وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّة تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغيْرِ إِحْرَامٍ، إِلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ، أَوْ حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ كَالْحَطَّابِ وَنَحْوِهِ،
ــ
لم يَعْرِفْ حَذْوَ المِيقاتِ المُقارِبِ لطَرِيقِه، احْتاطَ، فأحْرَمَ مِن بُعْدٍ، بحيث يَتَيَقَّنُ أنَّه لم يُجاوِزِ المِيقاتَ إلَّا مُحْرِمًا؛ لأنَّ الإِحْرامَ قبلَ (١) المِيقاتِ جائِزٌ، وتَأْخِيرَه عنه غيرُ جائِزٍ، فالاحْتِياطُ فِعْلُ ما ذَكَرْنا. ولا يَلْزَمُه الإِحْرامُ حتى يَعْلَمَ أنَّه قد حاذاه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ (٢). فإن أحْرَمَ، ثم عَلِم بعدُ أنَّه قد جاوَزَ ما يُحاذِى المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فعليه دَمٌ. وإن شَكَّ في أقْرَبِ المِيقاتَيْن إليه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في المسألةِ قبلَها، فإن كانا مُتساوِيَيْن في القُرْبِ إليه أحْرَمَ مِن حَذْوِ أبْعَدِهما.
١١٥٢ - مسألة: (ولا يَجُوزُ لِمَن أرادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجاوُزُ المِيقاتِ بغيرِ إحْرامٍ، إلَّا لقِتالٍ مُباحٍ، أو حاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ كالحَطّابِ ونحوِه ،
стр. 3747
ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ النُّسُكُ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ.
ــ
ثم إن بَدا له النُّسُكُ، أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه) مَن تَجاوَزَ المِيقاتَ مِمَّن لا يُرِيدُ النُّسُكَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ أحَدُهما، مَن لا يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَمِ، فهذا لا يَلْزَمُه الإِحرامُ بغيرِ خِلافٍ، ولا شئَ عليه في تَرْكِه، فإنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَه أتَوْا بَدْرًا مَرَّتَيْن، وكانُوا يُسافِرُون للجهادِ وغيرِه، فيَمُرُّون بذِى الحُلَيْفَةِ غيرَ مُحْرِمِين، ولا يَرَوْن بذلك بَأْسًا. فإن بَدَا لهذا الإِحْرامُ، أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، ولا شئَ عليه. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. وبه يَقُولُ مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وصاحِبا أبى حنيفةَ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه الله تعالى، في الرجلِ يَخْرُجُ لحاجَةٍ وهو لا يُرِيدُ الحَجَّ، فجاوَزَ ذا الحُلَيْفَةِ، ثم أرادَ الحَجَّ: يَرْجِعُ إلى ذِى الحُلَيْفَةِ، فيُحْرِمُ. وبه قال إسْحاقُ؛ لأنَّه أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ، فلَزِمَه الدَّمُ، كالذى يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَم. والأوَّلُ أصَحُّ، وكَلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على مَن يُجاوِزُ المِيقات، مِمَّن يَجِبُ عليه الإِحْرامُ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ أوِ العُمْرَةَ» (١).
стр. 3748
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّه حَصَل دُونَ المِيقاتِ على وَجْهٍ مُباحٍ، فكانَ له الِإحْرامُ منه، كأهْلِ ذلك المَكانِ، ولأنَّ هذا القولَ يُفْضِى إلى أنَّ (١) مَن كان مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ، إذا خَرَج إلى المِيقاتِ ثم عاد إلى مَنْزِلِه وأرادَ الإِحْرامَ، لَزِمَه الخُروجُ إلى المِيقاتِ، ولا قائِلَ به، ولأنَّه مُخالِفٌ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُه دُونَ المِيقَاتِ فَمُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ». القِسْمُ الثّانِى، مَن يُرِيدُ دُخولَ الحَرَمِ إلى مَكَّةَ أو غَيرِها، وهم على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، مَن يَدْخُلُها لقتالٍ مُباحٍ، أو مِن خَوْفٍ، أو لحاجَةٍ؛ كالحَطّابِ، والحَشّاشِ، وناقِلِ المِيرَةِ (٢)، والفَيْجِ (٣)، ومَن كانَتْ له ضَيْعَةٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُه وخُرُوجُه إليها، فلا إحْرامَ عليهم؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ دَخَل يومَ فَتْحِ مَكَّةَ حَلالًا وعلى رَأْسِه المِغْفَرُ، وكذلك أصحابُه، ولم يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا منهمِ أحْرَمَ، ولأنَّا لو أوْجَبْنا الإِحْرامَ على مَن يَتَكَرَّرُ دُخُولُه أفْضَى إلى أن يَكُونَ في جَمِيعِ زَمَنِه مُحْرِمًا، فسَقَطَ للحَرَجِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ لأحَدٍ دُخُولُ الحَرَمِ بغيرِ إحْرامٍ، إلَّا مَن كان دُونَ المِيقاتِ؛ لأنَّه يُجاوِزُ المِيقاتَ مُرِيدًا للحَرَمِ، فلم يَجُزْ بغيرِ إحْرامٍ.
стр. 3749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن النصِّ والمَعْنَى. وقد روَى التِّرْمِذِيُّ (١)، بإسْنادِه، أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَل يومَ فَتْحِ مَكَّةَ، وعلى رَأْسِه عِمامَةٌ سَوْداءُ. وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ومتى أرادَ هذا النُّسُكَ بعدَ مُجاوَزَةِ المِيقاتِ، أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، كالقِسْمِ الذى قبلَه، وفيه مِن الخِلافِ ما فيه. الضَّرْبُ الثانِى، مَن لا يَجِبُ عليه الحَجُّ؛ كالعَبْدِ، والصَّبِىِّ، والكافِرِ إذا أسْلَمَ بعدَ تَجاوُزِ المِيقاتِ، أو عَتَقَ العَبْدُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ، وأرادُوا الإِحْرامَ، فإنَّهم يُحْرِمُون مِن مَوْضِعِهم، ولا دَمَ عليهم. وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ. وبه قال أصْحابُ الرَّأْىِ في الكافِرِ يُسْلِمُ، والصَّبِىِّ يَبْلُغُ، وقالُوا في العَبْدِ: عليه دَمٌ. وقال الشافعىُّ في جَمِيعِهم: على كلِّ واحِدٍ منهم دَمٌ. وعن أحمدَ، في الكافِرِ يُسْلِمُ، كقَوْلِه. واخْتارَها أبو بَكْرٍ. وقال القاضى: وهى أصَحُّ. ويَتَخَرَّجُ في الصَّبِىِّ والعَبْدِ كذلك؛ قِياسًا على الكافِرِ يُسْلِمُ؛ لأنَّهم تَجاوَزُوا المِيقاتَ
стр. 3750
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بغيرِ إحْرامٍ، وأحْرَمُوا دُونَه، فوَجَبَ الدَّمُ، كالمُسْلِمِ البالِغِ العاقِلِ. ولَنا، أنَّهم أحْرَمُوا مِن المَوْضِعِ الذى وَجَب عليهم الإِحْرامُ منه، فأشْبَهُوا المَكِّىَّ ومَن قَرْيَتُه دُونَ المِيقاتِ إذا أحْرَمَ منها، وفارَقَ مَن يَجِبُ عليه الإِحْرامُ إذا تَرَكه؛ لأنَّه تَرَك الواجبَ عليه. الضَّرْبُ الثّالِثُ، المُكَلَّفُ الذي يَدْخُلُ لغيرِ قِتالٍ ولا حاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، فلا يَجُوزُ له تَجاوُزُ المِيقاتِ غيرَ مُحْرِمٍ. وبه قال أبو حنيفةَ، وبعضُ أصحابِ الشافعىِّ. وقال بَعْضُهم: لا يَجِبُ الإِحْرامُ عليه. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّه دَخَلَها بغيرِ إحْرامٍ (١). ولأنَّه أحَدُ الحَرَمَين أشْبَهَ (٢) حرَمَ المَدِينَةِ، ولأنَّ الوُجُوبَ مِن الشّارِعِ، ولم يَرِدْ به إيجابُ ذلك على كلِّ داخِلٍ، فيَبْقَى على الأصْلِ. ولَنا، أنَّه لو نَذَر دُخُولَها، لَزِمَه الإِحْرامُ، ولو لم يَكُنْ واجِبًا لم يَجِبْ بنَذْرِ الدُّخُولِ، كسائِرِ البُلْدانِ. إذا ثَبَت ذلك، فمَتَى أرادَ الإِحْرامَ بعدَ تجاوُزِ المِيقاتِ، فالحُكْمُ فيه كمَن تَجاوَزَه مُرِيدًا لنُسُكٍ.
стр. 3751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَن دَخَل الحَرَمَ بغيرِ إحْرامٍ، مِمَّن يُرِيدُ الإِحْرامَ، فلا قَضاءَ عليه. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ عليه أن يَأْتِىَ بحَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فإن أتَى بحَجَّةِ الإِسْلامِ في سَنَتِه، أو مَنْذُورَةٍ، أو عُمْرَةٍ (١)، أجْزَأه عن عُمْرَةِ الدُّخُولِ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ مُرُورَه على المِيقاتِ مُريدًا للحَرَمِ يُوجِبُ الإِحْرامَ، فإذا لم يَأْتِ به وَجَب قَضاؤه، كالنَّذْرِ. ولَنا، أنَّه مَشْرُوعٌ لتَحِيَّةِ البُقْعَةِ (٢)، فإذا لم يَأْتِ به سَقَط،
стр. 3752
وَمَنْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إِلَى الْمِيقَاتِ.
ــ
كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ. فإن قِيلَ: تَحِيَّةُ المَسْجِدِ غيرُ واجِبَةٍ. قُلْنا: إلَّا أنَّ النَّوافِلَ المُرَتَّباتِ تُقْضَى، وإنَّما سَقَط القَضاءُ لِما ذَكَرْنا. فأمَّا إن تجاوَزَ المِيقاتَ، ورَجَع قبلَ دُخُولِ الحَرَمِ، فلا قَضاءَ عليهَ، بغيرِ خِلافٍ، سَواءٌ أرادَ النُّسُكَ أو لا.
فصل: ومَن كان مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ خارِجًا مِن الحَرَمِ، فحُكْمُه في مُجاوَزَةِ قَرْيَتِه إلى ما يَلِى الحَرَمَ حُكْمُ المُجاوِزِ للمِيقاتِ في الأحْوالِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ مَوْضِعَه مِيقاتُه، فهو في حَقِّه كالمَواقِيتِ لأهْلِ الآفاقِ.
١١٥٣ - مسألة: (ومَن جاوَزَه مُرِيدًا للنُّسُكِ) غيرَ مُحْرِمٍ، (رَجَع) مِن المِيقاتِ (فأحْرَمَ منه، فإن أحْرَمَ مِن مَوْضِعِه، فعليه دَمٌ، وإن رَجَع إلى المِيقاتِ) وجُمْلَتُه أنَّ مَن جاوَزَ المِيقاتَ مُرِيدًا للنُّسُكِ غيرَ
стр. 3753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُحْرِمٍ، يَجِبُ عليه أن يَرْجِعَ إلى المِيقاتِ ليُحْرِمَ منه إذا أمْكَنَه؛ لأنَّه واجِبٌ أمْكَنَه فِعْلُه، فلَزِمَه، كسائِرِ (١) الوَاجِباتِ، وسَواءٌ تجاوَزَه عالِمًا به أو جاهلًا، عَلِم تَحْرِيمَ ذلك أو جَهِلَه. فإن رَجَع إليه فأحْرَمَ منه، فلا شَئَ عليه. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. وبه قال جابِرُ بنُ زَيْدٍ، والحسنُ، وسعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ؛ لأنَّه أحْرَمَ مِن المِيقاتِ الذي أُمِرَ بالإِحْرامِ منه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو لم يَتَجاوَزْه. وإن أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ فعليه دَمٌ، سَواءٌ رَجَع إلى المِيقاتِ أو لم يَرْجِعْ. وبه قال مالكٌ، وابنُ المبارَكِ. وظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، أنَّه إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلا دَمَ عليه، إلَّا أن يَكُونَ قد تَلَبَّسَ بشئٍ مِن أفْعالِ الحَجِّ؛ كالوُقُوفِ، وطَوافِ القُدُومِ، فيَسْتَقِرُّ الدَّمُ عليه. قالوا: لأنَّه حَصَل مُحْرِمًا في المِيقاتِ قبلَ التَّلَبُّسِ بأفْعالِ الحَجِّ، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كما لو أحْرَمَ منه (٢). وعن أبى
стр. 3754
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حنيفةَ: إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلَبَّى سَقَط عنه الدَّمُ، وإن لمِ يُلَبِّ لم يَسْقُطْ عنه. وعن عطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ: لا شئَ على مَن ترَك المِيقاتَ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ». رُوِىَ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا (١). ولأنَّه أحْرَمَ دُونَ مِيقاتِه، واسْتَقَرَّ عليه الدَّمُ، كما لو لم يَرْجِعْ، أو كما لو طاف، عندَ الشافعىِّ، وكما لو لم يُلَبِّ، عندَ أبي حنيفةَ. ولأنَّ الدَّمَ وَجَب بتَرْكِه الإِحرامَ مِن المِيقاتِ، ولا يَزولُ هذا برُجُوعِه ولا بتَلْبِيَتِه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ ما وَجَب، وفارَقَ ما إذا رَجَع قبلَ إحْرامِه فأحْرَمَ منه، فإنَّه لم يَتْرُكِ الإِحْرامَ منه، ولم يَهْتِكْه.
فصل: ولو أفْسَدَ المُحْرِمُ مِن دُونِ المِيقاتِ حَجَّه، لم يَسْقُطْ عنه الدَّمُ. وبه قال الشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
стр. 3755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَسْقُطُ؛ لأنَّ القَضاءَ واجِبٌ. ولَنا، أنَّه وَجَب عليه بمُوجِبِ هذا الإِحْرامِ، فلم يَسْقُطْ بوُجُوبِ القَضاءِ، كبَقِيَّةِ المَناسِكِ، وكجزَاءِ الصَّيْدِ. فصل: وإن جاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، وخَشِىَ إن رَجَع إلى المِيقاتِ فَواتَ الحَجِّ، جاز أن يُحْرِمَ مِن مَوْضِعِه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، ويُجْزِئُه الحَجُّ. إلَّا أنَّه رُوِىَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: مَن تَرَك المِيقاتَ فلا حَجَّ له. والأوَّلُ مَذْهَبُ الجُمْهورِ؛ لأنَّه لو كان مِن أرْكانِ الحَجِّ، لم يَخْتَلِفْ باخْتِلافِ النّاسِ والأماكِنَ، كالوُقُوفِ والطَّوافِ. وإذا أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقاتِ عندَ خوْفِ الفَواتِ، فعليه دَمٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا عندَ مَن أوْجَبَ الإِحْرامَ مِن المِيقاتِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ. وإنَّما أبَحْنا له الإِحْرامَ مِن مَوْضِعِه؛ مُراعاةً لإِدْراكِ الحَجِّ، فإنَّ مُراعاةَ ذلك أوْلَى مِن مُراعاةِ واجِبٍ فيه مع فَواتِه، ومَن لم يُمْكِنْه الرُّجُوعُ، لعَدَمِ الرُّفْقَةِ، أو الخَوْفِ مِن عَدُوٍّ أو لِصٍّ أو مَرَضٍ، أو لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، ونحْوِ هذا مِمّا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فهو كالخائِفِ الفَواتَ، في أنَّه يُحْرِمُ مِن مَوْضِعِه، وعليه دَمٌ.
стр. 3756
وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، وَلَا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ [٦٢ ظ] مُحْرِمٌ.
ــ
١١٥٤ - مسألة: (والاخْتِيارُ أن لا يُحْرِمَ قبلَ مِيقاتِه، ولا يُحْرِمَ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه، فإن فَعَل فهو مُحْرِمٌ) الأفْضلُ الإِحْرامُ مِن المِيقاتِ، ويُكْرَهُ قبلَه. رُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، رَضِىَ الله عَنهما. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وإسْحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: الأفْضلُ الإِحْرامُ مِن بَلَدِه. وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. وكان عَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وعبدُ الرحمنِ يُحْرِمُون مِن بُيُوتِهم. واحْتَجُّوا بما رَوت أُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجُ النبىِّ ﷺ ، أنَّها سَمِعَت رسولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أوْ عُمْرةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى إلَى الْمَسْجدِ الْحَرَامِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأخَّرَ - أو - وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». شَكَّ عبدُ اللهِ أيَّتَهما قال. رَواه أبو داودَ (١). وأحْرَمَ ابنُ عُمَرَ من إيليَاءَ (٢). وروَى النَّسائِيُّ،
стр. 3757
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأبو داودَ (١)، بإسْنادِهِما. عن الصُّبَىِّ (٢) بنِ مَعْبَدٍ، قال: أهْلَلْتُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، فَلمَّا أتَيْتُ العُذَيْبَ لَقِيَنِى سَلْمانُ بنُ رَبِيعَةَ، وزَيْدُ بنُ صُوحانَ، وأنا أُهِلُّ بهما، فقالَ أحَدُهُما: ما هذا بأفْقَهَ مِن بَعِيرِه. فأتَيْتُ عُمَرَ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقالَ لى: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبيِّكَ ﷺ . وهذا إحْرامٌ به قبلَ المِيقاتِ. ورُوِىَ عن عُمَرَ، وعليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، في قوْلِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣). إنما هو (٤) أن تُحْرِمَ بهما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِك (٥). ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ ، وأصْحابَه أحْرَمُوا مِن المِيقاتِ، ولا يَفْعَلُون إلَّا الأفْضَلَ. فإن قِيلَ: إنَّما فعَل ليُبَيِّنَ الجَوازَ. قُلْنا: قد حَصَل بَيانُ الجَوازِ بقَوْلِه، كما في سائِرِ المَواقِيتِ. ثم لو كان كذلك، لكانَ أصْحابُ النبىِّ ﷺ وخُلفاؤه يُحْرِمُون مِن بُيُوتِهم، ولَما تَواطَأُوا على تَرْكِ الأفْضَلِ واخْتِيارِ الأدْنَى، وهم أفْضَلُ الخَلْقِ، ولهم مِن الحِرْصِ على الفضائِلِ والدَّرَجاتِ ما لهم. وروَى أبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، بإسْنادِه، عن أبى أيُّوبَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ :
стр. 3758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«يَسْتَمْتِعُ أحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّه لَا يَدْرِى مَا يَعْرِضُ لَهُ فِى إحْرامِهِ» (١). وروَى الحسنُ، أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ أحْرَمَ مِن مِصْرِه، فبَلَغَ ذلك عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فغَضِبَ، وقال: يَتَسامَعُ النّاسُ أنَّ رجلًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أحْرَمَ مِن مِصْرِه. وقال: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ عامِرٍ أحْرَمَ مِن خُراسانَ، فلَمّا قَدِم على عثمانَ، رَضِىَ الله عنه، لامَه فيما صَنَع، وكَرِهَه له. رَواهما سعيدٌ، والأثْرَمُ (٢). وقال البخاريُّ (٣): كَرِه عثمانُ أن يُحْرِمَ مِن خُراسانَ أو كِرْمانَ. ولأنَّه أحْرَمَ قبلَ المِيقاتِ، فكُرِهَ، كالإِحْرامِ بالحَجِّ قبل أشْهُرِه. ولأنَّه تَغْرِيرٌ بالإِحْرامِ، وتَعْرِيضٌ لفِعْلِ مَحْظُوراتِه، وفيه مَشَقَّةٌ على النَّفْسِ، فكُرِهَ، كالوصالِ في الصَّوْمِ. قال عَطاءٌ: انْظُرُوا هذه المَواقِيتَ التي وَقَّتَ لكم، فخُذُوا برُخَصِ اللهِ فيها، فإنَّه عَسَى أن يُصِيبَ أحَدُكم ذَنْبًا في إحْرامِه، فيَكُونَ أعْظَمَ لوِزْرِه، فإنَّ الذَّنْبَ في الإِحْرامِ أعْظَمُ مِن ذلك. فأمّا حديثُ الإِحْرامِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ (٤)، ففيه ضَعْفٌ، يَرْوِيه ابنُ أبى فُدَيْكٍ، ومحمدُ بنُ إسْحاقَ،
стр. 3759
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفيهما مَقالٌ. ويَحْتَمِلُ اخْتِصاصَ هذا ببَيْتِ المَقْدِس دُونَ غيرِه؛ ليَجْمَعَ بينَ الصلاةِ في المَسْجِدَيْن في إحْرامٍ واحِدٍ، ولذلك أحْرَمَ ابنُ عُمَرَ منه، ولم يَكُنْ يُحْرِمُ مِن غيرِه، إلَّا مِن المِيقاتِ. وقولُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، للصُّبَىِّ (١): هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّك. يَعْنِى في الجَمْعِ بينَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، لا في الإِحْرامِ مِن قَبلِ المِيقاتِ، فإنَّ سُنَّةَ النبىِّ ﷺ الإِحْرامُ مِن المِيقاتِ، بيَّنَ ذلك بفِعْلِه وقَوْلِه، وقد تَبَيَّنَ أنَّه لم يُرِدْ ذلك بإنْكارِه على عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، حينَ أحْرَمَ مِن مِصْرِه. وأمّا قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما، فإنَّما قالا: إتْمامُ العُمْرَةِ أن تنْشِئَها مِن بَلَدِك. يَعْنِى أن تنْشِئَ لها سَفَرًا مِن بلَدِك، تَقصِدُ له، ليسِ أن تُحْرِمَ بها مِن أهْلِك. قال أحمدُ: كان سُفْيان يُفَسِّرُه بهذا. وكذلك فَسَّرَه به أحمدُ. ولا يَصِحُّ أن يُفَسَّرَ بنَفْسِ الإِحْرامِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَه ما أحْرَمُوا بها مِن بُيُوتِهم، وقد أمَرَهم اللهُ سبحانه بإتْمامِ العُمْرَةِ، فلو حُمِل قَوْلُهم على ذلك لكان النبيُّ ﷺ وأصحابُه تَارِكين الأمْرَ. ثم إنَّ عُمَرَ وعليًّا ما كانا يُحْرِمان إلَّا مِن المِيقاتِ، أفَتَراهما يَرَيان أنَّ ذلك ليس بإتْمامٍ لها، ويَفْعَلانه؟! هذا لا يَنْبَغى أن يَتَوَهَّمَه أحَدٌ. ولذلك أنْكَرَ عُمَرُ على عِمْرانَ إحْرامَه مِن مِصْرِه، واشْتَدَّ عليه، وكَرِه أن يَتَسامَعَ النّاسُ، مَخافَةَ أن يُؤْخَذَ به، أفتراه كَرِه إتْمامَ العُمْرَةِ، واشْتَدَّ عليه أن يَأْخُذَ النّاسُ بالأفْضَلِ؟! هذا لا يَجُوزُ، فتَعَيَّنَ حَمْلُ قَوْلِهما على ما حَمَلَه عليه الأئِمَّةُ.
стр. 3760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُكْرَهُ الإِحْرامُ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لكَوْنِه إحْرامًا به قبلَ وَقْتِه، فأشْبَهَ الإِحْرامَ به قبلَ مِيقاتِه، بل الكَراهَةُ هنا أشَدُّ؛ لأنَّ في صِحَّتِه اخْتِلافًا. فإن أحْرَمَ بالحَجِّ قبلَ مِيقاتِ المَكانِ صَحَّ إحْرامُه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، إلَّا أنَّه يُكْرَهُ ذلك، وقد ذَكَرْناه. وإن أحْرَمَ به قبلَ أشْهُرِه، صَحَّ أيضًا، إذا بَقِىَ على إحْرامِه إلى وَقْتِ الحَجِّ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَماعَةٍ. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ، ومالكٍ، وإسْحاقَ. وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والشافعيُّ: يَجْعَلُه عُمْرَةً. وذَكَر القاضى في «الشَّرْحِ» رِوايَةً مثلَ ذلك. واخْتارَها ابنُ حامِدٍ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١). تَقْدِيرُه وَقْتُ الحَجِّ، أو أشْهُرُ الحَجِّ، مِن قَبِيلِ حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إليه مُقامَه. وإذا ثَبَت أنَّه وَقْتُه لم يَصِحَّ تَقْدِيمُه عليه، كأوْقاتِ الصَّلَواتِ.
وَيَتَجَرَّدَ عَنِ الْمَخِيطِ
ــ
ويَتَجَرَّدَ عن المَخِيط) يُسْتَحَبُّ لمَن أرادَ الإِحْرامَ أن يَغْتَسِلَ قبلَه. وهو قولُ طاوُسٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لِما روَى زيدُ بن ثابِتٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه رَأى النبىَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإِهْلالِه، واغْتَسَلَ. رَواه التِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وثَبَت أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ أسماءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وهى نُفَساءُ، أن تَغْتَسِلَ عندَ الإِحْرامِ (٢). ولأنَّ هذه العِبادَةَ يَجْتَمِعُ لها النّاسُ، فسُنَّ لها الاغْتِسالُ، كالجُمْعَةِ. وليس ذلك واجِبًا في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الإِحْرامَ جائِزٌ بغيرِ اغْتِسالٍ، وأنَّه غيرُ واجِبٍ. وحُكِىَ عن الحسنِ أنَّه قال: إذا نَسِىَ الغُسْلَ، يَغْتَسِلُ إذا ذَكَر. قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أبا عبدِ اللهِ قِيلَ له عن بعضِ أهْلِ المَدِينَةِ: مَن تَرَك الاغْتِسالَ عندَ الإِحْرامِ فعليه دَمٌ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ لأسْماءَ:
стр. 3766
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«اغْتَسِلِي». فكيفَ الطّاهِرُ؟ فأظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِن هذا القولِ. وكان ابنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ أحْيانًا، ويَتَوَضَّأُ أحْيانًا. وأيُّ ذلك فَعَل أجْزَأه، ولا أوْجَبَ الاغْتِسَالَ، ولا أمَرَ به، إلَّا لحائِضٍ أو نُفَساءَ، ولو كان واجِبًا لأمَرَ به غيرَهما. ولأنَّه لأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فأشْبَهَ غُسْلَ الجُمُعَةِ. فإن لم يَجِدْ ماءً، فقالَ القاضى: يَتَيَمَّمُ؛ لأنَّه غُسْلٌ مَشْرُوعٌ، فنابَ التَّيَمُّمُ عنه، كالواجِبِ. والصَّحِيحُ أنَّه غيرُ مَسْنُونٍ؛ لأنَّه غُسْلٌ غيرُ واجِبٍ، فلم يُسْتَحَبَّ التَّيَمُّمُ عندَ عَدَمِه، كغُسْلِ الجُمُعَةِ. وما ذَكَرَه مُنْتَقِضٌ بغُسْلِ الجُمُعَةِ. والفَرْقُ بينَ الواجِبِ والمَسْنُونِ أنَّ الواجِبَ شُرِعَ لإِباحَةِ الصلاةِ، والتَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقامَه في ذلك، والمَسْنُونَ يُرادُ للتَّنْظِيفِ وقَطْعِ الرّائِحَةِ، والتَّيَمُّمُ لا يُحَصِّلُ هذا، بل يُحَصِّلُ شَعَثًا وتَغْبِيرًا؛ ولذلك افْتَرَقا في الطَّهارَةِ الصُّغْرَى، فلم يُشْرَعْ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، ولا تَكْرارُ المَسْحِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ للمَرْأةِ الغُسْلُ، كالرجلِ، وإن كانت حائِضًا أو نُفَساءَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أسماءَ بنتَ عُمَيْسٍ، وهى نُفَساءُ، أن تَغتَسِلَ. رَواه مسلمٌ. وأمَرَ عائِشَةَ أن تَغْتَسِلَ لإِهْلالِ الحَجِّ، وهى حائِضٌ (١).
стр. 3767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن رَجَتِ الحائِضُ أو النُّفَساءُ الطُّهْرَ قبلِ الخُرُوجِ مِن المِيقاتِ اسْتُحِبَّ لهما تَأْخِيرُ الاغْتِسالِ حتى يَطْهُرا؛ ليَكُون أكْمَلَ لهما، وإلَّا اغْتَسَلَتا؛ لِما ذَكَرْناه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّنْظِيفُ بإزالَةِ الشَّعَرِ، وقَطْعِ الرّائِحَةِ، ونَتْفِ الإِبْطِ، وقَصِّ الشاربِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، وحَلْقِ العانَةِ؛ لأنَّه أمْرٌ يُسَنُّ له الاغْتِسالُ والطِّبُ، فسُنَّ له هذا، كالجُمُعَةِ، ولأنَّ الإِحْرامَ يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّعَرِ وتَقْلِيمَ الأظْفارِ، فاسْتُحِبَّ له فِعْلُه قبلَه؛ لئَلَّا يَحْتاجَ إليه في إحْرامِه، فلا يَتَمَكَّنُ منه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن أرادَ الإِحْرامَ أن يَتَطَيَّبَ في بَدَنِه خاصَّةً، ولا فَرْقَ بينَ ما تَبْقَى عَيْنُه، كالمِسْكِ، أو أثرُه، كالعُودِ والبَخُورِ وماءِ الوَرْدِ. هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وسَعْدِ بنِ أبِى وَقَّاصٍ، وعائِشَةَ، وأُمِّ حَبِيبَةَ، ومُعاويَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. ورُوِىَ عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ، وأبِى سعيدٍ، وعُرْوَةَ، والقاسِمِ، والشَّعْبِىِّ، وابنِ جُرَيْجٍ. وكان عَطاءٌ يَكْرَهُ ذلك. وهو قولُ مالكٍ. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، وابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. واحْتَجَّ مالكٌ بما روَى يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ، أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ
стр. 3768
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، كيف تَرَى في رجلٍ أحْرَمَ بعُمْرَةٍ وهو مُتَضَمِّخٌ بطِيبٍ؟ فسَكَتَ النبيُّ ﷺ ، يَعْنِى ساعَةً، ثم قال: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ -ثَلاثَ مَرّاتٍ- وانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِى عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِى حَجِّك». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّه يُمْنَعُ مِن ابْتِدائِه، فمُنِعَ مِن اسْتِدامَتِه، كاللُّبْسِ. ولَنا، قولُ عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ لإِحْرامِه قبلَ أن يُحْرِمَ، ولِحِلِّه قبلَ أن يَطوفَ بالبَيْتِ. وقالَتْ: كأنِّي أنْظُرُ إلى وَبِيصِ (٢) الطِّيبِ في مَفارِقِ رسولِ اللهِ ﷺ وهو مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لَفْظٍ لمسلمٍ: طَيَّبْتُهُ بِأطْيَبِ الطِّيبِ. وقالت: بطِيبٍ فيهِ مِسْكٌ. وحديثُهم في بعضِ ألفاظِه: عليه
стр. 3769
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جُبَّةٌ بها أثَرُ الخَلُوقِ (١). رواه مسلمٌ. وفي بعضِها: وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بالخَلُوقِ. وفي بعضِها: عليه رَدْعٌ (٢) مِن زَعْفَران. وهذا يَدُلُّ على أنَّ طِيبَ الرجلِ كان مِن الزَّعْفَرانِ، وهو مَنْهِيٌّ عنه للرجالِ في غيرِ الإِحْرامِ، ففيه أوْلَى. وقد روَى البخاريُّ (٣)، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أن يتَزَعْفَرَ الرجلُ. ولأنَّ حديثَهم في سَنَةِ ثَمانٍ، وحديثُنا في سَنَةِ عَشْرٍ. قال ابنُ جُرَيْجٍ: كان شَأْنُ صاحِبِ الجُبَّةِ قبلَ حَجَّةِ الوَداعِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا خِلافَ بينَ جَماعَةِ أهْلِ العِلْمِ بالسِّيَرِ والآثارِ، أنَّ قِصَّةَ صاحِبِ الجُبَّةِ
стр. 3770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانت عامَ خَيْبَرَ، بالجِعْرانَةِ (١)، سَنَةَ ثمانٍ، وحديثُ عائِشَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ سَنَةَ عَشْرٍ. فعندَ ذلك إن قُدِّرَ التَّعارُضُ، فحديثُنا ناسِخٌ لحديثِهم. فإن قِيلَ: فقد روَى محمدُ بنُ المُنْتَشِرِ، قال: سَألْتُ ابنَ عُمَرَ عن الطِّيبِ عندَ الإِحْرامِ، فقال: لأن أُطْلَى بالقَطِرانِ أحَبُّ إلَيَّ مِن ذلك. قُلْنا: تَمامُ الحديثِ، قال: فذَكَرْتُ ذلك لعائشةَ، فقالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمنِ، قد كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فيَطُوفُ في نِسائِه، ثم يُصْبِحُ يَنْضَحُ طِيبًا (٢). فإذًا صار الخَبَرُ حُجَّةً على مَن احْتَجَّ به، فإنَّ فِعْلَ النبىِّ ﷺ حُجَّةٌ على ابنِ عُمَرَ وغيرِه، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالنِّكاحِ، فإنَّ الإِحْرامَ يَمْنَعُ ابْتداءَه دُونَ اسْتِدامَتِه.
فصل: فإن طَيَّبَ ثَوْبَه، فله اسْتِدامَةُ لُبْسِه، ما لم يَنْزِعْه، فإن نَزَعَه فليس له لُبْسُه، فإن لَبِسَه افْتَدَى؛ لأنَّ الإِحْرامَ يَمْنَعُ ابْتِداءَ الطِّيبِ ولُبْسَ المُطَيَّبِ، دُونَ الاسْتِدامَةِ. وكذا إن نَقَل الطِّيبَ مِن مَوْضِعٍ مِن بَدَنِه إلى مَوْضِعٍ، يَفْتَدِى؛ لأنَّه ابْتَدَأ الطِّيبَ. وكذا إن تَعَمَّدَ مَسَّه بيَدِه، أو نَحّاه عن مَوْضِعِه ثم رَدَّه إليه. فأمّا إن عَرِق الطِّيبُ، أو ذابَ بالشَّمْسِ، فسال إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه ليس مِن فِعْلِه. قالَتْ عائِشَةُ،
стр. 3771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَضِىَ اللهُ عنها: كُنّا نَخْرُجُ مع النبيِّ ﷺ إلى مَكَّةَ فنُضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ عندَ الإِحْرامِ، فإذا عَرِقَتْ إحْدانا سالَ على وَجْهِها، فيَرانا النبيُّ ﷺ ، فلا يَنْهانا. رَواه أبو داودَ (١).
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَلْبَسَ ثَوْبَيْن أبْيَضَيْن نَظِيفَيْن؛ إزارًا ورِداءً؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَلْيُحْرِمْ أحَدُكُمْ فِى إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ» (٢). ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونا نَظِيفَيْن، إمّا جَدِيدَيْن، أو مَغْسُولَيْن؛ لأنَّا أحْبَبْنا له التَّنْظِيفَ في بَدَنِه، فكذلك في ثِيابه، كشاهِدِ الجُمُعَةِ. والأوْلَى أن يَكُونا أبْيَضَيْن؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «خَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضُ، فَألْبِسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». رَواه النَّسائِىُّ (٣) بمَعْناه.
فصل: ويَتَجرَّدُ عن المَخِيطِ إن كان رجلًا، فأمّا المَرْأةُ فلها لُبْسُ المَخِيطِ في الإِحْرامِ؛ لأنَّ المُحْرِمَ مَمْنوعٌ مِن لُبْسِه في شئٍ مِن بَدَنِه، وهو كلُّ ما يُخاطُ على قَدْرِ المَلبُوسِ عليه، كالقَمِيصِ والسَّراوِيلِ والبُرْنُسِ. ولو لَبِس إزارًا مُوَصَّلًا، أو اتَّشَحَ بثَوْبٍ مَخِيطٍ كان جائِزًا. وسَنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاء اللهُ تعالى.
стр. 3772
وَيُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ، وَيُحْرِمَ عَقِيبَهُمَا.
ــ
١١٥٧ - مسألة: (ويُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن، ويُحْرِمَ عَقِيبَهما) المُسْتَحَبُّ أن يُحْرِمَ عَقِيبَ الصلاةِ، فإن حَضَرَتْ صلاةٌ مَكْتُوبَةٌ، أحْرَمَ عَقِيبَها، وإلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْن تَطَوُّعًا وأحْرَمَ عَقِيبَهما. وهذا قولُ عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ الإِحْرامَ عَقِيبَ الصلاةِ، وإذا اسْتَوَتْ به راحِلَتُه، وإذا بَدَأ بالسَّيْرِ، سَواءٌ؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَرْوِىُّ عن النبىِّ ﷺ مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ. قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عبدِ اللهِ: أيُّما أحَبُّ إليك؛ الإِحْرامُ في دُبُرِ الصلاةِ، أو إذا اسْتَوَت به راحِلَتُه (١)؟ قال: كلُّ ذلك (٢) قد جاء، في دُبُرِ الصلاةِ، وإذا عَلا البَيْداءَ، وإذا اسْتَوَتْ به راحِلَتُه. فوَسَّعَ في ذلك كلِّه. قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهما: أهَلَّ النبيُّ ﷺ حينَ اسْتَوَتْ به راحِلَتُه قائِمَةً.
стр. 3773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروَى ابنُ عباسٍ، وأنَسٌ، رَضِىَ الله عنهما، نَحْوَه. رَواهُنَّ البخاريُّ (١). والأوْلَى الإِحْرامُ عَقِيبَ الصلاةِ؛ لِما روَى سعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، قال: ذَكَرْتُ لابنِ عباسٍ إهْلالَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: أوْجَبَ رسولُ اللهِ ﷺ الإِحْرامَ حينَ فَرَغ مِن صَلاِته، ثم خَرَج، فلَمّا رَكِب رسولُ اللهِ ﷺ راحِلَتَه، وَاسْتَوَتْ به قائِمَةً، أهَلَّ، فأدْرَكَ ذلك منه قومٌ، فقالُوا: أهَلَّ حينَ اسْتَوَتْ به راحِلَتُه. وذلك أنَّهُم لم يُدْرِكُوا إلَّا ذلك، ثم سارَ حتى عَلا البَيْداءَ، فأهَلَّ، فأدْرَكَ ذلك منه ناسٌ، فقالُوا: أهَلَّ حينَ عَلا البَيْداءَ. رَواه أبو داودَ (٢)، والأثْرَمُ. وهذا لَفظُه. وهذا فيه بَيانٌ وزِيادَةُ عِلْمٍ، فتَعَيَّنَ حَمْلُ الأمْرِ عليه، ولو لم يَقُلْه ابنُ عباسٍ،
стр. 3774
وَيَنوِى الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ،
ــ
لتَعَيَّن حَمْلُ الأمْرِ عليه؛ جمْعًا بينَ الأخْبارِ المُخْتَلِفَةِ، وعلى سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ. وكيفما أحْرَمَ جاز، لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في ذلك.
١١٥٨ - مسألة: (ويَنْوِى الإِحْرامَ بنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، ولا يَنْعَقِدُ إلَّا بالنِّيَّةِ) يُسْتَحَبُّ أن يُعَيِّنَ ما يُحْرِمُ به مِن الأنْساكِ. وبه قال مالكٌ. وِقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: الإِطْلاقُ أوْلَى؛ لِما روَى طاوُسٌ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ مِن المَدِينَةِ، لا يُسَمِّى حَجًّا، يَنتظِرُ القَضاءَ، فنَزَلَ عليه القَضاءُ، وهو بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فأمَرَ أصحابَه مَن كان منهم أهَلَّ، ولم يَكُنْ معه هَدْىٌ، أن يَجْعَلُوها عُمْرَةً (١). ولأنَّ ذلك أحْوَطُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ الإِحْصارَ، أو تَعذُّر فِعْلِ الحَجِّ، فيَجْعَلَها عُمْرَةً. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أصْحابَه بالإِحْرامِ بنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، فقالَ: «مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ، [وعُمْرَةٍ] (٢)، فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أرَادَ أنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أرَادَ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ» (٣). والنبيُّ ﷺ وأصحابُه إنَّما أحْرَمُوا بمُعَيَّنٍ؛ لِما نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ولأنَّ أصْحابَ النبىِّ ﷺ الذين كانُوا معه في صُحبَتِه يَطَّلِعُون على أحوالِه ويَقتَدُون به، أعْلَمُ
стр. 3775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به مِن طاوُسٍ، ثم إنَّ حديثَه مُرْسَلٌ، والشافعيُّ لا يَحْتَجُّ بالمراسِيلِ، فكيفَ صار إليه مع مُخالَفَةِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ المُسْنَدَةِ، والاحْتِياطُ مُمْكِنٌ، بأن يَجْعَلَها عُمْرَةً، فإن شاء كان مُتَمَتِّعًا، وإن شاء أدْخَلَ عليها الحَجَّ، فصار قَارِنًا.
فصل: ويَنْوِى الإِحْرامَ بقَلْبِه، ولا يَنْعَقِدُ إلَّا بالنِّيَّةِ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «إنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١). ولأنَّها عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فافْتَقَرَتْ إلى النَّيَّةِ، كالصلاةِ. فإن لَبَّى مِن غيرِ نِيَّةٍ لم يَصِرْ مُحْرِمًا؛ لِما ذَكَرْنا. وإنِ اقْتَصَرَ على النِّيَّةِ، كَفاه ذلك. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْعَقِدُ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ حتى يُضافَ إلهِا التَّلْبيَةُ، أو سَوْقُ الهَدْىِ؛ لِما روَى خَلَّادُ بنُ السّائِبِ الأنْصارِىُّ، عن أبيه، عن النبىِّ ﷺ ، قال: «جَاءَنِى جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ أصحَابَكَ أنْ يَرْفَعُوا أصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ». قال التِّرْمِذِيُّ (٢): هذا حديثٌ حسنٌ. ولأنَّها عِبادَةٌ ذاتُ تَحْرِيمٍ وتَحْلِيلٍ، فكانَ لها نُطْقٌ واجِبٌ، كالصلاةِ، ولأنَّ الهَدْىَ
стр. 3776
وَيَشْتَرِطُ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِى، فَيَسِّرْهُ لِى،
ــ
والأُضْحِيَةَ لا يَجِبان بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كذلك النُّسُكُ. ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ ليس في آخِرِها نُطْقٌ واجِبٌ، فلم يَكُنْ في أوَّلِها، كالصيامِ. والخَبَرُ المُرادُ به الاسْتِحْبابُ، فإنَّ مَنْطُوقَه رَفْعُ الصَّوْتِ، ولا خِلافَ في عَدَمِ وُجُوبِه، فما هو مِن ضَرُورَتِه أوْلَى، ولو وَجَب النُّطْقُ لم يَلْزَمْ كَوْنُه شَرْطًا، فإنَّ كَثِيرًا مِن واجِباتِ الحَجِّ غيرُ مُشْتَرَطَةٍ فيه، والصلاةُ في آخِرِها نُطْقٌ واجِبٌ، بخِلافِ الحَجِّ والعُمْرَةِ. وأمّا الهَدْىُ والأُضْحِيَةُ فإيجابُ مالٍ، فهو يُشْبِهُ النَّذْرَ، بخِلافِ الحَجِّ؛ لأنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ. فعلى هذا لو نَطَق بغيرِ ما نَواه، نَحْوَ أن يَنْوِىَ العُمْرَةَ، فيَسْبِقَ لسانُه إلى الحَجِّ، أو بالعَكْسِ، انْعَقَدَ ما نَواه دُونَ ما لَفَظ به. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على هذا. وذلك لأنَّ الواجِبَ النِّيَّةُ، وعليها الاعْتِمادُ، واللَّفْظُ لا عِبْرَةَ به، فلم يُؤَثِّرْ، كما لا يُؤَثِّرُ اخْتلافُ النِّيَّةِ فيما يُعْتَبَرُ له اللَّفْظُ دُونَ النِّيَّةِ. فإن لَبَّى، أو ساق الهَدْىَ مِن غيرِ نِيَّةٍ، لم يَنْعَقِدْ إحْرامُه؛ لأنَّ ما اعْتُبِرَت له النِّيَّةُ لا يَنْعَقِدُ بدُونِها، كالصومِ والصلاةِ.
١١٥٩ - مسألة: (ويَشْتَرِطُ، فيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ النُّسُكَ
стр. 3777
وَتَقَبَّلْهُ مِنِّى، فَإِنْ حَبَسَنِى حَابِسٌ، فَمَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى.
ــ
الفُلانِيَّ، فيَسِّرْه لى، وتَقَبُّلْه مِنِّى، وإن حَبَسَنِى حابِسٌ، فمَحِلِّى حيث حَبَسْتَنِى) فإن أرادَ التَّمَتُّعَ قال: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ العُمْرَةَ، فيَسِّرْها لى، وتَقَبَّلْها مِنِّى، وإن حَبَسَنِى حابِسٌ فمَحِلِّى حيث حَبَسْتَنِى. وإن أرادَ الإِفْرادَ، قال: اللَّهُمَّ إنِّى أُريدُ الحَجَّ فيَسِّرْه لى وتَقَبَّلْه مِنِّى. ويَشْتَرِطُ. وإن أرادَ القِرانَ قال: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ والعُمْرَةَ فيَسِّرْهما لى، وتَقَبَّلْهما مِنِّى. ويَشْتَرِطُ. وهذا الاشْتِراطُ مُسْتَحَبٌّ. ويُفِيدُ هذا الشَّرْطُ شَيْئَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه إذا عاقه عَدُوٌّ أو مَرَضٌ أو ذَهابُ نَفَقَةٍ ونَحْوُه، أنَّ له التَّحَلُّلَ. والثّانِي، أنَّه متى حَلَّ بذلك فلا شئَ عليه. ومِمَّن رَأى الاشْترِاط في الإِحْرامِ؛ عُمَرُ، وعليٌّ، وابنُ مسعودٍ، وعَمّارٌ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال عَبِيدَةُ السَّلْمانِىُّ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وشُرَيْحٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والشافعيُّ بالعراقِ. وأنْكَرَه ابنُ عُمَرَ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ. وعن أبِى حنيفةَ، أنَّ الاشْتِراطَ يُفِيدُ سُقُوطَ الدَّمِ، فأمّا التَّحَلُّلُ فهو ثابِتٌ عندَه بكلِّ إحْصارٍ. واحْتَجُّوا بأنَّ ابنَ عُمَرَ كان يُنكِرُ الاشْتِراطَ، ويَقُولُ: حَسْبُكم سُنَّةُ نَبِيِّكُم ﷺ . ولأنَّها عِبادَةٌ تَجِبُ بأصْلِ الشَّرْعِ، فلم يُفِدْ الاشْتِراطُ فيها، كالصومِ والصلاةِ. ولَنا، ما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالَت: دَخَل النبيُّ ﷺ على ضُباعَةَ بنتِ الزُّبَيْرِ، فقالَتْ: يا رسولَ