصُومانِه، وقال قَتادَةُ: لا بَأْسَ به إذا لم يَضْعُفْ عن الدُّعاءِ، وقال عَطاءٌ: أصُومُ في الشتاءِ، ولا أصُومُ في الصَّيْفِ؛ لأنَّ كَراهَةَ صومِه إنَّما هى مُعَلَّلَةٌ بالضَّعْفِ عن الدُّعاءِ، فإذا قَوِىَ عليه، أو كان في الشتاءِ لم يَضْعُفْ، فتَزُولُ الكَراهَةُ. ولَنا، ما رُوِىَ عن أمِّ الفَضْلِ بنتِ الحارِثِ، أنَّ ناسًا تَمارَوْا بينَ يَدَيْها يومَ عَرَفَةَ في رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ بَعْضُهم: صائِمٌ. وقال بَعْضُهم: ليس بصائِمٍ. فأرْسَلَتْ إليه بقَدَحٍ مِن لَبَنٍ، وهو واقِفٌ على بَعِيرِه بعَرَفَاتٍ،
стр. 3524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فشَرِبَه النبىُّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (١). وقال ابنُ عُمَرَ: حَجَجْتُ مع النبيِّ ﷺ فلم يَصُمْه - يَعْنى يومَ عَرَفَةَ - ومع أبي بكرٍ فلم يَصُمْه، ومع عُمَرَ فلم يَصُمْه، ومع عثمانَ فلم يَصُمْه، وأنا لا أصُومُه، ولا آمُرُ به، ولا أنْهَى عنه (٢). قال التِّرْمِذِىُّ: حديثٌ حسنٌ. وعن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن صِيامِ يَوْمِ عَرَفَةَ بعَرَفَةَ. رَواه أبو داودَ (٣). لأنَّ الصومَ يُضْعِفُه، ويَمْنَعُه مِن الدُّعاءِ في هذا اليومِ المُعَظَّمِ، الذي يُسْتَجابُ فيه الدُّعاءُ،
стр. 3525
وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِى الْحِجَّةِ،
ــ
في ذلك المَوْقِفِ الشَّرِيفِ، الذي يُقْصَدُ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، رَجاءَ فَضْلِ اللهِ فيه، وإجابَةِ دُعائِه، فكانَ تَرْكُه أفْضَلَ.
١٠٩٧ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صِيامُ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ) أيّامُ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ كُلُّها شَرِيفَةٌ مُفَضَّلَةٌ، يُضاعَفُ العَمَلُ الصّالِحُ فيها، ويُسْتَحَبُّ صومُها، والاجْتِهادُ في العِبادَةِ فيها؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «ما مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فيهِنَّ أحَبُّ إلَى اللهِ مِن هذهِ الأيَّامِ». يَعنِي أيّامَ العَشْرِ. قالُوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجِهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: «ولا الجهادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رجلاً خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ» (١). حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن أبي هُرَيْرَةَ
стр. 3526
وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ.
ــ
عن النبىِّ ﷺ ، قال: «ما مِنْ أيَّامٍ أحَبُّ إلَى اللهِ بِأَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فيها مِنْ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ». أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (١). وقال: غريبٌ. وروَى أبو داودَ (٢) عن بَعْضِ أزْواجِ النبىِّ ﷺ ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِى الحِجَّةِ، ويومَ عاشُوراءَ.
١٠٩٨ - مسألة: (وأفْضَلُ الصِّيامِ بعدَ شَهْرِ رمضانَ شهرُ اللهِ المُحَرَّمُ) وذلك لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ». رَواه أبو داودَ،
стр. 3527
وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ،
ــ
والتِّرْمِذِىُّ (١). وقال: حديثٌ حسنٌ.
١٠٩٩ - مسألة: (ويُكْرَهُ إفْرادُ رَجَبٍ بالصومِ) قال أحمدُ: إن
стр. 3528
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صام رجلٌ أفْطَرَ فيه يَوْمًا أو أيّامًا، بقَدْرِ ما لا يَصُومُه كلَّه. وذلك لِما روَى أحمدُ، بإسْنادِه عن خَرَشَةَ بنِ الحُرِّ، قال: رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أكُفَّ المُتَرَجِّبِين، حتى يَضَعُوها في الطَّعامِ، ويقولُ: كُلُوا، فإنَّما هو شَهْرٌ كانت تُعَظِّمُه الجاهِلِيَّةُ (١). وبإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان إذا رَأَى النّاسَ، وما يُعِدُّونَه لرَجَبٍ، كَرِهَه، وقال: صُومُوا منه، وأفْطِرُوا (٢). وعن ابنِ عباسٍ نحوُه، وبإسْنادِه عن أبي بَكْرَةَ، أنَّه دَخَل على أَهْلِهِ وعندَهم سِلالٌ جُدُدٌ وكِيزانٌ، فقالَ: ما هذا؟ فقالُوا: رَجَبٌ نَصُومُه. فقالَ: أجَعَلْتُمْ رَجَبًا رمضانَ، فأكْفَأَ السِّلالَ، وكَسَر الكِيزانَ. قال أحمدُ: مَن كان يَصُومُ السَّنَةَ صامَه، وإلَّا فلا يَصُومُه مُتَوالِيًا، بل يُفْطِرُ فيه، ولا يُشَبِّهُه برمضانَ.
стр. 3529
وَإِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمِ السَّبْتِ، وَيَوْمِ الشَّكِّ، وَيَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ، إِلَّا أَنْ يُوافِقَ عَادَةً.
ــ
١١٠٠ - مسألة: (و) يُكْرَهُ (إفْرادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ويَوْمِ السَّبْتِ، ويَوْمِ الشَّكِّ، ويَوْمِ النَّيْرُوزِ (١)، والمِهْرَجانِ (٢)، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً) وجُمْلَتُه أنَّه يُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ بالصومِ، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً، مثلَ مَن يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا، فيوافِقُ صومُه يومَ الجُمُعَةِ، أو مَن عادَتُه صَوْمُ أوَّلِ يومٍ مِن (٣) الشَّهْرِ أو آخِرِه، أو يومِ نِصْفِه (٤) ونحوِ ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأَثْرَمِ، قال: قيل لأبى عبدِ اللهِ: صِيامُ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ فذَكَرَ حديثَ النَّهْىِ أن يُفْرَدَ، ثمَّ قال: إلَّا أن يَكُونَ في صِيامٍ كان يَصُومُه، أمَّا أن يُفْرَدَ فَلَا. قال: قُلْتُ: رَجُلٌ كان يَصُومُ يومًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، فوَقَعَ
стр. 3530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِطْرُه يومَ الخَمِيسِ، وصَوْمُه يومَ الجُمُعَةِ، وفِطْرُه يومَ السَّبْتِ، فصامَ الجُمُعَةَ مُفْرَدًا، فقالَ: هذا الآنَ لم يَتَعَمَّدْ صَوْمَه خاصَّةً، إنّما كُرِهَ أن يَتَعَمَّدَ الجُمُعَةَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يُكْرَهُ إفْرادُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّه يومٌ، فأَشْبَهَ سائِرَ الأَيَّامِ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لا يَصُومّنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا أنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أو يَوْمًا بَعْدَهُ». وقال محمدُ بنُ عَبَّادٍ: سَأَلْتُ جابِرًا: أنَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن صومِ يومِ الجُمُعَةِ؟ قال: نَعَمْ. مُتَّفَقٌ عليهما (١). وعن جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارِثِ، أنَّ النبىَّ ﷺ دَخَل عليها يومَ الجُمُعَةِ، وهي صائِمَةٌ فقالَ: «أصُمْتِ أمْسِ؟». قالت: لا. قال: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِى غَدًا؟». قالت: لا. قال: «فَأَفْطِرِى». رَواه البخارىُّ (٢). وسُنَّةُ
стр. 3531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رسولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ. وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنَّ المَكْرُوهَ إفْرادُه؛ لأنَّ نَهْيَه مُعَلَّلٌ بكَوْنِها لم تَصُمْ أمْسِ ولا غَدًا.
فصل: ويُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ السَّبْتِ بالصومِ. ذَكَرَه أَصحابُنا؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ بُسْرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» (١). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ. ورُوِىَ أيضًا عن عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ، عن أُخْتِه الصَّمَّاءِ، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحاءَ عِنَبٍ، أوْ عُودَ شَجَرَةٍ، فَلْيَمْضُغْهُ». رَواه أبو داودَ (٢). قال: اسمُ أخْتِ عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ هُجَيْمَةُ (٣) أو جُهَيْمَةُ. قال الأثْرَمُ: قال أبو عبدِ اللهِ: أمّا صِيامُ يومِ السَّبْتِ يَنْفَرِدُ به، فقد جاء فيه
стр. 3532
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديثُ الصَّمّاءِ. والمَكْرُوهُ إفْرادُه، فإن صام معه غيرَه لم يُكْرَهْ؛ لحديثِ أبى هُرَيْرَةَ، وجُوَيْرِيَةَ. وإن وافَقَ صَوْمًا لإِنْسانٍ لم يُكْرَهْ؛ لِما قَدَّمْناه.
فصل: ويُكْرَهُ صِيامُ يَوْمِ الشَّكِّ، وهو يَوْمُ الثَّلاثِينَ مِن شَعْبانَ إذا كانت السَّماءُ مُصْحِيَةً ولم يَرَوُا الهِلالَ، إلَّا أن يُوافِقَ صَوْمًا كان يَصُومُه،
стр. 3533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كمَن عادَتُه صومُ يَوْمٍ وفِطْرُ يومٍ، أو صومُ يَوْمِ الخَمِيسِ، أو صومُ آخِرِ يومٍ مِن الشَّهْرِ، وشِبْهُ ذلك، أو مَن صام قبلَ ذلك بأيّامٍ، فلا بَأْسَ بصومِه، لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رمضانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ». مُتَّفَقٌ عليه (١). ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ؛ لقَوْلِ عَمّارٍ: مَن صام اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عَصَى أبا القاسِمِ ﷺ (٢). حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.