← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأصْحابُ الرَّأْىِ إلى اخْتِيارِ القِرانِ؛ لِما روَى أنَسٌ، ﵁، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - أهَلَّ بهما جَمِيعًا: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا». مُتَّفَقٌ عليه (١) وحديثُ الصُّبَىِّ (٢) بنِ مَعْبَدٍ، حينَ أحْرَمَ بهما، فأتَى عُمَرَ فسَأله، فقالَ: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّكَ - صلي الله عليه وسلم - (٣). ورُوِىَ عن مَرْوانَ ابنِ الحَكَمِ، قال: كُنْتُ جالِسًا عندَ عثمانَ بنِ عَفّانَ، فسَمِعَ عليًّا يُلبِّى بعُمْرَةٍ وحَجٍّ، فأرْسَلَ إليه، فقالَ: ألم نَكُنْ نَهَيْنا عن هذا؟ قال: بلى، ولكنْ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - يُلبِّى بهما جَمِيعًا، فلم أكُنْ أدَعُ قولَ (٤) رسولِ اللهِ ﷺ لقَوْلِكَ. رَواه سعيدٌ (٥). ولأن القِرانَ مُبادَرَةٌ إلى فِعْل

стр. 3782

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العِبادَةِ، وإحْرامٌ بالنُّسُكَيْن مِن المِيقاتِ، وفيه زِيادَةُ نُسُكٍ هو الدَّمُ، فكانَ أوْلَى. وذَهَب مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ إلى اخْتِيارِ الإفْرادِ. وهو ظاهِر مَذْهَبِ الشافعىِّ. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، وابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وعائشَةَ، رَضِىِ الله عنهم؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ، وجابِرٌ، أنَّ رسولَ الله ﷺ أفْرَدَ الحَج. مُتَّفق عليهما (١). وعن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ مثلُ ذلك. مُتَّفَقٌ عليهما (٢). ولأنَّه يَأْتِي بالحَجِّ تامًّا مِن غيرِ احْتِياجٍ إلى جَبْرٍ، فكانَ أوْلَى. قال عثمانُ: ألا إنَّ الحَجَّ التامَّ مِن أهْلِيكُم، والعُمْرَةَ التامَّةَ مِن أهْلِيكُم. وقال إبراهيمُ: إنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وابنَ مسعودٍ وعائِشَةَ، كانُوا يُجَرِّدُون الحَجَّ. ولَنا، ما روَى ابن عباس، وجابِرٌ، وأبو موسى، وعائِشَة، رَضِىَ اللهُ عنهم، أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ أصحابَه لَمّا طافُوا بالبَيْتِ، أنْ يَحِلوا، ويَجْعَلُوها عُمْرَةً (٣). فنَقَلَهم مِن الإفْرادِ والقِرانِ إلى المُتْعَةِ.

стр. 3783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُتَّفَقٌ عليها، ولا يَنْقُلُهم إلَّا إلى الأفْضَلِ، ولم يُخْتَلَفْ عن النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - أنَّه لَمّا قَدِم مَكَّةَ أمَرَ أصحابَه أنَّ يَحِلُّوا، إلَّا مَن ساق هَدْيًا، وثَبَت على إحْرامِه، وقال: «لَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْىَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَة». قال جابِرٌ: حَجَجْنا مع النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - يومَ ساقَ البُدْنَ معه، وقد أهَلُّوا بالحَجِّ مُفْرَدًا، فقالَ لهم: «حِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ، وَاجْعَلُوا الَّتِى قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً». فقالُوا: كيفَ نَجْعَلُها عُمْرَةً وقد سَمَّيْنا الحَجَّ؟ فقالَ: «افْعَلُوا مَا أمَرْتُكُم بِه، فَلَوْلَا أنِّى سُقْتُ الهَدْىَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِى أمَرْتُكُمْ بِهِ». وفى لَفْظٍ: فقامَ رسولُ الله ﷺ ، فقالَ: «قَدْ عَلِمتُمِ أنِّى أتْقَاكُمْ لِلهِ، وَأصْدَقُكُمْ، وأبرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِى لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَو اسْتَقبَلْتُ مِنْ أمْرِىْ مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ». فحَلَلْنا، وسَمِعْنا وأطعْنا. مُتَّفَقٌ عليهما (١). فنَقَلَهُم إلى التَّمَتُّعِ وتَأسَّفَ إذْ لم يُمْكِنْه ذلك، فدَلَّ على

стр. 3784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَضْلِه. ولأنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عليه في كتاب اللهِ تعالى، بقوْلِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (١). دُونَ سائِرِ الأَنْساكِ. ولأنَّ التَّمَتُّعَ يَجْتَمِعُ له الحَجُّ والعُمْرَةُ في أشْهُرِ الحَجِّ، مع كَمالِهما وكَمالِ أفْعالِهما على وَجْهِ اليُسْرِ والسُّهُولَةِ، مع زِيادَةِ نُسُكٍ، فكانَ أوْلَى، فأمّا القِرانُ فإنَّما يُؤْتَى فيه بأفْعالِ الحَجِّ، وتَدْخُلُ أفْعالُ العُمْرَةِ فيه، والمُفْرِدُ إنَّما يَأْتِى بالحَجِّ وَحْدَه، وإنِ اعْتَمَرَ بعدَه مِن أدْنَى الحِلِّ، فقد اخْتُلِفَ في إجْزائِها عن عُمْرَةِ الإسْلامِ، وكذلك اخْتُلِفَ في إجْزاءِ عُمْرَةِ القارِنِ، ولا خِلافَ في إجْزاءِ عُمْرَةِ المُتَمَتعِ، فكان أوْلَى. فأمّا حُجَّتُهم بفِعْلِ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، ففيها أجْوِبَة: أحَدُها، مَنْعُ أنَّ يَكُونَ النبيُّ ﷺ مُحْرِمًا بغيرِ التَّمَتُّعِ؛ لأمُورٍ؛ أوَّلُها، أنَّ رُواةَ أحاديثِهم قد رَوَوْا أنَّ النبيَّ ﷺ تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، رَواه ابنُ عُمَرَ، وعائِشَةُ، وجابِرٌ، رَضِىَ الله عنهم، مِن طُرُق صِحاحٍ، فسَقَطَ الاحْتِجاجُ بها. وثانِيها، أنَّ رِوايَتَهم اخْتَلَفَتْ، فرَوَوْا مَرَّةً أنَّه أفْرَدَ، ومَرَّةً أنَّه تمَتَّعَ، ومَرةً أنَّه قَرَن، والقَضِيَّةُ واحِدَةٌ،

стр. 3785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَها، فوجَبَ اطِّراحُ الكلِّ، وأحادِيثُهم في القِرانِ أصَحُّها حديثُ أنَسٍ، وقد أنكَرَه ابنُ عُمَرَ، فقالَ: رَحِمَ الله أنَسًا، ذَهَل أنَسٌ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وفى رِوايَة: كان أنَسٌ يَتَوَلَّجُ على النِّساءِ. أى كان صَغِيرًا. وحديثُ علىٍّ (٢) رواه حَفْصُ بنُ أبى داودَ، وهو ضَعِيفٌ، عن ابنِ أبِى لَيْلَى، وهو كَثِيرُ الوَهْمِ. قاله الدَّارَقُطنيُّ. وثالِثُها، أنَّ أكْثَرَ الرِّواياتِ، أنَّ النبىَّ - صلي الله عليه وسلم -، كان مُتَمَتِّعًا. روَى ذلك عُمَرُ، وعَلىٌّ، وعثمانُ، وسَعْدُ بنُ أبِى وَقَّاصٍ، وابنُ عباس، وابنُ عُمَرَ، ومُعاويَةُ، وأبو موسى، وجابِرٌ، وعائِشَةُ، وحَفْصَةُ، بأحادِيثَ صِحاحٍ. وإنَّما مَنَعَه مِن الحِلِّ الهَدْىُ الذى كان معه، ففى حديثِ عُمَرَ (٣)، أنَّه قال: إنِّى لأنْهاكُمْ (٤) عن المُتْعَةِ، وإنَّها لفى كتابِ اللهِ، ولقد صَنَعَها رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - (٥). يَعْنى العُمرَةَ في الحَجِّ. وفى حديثِ عليٍّ، أنَّه اخْتَلَفَ هو وعثمانُ في المُتْعَةِ بعُسْفانَ (٦)، فقالَ علىٌّ: ما تُرِيدُ الى أمْرٍ فَعَلَه رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - تَنْهَى عنه.

стр. 3786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُتَّفَقٌ عليه (١). وللنَّسائِيِّ (٢)، قال عليٌّ لعثمانَ: ألم تَسْمَعْ رسولَ اللهِ ﷺ تَمَتَّعَ؟ قال: بلى. وعن ابنَ عُمَرَ، قال: تَمَتَّعَ رسولُ اللهَ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ. وعنه أنَّ حَفْصَةَ قالت للنبىِّ ﷺ : ما شَأْنُ النّاسِ حَلُّوا مِن عُمْرَتِهم، ولم تَحْلِلْ أنت مِن عُمْرَتِك؛ قال: «إنِّى لَبَّدْتُ رَاسِى، وَقَلدْتُ هَدْيىِ، فَلَا أَحلْ حَتّى أنْحَرَ» مُتَّفَقٌ عليهما (٣). وقال سعدٌ: صَنَعَها رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، وصَنَعْناها معه (٤). وهذه الأحاديثُ

стр. 3787

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ راجِحَةٌ؛ لأنَّ رُواتَها اكْثرُ وأعلَمُ، وِلأنَّ النبيَّ ﷺ أخْبَرَ بالمُتْعَةِ عن نَفْسِه في حديثِ حَفْصَةَ، فلا يُعارِضُ خبَرَه غيرُه. ولأنَّه يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَ الأحاديثِ، بأن يَكُونَ النبيُّ ﷺ أحْرَمَ بالمُتْعَةِ، ثم لم يَحِلَّ منها لأجْل هَدْيِه حتى أحْرَمَ بالحَجِّ، فصار قارِنًا، وسَمّاه مَن سَمّاه مُفْرِدًا؛ لأنَّه اشْتَغلَ بأفْعالِ الحَجِّ وَحْدَها بعدَ فَراغِه مِن أفْعالِ العُمْرَةِ، فإنَّ الجَمْعَ بينَ الأحادِيثِ مهما أمْكَنَ أوْلَى مِن حَمْلِها على التَّعارُضِ. الوَجْهُ الثّانِى مِن الجوابِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قد أمَرَ أصحابَه بالانْتِقالِ الى المُتْعَةِ عن الإِفْرادِ والقِرانِ، ولا يَأْمُرُهم إلَّا بالانْتقالِ الى الأفْضَلِ، فإنَّه مِن المُحالِ أنَّ يَنْقُلَهم مِن الأفْضَلِ الى الأدْنَى، وهو الدّاعِى الى الخَيْرِ، الهادِى (١) إلى الفَضْلِ، ثم أكَّدَ ذلك بتَأسُّفِه على فَواتِ ذلك في حَقِّه، ولأنَّه لم يَقْدِرْ على انْتِقالِه وحِلِّه؛ لسَوقِه الهَدْىَ، وهذا ظاهِرُ الدَّلالَةِ. الثّالِثُ، أنَّ ما ذَكَزناه قولُ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، وهم يَحْتَجُّون بفِعْلِه، وعندَ التَّعارُضِ يَجِبُ تَقْدِيمُ القولِ؛ لاحْتِمالِ اختِصاصِه بفِعْلِه دُونَ غيرِه، كنَهْيِه عن الوصالِ مع فِعْلِه له، ونكاحِه بغيرِ وَليٍّ مع قَوْله: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلىٍّ» (٢). فإن قِيلَ: فقد قال أبو ذَرٍّ: كانت مُتْعَةُ الحَجِّ لأصحابِ

стр. 3788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ محمَّدٍ ﷺ خاصَّةً. رَواه مسلم (١). قُلْنا: هذا قولُ صحابيِّ، يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ والإجْماعَ وقولَ مَن هو خَيْرٌ منه (٢) وأعْلَمُ. أمّا الكِتابُ فَقَوْلُه سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٣). وهذا عامٌّ. وأجْمَعَ المسلمون على إباحَةِ التَّمَتُّعِ. وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى سعيدٌ، بإسْنادِه، أنَّ سُراقَةَ بنَ مالك سَأل النبيَّ ﷺ : المُتْعَةُ لنا خاصَّةً، أم هى للأبَدِ؟ قال: «بَلْ هِىَ لِلأبَدِ». وفى لَفظٍ، قال: هى لعامِنا، أو للأبَدِ؟ قال: «بَلْ لأبَدِ الأبدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ إلَى يَوْم الْقِيَامَةِ» (٤). وفى حديثِ جابِر الذى رَواه مسلمٌ (٥) في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - نَحْوُ هذا.

стр. 3789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومَعْناه، واللهُ أعْلَمُ، أنَّ الجاهِلِيَّةَ كانُوا لا يُجِيزُون التَّمتُّعَ، ويَرُوْن العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ مِن أفْجَرِ الفُجُورِ، فبَيَّنَ النبىُّ - صلي الله عليه وسلم - أنَّ اللهَ تعالى قد شَرَع العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ، وجَوَّز المُتْعَةَ إلى يومِ القِيامَةِ. وقد خالَفَ أبا ذَرٍّ عليٌّ، وسعدٌ، وابنُ عباس، وابنُ عُمَرَ، وعِمرانُ بنُ حُصَيْن، وسائِرُ المسلمين. قال عِمْرانُ: تَمَتَّعْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، ونَزَل فيه القُرْآنُ، ولم يَنْهَنا عنه رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، ولم يَنْسَخْها شئٌ، فقالَ فيها رجلٌ برَأْيِه ما شاءَ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وقال سعدُ بنُ أبِي وَقَّاص: فَعَلْناها مع رسولِ اللهِ ﷺ يَعْنِى المُتْعَةَ - وهذا يَوْمَئِذٍ كافِرٌ بالعُرُشِ (٢). يَعْنِى النّاهِىَ عَنْها. والعُرُشُ: بُيُوتُ مَكَّةَ. قال أحمدُ، حينَ ذُكِرَ له حديثُ أبى ذَرٍّ: أفيقُولُ بهذا أحَدٌ؟ المُتْعَةُ في كِتابِ اللهِ تعالى، وقد أجْمَعَ المُسْلِمُون على جَوازها. فإن قِيلَ: فقد روَى أبو داودَ (٣)، بإسْنادِه، أنَّ رجلًا مِن أصْحابِ النبى - صلي الله عليه وسلم - أتَى عُمَرَ، فشَهِدَ عندَه أنَّه سَمِع رسول اللهِ ﷺ يَنْهَى عن العُمْرَةِ قبلَ الحَجِّ. قُلْنا: هذا حالُه في مُخالَفَةِ الكِتابِ والسُّنةِ والإجْماعِ كحالِ حديثِ أبى ذَرٍّ، بل هو أدْنَى حالًا، فإنَّ في

стр. 3790

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إسْنادِه مقالًا. فإن قِيلَ: فقد نَهَىِ عنها عُمَرُ، وعثمانُ، ومُعاويَةُ. قُلْنا: فقد أنْكَرَ عليهم عُلَماءُ الصحابةِ نهْيَهم عنها، وخالَفُوهم في فِعْلِها، وقد ذَكَرْنا إنْكارَ عليٍّ على عثمانَ، واعْتِرافَ عثمانَ له، وقولَ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ مُنْكِرًا لنَهْىِ مَن نَهَى، وقولَ سَعْدٍ عاتِبًّا على مُعاوِيَةَ نَهْيَه عنها، وَرَدَّهم عليهم بحُجَجٍ لم يَكُنْ لهم عنها جَوابٌ، بل ذَكَر بعضُ مَن نَهَى في كَلامِه الحُجَّةَ عليه، فقالَ عُمَرُ، رَضِىَ الله عنه: والله إنِّى لأنهاكُم عن المُتْعَةِ، وإنَّها لفى كِتابِ الله، وقد صَنَعَها رسولُ اللهِ ﷺ (١). ولا خِلافَ في أنَّ مَن خالَفَ كتابَ الله وسُنَّةَ رسولِه حَقِيقٌ بأن لا يُقبَلَ نَهْيُه، ولا يُحْتَجَّ به، مع أنَّه قد سئِلِ سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، أنهَى عُمَرُ عن المُتْعَةِ؟ قال: لا، والله ما نهَي عنها عُمَرُ، ولكن قد نهَى عنها عثمانُ. ولَمّا نَهَى مُعاوِيَةُ عن المُتْعةِ أمَرَت عائِشَةُ حَشَمَها ومَواليَها أنَّ يُهِلُّوا بها، فقالَ مُعاويَةُ: مَن هؤلاء؟ فقِيل: حَشَمُ أو مَوالِى عائِشَةَ. فأرْسَلَ إليها: ما حَمَلَكِ على ذلك؟ فقالَت: أحْبَبْتُ أنَّ يُعْلَمَ أنَّ الذى قُلْتَ ليس كما قُلْتَ. وقِيلَ لابنِ عباسٍ: إنَّ فُلانًا نَهَى عن المُتْعَةِ. قال: انْظُرُوا في كتابِ الله، فإن وَجَدْتُمُوها فيه، فقد كَذَب على اللهِ، وعلى رسول، وإن لم تَجِدُوها فقد صَدَق. فأيُّ الفَرِيقَيْن أحَقُّ بالاتِّباعِ وأوْلَى بالصَّوابِ؟ الذين معهم كتابُ الله وسُنَّةُ رسول، أم الذين يُخالِفُونهما؟ ثم قد ثَبَتَ عن النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - الذى قَوْلُه حُجَّةٌ على الخَلْقِ أجْمَعِين، فكيفَ يُعارَضُ بقَوْلِ غيرِه؟ قال سعيدُ

стр. 3791

وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ؛ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَفْرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قَرِيبٍ مِنْهَا فِى عَامِهِ. وَالإِفْرَادُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا. وَالْقِرَانُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ. وَلَوْ أحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ إِحْرَامُهُ بِهَا. ــ ابنُ جُبَيْر، عن ابنِ عباس، قال: تَمَتعَ رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -. فقالَ عُرْوَةُ: نَهَى أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رَضِىَ الله عنهما، عن المُتْعَةِ. فقالَ ابنُ عباسٍ: أراهم سَيَهْلِكُون. أقُولُ: قال النبىُّ - صلي الله عليه وسلم -، ويَقُولُون (١) نَهَى عنها أبو بَكْرٍ وعُمَرُ. وسُئِل ابنُ عُمَرَ عن مُتْعَةِ الحَجِّ، فأمَرَ بها، فقالَ (٢): إنَّكَ تُخالِفُ أباكَ. فقالَ: عُمَرُ لم يَقُلِ الذى تَقُولُون. فإذا أكْثرُوا عليه، قال: أفكِتابُ اللهِ أحَق أنَّ تَتَّبِعُوا أم عُمَرُ؟ (٣). روَى الأْثْرَمُ هذا كُلَّه. ١١٦٢ - مسألة: (وصِفَةُ التَّمَتُّعِ؛ أنَّ يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، ويَفْرَغَ منها، ويُحْرِمَ بالحَج مِن مَكَّةَ أو مِن قَريبٍ منها في عامِه. والإِفرادُ أنَّ يُحْرِمَ بالحَجِّ مُفرَدًا. والقِرانُ أنَّ يُحْرِمَ بهما جَمِيعًا، أو يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ ثم يُدْخِلَ عليها الحَجَّ. ولو أحْرَمَ بالحَجِّ ثم أدْخَلَ عليه العُمْرَةَ، لم يَصِحَّ إحْرامُه بها) إذا أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ قبلَ طَوافِها مِن

стр. 3792

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غيرِ خَوْفِ الفَواتِ، جاز، وكان قارِنًا بغيرِ خِلافٍ. وقد فَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ، ورَواه عن النبيِّ ﷺ (١). فأمّا بعدَ الطَّوافِ فليس له ذلك، ولا

стр. 3793

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَصِيرُ قارِنًا. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوِى عن عَطاءٍ. وقال مالكٌ: يَصِيرُ قارِنًا. وحُكِىَ ذلك عن أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أدْخَلَ الحَجَّ على إحْرامِ العُمْرَةِ، فصَحَّ، كما قبلَ الطَّوافِ. ولَنا، أنَّه قد شَرَع في التَّحَلُّلِ مِن العُمْرَةِ، فلم يَجُزْ إدْخالُ الحَجِّ عليها، كما بعدَ السَّعْىِ.

стр. 3794

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إلَّا أنَّ يَكُونَ معه هَدْىٌ، فله ذلك؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له التَّحَلُّلُ حتى يَنْحَرَ هَدْيَه؛ لقَوْله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١). فلا يَتَحَلَّلُ بطَوافِه، ويَتَعَيَّنُ عليه إدْخالُ الحَجِّ على العُمْرَةِ؛ لِئلَّا يَفُوتَه الحَجُّ، ويَصِيرُ قارِنًا، بخِلافِ غيرِه.

стр. 3795

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا إدْخالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ فلا يَجُوزُ، وإن فَعَل، لم يَصِحَّ، ولم يَصِرْ قارِنًا. رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ. اللهُ عنه. وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ ويَصِيرُ قارِنًا؛ لأنَّه أحَدُ

стр. 3796

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النُّسُكَيْن، فجاز إدْخالُه على الآخَرِ، كالآخَرِ. ولَنا، أنَّه قولُ علي رَضِىَ الله عنه. رَواه عنه الأثْرَمُ. ولأنَّ إدْخالَ العُمْرَةِ على الحَجَّ لا يُفِيدُ (١) إلَّا ما أفادَه العَقدُ الأوَّلُ، فلم يَصِحَّ، كما لو اسْتَأجَرَه على عَمَلٍ، ثم اسْتَأجَرَه عليه ثانِيًا، وعَكْسُه إذا أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ.

стр. 3797

وَيَجِبُ عَلىَ الْمُتَمتِّعِ وَالْقَارِنِ [٦٣ و] دَمُ نُسُكٍ، إذَا لَم يَكُونَا مِن حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ وَهُمْ أهْلُ مَكَّةَ، وَمَنْ كَان مِنْهَا دُون مَسَافَةِ الْقَصْرِ. ــ ١١٦٣ - مسألة: (ويَجِبُ على المُتَمَتِّعِ والقارنِ دَمُ نُسُكٍ، إذا لم يَكُونا مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ؛ وهم أهْلُ مَكةً، ومَن كان منها دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ) يَجِبُ الدِّمُ على المُتَمَتعِ في الجُمْلَةِ بالإجْماعِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن أهَلَّ بعُمرَةٍ في أشهُرِ الحَجَّ مِن أهْلِ الآفاقِ مِن المِيقاتِ، وقَدِم مَكَّةَ ففَرَغَ منها وأقامَ بها فحَجَّ مِن عامِه، أنَّه متَمَتعٌ، وعليه الهَدْىُ إن وَجَدَ، وإلَّا فالصِّيامُ. وقد نصَّ الله سبحانه عليه بقَوْلِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ﴾ الآية. وقال ابنُ عُمَرَ: تَمَتع الناسُ مع النبيِّ ﷺ -بالعُمْرَةِ الى الحَجِّ، فلَمّا قَدِم رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم -، قال للنّاسِ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَطُف بِالْبَيْتِ، وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، ثُمِّ لْيُهِل بالحَجِّ، وَيُهْدِى، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَليَصُمْ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ

стр. 3798

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِه». مُتَّفَقٌ عليه (١). وعنَ أبى جَمْرَةَ (٢)، قال: سَألْتُ ابنَ عباس عن المُتْعَةِ، فأمَرَنِى بها، وسَألْتُه عن الهَدْىِ، فقالَ: فيها جَزُورٌ أو بَقَرَة أو شِرْكٌ (٣) في دَمٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). فصل (٥): والدَّمُ الواجِبُ شاةٌ، أو سُبْع بَدَنَةٍ، أو بَقَرَةٍ (٦)، فإنْ نَحَرَ بَدَنَةً، أو ذَبَح بَقَرَةً، فقد زادَ خَيْرًا. وبه قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ: لا يُجزِيءُ إلَّا بَقَرَةٌ (٦)؛ لأنَّ

стр. 3799

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبى - صلي الله عليه وسلم - لَمّا تَمَتعَ ساق بَدَنَةً. والذى ذَكَره تَرْكٌ لظاهِرِ القُرْآنِ؛ لأنَّه سبْحانَه قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.واطِّراحُ الآثارِ الثّابِتَةِ. وما احْتَجُّوا به فلا حُجَّةَ فيه؛ فإنَّ إهْداءَ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - للبَدَنةِ لا يَمْنَعُ إجْزاءَ ما ذونَها، فإنَّ النبىَّ - صلي الله عليه وسلم - قد ساق مائَةَ بَدَنَةٍ، ولا خِلافَ في أنَّ ذلك ليس بواجب، فلا يَجِبُ أنَّ تَكونَ البَدَنَة التى (١) يَذْبَحُها على صِفَةِ بُدْنِ النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، ثم إنَّهم يقُولُون: إنَّ النبيَّ ﷺ كان مُفْرِدًا في حَجَّتِه. ولذلك ذَهَبُوا إلى تَفْضِيلِ الإفْرادِ، فكيفَ يَكون سَوْقه للبَدَنةِ دَلِيلًا لهم في التَّمَتُّعِ، ولم يَكنْ متَمَتِّعًا! فصل: وإنَّما يَجِبُ الدم بشُروطٍ خَمْسَةٍ؛ أوَّلُها، أنَّ يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ في أشْهرِ الحَجِّ، فإن أحْرَمَ بها في غيرِ أشْهُرِه لم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، ولا يَلْزَمُه دَمٌ، سَواءٌ وَقَعَت أفْعالها في أشْهُرِ الحَجِّ، أو في غيرِه. نَصَّ عليه. قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أبا عَبدِ اللهِ، سُئِلَ عن (٢) مَنْ أهَل بعُمْرَةٍ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم قَدِم في شَوّالٍ، أيَحِلُّ في عُمْرَتِه مِن شوالٍ، أو يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؟

стр. 3800

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: لا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. واحْتَجَّ بحديثِ جابِر (١)، وذَكَر إسْنادَه عن أبِى الزُّبَيْرِ، أنَه سَمِع جابِر بنَ عبدِ اللهِ، يُسْألُ عن امْرَأةٍ تَجْعَلُ على نَفْسِها عُمْرَةً في شهر مُسَمًّى،. ثم يَخْلُو إلَّا لَيْلَةً واحِدَةً، ثم تَحِيضُ؟ قال: لتَخْرُجْ، ثم لتُهِلَّ بعُمْرَةٍ، ثم لتَنتَظِرْ حتى تَطْهُرَ، ثم لتَطُفْ بالبَيْتِ. قال أبو عبدِ اللهِ: فجَعَلَ عُمْرَتَها في الشَّهْرِ الذى حَلَّتْ فيه. ولا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا أنَّ مَن اعْتَمَرَ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، وفَرَغ مِن عُمْرَتِه قبلَ أشْهُرِ الحَجِّ، أنَّه لا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، إلَّا قَوْلَين شاذَّين؛ أحَدُهما، عن طاوُسٍ، أنَّه قال: إذا اعْتَمَرْت في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أقَمْتَ حتى الحَجِّ، فأنْتَ مُتَمَتِّعٌ.

стр. 3801

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والآخَرُ، عن الحسنِ، أنَّه قال: مَن اعْتَمَرَ بعدَ النَّحْرِ، فهى مُتْعَةٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قال بواحِدٍ مِن هذَيْن القَوْلَيْن. فأمّا إن أحْرَمَ بالعُمْرَةِ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم حَلَّ منها في أشْهُرِ الحَجِّ، فإنَّه لا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، على ما ذَكَرْناه عن أحمدَ. ونُقِلَ مَعْنَى ذلك عن جابِرٍ، وأبِى عِياضٍ (١). وهو قولُ إسْحاقَ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ. وقال طاوُمن: عُمْرَتُه في الشهْرِ الذى يَدْخُلُ فيه الحَرَمَ. وقال الحسنُ، والحَكَمُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: عُمْرَته في الشَّهْرِ الذى يَطُوفُ فيه. وقال عَطاءٌ: عُمْرَتُه في الشَّهْرِ الذى يَحِلُّ فيه.

стр. 3802

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو قولُ مالكٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن طاف للعُمْرَةِ أرْبَعَةَ أشْواطٍ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ فليس بمُتَمَتِّعٍ، وإن طاف الأرْبَعَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ فهو مُتَمَتِّعٌ؛ لأن العُمْرَةَ صَحَّتْ في أشْهُرِ الحَجِّ، بدَلِيلِ أنَّه لو وَطِى أفْسَدَها، أشْبَهَ إذا أحْرَمَ بها في أشْهُرِ الحَجِّ. ولَنا، ما ذَكَرْناه عن جابِر، ولأنَّه أتَى بنُسُكٍ لا تَتِمُّ العُمْرَةُ إلَّا به في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، فلم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، كما لو طاف. ويُخَرَّجُ. عليه ما قاسُوا عليه. الثّانِى، أنَّ يَحُجَّ من عامِه، فإنِ اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ فلم يَحُجَّ ذلك العامَ، بل حَجَّ من العامِ القابِلِ، فليس بمُتَمَتِّع. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا قولًا شاذًّا عن الحسنِ في مَن اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ. والجُمْهُورُ على خِلافِ هذا؛ لأن اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. وهذا يَقْتَضِى المُوالاةَ بينَهما، ولأنَّهم إذا أجْمَعُوا على أنَّ مَن اعْتَمَرَ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم حَجَّ مِن عامِه، فليس بمُتَمَتِّعٍ، فهذا أوْلَى؛ لأنَّ التَّباعُدَ بينَهما أكْثَرُ. الثّالِثُ، أنَّ لا يُسافِرَ بينَ العُمْرَةِ والحَجِّ سَفَرًا بَعِيدًا تُقْصَرُ في مِثْلِه

стр. 3803

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصلاةُ. نَصَّ عليه. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، [والمُغِيرَةِ المدينىِّ] (١)، وإسْحاقَ. وقال الشافعىُّ: إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلا دَمَ عليه. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن رَجَع مِن مِصْرِه بَطَلَتْ مُتْعَتُه، وإلَّا فلا. وقال مالكٌ: إن رَجَع إلى مِصْرِه أو إلى غيرِه أبْعَدَ مِن مِصْرِه بَطَلَتْ مُتْعَتُه، وإلَّا فلا. وقال الحسنُ: هوِ مُتَمَتِّعٌ وإن رَجَع إلى بَلَدِه. واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية. ولَنا، ما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه قال: إذا اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ ثم أقامَ، فهو مُتَمَتِّعٌ، فإن خرَج ورَجع، فليس بمُتَمَتِّعٍ. وعن ابنِ عُمَرَ نحوُ ذلك.

стр. 3804

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّه إذا رَجَع إلى المِيقاتِ أو ما دُونَه لَزِمَه الإحْرامُ منه، فإذا كان بَعِيدًا، فقد أنْشَأ سَفَرًا بَعِيدًا لحَجِّه، فلم يَتَرَفَّهْ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كموضِعِ الوِ فاق. والآيَةُ تَناوَلَتِ المُتَمَتِّعَ، وهذا ليس بمُتَمَتِّعٍ؛ بدَلِيلِ قولِ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه. الرّابعُ، أنَّ يَحِل مِن إحْرامِ العُمْرَةِ قبلَ إحْرامِه بالحَجِّ، فإن أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ قبلَ حِلِّه منها، كما فَعَل النبىُّ ﷺ ، فإنَّه يَصِيرُ قارِنًا، ولا يَلْزَمُه دَمُ المُتْعَةِ. قالَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: خَرَجْنا مع النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، فأهْلَلْنا بعُمْرَةٍ، فقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حائِضٌ، لم أطُفْ بالبَيْتِ، ولا بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذلك إلى النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، فقالَ: «انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَأهِلِّى بالْحَجِّ، وَدَعِى الْعُمْرَةَ». قالَتْ: ففَعَلْتُ، فلَمّا قَضَيْنا الحَجَّ أرْسَلَنِى رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - مع عبدِ الرحمنِ بنِ أبِى بَكْر إلى التَّنْعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ معه،

стр. 3805

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقالَ: «هذِهِ عُمْرَة مَكَانَ عُمْرَتِكِ». قال عُرْوَةُ: فقَضَى اللهُ حَجتَها وعُمْرَتَها، ولم يَكُنْ في شئٍ مِن ذلك هَدْيٌ ولا صَوْمٌ ولا صَدَقَةٌ. مُتُّفَقٌ عليه (١). ولكن عليه دَمٌ للقِرانِ؛ لأنَّه صار قارِنًا، وتَرَفَّهَ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْن. فأمّا قولُ عُرْوَةَ: لم يَكُنْ في ذلك هَدْيٌ. يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ لم يَكُنْ فيه هَدْيٌ للمُتْعَةِ، إذ قد ثَبَت أنَّ رسولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - ذَبَح عن نِسائِه بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ (٢). الخامِسُ، أنَّ لا يَكُونَ مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ. ولا خِلافَ بين أهْلِ العِلْمِ في أنَّ دَمَ المُتْعَةِ لا يَجِبُ على حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرام؛ لقولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.والمَعْنَى في ذلك أنَّ حاضِرَ المَسْجدِ الحَرامِ مِيقاته مَكَّةُ، ولا يَحْصُلُ له الترَّفُّهُ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، ولأنه أَحْرَمَ مِن مِيقاتِه، أشْبَهَ المُفْرِدَ.

стр. 3806

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وحاضِرُو (١) المَسْجِدِ الحَرامِ أهْلُ الحَرَمِ، ومَن بينَه وبين مَكَّةَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، وبه قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ. وقال مُجاهِدٌ: هم أهْلُ الحَرَم. ورُوِىَ ذلك عن طاوُسٍ. ورُوِىَ عن مَكْحُولٍ وأصْحابِ الرَّأْىِ: مَن دُون المَواقِيتِ؛ لأنَّه مَوْضِغ شرِعَ فيه النُّسُكُ، فاشبَهَ الحَرَمَ. ولَنا، أنَّ حاضِرَ الشَّئِ مَن دَنا منه، ومَن دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ قَرِيبٌ مِن حُكْمِ الحاضِرِ، بدَلِيلِ أْنَّه إذا قَصَدَه لا يَتَرَخَّصُ رُخَصَ المُسافِرِ؛ مِن القَصْرِ، والفِطْرِ، فيَكُونُ مِن حاضِرِيه. وتَحْدِيدُه بالمِيقاتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد يَكُونُ بَعِيدًا يَثْبُتُ له حُكْمُ السَّفَرِ البَعِيدِ إذا قَصَدَه، ولأنَّ ذلك يُفْضِى إلى جَعْلِ البَعِيدِ مِن حاضِرِيه، والقَرِيبِ مِن غيرِ حاضِرِيه؛ لتَفاوُتِ المَواقِيتِ في القُرْبِ والبُعْدِ. واعْتِبارُه بما ذَكَرْناه أوْلَى؛ لأنَّ الشّارِعَ حَدَّ الحاضِرَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ، بنَفْى أحْكامِ المُسافِرِين عنه، فكانَ الاعْتِبارُ به أوْلَى مِن الاعْتِبارِ بالنُّسُك؛ لوُجُودِ لَفْظِ الحُضُورِ في الآيَةِ.

стр. 3807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا كان للمُتَمَتِّعِ قَرْيَتانِ؛ قَريَبةٌ، وبَعِيدَةٌ، فهو مِن حاضِرى المَسْجِدِ الحَرامِ؛ لأنَّه إذا كان بعضُ أهْلِه قرِييًا لم يُوجَدْ فيه الشَّرْطُ، وهو أنَّ لا يَكُونَ أهْلُه مِن حاضِرِى المسْجِدِ الحَرام، ولأنَّ له أنَّ يُحْرِمَ مِن القَرِييَةِ، فلم يَكُنْ بالتَّمَتُّعِ مُتَرَفِّهًا بِتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن. وقال القاضى: له حُكْمُ القَرْيَةِ التى يُقِيمُ بها أكْثَرً، فإنِ اسْتَوَيا، فمِن التى مالُه بها أكْثَرُ، فإنِ اسْتَوَيا، فمِن التى يَنْوِى الإقامَةَ بها أكْثَرَ، فإنِ اسْتَوَيا، فله حُكْمُ القَرْيَةِ التى أحْرَمَ منها. وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ ما قُلْناه. فصل: فإنْ دَخَل الآفاقِىُّ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا ناوِيًا الإقامَةَ بها بعدَ تَمَتعِه، فعليه دَمُ المُتْعَةِ. قال ابنُ المُنْذِرٍ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ. ولو كان الرجلُ مَنْشَؤُه بمَكَّةَ، فخَرَجَ عنها مُنْتَقِلًا مُقِيمًا بغيرِها،

стр. 3808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم عاد إليها مُتَمَتِّعًا، ناوِيًا للإقامَةِ بها أو غيرَ ناوٍ، فَعَلَيْه دَمُ مُتْعَةٍ؛ لأنَّه خَرَج بالانْتِقالِ عنها عن أن يَكُونَ مِن أهْلِها. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ؛ وذلك لأنَّ حُضُورَ المسْجِدِ الحَرامِ إنَّما حَصَل بنيَّةِ الإِقامَةِ وفِعْلِها، وهذا إنَّما نَوَى الإِقامَةَ إذا فَرَغ مِن أفْعالِ الحَجِّ؛ لأنَّه إذا فَرَغ مِن عُمْرَتِه فهو ناوٍ للخُرُوجِ إلى الحَجِّ، فكَأنَّه إنَّما نَوَى أن يُقِيمَ بعدَ وُجُوبِ الدَّمِ عليه، فأمّا إن سافَرَ المَكِّىُّ غيرَ منْتَقِلٍ، ثم عاد فاعْتَمَرَ مِن المِيقاتِ، وحَجَّ مِن عامِه، فلا دَمَ عليه، لأنَّه لم يَخْرُجْ بذلك عن كَوْنِ أهْلِه مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ. فصل: وهذا الشَّرْطُ الخامِسُ شَرْطٌ لوُجُوبِ الدَّمِ عليه، وليس بشَرْطٍ لكَوْنِه مُتَمَتِّعًا، فإنَّ مُتْعَةَ المَكِّىِّ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ التَّمَتُّع أحَدُ الأنْساكِ الثَّلَاثةِ، فَصَحَّ مِن المَكِّىِّ، كالنُّسُكَيْن الآخَرَيْن. ولأنَّ حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ أن يَعْتَمِرَ في أشْهُرِ الحَجِّ ثم يَحُجَّ من عامِه. وهذا مَوْجُودٌ في المَكِّىِّ. وقد نُقِل عن أحمدَ: ليس علىِ أهْلِ مَكَّةَ مُتْعَةٌ. ومَعْناه ليس عليهم دَمُ مُتْعَةٍ؛ لأنَّ المُتْعَةَ له لا عليه، فتَعَيَّنَ حَمْلُه على ما ذَكَرْناه. فصل: إذا تَرَك الآفاقِىُّ الإِحْرامَ مِن المِيقاتِ، وأحْرَمَ مِن دُونِه بعُمْرَةٍ، ثم حَلَّ منها، وأحْرَمَ بالحَجِّ مِن مَكَّةَ مِن عامِه، فهو مُتَمَتِّعٌ، وعليه دَمان؛ دَمُ المُتْعَةِ، ودَمِّ لإِحْرامِه مِن دُونِ المِيقاتِ. قال ابنُ المُنْذِرِ،

стр. 3809

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وابنُ عبدِ البَرِّ (١): أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ مَن أحْرَمَ في أشْهُرِ الحَجِّ بعُمْرَةٍ، وحَلَّ منها، ولم يَكُنْ مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ (٢)، ثم أقامَ بمَكَّةَ حَلالًا، ثم حَجَّ مِن عامِه، أنَّه مُتَمَتِّعٌ عليه دَمٌ. وقال القاضى: إذا تَجاوَزَ المِيقاتَ، حتى صار بينَه وبينَ مَكَّةَ أقَلُّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ، فأحْرَمَ منه، فلا دَمَ عليه للمُتْعَةِ، لأنَّه مِن حاضِرِى المسْجِدِ الحَرامِ. وليس بِجَيِّدٍ، فإن حُضُورَ المَسْجِدِ الحَرام إنَّما يَحْصُلُ بالإِقامَةِ به، ونِيَّةِ ذلك، وهذا لم تَحْصُلْ منه الإِقامَةُ، ولا نِيَّتُها. ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وهذا يَقْتَضِى أن يَكُونَ المانِعُ مِن الدَّمِ السُّكْنَى به، وهذا ليس بساكِنٍ. وإن أحْرَمَ الآفاقِىُّ بعُمْرَةٍ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أقامَ بمَكَّةَ، واعْتَمَرَ مِن التَّنْعِيمِ في أشْهُرِ الحَجِّ، وحَجَّ مِن عامِه، فهو مُتَمَتِّعٌ. نَصَّ عليه أحمدُ (٣). وعليه دَمٌ. وفى تَنْصِيصِه على هذه الصُّورَةِ تَنْبِيهٌ على إيجابِ الدَّم في الصُّورَةِ الأُولَى بطَرِيقِ الأوْلَى.

стр. 3810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذَكَر القاضى شَرْطًا سادِسًا لوُجُوبِ الدَّم، وهو أن يَنْوِىَ في ابْتِداءِ العُمْرَةِ، أو (١) أثْنائِها أنَّه مُتَمَتِّعٌ. وظاهِر النَّصِّ يَدُلُّ على أنَّ هذا غير مُشتَرَطٍ، فإنَّه لم يَذْكرْه، وكذلك الإِجْماعُ الذى ذَكَرْناه مُخالِفٌ لهذا القولِ، لأنَّه قد حَصَل له التَّرَفُّةُ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، فلَزِمَه الدَّمُ، كَمَن نوى. فَصْلٌ في وَقْتِ وُجُوب الهَدْىِ وذَبْحِه: أمّا وَقْتُ وُجُوبِه، فعن أحمدَ، أنَّه يَجِبُ إذا أحْرَمَ بالحَجِّ. وهو قولُ أبِى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وهذا قد فَعَل ذلك، ولأنَّ ما جُعِلَ غايَةٌ فوُجُودُ أوَّلِهْ كافٍ، كقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢). وعنه، أنَّه يَجِبُ الدَّمُ إذا وَقَف بعَرَفَةَ. اخْتارَه القاضى. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ التَّمَتُّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ إنَّما يَحْصُلُ بعدَ وجُودِ الحَجِّ منه، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بالوُقُوفِ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (٣). ولأنَّه قبلَ ذلك

стр. 3811

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَعْرِضُ الفَواتُ، فلا يَحْصُلُ التَّمَتُّعُ، ولأنَّه لو أحْرَمَ بالحَجِّ، ثم أُحْصِرَ (١) أو فاتَه الحَجُّ، لم يَلْزَمْه دَمُ المُتْعَةِ، ولا كان مُتَمَتِّعًا، ولو وَجَب الدَّمُ لما سَقَط. وقال عَطاءٌ: يَجِبُ إذا رَمَى الجَمْرَةَ. ونحوُه قولُ أبِى الخَطّابِ، قال: يَجِبُ إذا طَلَع الفَجْرُ يومَ النَّحْرِ؛ لأنَّه وَقْتُ ذَبْحِه، فكانَ وَقْتَ وُجُوبِه. وأمّا وَقْتُ ذَبْحِه، فيَوْمُ النَّحْرِ. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ ما قبلَ يومِ النَّحْرِ لا يَجُوزُ ذَبْحُ الأُضْحِيَةِ فيه، فلا يَجُوزُ ذَبْحُ الهَدْىِ الذى للتَّمَتُّعِ (٢) كما قبلَ التَّحَلُّلِ مِن العُمْرَةِ. وقال [أبو طالِبٍ] (٣): سَمِعْتُ أحمدَ قال -في الرجلِ يَدْخُلُ مَكَّةَ في شَوّالٍ، ومعه هَدْىٌ- قال: يَنْحَرُ بمَكَّةَ، وإن قَدِم قبلَ العَشْرِ نَحَرَه، لا يَضِيعُ أو يَمُوتُ أو يُسْرَقُ. وكذا قال عَطاءٌ.

стр. 3812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن قَدِم في العَشْرِ لم يَنْحَرْه حتى يَنْحَرَه بمِنًى؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ وأصْحابَه قَدِمُوا في العَشْرِ فلم يَنْحَرُوا حتى نَحَرُوا بمِنًى. ومَن جاء قبلَ ذلك نَحَرَه عن عُمْرَتِه، وأقامَ على إحْرامِه، وكان قارِنًا. وقال الشافعىُّ: يَجُوزُ نَحْرُه بعدَ الإِحْرام بالحَجِّ. قولًا واحِدًا، وفيما قبلَ ذلك بعدَ حِلِّه مِن العُمْرَةِ احْتِمالان. وَوَجْهُ جَوازِه، أنَّه دَمٌ يَتَعَلَّقُ بالإِحْرامِ، ويَنُوبُ عنه الصِّيامُ، فجاز قبلَ يومِ النَّحْرِ، كدَمِ الطِّيبِ، ولأنَّه يَجُوزُ إذا بَدَّلَه قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فجازَ أداؤُه قبلَه، كسائِرِ الفِدْياتِ. فصل: ويَجِبُ الدَّمُ على القارِنِ في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا عن داودَ؛ لأنَّه قال: لا دَمَ عليه. ورُوِىَ عن طاوُسٍ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ أنَّ ابنَ داودَ لَمّا دَخَل مَكَّةَ سُئِلَ عن القارِنِ، هل يَجِبُ عليه دَمٌ؟ فقالَ: لا. فجَرُّوا برَحْلِه. وهذا يَدُلُّ على شُهْرَةِ الأمْرِ بَيْنَهُم. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وهذا مُتَمَتِّعٌ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ؛ بدَلِيلِ أنَّ عَلِيًّا لَمّا سَمِع عثمانَ يَنْهَى عن المُتْعَةِ أهَلَّ بالعُمْرَةِ والحَجِّ؛ ليَعْلمَ النّاس أنَّه ليس بمَنْهىٍّ عنه. وقال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهما: إنَّما القِرانُ لأهْلِ الآفاقِ، وتَلا قَوْلَه تعالى:

стр. 3813

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ قَرَنَ بَيْنَ حَجَّتِه وَعُمْرَتِهِ (١) فَلْيُهْرقْ دَمًا» (٢). ولأنَّه تَرَفَّهَ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْن، فأشْبَهَ المُتَمَتِّعَ. فإن عَدِم الدَّمَ، فعليه صيامٌ، كصِيامِ المُتَمَتِّعِ، سواءٌ. ومِن شَرْطِ وُجُوبِ الدَّمِ عليه أن لا يَكُونَ مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ، في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وقال ابنُ الماجِشُونَ: عليه دَمٌ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أسْقَطَ الدَّمَ عن المُتَمَتِّعِ،

стр. 3814

وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا، أَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَفْسَخَ إِذَا طَافَ وَسَعَى وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً؛ لِأَمْرِ رَسُولٍ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِذلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا، فَيَكُون عَلَى إِحْرَامِهِ. ــ وليس هذا مُتَمَتِّعًا. وِالصَّحِيحُ الأوَّلُ، فإنَّنا قد ذَكَرْنا أنَّه مُتَمَتِّعٌ، وإن لم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فهو فرْعٌ عليه، ووُجُوبُ الدَّمِ على القارِنِ إنَّما كان مَعْنى النَّصِّ على المُتَمَتِّعِ، ولا يَجُوزُ أن يُخالِفَ الفَرْعُ عليه. ١١٦٤ - مسألة: (ومَن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا، أحْبَبْنا له أن يَفْسَخَ إذا طاف وَسَعى ويَجْعَلَها عُمْرَةً؛ لأمْرِ رسولِ اللهِ ﷺ أصْحابَه بذلك، إلَّا أن يَكُونَ معه هَدْىٌ، فيَكُونَ على إحْرامِه) إذا كان مع المُفْرِدِ والقارِنِ هَدْىٌ، فليس له أن يَحِلَّ مِن إحْرامِه ويَجْعَلَه عُمْرَةً، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛

стр. 3815

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لَمّا قَدِم مَكَّةَ، قال للنّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أهْدَى فإنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَئٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُم (١) أهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ (٢) هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِهِ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). فأمّا مَن لا هَدْىَ معه، فيُسْتَحَبُّ له إذا طاف وسَعَى أن يَفْسَخَ نِيَّتَه بالحَجِّ، ويَنْوِىَ عُمْرِةً مُفْرَدَةً، فَيُقَصِّرَ ويَحِلَّ مِن إحْرامِه؛ ليَصِيرَ مُتَمَتِّعًا، إن لم يَكُنْ وقَف بعَرَفَةَ. وكان ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، يَرَى أنَّ مَن طافَ بالبَيْتِ وسَعَى فقد حَلَّ، وِإن لم يَنْوِ ذلك. وبهذا الذى ذَكَرْناه قال مُجاهِدٌ، والحسنُ، وداودُ. وذَهَب أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى (٤) أنَّه لا يَجُوزُ له ذلك؛ لأنَّ الحَجَّ أحَدُ النُّسُكَيْن، فلم يَجُزْ فَسْخُهُ،

стр. 3816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالعُمْرَةِ. وروَى ابنُ ماجه (١) عن بِلالِ بنِ الحارِثِ المُزَنِىِّ، عن أبِيهِ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، فَسْخُ الحَجِّ لَنا خاصَّةً، أو لِمن يَأْتِىِ؟ قال: «لَنَا خَاصَّةً». ورُوِىَ أيضًا عن المُرَقِّعِ الأَسَدِىِّ (٢)، عن أبِى ذرٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: كان ما أذِنَ لَنا رسولُ اللهِ ﷺ حينَ دَخَلْنا مَكَّةَ أن نَجْعَلَها عُمْرَةً، ونَحِلَّ مِن كلِّ شَئٍ، أنَّ تلك كانَتْ لَنا خاصَّةً، رُخْصَةً مِن رسولِ اللهِ ﷺ ، دُونَ جَمِيعِ النّاسِ (٣). ولَنا، أنَّه قد ثَبَت عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه أمَرَ أصْحابَه في حَجَّةِ الوَداعِ الذين أفْرَدُوا الحَجَّ وقَرَنُوا أن يَحِلُّوا كلُّهم، ويَجْعَلُوها عُمْرَةً، إلَّا مَن كان معه الهَدْىُ، في أحاديثَ كَثِيرَةٍ مُتَّفَقٍ عليها، بحيثُ يَقْرُبُ مِن المُتَواتِرِ، ولم يَخْتَلِفْ في صِحَّةِ ذلك وثُبُوتِه عن النبىِّ ﷺ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلِمْناه. وذَكَر أبو حَفْصٍ، في «شَرْحِه»

стр. 3817

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بإسْنادِه عن إبراهيمَ الحَرْبِىِّ (١)، وقد سُئِلَ عن فَسْخِ الحَجِّ (٢) إلى العُمْرَةِ، فقالَ: قال سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ لأحمدَ بنِ حَنبلٍ: يا أبا عبدِ اللهِ، كلُّ شئٍ منك حسنٌ جَمِيلٌ، إلَّا خَلَّةً واحِدَةً. فقالَ: وما هى؟ قال: تَقُولُ بفَسْخِ (٣) الحَجِّ. قال أحمدُ: قد كُنْتُ أرَى أنَّ لك عَقْلًا، عندِى ثمانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحاحًا جِيادًا، كلُّها في فَسْخِ الحَجِّ، أتْرُكُها لقَوْلِك! وقد روَى فَسْخَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وجابِرٌ، وعائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، وأحاديثُهم مُتَّفَقٌ عليها. ورَواه غيرُهم مِن وُجوهٍ صِحاحٍ. قال جابِرٌ: أهْلَلْنا - أصْحابَ رسول اللهِ ﷺ بالحَجِّ خالِصًا وَحْدَه وليس معه عُمْرَةٌ (٤)، فقَدِمَ النبىُّ ﷺ صُبْحَ رابِعَةٍ مَضَتْ مِن ذِى الحَجَّةِ، فلَمّا قَدِمْنا أمَرَنا النبى ﷺ أن نَحِلَّ، قال: «أحِلُّوا وَأصِيبُوا مِنَ النِّساءِ». قال: فبَلَغَه عَنّا أنَّا نَقُولُ: لم يَكُنْ بينَنا وبينَ عَرَفَةَ إلَّا خمْسُ لَيالٍ، أمَرَنا أن نَحِلَّ إلى نِسائِنا، فنَأْتِىَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذاكِيرُنا

стр. 3818

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالمَنِىِّ. قال: فقامَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فقالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّى أتْقَاكُمْ للهِ وَأصْدَقُكُمْ وَأُبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِى تَحَلَّلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ». قال: فحَلَلْنا، وسَمِعْنا وأطَعْنا. قال: فقالَ سُراقَةُ بنُ مالكِ بنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجىُّ: مُتْعَتُنا هذه يا رسولَ اللهِ لعامِنا هذا، أم للآبَدِ؟ فَظَنَّه محمدُ بنُ بَكْرٍ (١)، أنَّه قال: «لِلأبَدِ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). فأمّا حديثُهم، فقالَ أحمدُ: روَى هذا الحديث الحارِثُ بنُ بِلالٍ، فمَن الحارِثُ بنُ بلالٍ؟ يَعنِى أنَّه مَجْهُولٌ. ولم يَرْوِه إلَّا الدَّرَاوَرْدِىُّ (٣)، وحديثُ أبى ذَرٍّ رَواه مُرَقِّعٌ الأَسَدِىُّ (٤)،

стр. 3819

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فمَن مُرَقِّعٌ الأسَدِىُّ؟ شاعِرٌ مِن أهْلِ الكُوفَةِ لم يَلْقَ أبا ذَرٍّ. فقِيلَ له: أفليس قد روَى الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ التَّيْمِىِّ، عن أبيه، عن أبِى ذَرٍّ، قالَ: كانَت مُتْعَةُ الحَجِّ لَنا خاصَّةً - أصْحابَ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قال: أفيَقُولُ هذا أحَدٌ؟ المُتْعَةُ في كتابِ اللهِ، وقد أجْمَعَ النّاسُ على أنَّها جائِزَةٌ. قال الجُوزْجانِىُّ: مُرَقِّعٌ الأَسَدِىُّ ليس بالمَشْهُورِ، ومثلُ هذه الأحاديثِ في ضَعْفِها وجَهالةِ رُواتِها لا تُقْبَلُ إذا انْفَردَتْ، فكيفَ تُقْبَلُ في رَدِّ حُكْمٍ ثابِتٍ بالتَّواتُرِ، مع أنَّ قولَ أبى ذَرٍّ مِن رَأْيِه، وقد خالَفَه مَنٍ هو أعْلَمُ منه، وقد شَذَّ به عن الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فلا يَكُونُ حُجَّةٌ. وأمّا قِياسُهم فلا يُقْبَل في مُقابَلَةِ النَّصِّ الصَّحِيحِ، على أنَّ قِياسَ الحَجِّ على العُمْرَةِ في هذا لا يَصِحُّ، فإنَّه يَجُوز قَلْبُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ في حَقِّ مَن فاتَه الحَجُّ ومَن حُصِرَ عن عَرَفَةَ، والعُمْرَةُ لا تَصِيرُ حَجًّا بحالٍ، ولأنَّ فَسْخَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ يَصِيرُ به مُتَمَتِّعًا، فحَصَّلَ الفَضِيلَةَ، وفَسْخُ العُمْرَةِ إلى الحَجِّ يُفَوِّتُ الفَضِيلَةَ، ولا يَلْزَمُ مِن مَشْرُوعِيَّةِ ما يُحَصِّلُ الفَضِيلَةَ مَشْرُوعِيَّة ما يُفوِّتُها.

стр. 3820

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا فَسَخ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ صار مُتَمَتِّعًا، حُكْمُه حُكْمُ المُتَمَتِّعِين، في وُجُوبِ الدَّمِ وغيرِه. وقال القاضى: لا يَجبُ الدَّمُ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ وُجُوبِه أن يَنْوِىَ في ابْتِداءِ العُمْرَةِ أو في أثنائِها (١) أنَّه مُتَمَتِّعٌ. وهذه دَعْوَى لا دَلِيلَ عليها، تُخالِفُ عُمُومَ الكِتابِ وصَرِيحَ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ، فإنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). وفى حديثِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُم أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحَجِّ ولْيُهْدِ، ومَنْ لم يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُم ثَلَاَثَةَ أيّامٍ في الحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِهِ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولأنَّ وُجُوبَ دَمِ المُتْعَةِ
следующие страницы →