وقادتها الأماجد تسير عليه؛ إشاعة للعلوم الإِسلامية، باعتبارها الدولة الإسلامية التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وطبقت أحكامهما، وأقامت مؤسساتها التعليمية والثقافية على منهجهما.
فجزى الله خادم الحرمين الشريفين أحسن الجزاء، ووفق هذه الدولة المباركة وحكامها إلى الاستمرار في هذا المنهج السليم.
ولا يفوتنا ونحن نقدم لهذه الكتب أن نذكر بالثناء والتقدير ما قام به صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وعضو هيئة التدريس في كلية الشريعة وأصول الدين فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية في القصيم من جهد في هذا السبيل، حيث بدأت الفكرة منه -وفقه الله- وأرسل لنا نموذجًا لما ينبغي أن يخرج عليه الكتاب. وكتب إلى خادم الحرمين الشريفين بذلك، واطلع على نماذج من الكتاب في تجاربه الأولى، ووجه إلى ما ينبغي عمله فيه.
نسأل الله أن يجزيه خيرًا، ويوفقه إلى الاستمرار في خدمة العلم وطلابه، والتعاون مع العاملين في هذا الميدان.
ونسأل الله أن يمدنا بعونه ويقوى عزائمنا لنتم هذا العمل الجليل، ونختمه بفهارس فنية شاملة، تتيح لكل طالب أن يجد بغيته فيه ويصل إلى مقصوده، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
غرة شعبان ١٤١٤ هـ
١٣ ديسمبر ١٩٩٣ م
عبد الله عبد المحسن التركي
عبد الفتاح محمد الحلو
стр. 37
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رَبِّ يَسِّرْ وَأعِنْ
قَال الشيخُ الإمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ الأوْحَدُ، شَرَف الإسْلَام، قُدوَةُ الأنَامِ، مُفْتِي الْفِرَقِ، أوحَدُ الزَّمَانِ، مُوَفَّقُ الدِّينِ، أبو مُحَمَّدٍ، عَبْدُ اللهِ بْنُ أحمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ، ﵀: الْحمدُ لله الْمَحمُودِ عَلَى كُلِّ حَال، الدَّائِمِ الْبَاقي بِلَا زَوَال، الْمُوجِدِ خَلْقَهُ عَلَى غَيرِ مِثَال، الْعَالِم بِعَدَدِ الْقَطر وَأموَاجِ الْبَحرِ وَذَرَّاتِ الرِّمَال، لَا يَعزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأرضِ وَلَا فِي
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخُ الإمامُ العالم العاملُ، شيخُ الإسلام، قُدوةُ الأنام، بَقِيَّةُ السَّلفِ الكرام، شمسُ الدين أبو الفرج عبدُ الرحمن ابن الشيخ الإِمام العالم العامل الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن قُدامَةَ المَقْدِسِيُّ، قَدَّسَ اللهُ رُوحَه، ونوَّر ضَرِيحَهُ، آمين، إنَّه جواد كريم: الحمدُ لله العليِّ الأعظم،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدِّينِ﴾ (١). أحمَدُه على نِعَم جَلَّلها، وَقِسَمٍ أجزَلَها، وأشْهدُ أن لَا إِله إلَّا اللهُ وَحده لا شَرِيكَ له، شَهادَةً لا يَضِلُّ مَن شَهِدَ بها ولا يَشْقَى، وكلمةً أسْتَمسِكُ بها، ومَن يُؤمن بِالله فقدِ استمسكَ بِالعُروةِ الوُثقَى (٢). وَأشْهدُ أنَّ محمدًا عَبْدهُ ورسولُه أرسَلَه ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٣). صلَّى اللهُ عليه وعلى اله وسلَّم تَسْلِيمًا كثيرًا.
هذا كتابٌ جَمَعتُه في شرح «كتاب المُقْنِع»، تأليف شَيخنا الشيخِ الإِمام العالم العلَّامة، مُوَفَّقِ الدِّين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قُدامَةَ المَقْدِسيِّ، ﵁، اغتَمَنتُ في جَمعِهِ على كتابه «المُغْنِي»، وَذَكَرتُ فيه من غَيرِهٍ ما لم أجدهُ فيه من الفُروعِ والوُجوهِ والرِّواياتِ، ولم أتركْ من كتاب «المغني» إلا شيئًا يسيرًا من الأدلَّةِ، وَعَزَوْتُ من الأحاديثِ ما لم يَعزُ، مِمَّا أمكَنَنِي عَزْوهُ، واللهُ المسئولُ أن يَجْعَلنا مِمَّنْ رَسَخَتْ في العلم قَدَمُه، وجُبِلَ على اتباعِ الكتابِ والسُّنَّةِ لَحمُهُ ودَمُه، إِنَّه على كل شيءٍ قَدِير، وهو بالإجابَةِ جدِير، وهو حَسْبُنا ونِعمَ الوَكِيلُ.
стр. 40
كِتَابُ الطَّهارة
ــ
كِتَابُ الطَّهارة
الطَّهارةُ في اللغةِ: الوَضاءةُ والنَّزاهةُ عن الأقْذار. وهي في الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يَمنَعُ مِن الصلاةِ مِن حدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ أو غيرِه. فعندَ إِطْلاقِ [لفظ الطهارة في] (١) لفظِ الشارِعِ أو في كلام الفقهاء، إنَّما ينْصرِفُ إلى المَوْضوعِ (٢) الشَّرعِيِّ دونَ اللُّغَويِّ، وكذلك كلُّ ما لَه موضوعٌ شَرْعيٌّ ولُغَويٌّ كالوُضوءِ، والصلاةِ، والصَّوْمِ، والحَجِّ، والزَّكاةِ، ونحوه، إنما ينصرفُ المُطْلَق منه إلى الموضوع الشَّرعِيّ؛ لأن الظَّاهرَ مِن الشارِع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه، وكلامُ الفقهاء مَبْنِيٌّ عليه.
стр. 41
بَابُ الْمِيَاهِ
وَهِىَ ثَلَاثَة أَقْسَامٍ؛ مَاءٌ طَهورٌ،
ــ
باب المياه
(وهي ثلاثة أقسام؛ ماءٌ طَهُورٌ) وهو الطّاهِرُ في نفسِه، الذي يجوز رَفْعُ الأحْداثِ والنَّجاساتِ به، والطُّهور، بضَمِّ الطّاء، المصدرُ، قاله اليَزِيدِيُّ (١)، وبالفَتْح ما ذَكَرْناه، وهو من الأسماء المُتَعَدِّيَةِ، مثل
стр. 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الغَسُولِ. وقال بعضُ الحنفيَّة: هو لازِمٌ، بمعنى الطاهر؛ لأنَّ العَرَبَ لا تُفَرِّق بين الفاعل والفَعُول في اللُّزُوم والتَّعَدِّى، بدليلِ قاعِد وقَعُود. وهذا إن أُرِيدَ به أن الماءَ مُخْتَصٌّ بالطَّهوريَّة،؛ سيأتي في مَوْضِعِه، إن شاء اللهُ، وإلَّا فالنِّزاع في هذه المسألة لَفْظِيٌّ، والْأشْبَهُ قولُ أصحابِنا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي؛ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولو أراد به الطّاهِرَ لم يَكُنْ له مَزِيَّةٌ على غيره؛ لأنَّه طاهِر في حَقِّ غيرِه. ولمَّا سُئل النبيُّ ﷺ عن الوُضُوءِ بماءِ البحر، قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيتَتُهُ» (٢). ولو لم يكُنِ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا، بمعنى المُطَهِّر، لم يَكُنْ ذلك جوابًا للقَوْمِ، حيثُ سألوه عن
стр. 43
وَهُوَ الْباقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِه،
ــ
التَّعَدِّي، إذ ليس كلُّ طاهرٍ مُطَهِّرًا، والعربُ قد فرَّقتْ بين فاعلٍ وفَعُول، قالت فاعل لمن وُجِدَ منه مَرَّةً، وفَعُولٌ لمن تكرَّر منه، فَيَنْبَغِي أَن يُفَرَّقَ بينهما هاهنا، وليس إلا مِن حيثُ التَّعَدِّى واللُّزُوم.
١ - مسألة؛ قال: (وهو الباقي على أصْلِ خِلْقَته) وجملة ذلك، أن كلَّ صِفَةٍ خَلَق اللهُ عليها الماءَ؛ من حرارةٍ، أو برودةٍ، أو عُذوبةٍ، أو مُلوحةٍ، أو غيرها، سواءٌ نَزَل من السماءِ، أو نَبَع من الأرضِ، وبَقِي على أصلِ خِلْقَتِه، فهو طَهُورٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١). وقولِ النبيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِى بالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ». رَوَاه مسلمٌ (٢). وَرَوَى جابرٌ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه
стр. 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال في البَحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ». رَواه الإِمامُ أحمد (١).
وقولِ النَّبِيِّ ﷺ : «المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (٢). وهذا قولُ أهلِ العِلْم من الصحابة، ومَن بَعْدَهم، إلَّا أنَّه رُوىَ عن ابن عمرو، أنَّه قال في ماءِ البحر: لا يُجْزِئُ من الوضوءِ، ولا من الجنابةِ، والتَّيّمُّمُ أعجَبُ إليَّ منه. ورُويَ ذلك عن عبد الله بن عمر، والأوَّل أوْلَى؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٣). وهذا واجدٌ للماءِ، فلا يجوز له التَّيَمُّمُ، ولحديثِ جابرٍ الذي ذكرْناه في البحرِ، ورُوىَ عن عمرَ أنَّه قال: مَن لم يُطَهِّرْه ماءُ البحرِ، فلا طَهَّرَه الله (٤). ولأنَّه ماءٌ بَقِى على أصل خِلْقَتِه، أشْبَهَ العَذْبَ.
стр. 45
وَمَا تَغَيَّرَ بِمُكْثِهِ،
ــ
٢ - مسألة؛ قال: (وما تَغَيَّر بمُكْثِه) الماءُ المُتَغَيِّرُ بطُولِ المُكْثِ باقٍ على إطْلاقِه. قال ابنُ المُنْذِرِ (١): أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْم، على أنَّ الوُضوءَ بالماءِ المُتَغَيِّرِ الآجن (٢) مِن غير نجاسةٍ حَلَّتْ فيه جائزٌ، سِوَى ابنِ سِيرينَ (٣)، فإِنَّه كَرِه ذلك. ولَنا، أنَّه تَغَيَّرَ مِن غيرِ مُخالطةٍ، أَشْبَهَ التَّغَيُّر عن مُجاوَرةٍ، وقد رُوىَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه تَوَضَّأ مِن بِئْرٍ كأنَّ ماءَه نُقاعَةُ الحِنّاءِ (٤).
стр. 46
أَوْ بِطَاهِرٍ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ؛ كَالطُّحْلُبِ، وَوَرَقِ الشَّجَرِ، أَوْ لَا يُخَالِطُهُ، كَالْعُودِ، وَالْكَافُورِ، وَالدُّهْنِ،
ــ
٣ - مسألة؛ قال: (أو بطاهِرٍ لا يمكن صونُه عنه كالطُّحْلُب وورق الشَّجرِ) وجُمْلَتُه أنَّ الماءَ المُتَغيِّر بِالطُّحْلُبِ ووَرَقِ الشجر والخَزِّ وسائرِ ما ينْبُت في الماءِ، أو يَجْرِي عليه الماءُ، أو تَحْمِله الرِّيحُ أو السُّيُولُ من التِّبْنِ والعِيدانِ، أو ما يَمُرُّ عليه الماءُ من الكِبْرِيت والْقارِ ونحوه، أو كان في الأرضِ التيِ يَقِفُ فيها الماءُ، وكذلك ما يتغيَّرُ في آنيةِ الأَدَمِ والنُّحاس ونحوه، يُعْفى عن ذلك كلِّه، ولا يخْرُجُ به الماءُ عن إطْلاقِه؛ لأنَّه يشُقُّ التَّحَرُّزُ منه. فإن أُخِذَ شيءٌ من ذلك، وأُلْقِىَ في الماء، كان حكمُه حكمَ ما أمْكَن التَّحَرُّزُ منه، على ما يأتي، وكذلك ما تغيَّر بالسَّمَكِ ونحوه من دَوابِّ البحرِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، فأَشْبَهَ ما ذكرْناه.
٤ - مسألة؛ قال: (أو لا يخالِطُه، كالعُود والكافُورِ والدُّهْن) على اخْتلافِ أنْواعِه، وكالعَنْبَرِ إذا لم يُسْتَهْلَكْ في الماءِ، ولم يَتَحَلَّلْ فيه، لا يخْرُجُ به الماءُ عن إطْلاقِه؛ لأنَّه تغيَّر عن مُجاوَرَةٍ، أَشْبَهَ ما لو تَرَوَّحَ برِيحِ شيءٍ إلى جانِبه. وفي معناه ما تغيَّر بالقَطِرانِ والزِّفْتِ والشَّمْعِ؛ لأنَّ فيه دُهْنِيَّةً يَتَغَيَّر بها الماءُ.
стр. 47
أَوْ مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ، كَالْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ،
ــ
٥ - مسألة؛ قال: (أو ما أصْلُه الماءُ، كالمِلْح البَحْريِّ) لأنَّ أصلَه الماءُ، فهو كالثَّلْجِ والبَرَدِ، فإن كان مَعْدِنِيًّا فهو كالزَّعْفَرانِ. وكذلك الماءُ المُتَغَيِّر بالتُّرابِ؛ لأنَّه يُوافِق الماءَ في صِفَتَيه، أشْبَهَ المِلْحَ.
стр. 48
أَوْ مَا تَرَوَّحَ بِرِيحِ مَيتَةٍ إِلَى جَانِبِهِ، أَوْ سُخِّنَ بِالشَّمْسِ،
ــ
٦ - مسألة؛ قال: (أو ما تروَّح بِرِيحِ مَيتَةٍ إلى جانبه) لا نَعْلَم في ذلك خلافًا. (أو سُخِّن بالشمس) لأنَّه سُخِّنَ بطَاهِرٍ، فلم تُكْرَهِ الطهارةُ به، لو سُخِّنَ بالحَطَبِ. وقال الشافعيُّ. تُكْرَهُ الطَّهارةُ بماءٍ قُصِدَ تَشْمِيسُه؛ لما رُويَ عن عائشة، قالت: دخَل عليَّ رسولُ الله ﷺ , وقد سَخَّنْتُ له ماءً في الشمسِ، فقاك: «لا تَفْعَلِى يَا حُمَيراءُ؛ فَإنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» (١). ولَنا ما ذكرْنا من القياسِ، والحديث روَاه الدَّارَقُطْنِيُّ، وقال: يَرْويهِ خالدُ بنُ إسماعيل، وهو مَتْروكُ الحديثِ، وعمرو بن محمد الأعْسَمُ، وهو مُنْكَرُ الحديث. ولأنَّه لو كُرِهَ لأجْلِ الضَّرَرِ لَما اخْتلَف بقَصْدِ التَّشْمِيسِ وعَدَمِه.
стр. 49
أَوْ بِطَاهِرٍ، فَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ, وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ، غَيرُ مَكْرُوهِ الاسْتِعْمَالِ.
ــ
٧ - مسألة؛ قال: (أو بطاهرٍ) كالحَطَبِ ونحوه، فلا تُكْرَهُ الطَّهارةُ به، لا نعْلَم فيه خلافًا، إلا ما رُوىَ عن مُجاهِدٍ (١)، أنَّهُ كَرِهَ الوضوءَ بالماءِ المُسَخَّنِ. وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى؛ لما رُوىَ عن الأسْلَعِ بنِ شَرِيك رَحّالِ النبيِّ ﷺ ، قال: أجْنَبْتُ وأنا مع النبيِّ ﷺ ، فجمَعْتُ حَطبًا، فأحْمَيتُ الماءَ، فاغتسلتُ، فأخبرتُ النبيَّ ﷺ ، فلم ينْكِرْه عَلَيَّ. رواه الطَّبَرَانِيُّ بمَعْناه (٢). ولأنَّه صِفَةٌ خُلِقَ عليها الماءُ، أَشْبَهَ ما لو بَرَّدَه. (فَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ، مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الأحْداثَ، ويُزِيلُ الأنْجاسَ، غَيرُ مَكْرُوهِ الاسْتِعْمالِ) لِما ذَكرْنا.
стр. 50
وَإِنْ سُخِّنَ بِنَجَاسَةٍ فَهَلْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
٨ - مسألة؛ قال: (وإن سُخِّن بنجاسةٍ، فهل يُكرَه استعمالُه، على رِوايَتَين) الماءُ المُسَخَّنُ بالنَّجاسة يَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقسام؛ أحدُها، أن
стр. 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَتَحَقَّقَ وُصولُها إليه، فهذا نَجِسٌ إن كان يَسِيرًا؛ لما يأتي. الثاني، إن غَلَبَ على الظَّنِّ أنَّها لا تصلُ إليه، فهو طاهرٌ بالأصل، ولا يُكْرَهُ اسْتِعْمالُه في أحَدِ الوَجْهين. اخْتاره الشَّريفُ أبو جعفر، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ احْتمال وُصُولِ النَّجاسةِ إليه يَبْعُدُ، أشْبَهَ غيرَ المُسَخَّنِ. والثاني يُكْرَه؛ لاحْتمال وصولِ (١) النَّجاسةِ. اختارَه القاضي. الثالث ما عدا ذلك، ففيه روايتان؛ إحداهما يُكْرَهُ، وهو طاهرُ المذهبِ؛ لأجلِ النجاسة. والثانية، لا يُكْرَهُ، كالتي قبلها، وكالماءِ إذا شُكَّ في نجاستِه. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وذَكَر أبو الخَطّابِ في الماءِ المُسَخَّنِ بالنَّجاسةِ روايتَين على الإِطْلاق. واللهُ أعلمُ.
стр. 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصلٌ: ولا يُكْرَهُ الوُضوءُ والغُسْلُ بماءِ زَمْزَمَ؛ لما رَوَى عَلِيٌّ، ﵁، أنّ النبيَّ ﷺ وَقَف بعَرَفةَ وهو مُرْدِفٌ (١) أُسامَةَ بنِ زيدٍ. فَذَكَر الحديث. وفيه: ثم أفاض رسولُ اللهِ ﷺ ، فدعا بسَجْلٍ من ماءِ زمزمَ، فشَرِبَ منه، وتوضَّأ. رَواه عبدُ الله بن أحمد، في «المسند» (٢) عن غير أبيه. وعنه: يُكْرَهُ؛ لقولِ العبّاسِ: لا أُحِلُّها للمُغْتَسِلِ. ولأنَّه أزال به مانِعًا من الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو أزال (٣) به النَّجاسةَ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لما ذكرْنا، وكَوْنُهُ مُبارَكًا لا يَمْنَعُ الوضوءَ به، كالماءِ الذي وَضَع النبيُّ ﷺ يدَه فيه.
стр. 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا خالطَ الماءَ طاهرٌ لم يُغَيِّره، لم يَمْنَعِ الطهارَةَ. قال شيخُنا (١): لا نعْلَمُ فيه خلافًا. وحُكِىَ عن أمِّ هانِئٍ، والزُّهْرِيِّ (٢)، في كِسَرٍ بُلَّتْ في ماءٍ، غيَّرتْ لَوْنَه، أو لم تُغَيِّرْه، لا يجوزُ الوُضوءُ به (٣). والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه طاهرٌ لم يُغَيِّرْ صِفَةَ الماءِ، فلم يَمْنَعْ كبَقِيَّةِ الطّاهِراتِ، وقد اغْتَسَلَ النبيُّ ﷺ هو وزوجتُه من قَصْعَةٍ فيها أثَرُ العَجِين. رَواه النَّسائِىُّ (٤).
فصل: إذا وَقَع في الماءِ ماءٌ مُسْتَعْمَلٌ، عُفِىَ عن يَسِيرِه. رَواه إسحاقُ ابن منصور (٥)، عن أحمدَ. وهذا ظاهرُ حالِ النبيِّ ﷺ وأصْحابِه؛ لأنَّهم كانوا يتَوَضَّئُون من الأقْداحِ، ويغْتَسِلُون مِن الجِفانِ، وقد اغْتَسل هو وعائشةُ من إِناءٍ واحد، تخْتَلِفُ أيدِيهما فيه، كلُّ واحدٍ منهما يقولُ لصاحبِه: «أبْقِ لِي» (٦). ومثلُ هذا لا يَسلَمُ مِن رَشاشٍ يقَع في الماءِ،
стр. 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن كثُر الواقِعُ فيه وتَفاحَشَ، مَنَع، في إحْدَى الرِّوايتَين. وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن كان الأكْثَرُ المُسْتَعْملَ، مَنَع، وإلَّا فلا. وقال ابنُ عَقِيل: إن كان الواقِعُ بحيثُ لو كان خَلًّا غَيَّرَ الماءَ، مَنَع، وإلَّا فلا. وما ذكَرْنا من الخَبرِ وظاهرِ حالِ النبيِّ ﷺ يَمْنَع مِن اعْتبارِه بالْخَلِّ، لسُرْعةِ نُفُوذِه وسِرايَتِه، فيُوثِّرُ قليلُه في الماءِ، والحديثُ دَلَّ على العَفْو عن الْيَسِيرِ مُطْلَقًا، فَيَنْبَغِي أن يُرْجَعَ في ذلك إلى العُرْفِ، فما عُدَّ كثيرًا، مَنَع (١)، وإلَّا فلا. وإن شَكَّ في كَثْرَتِه، لم يَمْنَعْ، عَمَلًا بالأصْلِ.
فصل: فإن كان معه ماءٌ لا يَكْفِيه لطَهارته، فكَمَّلَه بمائِعٍ آخَرَ لم يغَيَره؛ جاز الوُضُوءُ به، فىَ إحْدَى الرِّوايَتَين؛ لأنَّه طاهرٌ لم يُغَيِّرِ الماءَ، فلم يَمْنَعْ؛ لو كان الماءُ قَدْرًا يَكْفِيه لطَهارته. والثانية: لا يجُوزُ؛ لأنَّا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ غَسْلِ بعضِ أعْضائِه بالمائِعِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ المائِعَ اسْتُهلِكَ في الماءِ، فسَقَطَ حُكْمُه، أشْبَهَ ما لو كان الماءُ يَكْفِيه لطَهارتِه، فزادَه مائِعًا آخَرَ، وتَوَضَّأ منه، وبَقِي قَدْرُ المائِعِ.
стр. 55
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي، مَاء طَاهرٌ غَيرُ مُطَهِّرٍ، وَهُوَ مَا خَالطَهُ طَاهِرٌ، فغَيَّرَ اسْمَهُ، أَوْ غَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ، أَوْ طُبِخَ فِيهِ، فَغَيَّرَهُ.
ــ
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (القِسْمُ الثَّانِي، ماءٌ طاهِرٌ غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو ما خالطَهُ طاهِرٌ فغَيَّرَ اسْمَه، أو غَلَب على أجْزائِه، أو طُبِخَ فيه فغَيَّرَه (١)). وجُمْلَتُه أَنَّ كلَّ ماءٍ خالطَه طاهِرٌ فغَيَّرَ اسْمَهْ حتَّى صار صِبْغًا، أو خَلًّا، أو غَلَبَ على أجْزائِه فصَيَّرَه حِبْرًا، أو طُبِخَ فيه فصار يُسَمَّى (١) مَرَقًا، وتَغَيَّر بذلك، فهذِه (٢) الأنْواعُ الثَّلاثةُ لا يَجُوزُ الغُسْلُ ولا الوُضُوءُ بها، لا نَعْلَمُ فيهِ خلافًا، إلَّا أنَّه حُكِىَ عن أصحابِ الشافعيِّ وَجْهٌ في ماءِ الباقِلَّا المَغْلِيّ، أنَّه يجُوزُ الوُضُوءُ به، وحُكِىَ عن ابنِ أبي لَيلَى (٣) والأصَمِّ (٤)، جوازُ (٥) الوضوءِ والغُسْلِ بالمِياهِ المُعْتَصَرَةِ. وسائِرُ أهلِ العِلْمِ على خلافِهم، لأنَّ الطهارةَ إنَّما تجُوزُ بالماءِ، لقولِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٦). وهذا لا يَقَعُ عليه اسمُ الماءِ.
стр. 56
فَإِنْ غَيَّرَ أحَدَ أَوْصَافِهِ؛ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ،
ــ
٩ - مسألة: (فإن غَيَّرَ أَحَدَ أوْصافه، لَوْنَه أو طَعْمَه أو رِيحَه) ففيه رِوايَتان إحْداهما: أنَّه غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ وإسحاقَ (١)، واخْتِيارُ القاضي، قال: وهي المَنْصُورَةُ عندَ أصحابِنا؛ لأنَّه ماءٌ تَغَيَّر بمُخالطَةِ ما ليس بطَهُورٍ يُمْكِنُ الاحْتِرازُ عنه، أشْبَهَ ماءَ الباقِلَّا المَغْلِيَّ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ أصحابَنا لا يُفرِّقُون بينَ المَذْرُورِ كالزَّعْفَرانِ والأُشْنانِ (٢)، وبينَ الحُبُوبِ مِن الباقِلّا والحِمَّصِ، والثَّمَرِ؛ كالتَّمْرِ (٣) والزَّبِيبِ، والوَرَقِ ونَحْوه. وقال الشَّافعيَّةُ: ما كان مَذْرُورًا مَنَعَ إذا غَيَّر، وما عَداه لا يَمْنَعُ، إلَّا أن يَنْحَلَّ في الماء، فإن غَيَّر ولم يَنْحَلَّ لم يَسْلُبِ الطَّهُورِيَّة، كما لو تَغَيَّر بالكافُورِ. ووافَقَهُم أصحابُنا في الخَشَبِ والعِيدانِ، [وخالفُوهم في سائِرِ ما] (٤) ذَكَرْنا، لأنَّ تَغَيُّرَ الماءِ به إنَّما كان لانْفِصالِ (٥) أجْزاءٍ منه، وانْحِلالِها فيه، فوَجَبَ أن يَمْنَعَ كالمَذْرُورِ، وكما لو أُغْلِيَ فيه.
стр. 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا في التِّغْيِيرِ بينَ اللَّوْنِ والطَّعْمِ والرَّائِحَةِ، بل سَوَّوْا بينَهم، قياسًا لبَعْضِها على بعضٍ، وشَرَط الخِرَقِيُّ (١) الكَثْرَةَ في الرّائحةِ دونَ اللَّوْنِ والطَّعْمِ؛ لسُرْعَةِ سِرايَتِها، ونُفُوذِها، ولكَوْنِها تَحْصُل تارَةً عن مُجاوَرَةٍ، وتارةً عن مُخالطَةٍ، فاعْتُبِرَتِ الكَثْرَةُ ليُعْلَمَ أنَّها عن مُخالطَةٍ. والرِّوايةُ الثانيةُ، أنَّه باقٍ على طَهُورِيَّتِه، نَقَلَه عن أحمدَ جماعةٌ مِن أصْحابه (٢)؛ أبو الحارِث (٣)، والمَيمُونِيُّ (٤)، وإسحاقُ بنُ منصورٍ، وهو
стр. 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). وهذا عامٌّ في كلِّ ماءٍ؛ لأنَّه نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْىِ، والنكرةُ في سِياقِ النَّفْي تَعُمُّ (٢)، فلا يَجوزُ التَّيَمُّمُ مع وُجودِه، وكذلك قولُ النبيِّ ﷺ : «التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ» (٣). [وهذا ماءٌ؛ لأنَّه لم يَسْلُبْه اسمَه] (٤)، ولا رِقَّتَه، ولا جَرَيانَه، أشْبَهَ المُتَغَيَّرَ بالدُّهْنِ، فإن تَغَيَّر وَصْفان من أوْصافِه أو ثلاثةٌ، وبَقِيَتْ رقَّتُه وجَرَيانُه، فذَكَر القاضي أيضًا فيه رِوايتَين؛ إحداهما، يَجُوزُ الوضوءُ به؛ لما ذكرْنا، [فأشْبَهَ المُتَغَيِّرَ بالمُجاوَرَةِ] (٥)، ولأنَّ الصَّحابةَ، ﵃، كانوا يُسافرون وغالِبُ أسْقِيَتَهم الأَدَمُ (٦)، وهي تُغَيِّرُ أوْصافَ الماءِ عادَةً، ولم يكونُوا يَتَيَمَّمُون معها. والثانيةُ، لا يجوزُ، لأنَّه غَلَب على الماءِ، أشْبَهَ ما لو زال (٧)
стр. 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسمُه أو طبِخ فيه، وقال ابنُ أبي مُوسى، في الَّذي تَغَيَّرَتْ إحدى صِفاتِه بطاهرٍ: يجوزُ التَّوَضُّؤُ به عند عَدَمِ الماءِ المُطْلَقِ في إحدى الرِّوايتَين، ولا يجوزُ مع وُجودِه.
стр. 60
أَو اسْتُعْمِلَ في رَفْعِ حَدَثٍ، أَوْ طَهَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ، كَالتَّجْدِيدِ، وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ
ــ
١٠ - مسألة، قال: (أو استُعمِلَ في رفْعِ حَدَثٍ، أو طَهارةٍ مَشرْوعةٍ، كالتَّجْديدِ، وغُسْلِ الجمعةِ) اخْتَلَفَ المذهبُ في المُنْفَصِلِ مِن المُتَوَضِّئ عن الحَدَثِ، والمُغْتَسِلِ مِنَ الجَنابَةِ، فرُوىَ أنَّه طاهرٌ غيرُ مُطَهِّرٍ، وهو المشهورُ مِن مذهبِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، وإحدى الرِّوايتَين
стр. 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن مالك، لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». رَواه أبو داود (١). ولَوْلا أنَّه يُفِيد مَنْعًا لم يَنهَ عنه، ولأنّه أزال به مانِعًا مِن الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو غَسَل به النَّجاسَةَ والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّه مُطَهِّرٌ، وهو قولُ الحسنِ (٢)، وعَطاءٍ (٣)،
стр. 62
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والنَّخَعِيِّ (١)، وأهلِ الظّاهِرِ، والرِّوايةُ الأُخْرى عن مالكٍ، والقولُ الثاني للشافعيِّ، وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ. ويُرْوَى عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ، في مَن نَسِيَ مَسْحَ رأْسِه، إذا وَجَد بَلَلًا في لِحْيَيه أجْزَأَه أن يَمْسَحَ رَأْسَه بذلك البَللِ، ولما (٢) رُوىَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الْمَاءُ لا يُجْنِبُ» (٣). وأنَّه ﷺ اغْتَسَل مِن الجَنابةِ، فرأى لُمْعَةً لم يُصِبْها الماءُ، فعَصَر شَعَرَه عليها. رَواهما الإِمامُ أحمدُ (٤)، ولأنَّه ماءٌ طاهِرٌ غَسَل به عُضوًا طاهِرًا، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّد به أو غَسَل به الثَّوْبَ، أو نقوَل: أدَّى به فَرْضًا، فجاز أن يُؤدِّيَ به غيرَه كالثَّوْبِ يُصَلِّي فيه مِرارًا. وقال أبو يوسفَ (٥): هو نَجِسٌ. وهو رِوايةٌ عن أبي حنيفةَ، وذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ قولًا لأحمدَ، لأنَّ
стр. 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبيَّ ﷺ نَهَى عنِ الغُسْلِ. في الماءِ الرّاكِدِ، كنَهْيِه عن البَوْلِ فيه، فاقْتَضَى أنَّ الغُسْلَ فيه كالبَوْلِ، وكما لو غُسِلَ به نجاسةٌ، ولأنَّه يُسَمَّى طهارةً، والطهارةُ لا تُعْقَلُ إلَّا عن نجاسةٍ، لأنَّ تَطْهِيرَ الطاهرِ مُحال، ووَجْهُ طهارتِه أنَّ النبيَّ ﷺ صَبَّ على جابرٍ مِن وَضُوئِه، إذ كان مريضًا. وكان إذا تَوَضَّأَ يكادُون يَقْتَتِلُون على وَضُوئِه. رواهُما البخاري (١). ولو كان نَجِسًا لم يَجُزْ فِعْلُ ذلك. ولأنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه ونِساءَه كانوا يَغْتَسِلُون مِن الجِفانِ، ويَتوضَّئُونَ مِن الأقْداحِ، ومِثْلُ هذا لا يَسْلَم مِن رَشاشٍ يَقَعُ في الماءِ مِن الْمُسْتَعْمَل، ولو كان نَجِسًا لتَنَجَّسَ به الماءُ، ولأنَّه ماءٌ طاهرٌ لاقَى عُضوًا طاهرًا، أشْبَهَ ما لو تُبُرِّد به، والدَّلِيلُ على طهارة أعضاءِ المُحْدِثِ
стр. 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّ المُؤمِنَ لَا يَنْجُسُ». مُتَّفَقٌ ﷺ (١). ولأنَّه لو مَسَّ شيئًا رَطْبًا لم يُنَجِّسْه، ولو حمَلَه مُصَلٍّ لم تَبْطُلْ صلاتُه. وقولُهم: إنَّه نَهَى عن الغُسْلِ فِيهِ كنَهْيِه عن البَوْلِ فيه. قلنا: يكْفِي اشْتِراكُهما في أصلِ المَنْعِ مِن التَّطْهِيرِ (٢) به، ولا يَلْزَمُ اشتراكُهما في التَّنْجِيسِ (٣)، وإنَّما سُمِّيَ الوُضوءُ والغُسْلُ طهارةً لكَوْنِه يُطَهِّرُ مِن الذُّنُوبِ والآثامِ، كما جاء في الأخْبارِ، لما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، وجميعُ الأحْداثِ سَواءٌ فيما ذكرْنا، الغُسلُ، والوُضوءٌ، والحيضُ، والنِّفاس. وكذلك المُنْفَصِلُ
стр. 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن غَسْلِ الميِّتِ إذا قُلْنا بطهارتِه، فأما المُنْفَصِلُ مِن غُسْلِ الذِّمِّيَّة مِن الحيضِ، فرُوىَ أنَّه مُطَهِّرٌ؛ لأنّه لم يُزِلْ مانِعًا مِن الصلاةَ، أشْبَهَ التَّبَرُّدَ (١)، ورُوىَ أنّه غيرُ مُطَهِّرٍ، لأنّه زال به المانِعُ مِن وَطْءِ الزَّوجِ، فأمَّا ما اغْتَسَلتْ به مِن الجنابةِ فهو مُطَهِّرٌ وَجْهًا واحدًا، لأنه لم يُؤثِّرْ شيئًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُمْنَعَ اسْتعمالُه كالمُسْلِمَةِ قبلَها (٢).
فصل: فأمّا المُسْتَعْمَلُ في طهارةٍ مَشْرُوعةٍ، كالتَّجْدِيدِ، وغُسْلِ الجُمعةِ، والإِحْرامِ، وسائرِ الاغْتِسالاتِ المُسْتحَبَّةِ، والغَسْلَةِ الثانيةِ والثالثةِ، في الوُضُوءِ (٣)، ففيه روايتان: أظْهَرُهما طَهُورِيَّته، لأنّه لمْ يَرْفَعْ حَدَثًا، ولم يُزِلْ نَجَسًا، أشْبَهَ التَّبَرُّدَ. والثانيةُ، تُسْلَبُ طَهوريَّتُه، لأنَّه اسْتُعْمِل في طهارةٍ مشروعةٍ، أشْبَهَ المُسْتَعْمَلَ في رَفْعِ الحَدَثِ، فإنْ لم تَكُن الطهارةُ مشروعة لم يُؤثِّرْ في إناءِ اسْتِعْمالُه فيها شيئًا، كالتَّبَرُّدَ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في المُستعمَلِ في التبردِ والتَّنْظِيفِ، لأنه باقٍ على إطْلاقِه.
стр. 66
أَوْ غَمَسَ يَدَهُ فِيهِ قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ اللَّيلِ قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا، فَهَلْ يُسْلَبُ طَهُورِيَّتَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
١١ - مسألة؛ قال: (أو غَمَس فيه يدَه قائمٌ مِن نومِ اللَّيلِ قبلَ غَسْلِها ثلاثًا، فهل يَسْلُبُه طَهُورِيَّتَه؟ على روايتَينِ) المرادُ باليدِ ها هنا اليَدُ إلى الكُوعِ، لما نَذْكُره في التَّيَمُّمِ، فمتى غَمَس القائمُ مِن نومِ اللَّيلِ يَدَه في الماءِ اليسيرِ قبلَ غَسْلِها ثلاثًا، ففيه روايتان: إحداهما، لا يُسْلَبُ الطَّهورِيَّةَ، وهو الصحيحُ، إن شاءَ الله تعالى، لأنَّ الماءَ قبلَ الغَمْسِ كمان طَهُورًا، فيَبْقَى على الأصْلِ، ونَهْيُ النبيِّ ﷺ عن غَمْسِ اليَدِ إنْ (١) كان لِوَهْمِ النَّجاسَةِ، فالوهمُ لا يُزِيلُ الطَّهوريَّةَ، كما لم يُزِلِ الطهارةَ، وإنْ كان تَعَبُّدًا اقْتَصَر على مَوْرِدِ النَّصِّ، وهو مَشْرُوعِيَّةُ الغُسْلِ. والروايةُ الثانيةُ، أنْ يُسْلَبَ الطَّهُوريَّةَ، لقَولِ النبيِّ ﷺ : «إِذَا اسْتَيقَظَ أَحَدُكُمْ مِن نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهَا الإِنَاءَ ثلَاثّا، فإنَّ أحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَينَ بَاتَتْ يَدُهُ». رَواه مسلمٌ، ورَواه البُخارِيّ، ولم يَذْكُر «ثلاثًا» (٢). فلولا أنَّه
стр. 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُفِيدُ منعًا لم يَنْهَ عنه ظاهرًا، وعلى [قِياسِه المُستعمَلُ في غَسْلِ الذَّكَرِ والأُنثيَينِ مِن المَذْي؛ لكَوْنِه في مَعْناه. ورُويَ عن أحمدَ روايةٌ ثالثةٌ، أنَّه] (١) قال: أحَبُّ إليَّ أن يُرِيقَه إذا غَمَس يَدَه فيه. وهو قولُ الحسنِ؛
стр. 68
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذلك لما روَى أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ (١) عن النبيِّ ﷺ : «فإنْ أَدْخَلَهُمَا قَبْلَ الغَسْلِ أَراقَ الماءَ» (٢). فيَحْتَمِلُ وجوبَ إراقَتِه، فلا يجوزُ استعمالُه، لأنَّه مَأمُورٌ بإراقَتِه، أشْبَهَ الخَمْرَ، ويَحتملُ أن لا تَجِبَ إراقَتُه، ويكونُ طاهرًا غيرَ مُطَهِّرٍ كالمُستعمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ. والأوَّل اخْتيارُ ابنِ عَقِيلٍ، [وهو قَوْلُ الحسنِ. والذي يَقْتضِيه القياسُ، أَنَّا إن قُلْنا: إنَّ غَسْلَهما واجبٌ، فهو كالمُستعمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ، وإن قُلنا باسْتحبابِه، فهو كالمُستعمَلِ في طهارةٍ مَسنُونَةٍ، وقد ذَكَرْناه] (٣). وهل يكون غَمْسُ بعضِ اليدِ كغَمْسِ الجميعِ؟ فيه وجهان؛ أحدُهما، لا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ يَدِ النائِمِ مُطْلَقَةً، أو مَشْدُودَةً في جِرابٍ، أو مَكْتُوفًا؛ لعُمُومِ الأخبارِ، ولأنَّ الحُكْمَ إِذَا عُلِّق على المَظِنَّةِ لم يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ الحِكْمةِ، كالعِدَّةِ الواجِبَةِ لاسْتِبْراءِ الرَّحِمِ في حَقِّ الصَّغِيرَةِ والآيِسَةِ، ورُبَّما تكونُ يَدُه نَجِسَةً قبلَ نَوْمِه، فَيَنْسَى نَجاسَتَها لطُولِ نَومِه، على أنَّ الظاهِرَ عندَ مَن أَوجَب الغَسْلَ أنَّه تَعَبُّدٌ، لا لعِلَّةِ التَّنْجِيسِ، ولهذا لم نَحْكُمْ بنَجاسةِ اليَدِ، فَيعُمُّ الوُجُوبُ كلَّ مَن تَناوَلَه الخَبَرُ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَجِبُ الغَسْلُ إذا كَان مَكْتُوفًا، أو كانت يدُه في جِرابٍ؛ لزَوالِ احْتِمالِ النَّجاسةِ الَّذي لأجْلِه شُرِعَ الغَسْلُ. والأولُ أَولَى؛ لما ذَكَرْنا. ولا يَجِبُ غَسْلُ اليَدِ عندَ القيامِ مِن نَوْم النَّهارِ، رِوايةً واحدةً. وَسَوَّى الحسنُ بينَ نَوْم الليلِ والنَّهارِ. ولَنا، أَنَّ في الخَبَرِ ما يَدُلُّ على تَخْصِيصِه بنومِ اللَّيلِ، وهو قَوْلُه: «فإنَّ أحدَكُمْ لا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ». والمَبِيتُ يكونُ في اللَّيلِ خاصَّةً، ولا يَصِحُّ قِياسُ نومِ النهارِ على نومِ اللَّيلِ؛ لوَجْهَين: أحدُهما، أنَّ الغَسْلَ وَجَب تَعَبُّدًا، فلا يُقاسُ عليه. الثاني، أنَّ نومَ الليلِ يَطُولُ، فيكُونُ احْتِمالُ إصابةِ يَدِه للنَّجاسةِ فيه أكثَرَ.
стр. 71
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: واخْتَلَفُوا في النَّوْم الَّذي يَتَعَلَّقُ به هذا الحُكْمُ، فَذَكَر القاضي أنَّه النومُ الَّذي يَنْقضُ الوُضوءَ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: هو ما زادَ على نِصْفِ اللَّيلِ، لأنه لا يكونُ بائِتًا إلَّا بذلك، بدَلِيلِ أنَّ مَن دَفَع مِن مُزْدَلِقَةَ قبلَ نصفِ الليلِ فعَلَيه دَمٌ، بخِلَافِ مَن دَفَع بعدَه. وما قاله يَبْطُل بمَن وافاها بعدَ نصفِ الليلِ، فإنَّه لا يَجِبُ عليه دَم، مع كَوْنِه أقَلَّ مِن نصْف الليلِ. وتَجِبُ النِّيَّةُ للغَسْلِ في أَحَدِ الوَجْهَين عندَ مَن أوْجَبَه لأنَّه طهارَةُ تعَبُّدٍ، أشْبَهَ الوُضوءَ والغُسْلَ. والثاني، لا يَفْتَقِرُ، لأنَّه عُلِّل بوَهْمِ النَّجاسةِ، ولا
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُعْتَبَرُ في حَقِيقَتِها النِّيَّةُ، فالوَهْمُ أَوْلَى. ولأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به وهو الغَسْلُ، وفِعْل المأمُورِ به يَقْتَضِي الإِجْزاءَ، ولا يَفْتَقِرُ الغَسْلُ إلى تَسْمِيَةٍ. وقال أبو الخَطّاب: يَفْتَقِرُ، قِياسًا على الوُضوءِ. وهو بَعِيدٌ، لأنَّ التَّسْمِيةَ إن وَجَبَتْ في الوُضوءِ وجبتْ تَعَبُّدًا، فلا يُقاسُ عليه، لأنَّ مِن شَرْط صِحَّةِ القِياسِ كَوْنَ المَعْنَى معقولًا، يُمْكِنُ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ. والله أعلمُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ اليُمْنَى على اليُسْرَى في غَسْلِ اليَدَينِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يُحِبُّ التَيّمَّنَ في طُهُورِه، وفي شأنِه كلِّه (١).
стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان القائمُ مِن نَوْمِ الليلِ صَبِيًّا أو مَجْنُونًا أو كافرًا، ففيه وَجْهان، أحدُهما، هو كالمُسْلِمِ البالِغِ العاقِلِ، لأنه لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يَدُه. والثاني، لا يُؤثِّرُ، لأنَّ الغَسْلَ وَجَب بالخِطابِ تَعَبُّدًا، ولا خِطابَ في حَقِّ هؤلاءِ، ولا تَعَبُّدَ.
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا وَجَدَ ماءً قَلِيلًا، وَيَداه نَجِسَتان وليس معه ما يَغْتَرِفُ به، فإن أمْكَنَه أنْ يَأْخُذَ بفِيه ويَصُبَّ على يَدَيه، أو يَغْمِسَ خِرْقَةً أو غيرَها ويَصُبَّ على يَدَيه، فَعَلَ. وإن لم يُمْكِنْه، تَيَمَّمَ؛ كَيلَا يَنْجُسَ الماءُ ويَتَنَجَّسَ به. فإن كان لم يَغْسِلْ يَدَيه مِن نومِ الليلِ، فمَن قال: إنَّ غَمْسَهما لا يُؤَثِّر. قال: يَتوضَّأُ. وَمَنْ جعلَه مُؤثِّرًا، قال: يَتَوضَّأُ ويَتيمَّمُ معه. ولو اسْتَيقَظ المَحْبُوسُ مِن نَوْمِه فلم يَدْرِ؛ أَهو مِن نومِ النهارِ أو الليلِ، لم يَلْزَمْه غَسْلُ يَدَيه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدئم الوجْوبِ.
стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن تَوَضَّأ القائِمُ مِن نومِ الليلِ مِن ماءٍ كَثِيرٍ، أو اغْتَسَل منه بغَمْسِ أعْضائِه فيه، ولم يَنْو غَسْلَ اليَدِ مِن نومِ الليل، فعندَ مَن أوْجَب النِّيَّةَ لا يَرْتَفِعُ حَدَثُه، ولا يُجْزِئُه مِن غَسْلِ اليدِ مِنَ النومِ، لأنَّه لم يَنْوه، لأنَّ غَسْلَها إمّا أنَّه وَجَب تَعَبُّدًا أو لوَهْمِ النَّجاسةِ، وبَقاءُ النَّجاسةِ على العُضْو لا تَمْنَعُه مِن ارْتِفاعِ الحَدَثِ، بِدَلِيلِ أنَّه لو غَسَل يَدَه أو أنْفَه في الوُضوءِ، وهو نَجسٌ، لارْتَفَع حَدَثُه. وكذلك بَقاءُ حدثٍ لا يَمْنَعُ مِن ارْتِفاعِ حدثٍ آَخَرَ، بِدَليلِ ما لو تَوضَّأ الجُنُبُ يَنْوى رَفْعَ الحدثِ الأصْغَرِ، أو اغْتَسَل يَنْوي الطهارةَ (١) الكُبْرَى وَحْدَها، فإنَّه يَرْتَفِعُ أحَدُ الحَدَثَينِ دُونَ الآخَرِ، وهذا لا يَخْرُجُ عن شَبَهِه بأحدِ الأَمْرَينِ. واللهُ أعلمُ.